النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠٠ نوعاً ووصفاً كما إذا قلت: ما رأيت إلا زيداً كان تقديره: ما رأيت رجلاً أو أحداً إلا زيداً، لا ما رأيت شيئاً أو حيواناً إلا زيداً، فهاهنا تقديره: لا تشد إلى مسجد إلا إلى ثلاثة. وقد وقع في هذه المسألة في عصرنا مناظرات كثيرة في البلاد الشامية، وصنف فيها رسائل من الطرفين لسنا الآن لبيانها. اهـ . وقال العلامة البدر العيني الحنفي (٢٧٦/٦): ۔ وشدُ الرحل كناية عن السفر لأنه لازم للسفر، والاستثناءُ مُفرغ، فتقدير الكلام: لا تشد الرحال إلى موضع أو مكان، فإن قيل: فعلى هذا يلزم أن لا يجوز السفر إلى ما كان غير المستثنى حتى لا يجوز السفر لزيارة إبراهيم الخليل صلوات الله تعالى وسلامه عليه ونحوه، لأن المستثنى منه في المفرغ لابد أن يقدر أعم العام. وأجيب بأن المراد بأعم العام ما يناسب المستثنى نوعاً ووصفاً كما إذا قلت: ما رأيت إلا زيداً كان تقديره: ما رأيت رجلاً أو أحداً إلا زيداً، لا ما رأيت شيئاً أو حيواناً إلا زيداً، فها هنا تقديره لا تشد إلى مسجد إلا إلى ثلاثة. اهـ . وفي فتح الباري (٦٦/٣): قال بعض المحققين: قوله: "إلا إلى ثلاثة مساجد" المستثنى منه محذوف، فإما أن يقدر عاماً فيصير: لا تشد الرحال إلى مكان في أي أمر كان إلا إلى الثلاثة أو أخص من ذلك، لا سبيل إلى الأول لإقاضه إلى سد ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾ ١٠١ باب السفر للتجارة وصلة الرحم وطلب العلم وغيرها فتعين الثاني، والأولى أن يقدر ما هو أكثر مناسبة وهو: لا تشد الرحال إلى مسجد للصلاة إلا إلى الثلاثة، فيبطل بذلك قول من منع شدَّ الرحال إلى زيارة القبر الشريف وغيره من قبور الصالحين والله أعلم. اهـ. ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾ ١٠٢ إيقاظ كون المستثنى منه (مسجد) هو ما وافق عليه ابن تيمية فقال فى الفتاوى (١٢/٢٧). "والتقدير في أحد أمرين": أما أن يقال: "لا تشد الرحال"إلى مسجد"إلا إلى المساجد الثلاثة". فيكون نهياً عنها باللفظ. اهـ. وياليته اقتصر على ذلك ولكنه قال: "فيكون نهياً عنها باللفظ، ونهياً عن سائر البقاع التي يعتقد فضيلتها بالتنبيه والفحوى وطريق الأولى ... ثم قال: فإذا كان السفر إلى البقاع الفاضلة قد نهى عنه فالسفر إلى المفضولة أولى وأحرى". اهـ. قلت: العكس هو الصواب تماماً وما قاله ابن تيمية ملزم له، فإن هذه ء المساجد اختصت بزيادة فضل، واستحب السفر لها، فبدلالة النصِّ، وطريق الأولى، فإن السفرَ لهذه البقعة الشريفة أولى من السفر للمساجد الثلاثة، لأن البقعة التي ضمت جسده الشريف أفضل من المساجد الثلاثة، ولا يقارن مسلم عاقل بين الجصِّ والحجارة وبين بقعة ضمت جسد النبي * (١). (١) انظرفي علو مقام سيدنارسول الله صلى الله عليه وآله وسلم"دلالة القرآن المبين على أَنَّ النسبي صلى الله عليه وآله وسلم أفضل العالمين "لسيدي الإمام العلم عبدالله بن الصديق الحسني رحمه الله تعالى وطَيِّب تراه ، وهو مطبوع . ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾ ١٠٣ قال الإمام مالك: "إنَّ البقعة التي فيها جسد النبي لل أفضل من كل شئ حتى الكرسي والعرش ثم الكعبة ثم المسجد النبوي ثم المسجد الحرام ثم مكة". وقد حكى القاضي عياض الإجماع على أنها أفضل بقاع الأرض كما في الشفا. وحكاه قبله أبو الوليد الباجي وغيره وبعده القرافي وغيره من المالكية ويُطلب تفصيل ذلك من معارف السنن شرح سنن الترمذي للسيد العلاَّمةُ المحقق محمد يوسف البنوري الحنفي (٣٢٣/٣). وعليه فقول ابن تيمية المتقدم: "فإذا كان السفر إلى البقاع الفاضلة قد نهى عنه فالسفر إلى المفضلة أولى وأحرى". اهـ، ينبغي أن يزاد عليه: والسفر إلى المكان الأفضل بالإجماع (وهو القبر النبوي الشريف) أولى وأحرى أيضاً بدلالة النص، والله الموفق، والهادي للصواب. الوجه الثاني: قال شيخ الإسلام التقي السُّبكي في شِفاء السِّقام (ص١١٨): اعلم أن هذا الاستثناء مفرغ تقديره لا تشد الرحال إلى مسجد إلا إلى المساجد الثلاثة، أو لا تشد الرحال إلى مكان إلا إلى المساجد الثلاثة ولابد من أحد هذين التقديرين ليكون المستثنى مندرجاً تحت المستثنى منه والتقدير الأول أولى لأنه جنس قریب. اهـ. ﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾ ١٠٤ وعلى اعتبار عموم الحديث أي لا تشد الرحال إلى مكان إلا إلى المساجد الثلاثة، أي العموم الذي يذهب إليه ابن تيمية، قال التقي السُّبكي في شِفاء السِّقام(١) ما ملخصه (ص١١٩ -١٢١): ((السفر فيه أمران، الأول: باعث عليه كطلب العلم وزيارة الوالدين وما أشبه ذلك، وهو مشروع بالاتفاق. الثاني: المكان الذي هو نهاية السفر كالسفر إلى مكة أو المدينة أو بيت المقدس ويشمله الحديث والمسافر لزيارة التي 8# لم يدخل في الحديث لأنه لم يسافر لتعظيم البقعة، وإنما سافر لزيارة من فيها فإنه لم يدخل في الحديث قطعاً، وإنما يدخل في النوع الأول المشروع. فالنهي عن السفر مشروط بأمرين: أحدهما: أن يكون غايته المساجد الثلاثة. والثاني: أن تكون علته تعظيم البقعة. والسفر لزيارة النبي # غايته أحد المساجد الثلاثة وعلته تعظيم ساكن البقعة لا البقعة، فكيف يقال بالنهي عنه ؟ بل أقول: إنَّ للسفر المطلوب سببين أحدهما: ما يكون غايته أحد المساجد الثلاثة، والثاني: ما يكون لعبادة وإن كان إلى غيرها. (١) تقرير الإمام السُّبكي عالٍ وجيد، خرج من إمام مجتهد محقق، وهو وحده كافٍ حلِ الإشكال الضعيف الذي ابتدع في القرن الثامن. ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾ ١٠٥ والسفر لزيارة المصطفى # اجتمع فيه الأمران، فهو في الدرجة العليا من الطلب ودونه ما وجد في أحد أمرين، وإن كان السفر الذي غايته أحد الأماكن الثلاثة لابد في كونه قربة من قصد صالح، وأما السفر لمكان غير الأماكن الثلاثة لتعظيم ذلك المكان، فهو الذي ورد فيه الحديث، ولهذا جاء عن بعض التابعين أنه قال: قلت لابن عمر إني أريد أن آتي الطور. قال: إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد رسول الله8#، ومسجد الأقصى. ودع الطور فلا تأته. اهـ. والحاصل أن الحديث إن حُمِلَ على عمومه وفق مراد ابن تيمية فهو لاَيَردُ على الزيارة مطلقا، لأن المسافر للزيارة مسافر لساكن البقعة كالعالم والقريب وهذا جائز إجماعاً، أما الحديث فوارد في الأماكن فقط، فتدبر تستفد، ولله در التَّقِيِّ السُّكي. ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾ ١٠٦ إيقاظ تقرير التقي السُّبكي يصرح بأن الحديث خاص بالنهي عن السفر للأماكن فقط. وهو يتفق مع ما صرح به ابن تيمية فقد قال (الفتاوي ٢١/٢٧): "قوله#: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) يتناول المنع من السفر إلى كل بقعة مقصودة، بخلاف السفر للتجارة وطلب العلم ونحو ذلك فإن السفر لطلب تلك الحاجة حيث كانت، وكذلك السفر لزيارة الأخ في الله فإنه هو المقصود حیث کان". اهـ. .قلت: وعليه فالحديث خاص بالنهي عن السفر إلى تلك الأمكنة. إذا علم ذلك فزيارة النبي # لا تدخل في الحديث البتة لأنها زيارة وسفر لساكن البقعة وليس للبقعة، فتدبر. ويعد فلعلَّ اللبيب يدرك أنَّ الاستدلال بحديث "لاتشد الرحال" - بعد ذلك - على منع السفر للزيارة هو استدلال بأجنبي. ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾ ١٠٧ الوجه الثالث: إنَّ النهي هنا ليس على وجه واحد، وهو التحريم، فقد اختلفوا على أي وجه هو ؟ قال ابن بَطَّال: هذا الحديث، إنما هو عند العلماء فيمن نذر على نفسه الصلاة في مسجد من سائر المساجد غير المساجد الثلاثة. اهـ. وقال الإمام أبو سليمان الخَطّابي في معالم السنن: هذا "أي حديث لا تشد الرحال ... " في النذر، ينذر الإنسان أن يصلي في بعض المساجد فإن شاء وَفَى به، وإن شاء صلى في غيره إلا أن يكون نَذَرَ الصلاة في واحد من هذه المساجد، فإن الوفاء يلزمُه بما نذره فيها، وإنَّما خصَّ هذه المساجد بذلك لأنها مساجد الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين وقد أمرنا بالاقتداء بهم. اهـ. (معالم السنن ٤٤٣/٢). ومن المقرر أن النذر لا يجب إلا في طاعة(١)، فمعنى الحديث يجب الوفاء، لمن نذر إتيان أحد المساجد الثلاثة للصلاة فيها، فمن نذر إتيان غير هذه المساجد لا يجب عليه الوفاء بالنذر. (١) وزيارة التي # طاعة لذلك يلزم الوفاء بالنذر لمن نذر إتيان القبر الشريف. قال القاضي ابن حَج الشافعي: إذا نذر أن يزور قبر النبي # فعندي أنه يلزم الوفاء بذلك وجهاً واحداً.اهـ (المجموع: ٣٧٦/٨). وابن حَج - بفتح الكاف - هو يوسف بن أحمد الدينوريّ، قال ابن قاضي شُهية (الطبقات ١٩٦/١): أحد الأئمة المشهورين، وحفاظ المذهب المصنفين، وأصحاب الوجوه المتقنين، كان يُضرب به المثل في حفظ المذهب. اهـ. ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾ ١٠٨ قال الإمام النووي: لاخلاف في ذلك إلا ما روى عن الليث أنه قال: يجب الوفاء به، وعن الحنابلة رواية: يلزمه كفارة يمين، ولا ينعقد نذره، وعن المالكية رواية: إذا تعلقت به عبادة تختص به کرباط لزمه، وإلا فلا، وذُكِرَ عن محمد بن مسلمة المالكي في مسجد قباء لأن التي # كان يأتيه كل سبت. اهـ المجموع (٣٧٧/٨). قال ابن بطال: وأماً مَنْ أراد الصلاة في مساجد الصالحين والتبرك بها متطوعاً بذلك فمباح إنْ قَصدها بإعمالِ المطي وغيره ولا يتوجه إليه الذي في هذا الحدیث. اهـ. وقال النووي رحمه الله تعالى في شرح صحيح مسلم: والصحيح عند أصحابنا وهو الذي اختاره إمام الحرمين والمحققون أنّه لا يحرم ولا يكره. قالوا: والمراد أن الفضيلة التامة إنما هي في شد الرحال إلى هذه الثلاثة خاصة والله أعلم. (١٠٦/٩). وقال الشيخ الإمام أبو محمد ابن قدامه المقدسي الحنبلي: فإن سافر لزيارة القبور والمشاهد، فقال ابن عقيل: لايباح له الترخص لأنه منهي عن السفر إليها. قال النبي #: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) متفق عليه، والصحيح إباحته وجواز القصر فيه، لأن النبي # كان يأتي قباء راكباً وماشياً وكان يزور القبورَ وقال: (زوروها (١) تذكركم الآخرة)، (١) والزيارة تقتضي الانتقال مطلقا، فُيحمل لفظَ الزيارة على انتقال بسفر وبدون سفرٍ، فاستدلالُ ابن قدامه استدلال فقيه عارف، وقد حاول ابن تيمية تعقب ابن قدامة فقصر لفظ = ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾ ١٠٩ وأما قوله عليه السلام: (لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)، فيحمل على نفي التفضيل لا على التحريم وليست الفضيلة شرطاً في إباحة القصر، فلا يضر انتفاؤها، (المغني ١٠٣/٢ - ١٠٤). ومثله لأبي الفرج ابن قدامة في الشرح الكبير (٩٣/٢). وقال إمام الحرمين: ((والظاهر أنّه ليس فيه تحريم، ولا كراهة، وبه قال الشيخ أبو علي: ومقصود الحديث تخصيص القربة بقصد المساجد الثلاثة)). اهـ (الروضة: ٣٢٤/٣)، و(المجموع: ٣٧٥/٨). وصفوةُ ما سبق: أنَّ الصلاة في هذه المساجد تختص بطاعة زائدة على ما سواها من المساجد، ولما كان الأمر كذلك فلا يصحُ الوفاء بالنذر إلا إليها. أما غيرها من المساجد فيستوى ثواب الصلاة فيها، والسفر إليها سفر مباح يجوز قصر الصلاة فيه. فإن قيل: هلاّ كشفت لنا ما يزيد ما ذكرته؟ قلت: وبا لله استعنت: ويؤيد من ذهب إلى أن الحديث خاص بالنذر الآتي: ١) ما صحَّ بإسناد رجاله رجال مسلم أنَّ رسول الله:﴿ قال: (إنَّ خير ما رُكبت إليه الرواحل مسجدي هذا والبيت العتيق)، = الزيارة على أنه انتقال بدون سفر، وفي كلام ابن تيمية نظر وتقدم الكلام عليه (ص٨٤،٨٣)، فقدسمى الشارع السفر زيارة ، والصواب مع ابن قدامة. ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾ ١١٠ وسيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى. ٦ والحديث يصرح بأنه يجوز ركوب الرواحل إلى غيرهما من المساجد والبقاع. ٢٠) فَهْمُ الصحابة وهاك بعض الأمثلة: أ) فقد روى عمر بن شبَّه في "تاريخ المدينة" (٤٢/١) من طريق عبدالصمد بن عبدالوارث، حدثنا صخر بن جويرية، عن عائشة بنت. سعد بن أبي وقاص قالت: سمعت أبي يقول: ((لأنْ أُصلي في مسجد قباء ركعتين، أحب إليّ من أن آتي بيت المقدس مرتين، ولو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد الإبل)). قال الحافظ ابن حجر: إسناده صحيح (الفتح: ٦٩/٣). ب) وروى ابن أبي شيبة نحوه في المصنف (٣٧٣/٢). ج) وروى عبدالرزاق في المصنف (١٣٣/٥) عن الثوري، عن يعقوب بن مجمع بن جارية، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب أنه قال: "لو كان مسجد قباء في أفق من الآفاق، ضربنا إليه أكباد المطي". إسناده حسنّ. فإن يعقوب بن مَحْمَع وثقة ابن حبان، وروی عنه إمام کالثوري. وقال الحافظ الذهبي في الكاشف (٣٩٥/٢): وُثْقَ، ومجمع بن جارية صحابي. ولهذا الأثر طريق آخر أخرجه عمر بن شبَّة في أخبار المدينة (٤٩/١) ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾ ١١١ فيه أسامة بن زيد بن أسلم وهو وإن ضُعُّف من قبل حفظه، فهو يصلح في المتابعات والشواهد. وعمر رضي الله عنه من رواة حديث"لا تشد الرحال"، فلو علم أن النهي في الحديث للتحريم لما قال مقولته في مسجد قباء. فتدبر تستفد. د) وأخرج الفا کهي في تاریخ مکة (رقم ٢٥٩٦) بإسناد لا بأس به، حدثنا أحمد بن صالح، قال: ثنا محمد بن عبدالله، عن صخر بن جويرية، عن عائشة بنت سعد قالت: كان سعد رضي الله عنه يقول: لو كنت من أهل مكة ما أخطأني جمعة لا أصلي فيه - يعني مسجد الخيف - ولو يعلم الناس ما فيه لضربوا إليه أكباد الإبل، ولأن أصلي في مسجد الخيف ر کعتين أحب إلى من أن آتي بيت المقدس مرتین فأصلي فيه. وغير خفي أَنَّ سعد بن أبي وقاص كان من أكابر الصحابة، ولو علم أن النهي في الحديث للتحريم، لعلم أن كلامه فيه ردٌّ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. هـ) وروى أحمد في المسند (٣٩٧/٦)، والطبراني في المعجم الكبير (٣١٠/٢) من حديث مَرتد بن عبدالله اليزني عن أبي بَصرةَ الغفّاري قال: لقيت أبا هريرة وهو يسير إلى مسجد الطور ليصلي فيه قال: فقلت له: لو أدركتك قبل أن ترتحل ما ارتحلت قال: فقال ولم ؟ قال: فقلت: إنّي سمعت رسول الله# يقول: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾ ١١٢ المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي). فأبو هريرة لقى أبا بَصرة رضي الله عنهما، وكان أبو هريرة يسير إلى مسجد الطور(١)، ولما أعلمه أبو بصرة بنصِّ الحديث لم يرجع أبو هريرة. ولو كان أبو هريرة قد فهم من الحديث التحريم لرجع ولكنّه لم يفعل، بل ولم يخرج أصلاً لأنه من رواة هذا الحديث، فدلَّ فعلُهُ على أن النهي الذي في الحديث لا يفيد التحريم عند أبي هريرة رضي الله عنه. فأيُ حجةٍ، وأيُّ برهان، وأيُ دليلٍ، يطلب بعد فهم أكابر الصحابة رضي الله عنهم للحديث ؟ ومما سبق يعلم أنه ليس من منطوق أو مفهوم حديث "لا تشد الرحال ... الحديث" نهي عند شد الرحال لزيارة القبر النبوي الشريف، والله أعلم. وتعجبني كلمة الفقيه اللغوي مجد الدين الفيروز آبادي إذ قال في کتابه الصلات والبشر (ص١٢٧): أما حديث لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد فلادلالة فيه على النهي عن الزيارة بل هو حجة في ذلك، ومن جعله دليلاً على حرمة الزيارة فقد أعظم الجراءة على الله ورسوله، وفيه برهان قاطع على غباوة (١) فكلام أبي هريرة وأبي بصرة خاص بالمساجد التي تقصد للصلاة ومثله تماماً نهي ابن عمر لقزعة على السفر للطور، نهي عن السفر إلى موضع يقصد للصلاة فيه أي المساحد، انظره في مجمع الزوائد (٤/٤). ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾ ١١٣ قائله، وقصوره عن نيل درجة كيفية الاستنباط والاستدلال. اهـ. فلا تنظر بعد لمن يردد صدى كلام لا يفقهه، وإنما هو مؤيد فقط لرأي غيره بدون تأمل أو من يلخص ويتعصب !! وبعد ... فهذا أوان الشروع في المقصود بالذات من هذا المصنف وهو تخريج أحاديث التوسّل، والزيارة أسأل الله الإعانة والتوفيق. ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾ ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾ ٠٦ تَخْرِیجُ أَحَادِيثِ التوسّل ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾ ١١٦ الحديثُ الأَوَّلُ قال إمامُ المحدثين محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه (الفتح: ٤٩٤/٢): حدثنا عمرو بن عليّ، قال: حدثنا أبو قتيبة، قال: حدثنا عبدالرحمن بن عبدالله بن دينار عن أبيه قال: سمعت ابن عمر يتمثل بشعر أبي طالب: وأبيضُ يُسْتَسْقَى الغَمامُ بوجههِ ثِمالُ الْيَتَامى عصمةٌ للأرامل وقال عمر بن حمزة: حدثنا سالم عن أبيه "ربما ذكرت قول الشاعر، وأنا أنظر إلى وجه النبي # يستقي، فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب: ثِمالُ اليتامى عصمةٌ للأرامل وأبيضُ يُسْتَسْقِى الغَمَامُ بوجههِ وهو قول أبي طالب. اهـ. قلت: طريق عمر بن حمزة العمري وصلها بسند صحيح أحمد (٩٣/٢)، وابن ماجه (٤٠٥/١)، والبيهقي في دلائل النبوة (١٤٢/٦)، وفي السنن الكبرى (٨٨/٣). كلهم من طريق أبي عقيل عبدالله بن عقيل، وهو ثقة، وهو نص صريح في توسُّل ابن عمر رضي الله عنهما بذاته صلی الله عليه وآله وسلم. وأخرج البيهقي من غير وجه في دلائل النبوة (١٤٠/٦ - ١٤٢) عن سعيد بن خثيم الهلالي، عن مسلم الملائي عن أنس بن مالك قال: جاء أعرابي إلى النبي﴿ فقال: يا رسول الله لقد أتيناك وما لنا بعيرٌ ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾ ١١٧ يئطُ ولا صبي يصيحُ وأُنشده: وقد شُغلت أمُ الصبي عن الطفل أتيناكَ والعذْرَاءُ يَدْمَى لبأنُها من الجوع ضعفا ما يمرُ ولا يُخلِى وألقى بكفيه الصبى استكانة سوى الحنظل العامى والهلعز الفسل ولا شىءَ مما يأكلُ الناسُ عندَنا وأين فرارُ الناس إلا إلى الرسل وليس لنا إلا إليكَ فِرَارُنا فقام رسول الله - حتى صعد المنبر ثم رفع يديه إلى السماء فقال: (اللّهم اسقنا غيثاً مريئاً مربعاً غدقاً، طبقاً عاجلاً غير رائث، نافعاً غير ضار تملأ به الضرع وتنبت به الزرع وتحيي به الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون)، فوالله ما ردَّ يديه إلى نحره حتى ألقت السماء بإبراقها وجاء أهل البطانة يعجون يا رسول الغرق الغرق، فرفع يديه إلى السماء، ثم قال: (اللَّهم حوالينا ولا علينا)، فانجاب السحاب عن المدينة حتى أحدق بها كالإكليل، فضحك رسول الله: ﴿ حتى بدت نواجذه ثم قال: (اللّه در أبي طالب لو كان حياً قرتا عيناه من ينشدنا قوله) ؟ فقام عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: يا رسول الله كأنك أردت: ثِمَالُ اليتامى عصمةٌ للأرامل وأبيضَ يُسْتَسقى الغمامُ بوجههِ فَهْم عِنده في نعمةٍ وفواضل يلوذُ به الهَلاكُ مِن آل هاشم ولما نقاتل دونه ونناضل كَذْبتم وبيت اللهِ نَبْزَی محمَدَاً ونَذْهَلُ عن أبنائنا والحلائِل ونُسْلِمه حتى نُصرعَ حوله ومسلم الملائي ضعيف، وقال الحافظ في الفتح (٤٩٥/٢): وإسناد حديث أنس وإن كان فيه ضعف لكنه يصلح للمتابعة. اهـ وقال ابن هشام في السيرة (٢٨١/١): وحدثني من أثق به فذكره. ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾ ١١٨ الحديث الثاني قال البخاري في صحيحه (الفتح: ٤٩٤/٢): حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال: حدثني أبي عبدالله بن المثنى عن ثمامة بن عبدالله بن أنس عن أنس: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبدالمطلب فقال: (اللّهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقنا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا). قال فيسقون. أسنده البغوي في شرح السُنّة (٤٠٩/٣) هكذا من طريق البخاري. ورواه عن أنس أيضاً ابن خزيمة (رقم ١٤٢١)، وابن حبان (١١٠/٧)، والبيهقي في دلائل النبوة (١٤٧/٦)، وفي السنن الكبرى (٣٥٢/٣)، وابن سعد في الطبقات. ٠٫٠ وهو صريح في التوسّل بالصالحين، لاسيما إذا كانوا من أهل البيت النبوي عليهم السلام. قال الحافظ في الفتح (٤٩٧/٢): ((ويستفاد من قصة العباس استحباب الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوة، وفيه فضل العباس وفضل عمر لتواضعه للعباس ومعرفته بحقه)). اهـ. وليس في هذا الأثر تحريم التوسّل به صلى الله عليه وآله وسلم بعد ﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾ ١١٩ انتقاله لعموم الأدلة، ولأن غاية ما فيه هو جواز ترك التوسّل به، وفرق بين الجواز وغيره. على أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أراد بالتوسّل بالعباس رضي الله تعالى عنه الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في تبجيل وإكرام العباس، وقد كان في الصحابة من هم أفضل من العباس. وقد أخرج الحاكم في المستدرك (٣٣٤/٣) من طريق داود بن عطاء المدني عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر أَنَّه قال: ((استسقى عمر بن الخطاب عام الرمادة بالعباس بن عبد المطلب فقال: اللهم هذا عم نبيك العباس نتوجه إليك به فاسقنا، فما برحوا حتى سقاهم الله، قال: فخطب عمر في الناس فقال: أيها الناس إنَّ رسول الله /# كان يرى للعباسِ مَا يرى الولدُ لوالده يُعظمه ويفخمه ويبر قسمه فاقتدوا أيُّها الناسُ برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عمه العباس واتخذوه وسيلة إلى الله فيما نزل بكم)). وهكذا رواه الزبير بن بكار في الأنساب كما في الفتح (٤٩٧/٢)، وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق من طريق الزبير بن بكار به (٩٣٢/٨). قلت: فيه داود بن عطاء المدني ضعيف، وقد ضعفه به الذهبي في تلخيص المستدرك، وأما الحاکم فلم يتكلم عليه. قال الحافظ في الفتح بعد سياقه لطريق داود بن عطاء الضعيف ما نصُّه: وأخرجه البلاذري من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلم، فقال ﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾