النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨٠
الحديث الأول
(مَنْ زَارَ قبري وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي).
أخرجه الدارقطني في سننه (٢٧٨/٢)، والدولابي في الكتى والأسماء
(٦٤/٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٩٠/٣)، والخطيب في تلخيص
المتشابه في الرسم (٥٨١/١)، وابن الديشي في الذيل على التـاريخ
(١٧٠/٢)، وابن النجار في تاريخ المدينة (ص١٤٢)، والعقيلي في الضعفاء
(١٧٠/٤)، وابن عدي في الكامل (٢٣٥/٦)، والسُّبكي في شفاء السِّقام
(ص٢-١٤).
جميعُهم من طرقٍ عن موسى بن هلال العبدي، عن عبيد الله بن عمر
وعبد الله بن عمر كلاهما عن نافع، عن ابن عمر به مرفوعاً.
وهذا الإسناد حسن سواء قال موسى بن هلال: عن عبيدالله بن عمر
أو عن أخیه: عبدالله بن عمر أو: عنهما.
وقد صحَّحه عبدالحق الأشبيلي، وصحَّحه أو حسَّنه السُّيكي في
(شفاء السِّقام)، والسيوطي في (مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشِفا)،
وآخرون ممن تأخروا عنه.
وقد أُعل هذا الحديث بعلل لا يصحُّ منها شئٍ ولا بد من ذكرها ثم
الجواب عليها بدون تكلف إن شاء الله تعالى.
فأُعل الحديث بالآتي:
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٢٨١
١- موسى بن هلال مجهول، واضطرب في هذا الحديث.
٢ - أنَّ موسى بن هلال يرويه عن عبدالله بن عمر العُمري، ولا تصح
روايته عن عبيد الله بن عمر الثقة الحافظ.
٣- أنَّ عبدالله بن عمر العُمري ضعيف.
وهذه العلل لا تصح، وهي غيرُ ناهضةٍ للحكم على الحديث
بالضعف للآتي:
١- موسى بن هلال حسنُ الحديث.
وقد قال عنه ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وقال الذهبي: صالح
الحدیث.
وروى عنه عدد من الأئمة الحفاظ من أجلهم أحمد بن حنبل، هب
أن موسى بن هلال ضعيف فهو لم ينفرد به بل تابعه غيره عليه، فزال
بذلك أيّ تعلق للمتشددین في موسی بن هلال.
ودعوى الاضطراب لا تصح إلا مع تعذر الجمع بين الروايات، وقد
أمكن الجمع من جهتين، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
٢ - وقد ثبت الحديث من طرق متعددة عن موسى بن هلال عن
عبيدالله ابن عمر الثقة الحافظ فلا مجال في الطعن في ثبوت روايته للحديث
عن عبيدالله بن عمر.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٢٨٢
٣- إن سُلّم أنَّ مُوسى بن هلال لا يرويه إلا عن عبد الله بن عمر
العُمري.
فالعُمري حسن الحديث، كما قال غير واحد من الأئمة، وهذا ابنُ
عبدالهادي الذي أقام الدنيا ولم يقعدها وحشد الأقوال في تضعيف عبدالله
بن عمر العُمري قد استدل بحديثه في تنقيح التحقيق (١٢٢/١).
هذا ما أردت أن أُلفت نظر القارئ إليه على سبيل الإجمال، وهاك
تفصيل ما أجملت على طريقة اللَّفِّ والنَّشْر المرتِّب ، والله المستعان.
أما عن الأمر الأول: فموسى بن هلال العبدي حسن الحديث.
فقد قال عنه أبو حاتم الرازي في الجرح (١٦٦/٨): مجهول.
وقال العقيلي (١٧٠/٤): ولا يصح حديثه ولا يتابع عليه.
وقال الدارقطني في سؤالات البرقاني: مجهول.
هذا حاصل ما قيل في الرجل: الرمي بالجهالة ، والتفرد.
أما عن الجهالة(١) فهي مردودة معرفة غيره له، فقد روى عنه عدد
كبير من الرواة وفيهم أئمة حفاظ منهم الإِمام أحمد، وعَدَّهُ ابنُ الجوزي في
مناقب الإمام أحمد (ص٤٩) من شيوخه.
وروى عنه غير أحمد بن حنبل جماعة منهم: أحمد بن الخليل، ومحمد
(١) وقد تبع ابنُ القطان أبا حاتم الرازي فما أصاب.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٢٨٣
ابن إسماعيل الأحمسي، وأبو أمية محمد بن إبراهيم الطرسوسي، وعبيد بن
محمد الوراق، والفضل بن سهل، وجعفر بن محمد البزوري، ومحمد بن
زنجويه العسيري، وعلي ابن معبد بن نوح، والعباس بن الفضل، وهارون .
ابن سفيان، ومحمد بن جابر المحاربي، وأحمد بن أبي غرزة ، وأبو محمد
عبد الملك بن إبراهيم، ومحمد بن عبدالرزاق.
وإذا كانت جهالة الظاهر ترتفع برواية اثنين أو واحد كما هو مقرر
في موضعه، فما بالك بمن روی عنه خمسة عشر رجلاً.
وكان الرجلُ مشهوراً، فقد اعتمده يعقوب بن سفيان الفسوي في
معرفة وفياتٍ بعض البصريين (انظر المعرفة والتـاريخ:
١٢٨،١٢٧،١٢٢/١).
أما عن جهالة الحال فهي مردودة بأمرين:
الأمر الأول: بقول ابن عدي في الكامل (٢٣٥٠/٦): أرجو أنه لا
بأس به.
وإذا كان قد تقرر في المصطلح أن التزكية تقبل بقول واحد فقط في
الرواية، فمن روى عنه خمسة عشر رجلاً وفيهم أئمة حفاظ، وزكَّاه ابن
عدي بقوله لا بأس به، لا بد أنه غير مجهول بل حديثه حسن مقبول.
وهذا حال كثير من الرواة الذين يصحح الأئمةَ حديثهم.
الثانى: روى عنه أحمد (مناقب أحمد لابن الجوزي ص ٤٩) وهو
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٢٨٤
لا يروي إلا عن ثقة كما هو مقرر في محله . .
فإن قيل: قد قال ابن عبدالهادي رحمه الله تعالى في الصارم المنكي في
الجواب على ذلك (ص ٤٠-٤١) ما نصُّه:
الجواب: أن يقال: رواية أحمد عن الثقات هو الغالب من فعله،
والأكثر من عمله كما هو المعروف من طريقة شعبة، ومالك، وعبد الرحمن
ابن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان، وغيرهم، وقد يروي الإمام أحمد قليلاً
في بعض الأحيان عن جماعة نسبوا إلى الضعف وقلة الضبط وذلك على
وجه الاعتبار والاستشهاد لا على طريق الاجتهاد والاعتماد مثل روايته
عن: عامر بن صالح الزبيري: ومحمد بن القاسم الأسدي، وعمر بن
هارون البلخي، وعليّ بن عاصم الواسطي، وإبراهيم بن أبي الليث
صاحب الأشجعي، ویحیی بن یزید بن عبدالملك النوفلي، ونصر بن باب،
وتليد بن سليمان الكوفي، وحسين بن حسن الأشقر، وأبي سعيد
الصَّاغاني، ومحمد بن ميسر ونحوهم ممن اشتهر الكلام فيه، وهكذا روايته
عن موسى بن هلال إنْ صحت روايته عنه(١). اهـ.
(١) هذا ظلم بيِّنْ لموسى بن هلال إذ كيف يسوى ابن عبد الهادي الحافظ العارف بالحديث
بين موسى بن هلال وبين المذكورين؟!، وفيهم أقوياء في الضعف جداً كعامر بن صالح الزبيري
الذي كذّبه ابنُ معين، ومحمد بن القاسم الأسدي الكذاب، وعمر بن هارون البلخي المتروك،
وإبراهيم بن أبي الليث المتروك أيضاً.
وبضرب هذه الأمثلة يظهر للبيب سعي ابن عبدالهادي الحثيث لتضعيف موسى بن هلال
العبدي، ولو عن طريق التشدد المكشوف ..!
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٢٨٥
قلت: هنا أمور:
الأول: أحمد لا يروي إلا عن ثقة، ولكن أحياناً يروي عن الضعفاء
الأسباب:
منها: أنه لم يتبين حال الراوي الضعيف.
ومنها: أنه يروي عنه على سبيل التعجب كما كان يروي شعبة عن
جابر الجعفي، وعن محمد بن عبيدالله العرزمي.
ومنها: الرواية عنهم في غير الحلال والحرام كما في ترجمة موسى بن
عبيدة الرَبذي.
إذا عُلم ذلك وكان قد استقر لدينا أنَّ الإمام أحمد بن حنبل لا يروي
إلا عن ثقة، فهل رواية أحمد عن موسى بن هلال مقوية لحال موسى أم
ماذا؟
قلت: قال ابن أبي حاتم الرازي (الجرح: ٣٦/٢) سألت أبي عن
رواية الثقات عن رجل غير ثقة مما يقويه؟ قال إذا كان معروفاً بالضعف لم
نقوّه روایته عنه، وإذا كان مجهولاً نفعه روایته عنه. اهـ.
ثم قال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عن رواية الثقات عن رجل مما
يقوى حديثه؟ قال: أي لعمري، قلت: الكلي روى عنه الثوري، قال: إنما
ذلك إذا لم يتكلم فيه العلماء، كان الكلبي يتكلم فيه، قال أبو زرعة:
حدثنا أبو نعيم، نا سفيان، نا محمد بن السائب الكلي وتبسم الثوري، قال
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٢٨٦
أبو محمد: قلت لأبي ما معنى رواية الثوري عن الكلبي وهو غير ثقة
عنده، فقال: كان الثوري يذكر الرواية عن الكلي على الإنكار
والتعجب. اهـ.
ومنه يعلم أن رواية الثقة في نظر أبي زرعة الرازي مفيدة في حالتين:
الأولى: إذا كان المروي عنه مجهول الحال(١).
الثانية: إذا كان الراوي غير ضارب في الضعف متوغلاً فيه كمحمد
ابن السائب الكلبي، وجابر الجعفي، وعامر بن صالح الزبيري، وعمر بن
هارون البلخي وأضرابهم.
وعليه فرواية أحمد مقوية لموسى بن هلال العبدي فهو مجهول الحال
عند بعضهم، وقد روى أحمد عنه في کتبه وخارجها، فروى عنه في
"الزهد"، وأسند الفسوي من طريق أحمد عن موسى بن هلال.
وهذا الذي ذكرتُه على سبيل التَّنَزُّل فقط مع القائلين بجهالة موسى
ابن هلال العبدي وإلا فالرجل من شرط الحسن.
وقد قال الزركشي في "المعتبر في تاريخ أحاديث المنهاج والمختصر"
(ص٢٢٦): وقال أهل هذا الشأن: إِنَّ جهالة الراوي لا توجب قدحاً إذا
کان من روی عنه ثقة فإنَّ روایته عنه تکون تعدیلاً له. اهـ.
. والحاصل مما سبق أنَّ إطلاق جهالة الحال على موسى بن هلال من
(١) وهذا تجدُ أمثلةٌ كثيرة له في كتب الرجال.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٢٨٧
ابن عبدالهادي (الصارم ص٣٢) فيها نظر ظاهر، وانظر إلى المقال ولا
تنظر لمن قال، فإذا وافق المقالُ القواعدَ فهو الحق، وإن خالفه فهو مما لا
يلتفت إليه. والله المستعان.
أما قول العقيلي في الضعفاء (١٧٠/٤): لا يصح حديثه ولا يتابع
علیه.اهـ.
فالناظر والمدقق فيه يرى أنَّ آخره سبب لأوله.
فلأنَّ موسى بن هلال لا يتابع عليه (أي حديث الزيارة فلا يصحّ
حديثهُ، وذلك في نظر واطلاع العقيلي).
وفي الجواب على ذلك يقال:
إنَّ قوله: لا يتابع عليه (وهو الأساس المبني عليه) ليس من الجرح في
شيء ولم يذكره المصنفون في علوم الحديث ضمن مراتب الجرح إنما هو
علامة على التفرد فقط.
قال الحافظ ابنُ رجب في "شرح علل الترمذي" (ص٢٦٤):
وأما أكثرُ الحفاظ المتقدمين فإنّهم يقولون في الحديث إذا تفرد به
واحدٌ، وإن لم يروّ الثقات خلافه: إنه لا يتابع عليه، ويجعلون ذلك علةٌ
فیه. اهـ.
فالرجل عند العقيلي ليس في أعلى درجات التوثيق حتى يصحح له
ما انفرد به ولم يتابع عليه، وليس هو في الدرجة الدنيا من الجرح فيترك
حديثه، ولكنه وسط أو صالح الحديث.
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٢٨٨
:
أما وقد توبع الرجل كما سيأتي إن شاء الله تعالى، فحديثه مقبول
حتى عند العقيلي.
وقد تعقب الحافظ في "التلخيص" (٢٦٧/٢)، قول العقيلي فقال:
وفي قوله (أي العقيلي) لا يتابع عليه نظر، ثم ذكر المتابعة التي ستأتي إن
شاء الله تعالى.
وصفوةُ القول مما تقدم أنَّ الرجل غير مجهول، وليس فيه إلا قول
العقيلي لا يصح حديثه ولا يتابع عليه (إذا اعتبرت هذا من الجرح الذي
يزول بالمتابعة).
وفي مقابل ما تقدم عن العقيلي تجدُ قول ابن عدي في (الكامل)
(٢٣٥٠/٦): أرجو أنه لا بأس به، مع توثيق ضمني من أحمد بن حنبل
بروایته عنه.
فتحسين حديث موسى بن هلال هو ما أراه صواباً، والله أعلم.
وقد قال الحافظ الذهبي في الميزان (٢٢٦/٤) بعد حكاية أقوال أبي
حاتم، والعقيلي، وابن عدي في موسى بن هلال قال: هو صالح الحديث.
أما عن الأمر الثاني: فهو إثبات رواية موسى بن هلال للحديث
عن عبيد الله بن عمر الثقة الحافظ :
فقد اختلِفَ على موسى بن هلال العبدي في رواية الحديث.
فبعضهم قال: عن موسى بن هلال عن عبيدالله بن عمر المصغر،
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٢٨٩
وقال آخرون: عن عبدالله بن عمر المكبر.
فمن قال: عن عبيد الله بن عمر المصغر الحافظ الثقة جماعة
١٠- عُبيد بن محمد الورَّاق.
٢- وجَعْفُر بنُ محمد البَزوري.
٣- ومحمدُ بنُ إسماعيل بن سمرة الأَحْمُسي.
٤- والفضلُ بنُ سهل.
٥- ومحمد بن عبدالرزاق.
فرواية الأول وهو عبيد بن محمد الوراق أخرجها الدارقطني في سننه
(٢٧٨/٢)، ثنا القاضي المحاملي، نا عبيد بن محمد الوراق، نا موسى بن
هلال العبدي، عن عبيد الله بن عمر به.
قلت: القاضي المحاملي هو أبو عبدالله الحسين بن إسماعيل الضبي
المحاملي ثقة حافظ، والوراق ثقة مترجم في "تاريخ الخطيب" (٩٧/١١).
وقد اتفقت عدة نسخ مُعْتمدة من سنن الدارقطني على ذكر عبيدالله
ابن عمر المصغر منها نسخة ابن بشران المطبوعة، ومنها نسخة أبي طاهر
محمد بن أحمد ابن عبدالرحيم كما في شِفاء السِّقام (ص٣)، ورواية أبي
النعمان تراب بن عبيد كما في الشِّفاء أيضاً (ص٥)، وأخرجه الخلعي في
فوائده من طريق أبي النعمان (ل١/٥٥).
وهكذا اتفقت روايات الدارقطني على ذكر عبيدالله بن عمر المصغر،
وتابع القاضي المحاملي عن عبيد بن محمد الوراق محمدُ بنُ زنجويه
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٢٩٠
العسيري.
ورواية الثاني: وهو جعفر بن محمد البَزُوري أخرجها العقيلي في
الضعفاء (١٧٠/٤)، ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا جعفر بن محمد
البژُوري، ثنا موسی ابن هلال البصري عن عبيدالله به.
ورواية محمد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسي أخرجها البيهقي في
شعب الإيمان (٤٩٠/٣)، وأسندها تقي الدين السُّبكي في (شِفاء السِّقام)
(ص٧).
ورواية الفضل بن سهل أخرجها البيهقي في (شعب الإيمان)
(٤٩٠/٣).
ورواية محمد بن عبدالرزاق أخرجها القاضي عياض في الشفا
(٧٤/٢).
فهؤلاء خمسة من الرواة قالوا عن (عبيدالله بن عمر) الثقة الحافظ،
فلا مجال للطعن في هذه الرواية.
فصل
وأما من قال: عن عبدالله بن عمر العُمري المكبر:
١٠- فعليُّ بنَ معبد بن نوح.
٢- والفضل بن سهل.
٣- ومحمد بن إسماعيل الأحمسي.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٢٩١
٤- وعبيد بن محمد الوراق.
أما حديثُ علي بن معبد بن نوح، فأخرجه الدولابي في الکني
(٦٤/٢).
وحديث الفضل بن سهل أسنده التقي السُّبكي من طريق ابن أبي
الدنيا (شِفاء السِّقام ص٩).
ورواية محمد بن إسماعيل الأحمسي أخرجها البيهقي في شعب الإيمان
(٤٩٠/٣).
ورواية الوراق أخرجها الخطيب في تلخيص المتشابه في الرسم
(٥٨١/١).
فحاصلُ ما تقدم أنَّ الحديث رواه عن موسى بن هلال العبدي
ستةٌ: خمسة منهم قالوا عن عبيد الله المصغر، وثلاثة رووه بالوجهين،
وانفرد الخامس بقوله عن: عبدالله بن عمر فقط.
وسبب ذلك كثرة الرواة عنه.
وللمحدثین في ذلك مسلكان:
المسلك الأول : إما أن يقولوا بالترجيح، وبذلك ترجح رواية
عبيدالله بن عمر المصغر.
والمسلك الثاني: أن تقول: يحتمل أن يكون الحديث عن عبيد الله
المصغر وأخيه عبدالله المكبر، ويكون الراوي عنهم موسى بن هلال العبدي
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٢٩٢
قد رواه عنهما إلا أنه كان يكثر من الرواية به عن عبيد الله بن عمر
المصغر الحافظ الثقة.
والألباني مع تشدده اعترف بثبوت الروايتين (عبيدالله وعبد الله
ابني عمر)، فقال: أن الطرق بالروايتين عنه متقابلة. (الإرواء: ٣٣٧/٤).
لكنه بحث عن علة فلم يجد إلا الاضطراب، وما أضعفها من علةٍ(١)،
وسيأتي الجواب عليها إن شاء الله تعالى.
وحاصلُ ما تقدم أنَّ الحدیث ثابت ثبوت الجبال برواية موسی بن
هلال العبدي عن عبيد الله بن عمر الإمام الثقة الحافظ.
فصل
فإن قيل: قال ابن عبد الهادي في الصارم (ص٣٩-٤٠) ما نصُّه:
(وكأنَّ موسى بن هلال حدَّث به مرة عن عبيد الله فأخطأ لأنه ليس
من أهل الحديث ولا من المشهورين بنقل، وهو لم يدرك عبيد الله ولا
لحقه، فإنَّ بعض الرواة عنه لا يروي عن رجل عن عبيد الله وإنَّما يروي
عن رجل آخر عن عبيد الله، فإنَّ عبيد الله متقدمُ الوفاة كما ذكرنا ذلك
فيما تقدم بخلاف عبدالله فإنَّه عاش دهراً بعد أخيه عبيدالله، وكأنَّ موسى
(١) وعدد من الحفاظ لا يعتبرون الاضطراب علة قادحة کابن حزم، وله بيان قوي لا يهمل
راجع ((علم علل الحديث )) للسيد العلامة إبراهيم بن الصديق الغماري.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٢٩٣
ابن هلال لم يكن يميز بين عبيدالله وعبدالله ولا يعرف أنهما رجلان، فإنه
لم یکن من أهل العلم، ولا یعتمد عليه في ضبط باب من أبوابه). اهـ.
قلت وبا لله استعنت: هذا تهویل، وتشدد، و کلام يحتمل دعاوى
مغايرة للواقع، وتعصب ممقوت، ولولا اغترار بعض الناس به(١) ما
نبهت علیه.
قوله: (وكأنَّ موسى بن هلال حدَّث به مرة عن عبيد الله فأخطأ).
قلت: بل حدَّث به موسى بن هلال، عن عبيد الله بن عمر بأسانيد
صحيحة مرات، وبمخارج متعددة، فقد رواه هنا من هذا الوجه - كما
سبق - خمسة من الثقات، وتعددت مخارجهم.
وهذه دعوى باضطراب موسى بن هلال، ولما وجد ابن عبدالهادي
أنه لم يسبق إلى هذه الدعوى أراد أن يؤيدها بنفي رواية موسى بن هلال
عن عبيد الله واستدل على ذلك بأمرين:
الأول: وهو قوله: (وهو لم يدرك عبيد الله ولا لحقه ... إلخ).
قلت: بل أدر كه إدرا كاً بيِّنا، فقد روى موسى بن هلال عن متقدمي
الوفاة مثل كهمس بن الحسن البصري المتوفي سنة ١٤٣ على ما في المعرفة
والتاريخ للفسوي، وروايته عنه في الحلية (٢١٣/٦) أيضاً.
وروى عن هشام بن حسان كما في "الزهد" للإمام أحمد
(١) منهم الألباني الذي نقل هذا الكلام بعلله الظاهرة في إروائه (٣٣٧/٤-٣٣٨).
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٢٩٤
(ص٢٧٩)، "والحلية" (٢١٢/٦)، وتوفى هشام بن حسان سنة ١٤٧ أو
سنة ١٤٨.
إذا علم ذلك فروايته عن عبيدالله بن عمر صحيحة لأنه أدركه
إدراكاً بَيِّناً ثُمَّ إنّه رَحلَ إلى الحجاز كما في الحلية (٣١٣/٦)، ولم يكن
مُدلّساً.
وهذا مما يزيد ويؤكد رواية موسى بن هلال عن عبيد الله بن عمر.
الثاني: قوله: فَإِنَّ بعضَ الرواة عنه لا يروى عن رجل عن عبيد الله،
وإنما يروي عن رجل آخر عن عبيد الله. اهـ.
قلت: الأمر سهل ولا يحتاج لحشد الأدلة الواهية والإعراض عن رد
هذه الواهيات أولى لأولي النظر، لكن لما رأيت اغترار بعضهم يكلامه .
تعین بیان ما فيه.
وليعلم أنَّ هذا الكلام مخدوش بقوله "بعض"، فمعنى ذلك أنَّ البعض
الآخر يروي عن عبيدالله العُمري بواسطة واحدة، هذا إجمال.
أمّا التفصيل:
فمن الرواة عن موسى بن هلال " أحمد بن حنبل"، وقد روى عن
يحيى بن سعيد وعبدالرزاق وحماد بن أسامة، وأبي معاوية في رجال
آخرین عن عبيدالله بن عمر.
ومنهم أبو أمية الطرسوسي، وعليّ بن معبد بن نوح البغدادي
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٢٩٥
كلاهما عن روح بن عبادة، عن عبيد الله بن عمر.
ومنهم محمد بن إسماعيل الأحمسي، ومحمد بن جابر المحاربي كلاهما
عن و کیع، عن عبيدالله بن عمر.
والأخیر عن ابن عيينة، عن عبيدالله بن عمر.
والحاصل: أنه يجب أن يحكم على الحديث بالاتصال من طريق
موسى بن هلال، عن عبيد الله، حيث لم يعلم انتفاء اللقاء بينهما بل ترجح
ثبوته، فعند ذلك يكون الحكم للاتصال كما هو مقرر. والله أعلم.
ثم قال ابن عبدالهادي: وكأنَّ موسى بن هلال لم يكن يميز بين
عبدالله، وعبد الله ولا يعرف أنّهما رجلان، ثم استدل على ذلك بقوله:
فإنَّه لم يكن من أهل العلم ولا يعتمد عليه في ضبط باب من أبوابه. اهـ.
قلت: هذا تابع لدعوى الاضطراب التي ادعاها ابن عبدالهادي،
وردها سيأتي إن شاء الله تعالى.
ثم إنَّ موسى بن هلال قد روى عنه خمسة عشر رجلاً، فيهم أئمة
حفاظ في أعلى درجات التوثيق(١)، كيف يكون في نهاية التردي
والسقوط والاختلاط والجهل الذي ادعاه الرجل ؟ ثُمَّ كيف يكون الرجل
بالصورة التي ادعاها ابنُ عبدالهادي ويعتمده تحافظ جليل كيعقوب ابن
(١) ومنهم إمام ابن عبد الهادي وشيخ مذهبه الإمام المبجل أحمد بن حنبل الشيباني رحمه الله
تعالى.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٢٩٦
سفيان الفسوي في معرفة وفيات البصريين ؟. انظر "المعرفة والتاريخ"
(١٢٢/١، ١٢٧، ١٢٨).
والأمر سهل للغاية، فالحديث قصير المتن، مشهور الإسناد.
ثم إن تعجب فعجب من دعوى الاضطراب التي ادعيت، وهي
كلمة تقال استرواحاً، والأمر فيه تفصيل، فإن المقرر عند علماء الحديث
أن الاضطراب إنّما يكون حيث تختلف الروايات بالتنافي مع تعذر الجمع،
فالمراتب ثلاث في هذا الباب: جمع، فترجيح، فاضطراب ... والترتيب
واجب عند أولي الألباب.
قال الحافظ العراقي في ألفيته (٢٢١/١ فتح المغيث):
مُخْتَلِفاً مِنْ واحدٍ فأزِيَدَاً
مُضْطَرِبُ الحَديثِ مَا قَدْ وَرَدَا
فيه تساوي الخَلْفِ أمَّا إِنْ رَجَحْ
في متّنٍ أوْ فِي سَنَدٍ إِنْ اتَضَحْ
والحكمُ للراجحِ مِنْهَا وَجْبًا
بعضُ الوجوهِ لم يكنْ مضطربًا
وإذا كانت الروايات قد صحت إلى موسى بن هلال برواية الحديث
على الوجهين، فالجمع هنا واجب بأن نقول: قد روى موسى الوجهين
وكان يحدث تارة بوجه، وتارة أخرى بالوجه الآخر كما تقدم، والله
أعلم.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٢٩٧
فصل :.
قال ابن عبدالهادي رحمه الله تعالى في الصارم (ص٣٤) ما نصّه:
ولو فرض أنَّ الحديث من رواية عبيد الله لم يلزم أنْ يكون صحيحاً
فَإِنَّ تفرد موسى بن هلال به عنه دون سائر أصحابه المشهورين ملازمته
وحفظٍ حديثه وضبطه من أدلِّ الأشياء على أنه منكر غير محفوظ،
وأصحاب عبيدالله بن عمر المعروفون بالروايةٍ عنه مثل يحيى بن سعيد
القطان ...
ثم ذكر جملة من أصحاب عبيد الله إلى أنْ قالَ:
فإذا كان الحديث لم يروه عن عبيدالله أحد من هؤلاء الأثبات، ولا
رواه ثقةً غيرهم علمنا إنه منكر غير مقبول وجزمنا بخطأ من حسَّنه أو
صحّحه. اهـ
قلت: إذا تفرد الرجلَ بحديثٍ لا يُعد ذلك منكراً إلا بشرطين:
الأول: أن یکون المنفرد به ضعيفاً لا یصحح حديثه أو محسن.
الثاني : أن لا يوجّد ما يقوي حديثه من متابعات وشواهد ...
قال الحافظ في "النكت" (٦٧٥/٢):
إذا انفرد المستور أو الموصوف بسوء الحفظ أو المضعَّف في بعض
مشايخه دون بعض بشيء لا متابع له ولا شاهد فهذا أحد قسمي
المنکر.اهـ.
وموسى بن هلال العبدي ليس بمستور أوسيء الحفظ أو مضعف،
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٢٩٨
کیف یکون كذلك، وقد روى عنه أئمة حفاظ ثقات كالإِمام أحمد.
وقال عنه ابن عدي: لا بأس به.
وقال عنه الذهبي: صالح الحديث.
فإذا اعتبرنا تَفَرُّد مَنْ كان على هذا الحال من قبيل المنكر لأعرضنا
عن شطر عظيم من السُّنَّة، والله المستعان.
وإن سلّمنا لابن عبد الهادي بتضعيف موسى بن هلال العبدي، فلا.
يعتبر ما تفرد به منكراً لوجود الشواهد المتكاثرة لهذا الحديث، بل والمتابع
كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وقد أشفقت على علوم الحديث التي تغافل عنها ابن عبد الهادي
رحمه الله لغرض ينصره ومذهب باطل يؤيده.
فصل
وإذا سلمنا بتضعيف موسى بن هلال العبدي.
فمثله لا يختلف اثنان(١) أنَّ حديثهَ يحسن إذا توبع وجاء من طريق
آخر.
فقد أخرج الطبراني في المعجم الكبير (٢٩١/١٢)، من حديث
عبدالله بن محمد العبادي البصري، ثنا مسلم بن سالم الجهني، حدثني
عبيدالله بن عمر، عن نافع عن سالم عن ابن عمر قال: قال رسول الله
(١) بشرط أن لا يكون أحدهما ابن عبدالهادي.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾
:

٢٩٩
(من جاءني زائراً لا يعمل له حاجة إلا زيارتي كان حقاً علي أن أكون
له شفيعاً يوم القيامة).
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٢/٤): رواه الطبراني في الأوسط
والكبير، وفيه مسلمة بن سالم، وهو ضعيف. اهـ.
هكذا أخرجه الطبراني، والخلعي، وابن صاعد فقالوا: عن نافع عن
سالم.
وقال ابن المقري في معجمه: عن نافع وسالم.
وكلهم من طريق عبد الله بن محمد العبادي عن مسلمة عن عبيدالله
العُمري.
وعبدالله بن محمد العبادي البصري ترجمه السمعاني في الأنساب.
وتابعه من هو أحسن حالاً منه أعني "مسلم بن حاتم الأنصاري".
فقد وثقه الترمذي، والطبراني، وابن حبان (التهذيب: ١٢٥/١٠).
ورواه عن مسلمة بن سالم الجهني عبدُالله يعني العُمري، حدثني نافع
عن سالم عن ابن عمر قال: قال رسول الله #: (من جاءني زائراً لم تنزعه
حاجةٌ إلا زيارتى، كان حقاً على أن أكون له شفيعاً يوم القيامة).
قلت: وما رواه مسلم بن حُاتم الأنصاري هو الأصحُ لأن مسلماً
أوثق من عبدالله بن محمد العبادي.
والحاصل: أن السند صحَّ إلى مسلمة بن سالم الجهني، فانحصر الكلام
فيه.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾