النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨٠
والحديث الذي تسرع وأتى به لا يساعده في دعواه بل يفيد إتقان الرجل
وأنه لم ينفرد به بل وافقه غيره، فتأمل.
والحاصل أن فضيل بن مرزوق إن لم يكن حديثه في أعلى درجات
الصحة فإنه لايقل عن درجة الحسن.
وكون الرجل حسن الحديث هو معنى قول ابن رجب الحنبلي في
جامع العلوم والحكم (٢١٠/١): هو ثقة وسط. اهـ.
وهو ما صرح به الذهبي في (سير أعلام النبلاء) (٣٤٢/٧) فقال: ما
ذكره في الضعفاء البخاري ولا العقيلي ولا الدولابي وحديثه (أي فضيل
بن مرزوق) في عداد الحسن. اهـ.
وأدخله الذهبي في کتابه (من تكلم فيه وهو موثق) (ص١٥١) وهو
يعني أن حديثه لا يقل عن رتبة الحسن، بل أطلق الذهبي القول بتوثيقه في
الكاشف (٣٣٢/٢) وليس هذا ببعيد عن رجل يوثقه الأئمة ويحتج به
مسلم في صحيحه.
تتمة مهمة:
ضعف الألباني هذا الحديث بأمور منها تصريحه، بضعف فضيل بن
مرزوق، وقد دافع عن ذلك وتشدَّد فيه في ضعيفته (٣٢٣/١)، ثم تناقض
کعادته، وحسَّن حديثه في صحيحته (١٢٨/٣) فتأمل.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

١٨١
فصل
أما عن العلة الثانية وهي الكلام في عطية بن سعد العوفي:
فمن تكلم في عطية فعلى قسمين:
الأول: قسم أبهم الجرح، ولم يفسره.
الثاني: قسم آخر ذكر سبب جرحه، وهؤلاء كلامهم في عطية
العوفي يرجع إلى ثلاثة أسباب، هي:
١- تدليسه.
٢- و تشيعه.
٣- وروايته شيئاً أنكر عليه.
أما الجرح المبهم فينبغي رده وعدم الالتفات إليه ولو بلغ مبلغاً كبيراً،
لأنه تقرر في قواعد علوم الحديث أنَّ الراوي الذي جاء فيه جرح وتعديل
وهذا الجرح مبهم غير مفسر ينبغي رده وعدم العمل به وترك الالتفات
إليه وبالتالي الأخذ بالتعديل الذي جاء في الرواي هو الصحيح، وقد استقر
العمل عند المحدثين على هذا.
وأما من جرحه بسبب تدلیسه، وهم الأكثرون، فاعتمادهم في ذلك
على رواية تفرَّد بها تالف، متهم بالكذب، هو محمد بن السائب الكلي لا
ينبغي الاعتماد عليه، وقد تواردَ كثرةٌ على ذلك تقليداً لا تنقيداً.
ومن تكلموا فيه بسبب تشيعه فجرحهم في الحقيقة مردود لأن الجرح
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية.

١٨٢
بالبدعة لا يُلتفت إليه بعد بيان صدق الراوي وعدالته خاصة إذا لم يكن
داعياً لبدعته أو المروي يؤيد بدعته، ولم يثبت أَنَّ عطية العوفي كان داعياً
للتشيع، والحديث المروي هنا الذي نحن بصدده لا علاقة له بالتشيع،
وعليه فكلام من تكلم في عطية العوفي بسبب تشيعه لا ينظر إليه، خاصة
إذا كان هذا المتكلّم فيه متهم بالنَّصْب وهو ضد التشيع.
وأما الكلام فيه بسبب روايته شيئاً أنكر عليه فلم أجد له فيما وقفت
عليه من كتب الرجال شيئاً من ذلك إلا حديثاً واحداً فقط ذكره ابن
عدي، والقول فيه قول عطية، والصواب هو حديثه كما سيأتي إن شاء.
الله تعالى، حتى وإن غلط عطية العوفي في الحديث الذي ذكره له ابن
عدي فهذا لا يفيد تضعيفه وإسقاط حديثه، فليس معنى كون الراوي
مقبول الحديث أن تكون مروياته كلها صواباً هذا بعيد جداً عن الواقع،
لأن الإنسان عامد للنسيان وتغلب عليه الطبيعة البشرية، ولذا لا تجد إماماً
مهما علا قدره وقوي حفظه لا يَهِمُ في حديثه، ولكن إذا كان صوابه
أكثر من خطئه كان مقبولاً وإلاَّ فَلاَ.
والحاصل أن ثبوت بعض الأخطاء في حديث غطية العوفي لا يضره
في جنب ما روى، خاصة أنه كان مكثراً والله تعالى أعلم بالصواب.
وهذا الكلام المجمل ينبغي بيانه في الفصول التالية:
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

١٨٣
فصل
جرح الأكثرون عطية العوفي بسبب روايتهم تدليسه تدليس الشيوخ.
قال ابن حبان في المجروحين (١٧٦/٢):
سمع من أبي سعيد الخدري أحاديث فلما مات أبو سعيد جعل يجالس
الكلبي ويحضر قصصه، فإذا قال الكلي: قال رسول الله كذا فيحفظه
و کناه أبا سعيد ويروي عنه، فإذا قيل له من حدثك بهذا ؟ فيقول: حدثني
أبو سعيد فيتوهمون أنه يريد أبا سعيد الخدري وإنما أراد الكلي. اهـ .
وقد اعتمد من اتهم عطية العوفي بتدليس الشيوخ على الآتي:
قال عبد الله بن أحمد، سمعت أبي ذَكَر عطية العوفي فقال: هو
ضعيف الحديث، بلغني أن عطية كان يأتي الكلبي فيأخذ عنه التفسير
وكان يكنيه بأبي سعيد فيقول: قال أبو سعيد: قال أبي: وكان هشيم
یضعف حدیث عطية.
وقال عبدالله بن أحمد: حدثنا أبي، ثنا أبو أحمد الزبيري، سمعت
الثوري قال: سمعت الكلبي قال: كناني عطية بأبي سعيد.
وسمعت أبي يقول: كان سفيان الثوري يضعف حديث عطية العوفي.
اهـ.
كذا في العلل ومعرفة الرجال (١٢٢/١)، والجرح والتعديل
(٣٨٣/٦)، وضعفاء العقيلي (٣٥٩/٣)، والكامل لابن عدي
(٢٠٠٧/٥).
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

١٨٤
وفي المجروحين لابن حبان (١٧٧/٢): سمعت مكحولاً يقول: سمعت
جعفر ابن أبان يقول: ابن نصير يقول قال لي أبو خالد الأحمر قال لي
الكلبي: قال عطية كنيتك بأبي سعيد قال: فأنا أقول حدثنا أبو سعيد.
اهـ
فأنت أيها القارئ المنصف إذا نظرت بعين الناقد المتجرد تجد أن ..
أحمد قد ضعف عطية العوفي ثم ذكر مستنده في تضعيفه وهي حكاية
الكلبي وهي سبب كلام هشيم في عظية.
وحكى أحمد تضعيف الثوري لعطية بعد أن أسند البلاغ من طريق
الثوري، فحكاية الكلبي هي أصل مستند الثوري أيضاً في تضعيفه عطية
العوفي.
وقد أدخله ابن حبان في المجروحين (١٧٦/٢) اعتماداً على كلام
الكلي ولم يذكر شيئاً آخر يتكئ عليه إلا هذه الحكاية، ولم تفته المبالغة في
الجرح كعادته رحمه الله تعالى.
وهذا الذي اعتمدوا عليه فيه نظر ولا يصح سندُه، لأنَّ مداره على
محمد بن السائب الكلي وحاله معروف فهو تالف متهم بالكذب، فالسند
الذي يكون فيه ذلك الرجل لا ينظر إليه ولا يعتمد عليه في شيء ، ومع
ذلك فقد سارت الركبان بمقولته التالفة وتوارد البعض على حكايتها،
والكمال لله تعالى والمعصوم هو رسوله ﴾.
وإن تعجبت من اعتماد البعض على هذه الرواية الساقطة في رمي
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

١٨٥
عطية العوفي بتدليس الشيوخ فاعجب أكثر لتوارد الكثير على هذا الجرح
المردود، فصار هؤلاء خلف المعتمدين على هذه الرواية الساقطة تقليداً لا
غير.
ومع كون قولهم جاء عارياً عن الدليل فإنهم لم يذكروا ما يؤيد
دعواهم ويقيم صلب مستندهم ولو وجدوا شيئاً لذكروه خاصة المتأخرين
منهم، ولمّا لم نجد ذلك عُلِمَ أن من تأخر قَلَّدَ المتقدم وحصل التوارد على
الخطأ، وهذا له نظائر كثيرة في كتب الرجال، فالحمد لله على توفيقه.
ولم أجد من تنبه لهذا الخطأ من أهل الحديث إلا اثنين.
أولهما: الحافظ البارع أبو الفرج عبدالرحمن بن رجب الحنبلي حيث
قال في شرح علل الترمذي (ص ٤٧١) بعد نقله أصل الحكاية عن العلل
للإمام أحمد ما نصُّه:
ولكنَّ الكلي لا يعتمد على ما يرويه. اهـ .
ثانيهما: الحافظ السيد أحمد بن الصدِّيق الغماري، فقال في الهداية في
تخريج أحاديث البداية (١٧٢/٦) في أثناء كلام له عن عطية العوفي:
وإنَّما نقلوا عنه التدليس في حكاية ما أراها تصح مع الكلي. اهـ.
وقد تقعقع الألباني كعادته فشنع في توسُّله (ص٩٤-٩٨) على عطية
العوفي بسبب هذه الرواية التالفة وشنع على من حسَّن الحديث، وهو
كلام لا يلتفت إليه، ولا يشتغل برده لما علمت من حال هذه الرواية التي
هي عمدة ورأس مال من اتهمه بالتدليس، والله المستعان .
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

١٨٦
فصل.
قال صاحب الکشف والتبیین (ص ٥٠) تعقيباً على كلام ابن رجب
الحنبلي:
أما أن الكلبي لا يعتمد على ما يرويه فهذا صحيح لكن ... ليس له
شأن هنا إذ أن العلماء الذين ذكروه بهذا النوع من التدليس القبيح لم
يعتمدوا فقط على قول الكلبي عن عطية وتكنيته له وإنما اعتمدوا ذلك
بناء علی سیرهم مرویاته وتنقیدهم لرواياته. اهـ.
قلت: هذا كلام متناقض فإنه يُسلّم بعدم الاعتماد على الكلبي، ثم
ينفي أنَّ له شأناً هنا ثم يثبت عكس ذلك فيصرح بأنَّ العلماء الذين
ذكروا عطية بالتدليس لم يعتمدوا على قول الكلبي فقط ولكن على
سبرهم مروياته أيضاً فهذا يعني أنهم يعتمدون على قول الكلي وغيره فهو
يتفي أمراً ثم يثبته ويتناقض كعادة شيخه، هذه واحدة.
والثانية: من ذكر تدليس الشيوخ عن عطية العوني، وتكنيته للكلي
بأبي سعيد اعتمد فقط على رواية الكلي فهذه كتب الرجال بين أيدينا لم
تذكر إلا الرواية التي فيها الكلي المتهم بالكذب فقط، ولم تَشِرْ لأي شيء
آخر من مرويات عطية العوفي، فكيف يقول هذا عن الكلبي: ليس له شأن
هنا ؟!
الثالثة: إنَّ هذه دعوى لا دليل عليها ولا مستند لها، وكل ما كان
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

١٨٧
حاله كذلك فهو مردود لا ينظر إليه لأن الله جَلَّ وعَزَّ يقول: ﴿قُلْ هَاتُواْ
بُرْهَانَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
فمَنْ لم يَأْتِ ببرهان على دعواه فكلامه فيه نظر.
الرابعة: قوله: وإنما اعتمدوا ذلك بناء على سبرهم مروياته وتنقيدهم
لروایاته. اهـ.
قلت: لمّا لم يصرح أحد مقولته دل ذلك على أنه اعتمد على ظن
مرجوح، والظن لا يغني من الحق شيئاً، ومن الأدلة على كونه ظناً أنه لو
كان معه شيء يؤيد دعواه لأبرزه ليؤيد قوله وينصر رأيه، فلمَّا لم يفعل
دل أنَّ هذا من باب أكذب الحديث، والله أعلم.
ولك أَنْ تقول: إنَّ كلامهم في تدليس عطية العوفي لو كان معتمداً.
على سبر مروياته، لأبرزوا ذلك، وبينوه، وتداولوه في كتب الرجال
والتاريخ، وكأنك لا تجد مثالاً واحداً يسعف صاحب الدعوى، فلما لم
تصح الدعوى رجع ذلك إلى رواية الكلي فقط ..
*
الخامسة: تدليس الشيوخ لا يعرف إلا بنص ، فكون عطية العوفي
كَتَّى الكلبي بأبي سعيد حتى لايتميز عن أبي سعيد الخدري هذا أمر
يحتاج إلى توقيف ولا عبرة إلا به، فسبر المرویات لا يفيد شيئاً في ذلك ما
لم يكن معه نصّ في حكاية التكنية.
السادسة: هذه إحالة على مجهول، ومحاولة إثبات التدليس القبيح
٢٠
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

١٨٨
دفعاً بالصدر لا غير، ولو صحت هذه الطريقة فرحمة الله عز وجل على
الحجة والبرهان والدليل، فمثله كمثل رجل اعتمد على حديث مكذوب
في إثبات أمر ما، فلما حاجّه غیرُه وبین له کذب ما اعتمد عليه وافق هذا
الرجلُ من حَاجَّهُ، ولکنه یرید أن يثبت الأمر الذي في ذهنه فقال لمن
حاجَّه: أُسَلِّم لك بكذب ما اعتمدتُ عليه لكن هناك أدلة أخرى
وسكت، ولو عَلِمَهَا لأبرزها ..!!
وبهذه الطريقة يمكن إثبات كلَّ باطلٍ ومنكرٍ والاعتماد على
الموضوعات، والله المستعان.
السابعة: قد تقرر أنه لا ینسب لساکت قول وقد سكتوا عما سوى
رواية الكلي، فمن نسب للحفاظ غیر حکایة الكليي یکون قد نسب
للساكتِ قولاً، وقوَّل الناس ما لم يقولوه، والله المستعان.
تنبيه:
قال الألباني في توسّله (ص٩٥) بعد ذكر حكاية تكنية عطية للكلي
وهي تالفة كما تقدم: ((وهذا وحده عندي يسقط عدالة عطية هذا)) اهـ.
قلت: هذا خطأ لأمرين:
الأول: قال الحافظ السيوطي في تدريب الراوي (٢٣١/١):
من أقسام التدليس .. إعطاء شخص اسم آخر مشهور تشبيهاً،
ذكره ابن السُّبكي في جمع الجوامع قال: كقولنا أخبرنا أبو عبدالله الحافظ
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾
:

١٨٩
يعني الذهبي تشبيهاً بالبيهقي حيث يقول ذلك يعني به الحاكم ... وليس
ذلك بجرح قطعاً لأن ذلك من المعاريض لا من الكذب، قاله الآمدي في
الإِحکام، وابن دقيق العيد في الاقتراح. اهـ ..
الثاني: ما ذُكر من تكنية عطية العوني للكلبي، فعل نحوه جماعة من
الأعيان العدول.
قال ابن حبان في المجروحين (٢٥٣/٢): محمد بن السائب الكلبي،
كنيته أبو النضر، من أهل الكوفة، وهو الذي يروي عنه الثوري، ومحمد
ابن إسحاق ويقولان: حدثنا أبو النضر حتى لا يعرف. اهـ.
قلت: ومن شيوخهما سالم بن أبي أمية المكنى بأبي النضر، وهو
تابعي ثقة احتجَّ به الجماعة كما في التهذيب (٤٣١/٣).
وكان هشيم بن بشير الواسطي الحافظ الثقة - وهو من المتكلمين في
عطية العوفي - يفعل ذلك.
قال يحيى بن معين: لم يَلْقَ أبا إسحاق السبيعي، وإنما كان يروي عن
أبي إسحاق الكوفي، وهو عبدالله بن ميسرة وكنيته أبو عبد الجليل فكناه
هشيم كنية أخرى. اهـ. من التهذيب (٦٣/١١).
قلت: عبد الله بن ميسرة ضعيف.
وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: كان مروان يغير الأسماء يعمِّي
الناس كان يحدثنا عن الحكم بن أبي خالد، وإنما هو حكم بن ظهير. اهـ.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

١٩٠
قلت: ومروان هو ابن معاوية الفزاري الثقة الحافظ وفي التقريب
(٦٥٧٥): ثقة حافظ، وكان يدلس أسماء الشيوخ، والحكم الذي يدلسه
متروك متهم، وابن معين مع ذلك يقول عن مروان: ثقة.
فهؤلاء أربعة، من كبار أعيان الحفاظ، يدلسون تدليس الشيوخ عن
الضعفاء، وأنت أيها المنصِف تقول بعَدَالَتِهم، ولا تستطيع أن تنفك عن
هذا القول.
فإذا تكلمت بعد ذلك في عطية العوفي وقلتَ: بسقوط عدالته فقد
تخبطت وبعدت عن الإنصاف.
فصل
أما من تكلموا فيه لتشيعه كالجوزجاني فإنه قال في (أحوال الرجال
ص٥٦): مائل. اهـ.
والجوزجاني كان معروفاً بالنصب مشهوراً به - وكتابه ماثل بين
أيدينا - حتى قال عنه الحافظ في مقدمة اللسان (١٦/١):
الحاذق إذا تأمل ثلب أبي إسحاق الجوزجاني لأهل الكوفة رأى
العجب، وذلك لشدة انحرافه في النصب، وشهرة أهلها بالتشيع. اهـ .
على أنَّ قول الجوزجاني هذا مع سخافته، وسقوطه، هو في حقيقته
توثيق لعطية العوفي، لأنه لما لم يجد شيئاً في حديث العوفي، وكان الرجل
کوفیاً شيعياً، لم يجد ما يذكره به إلا تشيعه فقال: (مائل)، ولو وجد
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

١٩١
الجوزجاني شيئاً لسارغ بإظهاره لشدة عدواته لأهل الكوفة.(١)
والنّواصِب مَجْرُوحُون بقوله :﴿ لعليٍّ عليه السلام: (لا يحبك إلا
مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق). فَفَض يديك من جرح النواصب تسلم،
وهم أولى بالجرح قطعاً.
تنبيه:
نقل العقيلي في الضعفاء (٣٥٩/٣) عن سالم المرادي أنه قال: كان
عطية العوفي رجلاً متشيعاً.
وأورد الذهبي في الميزان (٧٩/٣) قول المرادي.
وهي كلمة لا تفيد جرحاً البتة.
فالمرادي هو ابن عبدالواحد الكوفي، ليس هو من الحفاظ، ولا من
النقاد الذين يقف المرء عند قولهم في الجرح والتعديل، وهو أيضاً شيعي
كعطية العوفي، بل عطية العوني من مشايخه فهو بعيد جداً عن نقد عطية
العوفي.
وقد أوردت هذا التنبيه تعقيباً على الشيخ حماد الأنصاري حيث عدَّ
سالمً المرادي من النقاد المضعفين لعطية العوفي في رسالته "تحفة القاري في
الرد على الغماري" (ص٦٤).
(١) فى ترجمة مِصْدَع المُعَرقب فى تهذيب التهذيب (١٥٧/١٠) قال الحافظ: إنما قيل له المعرقب لأن الحجاج
أو بشر بن مروان عرض عليه سب علي فأبى فقطع عرقوبه . اهـ وهو من رجال مسلم، والأربعة ، ووثقه
العجلي، ومع ذلك قال عنه الجوزجاني فى أحوال الرجال (٢٤٩): "كان زائغاً حائداً عن الطريق." فقل لي
بربك من الأولى بالجرح هنا ؟
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

١٩٢
٠
و کلامہ خطأ من وجهین:
الأول: أنَّ (سالماً المرادئَّ) ليس من النقاد، بل هو يحكي أمراً في عطية
فقط.
الثاني: أَنَّ كلامه ليس من الجرح في شيء، فکیف یعده الشيخ حماد
الأنصاري من المجرحين لعطية العوفي، وكأن الشيخ حماداً الأنصاري يريد
أن يحشد المجرحين لعطية بدون تأمل.
وكذا قول الساجي في عطية العوفي كما في التهذيب (٢٢٦/٧).
ليس بحجة وكان يقدم علياً على الكل. اهـ.
فإنَ الساجيَّ كان بصرياً، والبصريون كثُر فيهم النّصْب، قال الحافظ
في اللسان (٤٣٩/٤): النصبُ معروف في كثير من أهل البصرة. اهـ .
وهم يُفرطون فيمن يتشيع لأنهم عثمانيون، وخاصة فيما كان بين
أظهرهم كذا في التهذيب (٤١٣/٧).
والساجي رحمه الله تعالى كان شديداً متصلباً، فجرحُه الكوفيين
ينبغي التدقيق فيه، فإنه قد يجرح الرجل بسبب مذهبه كما حدث لعطية
العوفي هنا فإنه قال عنه: ليس بحجة، ثم أبان عن سبب قوله فقال: وكان
يقدم علياً على الكل(١).
(١) وهذا مذهب عددٍ من الصحابة، ذكرهم ابن عبدالبر في الاستيعاب أثناء ترجمته لعلي عليه
السلام، وفاته جماعة منهم (أبو جحيفة) انظر ترجمته في أسد الغابة.، وإن شئت التحقيق فعليك
"بالبرهان الجلي في تحقيق انتساب الصوفية إلى عليّ أو علي إمام العارفين" لحافظ العصر
السيد أحمد بن الصدِّيق الغماري، رحمه الله تعالى، وفيه تحقيقات ونكات وفوائد نادرة، وهو =
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

١٩٣
وإذا كان الرجل شيعياً يقدم علياً على الكل، فلا بد أن يجرح عند
المخالف لقوله ولا یکون حجة عنده.
على أنَّ الجرح بالتشيع وغيره مردود لا يلتفت إليه، فالعبرة بصدق
الراوي لا بمذهبه، فكم من الرواة الشيعة والنواصب والخوارج وغيرهم قد
أخرج حديثهم في الصحيحين وقد استقر الأمر على ذلك(١).
ومما زاد في جرحهم لعطية أنه كان محباً لعلي بن أبي طالب عليه
السلام(٢) بحيث عرض النواصب عليه سبَّه فَأَبى، وكان هذا ينبغي أن
يحسب له، ولكن للنواصب شدةً وصولةٌ.
قال ابن سعد في الطبقات (٤٠٣/٦):
خرج عطية مع ابن الأشعث، فكتب الحجاج إلى محمد بن القاسم أن
يعرضه على سبِّ عليّ فإن لم يفعل فاضربه أربعمائة سوط واحلق لحيته،
فاستدعاه فَأَبی ان یسبَّ، فأمضى حكم الحجاج فيه. اهـ .
= مطبوع مصر.
(١) انظر للكلام على قبول رواية المبتدع كتاب "فتح الملك العلي بصحة حديث باب مدينة
العلم علي" للحافظ السيد أحمد بن الصديق الغُماري رحمه الله تعالى، ففيه فوائد ومناقشات
قد لا توجد في غيره.
(٢) السلام على آل البيت دأب كثير من المتقدمين خاصة احدثين وقد قال الله تعالى: (سلام
على إِلْ ياسين) وآل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أولى بالسلام عليهم، وقد
ذكرت في جزء (بشارة المؤمن بتصحيح حديث اتقوا فراسة المؤمن) بعض النقول في ذلك،
وهي غيض من فيض، فلا تلتفت لتشغيب النواصب ومن تأثر بهم.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

١٩٤
فانظر إلى جَلَدِ الرجل وحبه لعليّ كرَّم الله وجهه، وقد صحَّ أن
رسول الله ؟ قال لعلي رضي الله تعالى عنه: (لا يحبك إلا مؤمن، ولا
يبغضك إلا منافق).
نعوذ بالله من النواصب الذين وضعوا القواعد التي تخدم مذهبهم،
وقُلْ لي بربك من الأَوْلى بالجرح، لاشك أنَّ الناصي المنافق هو المجروح .
والمخذول.
فصل
أما من تكلم فيه بسبب روايته شيئاً أنكر عليه، فلم أجد من صرح
بذلك عند ترجمته لعطية العوفي إلا أن ابن عدي أورد حدیثاً واحداً في
ترجمته من الكامل (٢٢٠٧/٥) الذي جاء بدليل يؤيد دعواة التي أشار
إلیھا ولم يصرح بها.
قال ابن عدي: حدثنا أبو العلاء محمد بن أحمد الكوفي مصر، ثنا
محمد بن الصباح الدولابي، ثنا إبراهيم بن سليمان بن رزين وهو أبو
إسماعيل المؤدب، ثنا عطية العوفي في سنة عشر ومائة عن أبي سعيد
الخدري قال: قال رسول الله ﴾:
(إنَّ أهلَ عِليين ليراهم من تحتهم كما ترون الكوكب الدري
بالأفق، وأنَّ أبا بكر وعمر منهم، وأنعما).
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

١٩٥
قلت: حديث أبي سعيد الخدري أصله في الصحيحين (الفتح:
٢٣٠/٦)، ومسلم (٢١٧٧/٤) ولفظه:
(إنَّ أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما يتراءون
الكوكب الدُّري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم)،
قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم قال: (بلى والذي
نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين).
وأخرجه أحمد في المسند (٣/ ٢٧، ٩٣،٥٠)، وفي فضائل الصحابة
(٤٩/١)، وأبو داود (٤٨/٤)، والترمذي (تحفة ١٤١/١٠-١٤٢)، وابن
ماجه (٣٧/١)، والحميدي (٣٣٣/٢)، وعبد بن حميد في المنتخب
(ص ١٧٠)، وأبو يعلى الموصلي (٤٠٠،٣٦٩/٢)، وابن أبي عاصم في
السُنّة (٦١٦/٢)، وخيثمة بن سليمان الأطرابلسي في جزء الفضائل
(ص٢٠٠)، وانظر علي بن الجعد (ل٢٥٩ وما بعدها نسختي) كلهم من
طريق عطية، عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً بما رواه ابن عدي.
وكأنَّ ابن عدي أنكر على عطية العوفي هذه (وإنَّ أبا بكر
وعمرمنهم وأنعما) فإنَّ أصل الحديث في الصحيحين كما تقدم.
قلت: هذه الزيادة ثابتة ولم ينفرد بها عطية العوفي، فقد أخرجه أحمد
في المسند (٢٦/٣)، وفي فضائل الصحابة (٦٩/١)، وأبو يعلى في مسنده
(٤٦١/٢) من طريق مجالد عن أبي الوداك عن أبي سعيد الخدري به
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

١٩٦
مرفوعاً ..
مجالد فيه كلام لكن تابعه غير واحد من الثقات، وأبو الوداك تابعي
ثقة.
وبعد ثبوت الزيادة المذكورة تبين لك أنَّ جرح عطية العوفي من هذا
الباب دعوى تحتاج لدليل.
ثَمَّ حديث آخر فقي المطبوع باسم (التاريخ الصغير) للبخاري
(ص١٢٤) ما نصُّه:
قال أحمد في حديث عبدالملك عن عطية عن أبي سعيد قال النبي *
(تركت فيكم الثقلين)(١)، أحاديث الكوفيين هذه مناكير. اهـ .
قلت: النكارة لها معان:
أحدها: مرادفة الشاذ.
ثانيها: مخالفة الضعيف لمن هو أو ثق منه.
ثالثها: تفرد الضعيف الذي لا يحتمل تفرده ولا يوجد من يتابعه
أویشهد له.
رابعها: كون المتن غريباً ومخالفاً للأصول مع ركاكة الألفاظ.
خامسها: مطلق التفرد ولو بوجه من الوجوه.
أما عن الأول: وهو مرادفته للشاذ، فلم يخالف عطية العوفي أحداً لا
في متن ولا في إسناد.
(١) وهو حديث متواتر.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

١٩٧
وعن الثاني: فمثله.
وعن الثالث: فالحدیث لیس فرداً فلا ينطبق عليه .....
وعن الرابع: فإنه منتف تماماً هنا فلا تعارض بينه وبين غيره بل هو
مفيد للعلم.
فلم يبق إلا الوجه الخامس: وهو مطلق التفرد من جهة عطية عن أبي
سعيد الخدري وهذا الوجه يجب أن يحمل عليه قول الإمام أحمد بن حنبل
رحمه الله تعالى.
فصل
قول أبي زرعة: کوفي لين، وقول أبي حاتم الرازي: ضعيف يكتب
حديثه.
هذا من الجرح المبهم غير المفسَّر، فهو يرد كما تقرر في قواعد
الحديث، وكما استقر العمل على ذلك، والأخذ في مقابل ذلك بالتعديل
الوارد في عطية العوفي.
ولكن يجب ألا يُخلى المقامُ من أمرين:
أولهما: أنَّ الجرح المذكور أعلاهٍ ليس من الجرح الشديد الذي ينزل
بمفرده عند خلو الراوي من التعديل إلى درجة التالف الذي لا يعتبر
بحديثه، بل هو جرح خفيف لم يخلُ منه عدد من الرواة صحح لهم الحفاظ
وخرج حديثهم في الصحيح.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

١٩٨
ثانيهما: إنَّ هذا الجرح غير المفسَّر في حقيقته يرجع إلى الأمرين
اللذين ظلم بسببهما، وهما التشيع والتدليس.
وقد قال الحافظ في نتائج الأفكار (٢٧١/١): ضعفُ عطية إنما جاء
من قبل التشيع ومن قبل التدليس. اهـ. وقد تقدم الكلام على التشيع
والتدليس المنقولين عن عطية العوفي . .
بقى أن تعلم أنَّ أبا حاتم الرازي قد جاء عنه توثيقٌ لعطية العوفي كما
سيأتي إن شاء الله تعالى.
فصل
أمَّا عن قول ابن عدي في الكامل (٢٠٠٧/٥): (وهو مع ضعفه
یکتب حديثه).
فإنَّ ابن عدي اعتمد في ترجمة عطية العوفي على أمور هي:
١- رواية ابن أبي مريم عن يحيى بن معين قال عن عطية العوفي:
ضعیف إلا أنه یکتب حديثه.
٢- تضعيف أحمد والثوري وهشيم بسبب حكاية الكلي تدليس
عطية له.
٣- قول الجوزجاني: مائل.
٤- الحدیث الذي ذكره له وقد تقدم الكلام عليه.
وظاهر أنَّ ابن عدي لم يقنع بشئ من هذه الأمور الثلاثة الأخيرة
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

١٩٩
وارتضى قول يحيى بن معين في رواية ابن أبي مريم عنه حيث قال:
ضعيف إلا أنه يكتب حديثه، فتبع يحيى بن معين في مقولته، بل ونقل
عبارته فختم الترجمة بقوله: مع ضعفه یکتب حديثه.
وكون ابن عدي لم يقنع بالأمور الثلاثة هو الصواب، فإنَّ تضعيف
أحمد، والثوري، وهشيم راجع لحكاية التدليس التي لا تصح لانفراد محمد
بن السائب الكلي بها وحاله معروف في الضعف، وقول الجوزجاني قد
فرغنا منه، والحديث المذكور لا يعد قدحاً في الرجل، وإنَّ تضعيفه بسبب
هذا الحديث يعتبر تعنت مرفوض، فلم يَبْقَ إلا اعتماده كلام يحيى بن معين
فهو تابع أو قل مُقَلّد إن شئت.
وإذا علم ذلك فإن هذه الرواية في عطية العوفي التي اعتمد عليها ابن
عدي وهي رواية ابن أبي مريم مرجوحة أمام الروايات الأخرى عن ابن
معين التي وثقت عطية العوفي.
وإذا کان ما اعتمد عليه ابنُ عدي مرجوحاً، فقوله كذلك، فتدبر،
والله أعلم بالصواب.
فصلَ
وبعد أن تبين لك حقيقة الجرح الذي جاء في عطية العوفي، وأنّه لا
يضر الرجل ولا يوهن أمره لأنه عند المحاققة جرح لا يلتفت إليه ولا يعمل
به، وجب بيان صدق الرجل، وعدالته، وعمل الأئمة بحديثه واحتجاجهم
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾