النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦٠
في فهرسته فقال: كان ضعيفاً في حديثه مُتَهماً في دينه، وهكذا قال من
قبله النجاشي وغيره. انتهى من كتاب (الاكتفاء في تخريج أحاديث
الشفاء) للسيد أحمد بن الصدِّيق الغُمَاري رحمه الله تعالى.
وما تقدم فيه غنية.
والحاصل أنَّ الحدیث صحیح بلا ريب.
فإذا وقفت على قول الحافظ العراقي في تخريج الإحياء (١٤٨/٤) إذ
يقول:
أخرجه البزار من حديث عبدالله بن مسعود، ورجاله رجال
الصحيح إلا أَنَّ عبدالمجيد بن أبي رَوَّاد، وإن أخْرج له مسلم ووثقه ابنُ
معين، والنسائي، فقد ضعفه كثيرون، ورواه الحارث بن أبي أسامة في
مسنده من حديث أنس بنحوه بإسنادٍ ضعيف. اهـ.
فلا تتھیب مخالفته لأمور:
الأول : إنَّ صاحبه وقائله - الحافظ العراقي - قد جَوَّد إسنادَ البزار في
طرح التثريب (٢٩٧/٣)، وكلامه في طرح التثريب بمقدم على كلامه في
تخريج أحاديث الإحياء، فالأول آخر كتبه، والثاني كتبه وهو دون
العشرين، قال تقي الدين ابن فهد في لحظ الألحاظ (ص٢٢٨): ولع (أي
الحافظ العراقي) بتخريج أحاديث الإحياء، وله من العمر قريب من
العشرين سنة. اهـ.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

١٦١
الثاني : إنَّ كلام الحافظ العراقي يقتضي تحسينه للحديث لأنّه ذكر
طريقين للحديث، فإن سُلم ضعفهما، فالحديث حسن بهما كما هو
مقرر.
الثالث : إنَّ الحديث حَسَنٌ عند العراقي لزاماً، وبيانه أنه تكلم على
طريقين للحديث هما: طريق ابن مسعود، وطريق أنس. ولم يتكلم على
مرسل بكر بن عبدالله المزني وهو مرسل غاية في الصحة ولو وقف عليه
لما ترك الکلام علیه.
فبالنظر إلى ما ذكره العراقي وما فاته يقوى الحديث ويحكم بقبوله
والله أعلم.
فصل
وكعادة الألباني في مثل هذه الأحاديث سعى لتضعيف هذا
الحدیث فاتبع سبيلاً لم يسبق إليه، وتلاعب تلاعباً يعاب عليه.
أما تضعيفه للحديث فاتبع سبيلاً لم يسبق إليه كما صرح هو بذلك
في ضعيفته (٤٠٥/٢)، فإنه أضافٍ للحديث حديثاً آخر رواه جمع من
الثقات، وجعل حديث (حياتي خيرٌ لكم ... ) زيادة على الحديث الأول
انفرد بها عبدالمجيد بن عبدالعزيز بن أبي رَوَّاد فحكم على الحديث الثاني
بالشذوذ لمخالفة عبدالمجيد للثقات الذين رووا الحديث الأول ..!!
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

١٦٢٠
وذلك أن الحافظ البزار قال في مسنده: حدثنا يوسف بن موسى ثنا
عبدالمجيد بن عبدالعزيز بن أبي رَوَّاد عن عبدالله بن السائب عن زاذان عن
عبدالله عن النبي 8# قال: (إنَّ الله ملائكة سياحين يُبلغوني عن أمتي
السلامَ). قال: وقال رسول الله ﴾: (حياتى خيرٌ لكم تُحدثون ويحدثُ
لكم ... ) الحديث.
: فالحديث الأول: رواه عن سفيان جمع من الثقات.
والحدیث الثاني: انفرد به عبدالمجيد بن عبدالعزیز بن أبي روّاد، فلما
جعلهما الألباني حديثاً واحداً حكم على الثاني بالشذوذ، ولم يعده حديثاً
مستقلاً بل زيادة، وهذا خطأ بين !.
ذلك أَنَّ المدقق لابد أنَّ یعلم أن هذین حدیثین بسندٍ واحدٍ أخرجهما
البزارُ کما تری سعیاً للاختصار، وعدم تكرار الإسناد، وهو ما يَكْثُر ..
حدوثه في كتب الحديث، حيث يذكرون سنداً واحداً لعدة متون، وهو.
ظاهر لا يحتاج لشرح وبيان، وقد أصاب الحافظُ السيوطي فجعل في
جامعيه الصغير والكبير الحديث الأول في مكان، والحديث الثاني في مكان
آخر وهذا من شفوف نظره، وثاقب فهمه، رحمه الله تعالى، والله أعلم.
فصل
ولکي تروق للألباني دعوته صرح بأن عبدالمجيد بن عبدالعزيز بن أبي
رَوَّاد متكلم فيه من قِبَل حفظه، وهو وإن وثقه بعضهم لكن ضعفه
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

١٦٣
آخرون وبين بعضهم السبب (كذا) في ضعيفته (٤٠٤/٢)، فكلامه يرشح
بضعف الرجل.
ولأن الرجل ثقة، ومن رجال الصحيح فقد رأيت أن هذا مقام
الذب عنه وبیان ثقته.
فقد وثقه ابن معين، وأحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن شاهين،
والخليلي.
ورجل يوثقه هؤلاء، ويكثر مسلم من الاحتجاج به في صحيحه
يكون قد جاوز القنطرة، ويكون ما جاء فيه من الجرح مردوداً عند التأمل
والنظر الصحيح الموافق لقواعد الحديث.
فمن تكلم فيه فلأسباب:
١- بسبب مذهبه، فإنه كان مرجئاً، وهذا لا يضر في الرواية كما هو
مقرر في محله، وقد قال الحافظ الذهبي في الميزان بعد ذكر عبدالمجيد بن
عبدالعزيز في جماعة من الثقات المرجئين ما نصُّه: الإرجاء مذهب لعدة من
جلة العلماء لا ينبغي التحامل عليه به. اهـ.
٢- كونه أخطأ في أحاديث، فإنه روى حديث الأعمال بالنيات من
طريق مالك، عن زيد بن أسلمٍ، عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد
الخدري به مرفوعاً.
هكذا أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣٤٢/٦) والقضاعي في مسند
الشهاب (فتح الوهاب ١٦/١)، وأبو يعلى الخليلي في الإرشاد
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

١٦٤
(٢٣٣/١).
والمحفوظ هو عن مالكٍ، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم
التيمي، عن علقمة، عن عمر به مرفوعاً هكذا أخرجه الجماعة.
ولذا عُدَّ هذا الحديث مما أخطأ فيه عبدالمجيد فكان ماذا ؟ فمن ذا
الذي ما غلط في حديث بل في أحاديث ؟
فإذا وقفت على ترجمة ابن عدي لعبد المجيد بن أبي رَوَّاد في الكامل
(١٩٨٢/٥)، فتذكر قول الذهبي في الموقظة (ص٧٨):
وليس من حدِّ الثقة أنّه لا يغلط، ولا يخطئ، فمن الذي يسلم من
ذلك ؟ غيرُ المعصوم الذي لا يُقر على خطأ ؟
وقد نبه الذهيُ على هذا المعنى عدة مرات في ميزان الاعتدال.
والحاصل أن وجود بعض الوهم في حديث عبدالمجيد بن أبي رَوَّاد لا
يخرجه عن حد الثقة، لا سيما وأنه كان حافظاً مُكْثِراً وكثيراً ما يقع من
المکثرین مثل ذلك.
وقد وصفه الذهبي بالحفظ والصِّدق، فقال في النبلاء (٤٣٤/٩):
العالم القدوة الحافظ الصادق. اهـ.
٣- من تكلم فيه بجرح غیر مفسر کقول أبي حاتم الرازي - وتشدده
معروف ومشهور - (لا يحتج به، يعتبر به)(١)، وكقول ابن سعد: (كان
(١) ولا أدري كيف جعل الألباني هذا القول بعد أن نسبه على سبيل الوهم - للنسائي - من
الجرح المفسر ؟
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

١٦٥
كثير الحديث مرجئاً ضعيفاً)، وكقول أبي أحمد الحاكم: (ليس بالمتين
عندهم)، وكقول أبي عبدالله الحاكم: (هو ممن سكتوا عنه).
فهذا فضلاً عن كونه من الجرح الخفيف الذي لم يسلم منه إلا الطبقة
الأولى من الثقات، فهو من الجرح الغير مفسر الذي ينبغي رده في مقابل
توثيق ابن معين، وأحمد، وأبي داود، والنسائي، وغيرهم.
٤- من تكلم فيه بجرح فيه مبالغة وتشدد مردود، وهو ابن حبان
حيث قال في المجروحين (١٦١/٢): منكر الحديث جداً، يقلب الأخبار،
ويروي المناكير عن المشاهير فاستحق الترك. اهـ.
وقد نبه الحافظ في التقريب (ص ٣٦١) على إفراط ابن حبان بمقولة
الترك (١).
وكيف يكون الرجل مستحقاً للترك ويغيب ذلك عمَّن حدث عنه
ووثقه کأحمد، وابن معین.
وابنُ حبان يبالغ جداً في الجرح حتى قال عنه الذهبي في الميزان
(٢٧٤/١): ابنُ حبان ربما قصبَ الثقةً حتى كأنه لا يدري ما يخرج من
رأسه. اهـ.
(١) وإن تعجب فعجب من الألباني، فالحافظ تبه في التقريب (ص ٣٦١) على إفراط ابن حبان
فقال: صدوق يخطئ وكان مرحئاً، أفرط ابن حبان فقال: متروك. اهـ .
فاقتصر الألباني في (ضعيفته: ٤٠٤/٢) على قول الحافظ: (صدوق يخطئ)، ولم يذكر تعقب
الحافظ على ابن حبان، وما فعل هذا إلا ليوهم القراء أن الرجل متروك وكلام ابن حبان مقبول
غیر متعقب، نعوذ بالله تعالى من اتباع اغوى وشره.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

١٦٦
وكأن مستند ابن حبان في المبالغة في جرحه لعبد المجيد بن أبي رَوَّاد
ما رواه في المجروحين (١٦١/٢) من طريق عبد المجيد عن ابن جريج عن
عطاء عن ابن عباس قال: (القدرية كفر، والشيعة هلكةٌ، والحرورية بدعةٌ،
وما نعلم الحقَّ إلا في المرجئة).
قال الدارقطني في (الأفراد): تفرد به عبدالمجيد، وزاد الحافظ في
التهذيب (٣٨٣/٦): وبقية رجاله ثقات. اهـ.
قلت: ما قاله الدارقطني والحافظ حق لا مرية فيه، ولا يعني هذا اتهام
عبدالمجيد، فالصواب، وهو الحق أيضاً الذي لا مرية فيه اتهام من دلّسه ابنُ
جريج، فإنه كان مدلّساً سيءَ التدليس.
قال الدارقطني: تجنب تدليس ابن جريج، فإنه قبيح التدليس لا يدلّس
إلا فیما سمعه من مجروح. اهـ.
وقال الإمام أحمد بن حنبل: بعض هذه الأحاديث التي كان يرسلها
ابن جريح أحاديث موضوعة، كان ابن جريج لا يبالي من أين يأخذها.
اهـ هكذا في الميزان (٦٥٩/٢).
وبذا تعلم ما في جرح ابن حبان من النظر، وتعصَّبُ الجناية في هذا
الإسناد فيمن دلَسَّه ابن جريج، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
والحاصلُ أَنَّ الرجل كما قال معاصروه أحمد، وابن معين: ثقة، ومن
تکلم فیه فکلامُه مردود لا ينتبه إليه ..
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

١٦٧
ومن أجل هذا اعتمده مسلم في صحيحه، وأخرج له في أصوله.
ولهذا قال الحافظ الذهبي في " من تكلم فيه وهو موثق" (ص١٢٤):
ثقة مرجئ داعیة، غمزه ابنُ حبان. اهـ .
فكلام الذهبي يصرح بتوثيق الرجل، وأن بدعته وكلام ابن حبان لا
يؤثران في ثقته، وإن كان لهما تأثير لَمَا صرَّح بتوثيقه فتنبه، والله أعلم
بالصواب.
فصل
أما كونه (أي الألباني) تلاعب تلاعباً يعاب عليه فبيانه من
وجھین:
الأول : قال في ضعيفته (٤٠٥/٢): فلعلَّ هذا الحديث الذي رواه
عُبدالمجيد موصولاً عن ابن مسعود أصله هذا المرسل عن بكر، أخطأ فيه
عبد المجيد فوصله عن ابن مسعود ملحقاً إياه بحديثه الأول. اهـ .
قلت: هذا ظنّ، والظنُ ليس بكذب فقط، ولكنه أكذبُ الحديث،
ويلزم من هذا الظن الفاسد رد المسند ، الذي فيه راوٍ تكلم فيه - للمرسل
الذي جاء من وجه أقوى، فلا يصح بذلك مرسل إلا بشق الأنفس، وفيه
إهدار لشطر من السُنّة، ولم أجد من سبق الألباني لهذه الخرافة.
الثانى : فإنّه قد تقرر أنَّ الحديث المرسل يتقوى بأمور، منها إذا ورد
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

١٦٨
هذا المرسل من طريق آخر موصول ضعيفٍ تقوَّى المرسلُ به، وصار من
باب الحسن لغيره، وبه تقوم الحجة ويلزم العمل به، وإذا كان الموصول
الذي فيه عبدالمجيد بن عبدالعزيز بن أبي رَوَّاد من قسم الضعيف كما ارتآه
الألباني - دفعاً بالصدر - فإنَّ المرسل الصحيح إذا ضُمَّ إليه صار من قسم
الحسنِ المقبول الذي يجبُ العملُ به اتفاقاً.
ولم أجد مبرراً عند الألباني يبعده عن اتباع القواعد الحديثية هنا إلا
التعنت، واتباع الهوى في ردِّ مثل هذه الأحاديث.
وأزيد هنا بخصوص هذا الحديث رَدِّ على نفسه واتباعه لما تقرر من
قبول المرسل بالشروط المبسوطة في محلها قوله في رَدِّه على الشيخ إسماعيل
الأنصاري(١) ما نصُّه:
المرسل الصحيح إسناده حجة وحده عند جمهور الفقهاء، قال الحافظ
ابن كثير: (والاحتجاج به مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابهما وهو
يحكي عن أحمد في رواية).
وأما مذهب الشافعي فشرطه في الاحتجاج به معروف، وهو أن يجئ
ء
من وجه آخر ولو مرسلاً ... فهذا الحديث المرسل صحيح حجة عند
المذاهب الأربعة وغيرهم من أئمة أصول الحديث والفقه، وبذلك يظهر
لكل منصف أن القول بسقوط الاستدلال بهذا الحديث لمجرد وروده
(١) كتاب الشيباني: ١٣٤/١ - ١٣٥.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

١٦٩
مرسلاً (١) هو الساقط. اهـ.
قلت: بل يظهر لكل منصف أنَّ هوى الرجل أوقعه في التناقض والردّ
على نفسه والكيل بمكيالين ...!
غفر الله لنا وله ، وسلك بنا سبل السلام(٢).
(١) ثم حديث عرض الأعمال أولى بالقبول من هذا المرسل الذي تقوى بموصول، فالموصول في
الرد على الأنصاري، فيه ليث بن أبي سليم حاله معروف في الضعف، وموصولنا فيه عبدالمجيد
ابن عبدالعزيز بن أبي رَوَّاد وقد تقدم توثيقُه، وأنّه من رجال مسلم، فيكون قد حاوز القنطرةَ.
والله أعلم.
(٢) وقفت على بحث كتب للحصول على شهادة الماجستير باسم " الدعاء ومنزلته من العقيدة الإسلامية "
لجيلان بن خضر العروسي ، تعرض فيه للكلام على أحاديث التوسّل وبخاصة حديث عرض الأعمال ، ولم
يجاوز كلام الألباني ، بل لم يحسن التصرف فيه ، وهى كغيرها من رسائل أهل الدراسات العليا في العقيدة
بالذات تفتقر إلى الصدق لأمور :
١- الطالب مقيد بمنهج في التفكير يعادي أئمة الإسلام وعلمائه، وهم عندهم ما بين مشرك أو مبتدع أو كما
يقولون : نسأل الله أن يكونوا ماتوا على غير ذلك، أو تاب الإمام الفلاني مما عنده من بدع ! ولا يستطيع
الطالب أن يخالف هذا المنهج والإ طرد ( إرهاب فكري ) .
٢- الطالب يريد أن ينتهي من البحث ليتفرغ لما بعده، حتى إذا نال " الدكتوراه " أصبح عالماً يشار إليه بالبنان،
وفتحت الجامعات والمراكز العلمية أبوابها له، وغفل عن أنه ما صعد إلى هذه المنزلة إلا بنهش لحم علماء الأمة
٣- الأمر الأشد إيلاماً أن بعض الطلبة - خاصة الوافدين ، يكونون أكثر شراسة من غيرهم ، وجلهم لا يعتقدون
ما يكتبون ، ولكنّ حبَّ الدنيا، والسعي نحو دريهمات معدودة ، وعرض زائل يدفعهم إلى التزلف والنفاق
رغبة في التسلق
٤- زد على ماتقدم السرقات ، والنقل، والتدليس، وشهوة حب الظهور ، والتبحح بالمخالفة والاستدراك على
المتقدمين
ولسنا في حاجة إلى ضرب الأمثلة ، فالأمر شائع ومشهور ، وهذا لا يمنع من الإشادة بنوادر البحوث التي
تشهد بكفاءة وحدارة أصحابها .
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

١٧٠
الحديث السادس (١) ....
حديث: (مَنْ خَرَجَ مِن بيته إلى الصلاةُ فقال: اللهُمَّ إنيِّ أسألُك
بحق السائلين عليك، وأسألُكَ بحق مَمْشَاي هذا فإني ◌َلَمْ أخرُجْ أَشراً
وَلا بَطَراً ولا رياءً ولا سُمعة وخرجتُ اتقاء سخَطْكِ وابتغاء مرضاتك،
فأسألكَ أن تعيذَني مِنَ النار وأنْ تغفرَ لي ذُنوبي، إنّه لا يغفرُ الذنوبَ
إلا أنت أقبلَ الله عَليهِ بوجهِه واستغفرَ لَه سبعون ألفَ مَلك).
قال ابن ماجه في سننه (٢٥٦/١): حدثنا محمد بن سعيد بن يزيد بن
إبراهيم التستري، ثنا الفضل بن الموفق أبو الجهم، ثنا فضيل بن مرزوق
عن عطية عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﴾: (من خرج من
بيته إلى الصلاة فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وأسألك بحق
ممشاي هذا فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياء ولا سمعة وخرجت
اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تعيذني من النار وأن تغفر لي
ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت أقبل الله عليه بوجهه واستغفر له
سبعون ألف ملك).
ورواه أحمد في المسند (٢١/٣) عن يزيد بن هارون، وابن خزيمة في
التوحيد (١٨،١٧) عن ابن فضيل بن غزوان وأبي خالد الأحمر.
(١) الكلام على هذا الحديث أفردته بجزء خاص مطبوع اسمه "مباحثة السائرين بحديث اللهم
إنّي أسألك بحق السائلين".
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

١٧١
والطبراني في الدعاء (٩٩٠/٢) وابن السني في عمل اليوم والليلة
(ص٤٠) كلاهما عن عبد الله بن صالح العجلي.
والبغوي في حديث علي بن الجعد (ل ٢٦٢ نسختي) عن يحيى بن
أبي بكير، ويزيد بن هارون، وأحمد بن منيع كما في (مصباح الزجاجة)
(٩٩/١) عن یزید بن هارون.
والبيهقي في (الدعوات الكبير) (ص٤٧) عن يحيى بن أبي بكير.
كلهم عن فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد
الخدري رضي الله عنه به مرفوعاً.
ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢١١/١٠-٢١٢) عن وكيع وأبى
نعيم الفضل بن دُكين كما في (أمالي الأذكار) (٢٧٣/١).
كلاهما عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد موقوفاً
عليه، وهذا وجه مرجوح كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
وإسناد هذا الحديث من شرط الحسن، وقدحَسَّنَه جمعٌ من الحفاظ
ـاعة
منهم الحافظ الدمياطي في المتجر الرابح في ثواب العمل الصالح
(ص٤٧١-٤٧٢)، والحافظ أبوالحسن المقدسي شيخ الحافظ المنذري
کما في الترغيب والترهيب (٢٧٣/٣).
والحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (٢٩١/١).
والحافظ ابن حجر العسقلاني في أمالي الأذكار (٢٧٢/١).
وقال الحافظ البوصيري في مصباح الزجاجة (٩٩/١): لكن رواه
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

١٧٢
ابن خزيمة في صحيحه، من طريق فضيل بن مرزوق، فهو صحيح عنده.
اهـ.
فهؤلاء خمسة من الحفاظ، رحمهم الله تعالى، صححوا أو حسَّنوا
الحديث، وقولهم حقيق بالقبول، والوقوف عنده، والإذعان إليه، وسنبين
للقارئ صواب مسلك الحفاظ المذكورين، ومن تبعهم، إن شاء الله تعالى،
لكن لابد من ذكر ما أُعِلَّ به الحديث، ثُمَّ الجوابُ عليه، بعون الله تعالى.
فقد أُعل الحدیث بثلاث علل:
الأولى والثانية: بالكلام في فضيل بن مرزوق، وعطية العوني.
والثالثة: ترجيح الوقف على الرفع ... كَمَا زعموا.
فصل
أما عن فضيل بن مرزوق فهو من رجال مسلم في صحيحه، ووثقه
جماعة من الأئمة منهم:
العجلي في ثقاته (ص٣٨٤) فقال: جائزُ الحديث، ثقة.
ووثقه السفيانان: ابن عيينة، والثوري.
وقال ابنُّ عدي في الكامل (٢٠٤٥/٦): ولفضيل أحاديث حسان،
وأرجو أنّه لا بأس به.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

١٧٣
وقال أحمد بن حنبل كما في الجرح (٧٥/٧): لا أعلم إلا خيراً.
وقال الحافظ الكبير الهيثم بن جميل: كان من أئمة الهدى زهداً
وفضلاً. اهـ
وهذا الثناء لا تجده إلا في الأفراد من الرجال.
ووثقه ابن شاهین بإدخاله في الثقات (ص١٨٥).
وكذا ابن حبان فذكره في الثقات (٣١٦/٧).
ومع هؤلاء فقد وثقه من اتفق الناس على قبول توثيقه أعني الإمام
مسلماً رحمه الله تعالى، فأدخله في صحيحه، واحتجَّ به.
أما إمامُ الجرح والتعديل يحيى بن معين فقد نقلَ عنه خمسةٌمن
أصحابه توثيقة لفضيل بن مرزوق فقال عثمان بن سعيدالدارمي عنه:
لابأس به.
وقال عباس الدوري عنه : ثقة.
وقال عبدالخالق بن منصور عنه: صالح الحديث.
وقال ابن مُرز عنه: صويلح.
أَمَّا أحمد بن زهير بن أبي خيثمة فمرة قال: ثقة، ومرة أخرى قال:
ضعيف.
والتوثيق حقيق بالقبول لأنه موافق للروايات الأخرى عن ابن معين
في الجملة لا سيما وهو موافق للآخرين.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

١٧٤
فهؤلاء هم أئمة الجرح والتعديل قد عدلوه وقبلوا حديثه، واحتجَّ به
مسلم في صحيحه فكلامهم هو المقبول.
فصل
وأما من جرحه فقسمان : ..
الأول: قال الحاكم في (سؤالات مسعود السِّجْزي) له: فضيل بن
مرزوق ليس من شروط الصحيح فعيب على مسلم بإخراجه في الصحيح.
اهـ.
قلت: هذا في نظر الحاکم وليس في نظر مسلم بن حجاج، وقول
مسلم مقدَّم على قول الحاكم في هذا الفن . ..
ثم إنَّ كلام الحاكم لايدل على الجرح في شيء، وكم عاب الحاكم
على الشيخين إخراجَهما لحديث بعض الناس في صحيحيهما، فلم يُلتفت
إلى قوله كما تجد ذلك مبسوطاً في كتب المصطلح والرجال، على أنَّ
الحاكم صححَّ لفضيل بن مرزوق في المستدرك (٧٠/٣).
تنبيه:
قال الذهبي في سير النبلاء (٣٤٢/٧): إنما يروي له مسلم في
المتابعات. اهـ
وتبعه المُعلمي في تعليقاته على موضوعات الشوكاني (ص٣٥٣)
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

١٧٥
تقليداً لا تنقيداً.
الثاني: قال أبو حاتم الرازي (٧٥/٧ الجرح): صدوق صالح الحديث
یھم کثیراً یکتب حديثه، قال ابن أبي حاتم: يحتج به ؟ قال: لا. اهـ
قلت: لا يخفى تشدد أبي حاتم الرازي في الجرح حتى قال عنه
الحافظ الذهبي - وهو من أهل الاسقراء التام في الرجال كما قال عنه
الحافظ ابن حجر - في سير أعلام النبلاء (٨١/١٣): ((يعجبني كثيراً كلام
أبي زرعة في الجرح والتعديل يبين عليه الورع والمخبرة بخلاف رفيقه أبي
حاتم فإنه جرَّاح.)) اهـ.
وقال الذهبي في السير أيضاً (٢٦٠/١٣): إذا وثق أبو حاتم رجلاً
فتمَّسك بقوله فإنه لا يوثّق إلا رجلاً صحيح الحديث، وإذا لَّن رجلاً أو
قال: لا يحتج به فتوقف حتی تری ما قال غيره فیه، فإن وثقه أحد فلا تبن
على تجريح أبي حاتم فإنه متعنت في الرجال قد قال في طائفة من رجال
الصحاح: ليس بحجة، ليس بقوي أو نحو ذلك. اهـ.
بل قال ابن تيمية في رسائله في الزيارة (ص٨٨): وأما قول أبي
حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به فأبو حاتم يقول مثل هذا في كثير من
رجال الصحيحين وذلك أن شرطه في التعديل صعب، والحجة في
اصطلاحه ليس هو الحجة في اصطلاح جمهور أهل العلم. اهـ.
وقال ابن عبدالهادي في " التنقيح":
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

١٧٦
ء
((وقول أبي حاتم: لا يحتج به، غير قادح أيضاً، فإنه لم يذكر السبب،
وقد تكررت هذه اللفظة منه في رجال كثيرين من أصحاب الصحيح
الثقات الأثبات من غير بيان السبب كخالد الحذَّاء وغيره والله أعلم)).
انتهى من نصب الراية (٤٣٩/٢).
فإذا عُلِمَ تشدد أبي حاتم في الجرح وهذا جواب عام، فلقائل أن
يقول: قد بَّنَ أبو حاتم سبب جرحه لفضيل بن مرزوق وهو قوله: (يهم
كثيراً) وابن حبان عندما ذكره في الثقات (٣١٦/٧) أخذ كلمة أبي حاتم
وقال: کان ممن يخطئ.
فمحله الجواب الخاص وهو: إن سلمنا لأبي حاتم قولَه فإنَّ الوهم
الذي يقع في حديث الراوي الموثق لا يخرجه عن حدِّ الثقة إلا إذا كثر
الوهم في حديثه وغلب عليه، أما إذا كان الوهمُ قليلاً فلا يخرجه عن حدٍّ
الثقةِ الذي يصحح حديثه، ولكن لا يكون حديثه من الطبقة العليا من
الحديث الصحيح بل من الطبقة الثانية لأنه كما هو مقرر فإن الحديث
الصحيح ينقسم لأقسام، ويعرف له درجات ومنهم من يدرج الحسنَ فيه
کابن حبان، وابن خزيمة وغيرهما.
فإن قيل هذا يسلم لك إنْ كان قليلَ الوهم، وقد وصفه أبو حاتم.
الرازي بكثرة الوهم.
قلت: هذا من دلائل تعنته، وتشدده، وأوضح دليل على ذلك أن
الأئمة الذين وثقوه وهم سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

١٧٧
معين، وأحمد بن حنبل، والهيثم بن جميل، ومسلم بن الحجاج، وابن
عدي، وابن شاهين، لم يذكروا شيئاً عن أوهامه القليلة بَلْهَ أوهامه
الكثيرة.
فدلّ ذلك على وجود جهتین:
الأولى: سبعة من الحفاظ يقولون بتوثيق الرجل ولم يذكروا شيئاً عن
أوهامه.
والثانية: حافظ خالفهم هو أبو حاتم الرازي يقول بوهمه الكثير.
فإعمالاً لجميع الأقوال في الرجل، ولما عُرِف من تعنت أبي حاتم
الرازي فلك أن تقول: إنَّ الرجل ثقةٌ، في حديثه بعض الوهم، فهو حسنُ
الحديث إن شاء الله تعالى أو صحيح ولكن ليس في الدرجة العليا من
الصحة.
أما قول النسائي (ضعيف) فإنه من الجرح المبهم غير المفسر فيُرَدُّ في
مقابل التعديل الذي ورد في حق فضيل بن مرزوق عن عدد من الأئمة
الحفاظ الذين تقدم ذكرهم.
على أنَّ النسائي أخرج لفضيل بن مرزوق في سنته وهو المعروف
بتشدُّدِه وتعنته في الرجال، فتدبر.
وأما ابن حبان فإنه حامل راية التشدد والتعنت في الرجال، فكم مِنْ
ثقة أودعه كتابه (المجروحين) حاكماً عليه بالترك وعلى مروياته بالنكارة،
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

١٧٨
وقد أتى بما لم يسبق إليه في الرجل فقال: (منكر الحديث جداً) وهو قولٌ
شاذ لا يلتفت إليه ولا یعتمد عليه، بل ابن حبان نفسه خالف مقولته هذه
فقال عقبها: كان ممن يخطئ على الثقات ويروى عن عطية الموضوعات
وعن الثقات الأشياء المستقيمة فاشتبه أمره. اهـ.
قلت: هذا الكلام لا يفيد إلا أنَّ الرجل ثقة لا غير، شأنه في الرواية .
کشأن سائر الثقات، فالثقة إذا روى عن ثقة فحديثه مستقیم، وإن روی
عن غير ثقة فحديثه غير ذلك فلا مَدْخل للثقة فيمن روى عنه، وإذا كان
الرجل يؤدي ما سمعه تماماً فهو من رسم الثقة، ثمّ قال ابن حبان: " والذي
عندي أنَّ كل ما يروى عن عطية من المناكير يلزق ذلك كله بعطية ويبرأً
فضيل منها".
قلت: إذا برئ الرجل من غلط غيره فلا بد من إخراجه من
المجروحين وإدخاله في الثقات وهذا ما لم يستطع أن ينفك منه ابن حبان
فأدخله في ثقاته (٣١٦/٧)، وهذا هو الأولى والصواب من قوليه لأنه
الموافق لأقوال الجماعة وفيهم السفيانان ابن عيينة وأبن معين، وأحمد،
وأتبع ابن حبان توثيقه بقوله: (كان ممن يخطئ) ولم يأت بما يدل على
خطئه لا في الثقات ولا في المجروحين كما سترى إن شاء الله تعالى.
ثم قال ابن حبان: (وفيما وافق الثقات من الروايات عن الأثبات
يكون محتجاً به، وفيما انفرد على الثقات ما لم يتابع علیه یتنكب عنها في
الاحتجاج به)اهـ
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

١٧٩
قلت: حاصل هذا أَنَّ حديثه لا يقبل إلا بمتابع.
٠٤
وهو معارض بقوله: (هو يروى عن الثقات الأشياء المستقيمة) فإن
من يروي الأحاديث المستقيمة عن الثقات ويكون هذا شأنه وديدنه
وطريقته لا يحتاج للتوقف في أمره وأخذ ما وافق والتتكب عما انفرد به،
فإن من يتنكب عن حديثه إذا انفرد به هو الذي يغلط عن الثقات، وإذا
كان الرجل يأتي بالوجه الصحيح عن الثقات فمقتضى ذلك قبول حديثه
لا التوقف فيما انفرد به والتنکب عنه، وهذا التوقف والتنكب من دلائل
تشدد وتعنت ابن حبان في الجرح رحمه الله تعالى.
ثم كأنَّ ابن حبان يستدل على مقولته فقال: روى الفضيل بن
مرزوق عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع عن علي بن أبي طالب عن النبي
* قال: (إن تؤمِّروا أبا بكر تجدوه أميناً زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة،
وإن تؤمِّروا عمر تجدوه قوياً).
قلت: لاشيء على فضيل بن مرزوق في هذا الحديث، فالرجل لم
ينفرد به من هذا الوجه، بل تابعه إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق
السبيعي فيما أخرجه أحمد في المسند (١٠٩/١) وعبدالله بن أحمد في
السنة، وأبو نعيم في الحلية (٦٤/١)، وابن الجوزي في العلل المتناهية
(٢٥١/١) وتابعه أيضاً إبراهيم بن هراسة وسفيان الثوري في الحلية
(٦٤/١).
ومنه يعلم أن كلام ابن حبان في فضيل بن مرزوق غير مقبول،
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾