النص المفهرس
صفحات 81-100
٨٠
فزيارته# مطلوبة بالعموم والخصوص لما سبق. اهـ (ص١٠٢ -
٢٠٣).
وأصلُ الكلام في "شِفاء السِّقامِ في زيارةٍ خير الأنام" للتقي السُّبكي.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾
٨١
اعتراض العثيمين، والجواب عليه
وقد اعترض (محمد بن صالح العثيمين) على الاستدلال بالآية
المذكورة فقال في فتاویہ (٨٩/١) ما نصُّه:
(("إذ" هذه ظرف لما مضى وليست ظرفاً للمستقبل لم يقل الله: ولو
أنهم إذا ظلموا بل قال: "إذ ظلموا" فالآية تتحدث عن أمر وقع في حياة
الرسول#، واستغفار الرسول # بعد مماته أمر متعذر، لأنه إذا مات
انقطع عمله إلا من ثلاث كما قال الرسول #: صدقة جارية أو علم
ينتفع به أو ولد صالح يدعو له فلا يمكن للإنسان بعد موته أن يستغفر
لأحد بل ولا يستغفر لنفسه أيضاً، لأنَّ العمل انقطع)). انتهى.
قلت: هذا إقدام جرئ من العثيمين نسأل الله العافية.
وإليك تفنيده بالآتي:
أما قصره "إذ" على الزمن الماضي فقط ففيه نظر لأن "إذ" كما
تستعمل في الماضي فتستعمل أيضاً في المستقبل، ولها معان أخرى ذكرها
ابن هشام في مغني اللبيب (٨٠/١ - ٨٣).
وقد نصَّ على أَنَّ "إذ" تستعمل للمستقبل: الأزهري فقال في تهذيب
اللغة (٤٧/١٥):
العرب تضع "إذ" للمستقبل و"إذا" للماضي قال الله عز وجل:
﴿ولو ترى إذ فزعوا﴾ (سورة سبأ آية رقم ٥١).
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾
٨٢
قلت: ومن استعمال إذ للمستقبل قوله تعالى: ﴿ولو ترى إذ وقفوا
على النار﴾ (الأنعام الآية ٢٧).
﴿ولو ترى إذ وقفوا على ربهم﴾ (الأنعام الآية ٣٠).
﴿ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت﴾ (الأنعام الآية ٩٣).
﴿ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم﴾ (السجدة الآية
١٢)
وأما قوله: واستغفار الرسول # أمر متعذر لأنه إذا مات انقطع
عمله إلا من ثلاث اهـ.
فخطأ: واستغفار سيدنا رسول الله / غير متعذر لأمور:
الأول: قد صحَّ أنَّ النبي ◌َ﴾ قال: (الأنبياء أحياء في قبورهم
يصلون) أخرجه البيهقي في حياة الأنبياء (ص١٥). وأبو يعلى في مسنده
(١٤٧/٦)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٤٤/٢)، وابن عدي في الكامل
(٧٣٩/٢).
وقال الهيثمي في المجمع (٢١١/٨): ((ورجال أبي يعلى ثقات)). اهـ
والحدیث له طرق.
وقال رسول الله﴾: (مررت على موسى وهو قائم يصلي في قبره)
أخرجه مسلم (١٨٤٥/٤)، وأحمد (١٢٠/٣) والبغوي في شرح السنة
:.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾
٨٣
(٣٥١/١٣) وغيرهم.
وقال ابن القيم في نونيته عند الكلام على حياة الرسول بعد مماتهم
(النونية مع شرح ابن عيسى ١٦٠/٢).
شك وهذا ظاهر التبيان
والرسل أكمل حالة منه (١)بلا
شهدائنا بالعقل والبرهان
فلذلك كانوا بالحياة أحق من
فنساؤه في عصمة وصيان
وبأن عقد نكاحه لم ينفسخ
منهن واحدة مدى الأزمان
ولأجل هذا لم يحل لغيره
حى لمن كانت له أذنان
أفليس في هذا دليل أنه
الثاني: ثبت أَنَّ النبي ◌َ﴿ قد صلى إماماً بالأنبياء عليهم السلام في
الإسراء، وهذا متواتر، وكانوا قد ماتوا جميعا، وراجعه موسى عليه السلام
في الصلوات ورأى غيره في السموات.
فمن كان هذا حاله فكيف يتعذر عليه الاستغفار ؟
والصلاة دعاءٌ، واستغفارٌ، وتضرعٌ.
الثالث: قد صَحَّ أن النبي ﴿ قال: (حياتي خيرٌ لكم تُحْدِثُون
ويُحْدَثُ لكم، ووفاتي خير لكم تُعْرَضُ عليَّ أعمالكم فما رأيت من
خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شر استغفرت لكم).
وهو حديث صحيح وقال عنه الحافظ العراقي في طرح التثريب
(٢٩٧/٣): إسناده جيد.
(١) أي الشهید.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾
٨٤
وقال الهيثمي (المجمع ٢٤/٩): رواه البزار ورجاله رجال الصحيح.
وصححه السيوطي في الخصائص (٢٨١/٢).
وكلام العراقي والهيثمي بالنسبة لإسناد البزار فقط.
وإلا فالحديث صحيح كما قال الحافظ السيوطي، وغيره، وسيأتي
الكلام على الحدیث بتوسع إن شاء الله تعالى.
الرابع: استغفار الرسول # حاصل لجميع المؤمنين سواء من أدرك
حياته أو مَنْ لم يدركها قال الله تعالى: ﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين
والمؤمنات﴾ وهذه منة من الله تعالى، وخصوصية من خصوصيات سيدنا
رسول الله
وقد علم مما سبق أَنَّ الأمور الثلاثة المذكورة في الآية وهي:
١. المجئ إليه ﴾.
٢. والاستغفار.
٣. واستغفار الرسول * للمؤمنين.
هذه الثلاثة حاصلة في حياته وبعد انتقاله.
ولا يقال: إنَّ الآية وردت في أقوام معينين لا يقال ذلك لأنه كما هو
معروف "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب".
ولذلك فهم المفسرون وغيرهم من الآية العموم واستحبوا لمن جاء
إلى القبر الشريف أن يقرأ هذه الآية: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم
جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً﴾
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾
٨٥
ويستغفر الله تعالى.
وهذه التفاسير بين أيدينا والمناسك التي صنفها علماء المذاهب كذلك
وكلها تظهر صدق دعوى الاستدلال بالآية.
ولماذا نذهب بعيداً فهذا العلامة أبو محمد ابن قدامة الحنبلي صاحب
المغني، الذي يقول فيه ابن تيمية: مادخل الشام بعد الأوزاعي أفقه من ابن
قدامة. يذكر هذه الآية في المغني (٥٩٠/٣) في صفة زيارة المصطفى 8*
وقد تقدم نحو ذلك في (ص٦٥).
فقد قال في صفة الزيارة ما نصُّه: ثم تأتي القبر فتولٌ ظهركَ وتستقبل
وسطه وتقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام عليك
يا نبي الله وخيرته من خلقه ... إلى أن قال بعد الثناء والصلاة على النبي
*: اللهم إنك قلتَ وقولك الحق: ﴿ولو أنهم إذْ ظلموا أنفسهم جاءوك
فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً﴾ وقد
أتيتُك مستغفراً من ذنوبي، مستشفعاً بك إلى ربي فأسألك يا رب أن
توجب لي المغفرة كما أوجبتها لمن أتاه في حياته، اللهم اجعله أول
الشافعين، وأنجح السائلين، وأكرم الآخرين والأولين، برحمتك يا أرحم
الراحمين. ثم يدعو لوالديه ولإخوانه وللمسلمين أجمعين. انتهى باختصار.
بقى الكلام على قول العثيمين: لأنه إذا مات انقطع عمله إلا من
ثلاث ... الخ.
قلت: سيدنا رسول الله * له من الكمالات والخصوصيات ما لم
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾
٨٦
يصح لأحد، وهذا قرره ابن تيمية في كتابه (الصارم المسلول على شاتم
الرسول) وهو أحسن كتبه، وهو # في ترق وارتفاع إلى يوم الدين، وهذا
أمرٌ معلومٌ من الدين بالضرورة ومقرر في كتب الخصائص، ودلائل النبوة،
والشفا وشروحه.
فقد قال : من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من
اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا. أخرجه مسلم وغيره ..
فجميع الأعمال التي تصدر عن الأمة المحمدية راجعة لدعوة رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم، فثوابها راجع إليه، وهو ينتفع به قطعاً من
غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئاً.
وفي هذا الصواب قال ابن تيمية في الفتاوي (١٩١/١): ثبت عنه #
في الصحيح أنه قال: من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من
اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شئ.
ومحمد# هو الداعي إلى ما تفعله أمته من الخيرات، فما يفعلونه له
فيه من الأجر مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شئ)). انتهى
كلام ابن تيمية.
والحاصل أَنَّ ابن عثيمين زَلَّ فیما قال.
نعوذ بالله من الكلام في كتاب الله بغير علم، والتعدي على مقام
سيدنا رسول الله ﴾.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾
٨٧
ثانياً: الدليل من السُّنة:
وهو ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: الأحاديث الدالة على مطلق الأمر بزيارة القبور:
ولها ألفاظ متعددة بلغت حدَّ التواتر كما في نظم المتناثر (ص ٨٠ -
٨١)، وإتحاف ذوي الفضائل المشتهرة (ص٩٧).
ومن أشهر ألفاظه قوله صلى الله عليه وسلم: (کنت قد نهيتكم عن
زيارة القبور، فزوروها فإنها تذكر الآخرة).
ومن ألفاظه: (فَمَنْ أراد أن يزور القبور فليزر ولا تقولوا هُجْراً).
أخرجه بهذا اللفظ النسائي في سننه (٧٣/٤).
والفعل في سياق الشرط يفيد العموم ولا تجد مخصصاً للحديث.
وقبر سيدنا رسول الله* سيد القبور مطلقاً وأولاها بالزيارة.
* وهنا إشكال حاصله أَنَّه قد حصل الاتفاق على جواز السفر
لطلب العلم وصلة الأرحام وزيارة الإخوة في الله والتجارة، فما الذي
خصَّ أحاديث زيارة القبور وجعل جوازها مقروناً بعدم السفر ؟!
لا شك أن من قيد الأحاديث التي فيها مطلق زيارة القبور يكون قد
أبعد، وردّ على رسول الله /*، فتدبر.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾
٨٨
إيقاظ
لفظ "الزيارة" يلزم منه الانتقال من مكان لآخر.
فالشارع يحضُّ على الانتقال من مكان لآخر من أجل زيارة القبور.
فإن قيل: قد قال ابن تيمية في الردِّ على العلامة الأخنائي (ص ٧٧):
قوله "فزوروا القبور" فالأمر مطلق الزيارة أو استحبابها أو اباحتها لا
يستلزم السفر إلى ذلك لا استحبابه ولا اباحته اهـ.
قلت: الحديث عام لايخصصه شيء، وقد تقرر: أَنَّ الأمر إذا ثبت
ثبتت لوازمه.
وعليه فإذا تعلقت الزيارة بانتقال سفر، فلا يوجد نصّ يمنع من هذا
السفر.
ثم المرجع عند الاختلاف هو الشرع قال الله تعالى: ﴿فإن تنازعتم
في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر
ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ (النساء الآية ٥٩).
وقد سمى الشارعُ السفر زيارة وهو نصٌ لايحتمل التأويل.
فقد أخرج مسلم في صحيحه (١٩٨٨/٤) "أنَّ رجلاً زار أخاً له في
قرية أخرى، فأرصد الله على مدرجته ملكاً فلما أتى عليه قال: أين تريد
؟ قال: أريد أخاً لي في تلك القرية قال: هل لك عليه من نعمة ترُّبُّها؟
قال: لا، غير أني أحببته في الله عز وجل. فقال: إني رسول الله إليك،
بأنَّ الله أحبك كما أحببته".
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾
٨٠
٨٩
فالشارع قد سمى السفر وهو الانتقال من قرية الأخرى زيارة، وعليه
فلفظ الزيارة يحتمل السفر وعدمه.
فقصر لفظ الزيارة على أحد نوعيها، وهو الزيارة التي بدون سفر
تحكم في النصِّ ومخالفة الشرع، والله أعلم.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾
٩٠
فائدة
بين الحافظين العراقي، وابن رجب في الزيارة
قال الحافظ أبو زُرْعة العراقي في طرح التثريب (٤٣/٦):
وكان والدي (أي الحافظ الكبير ولي الله العراقي) رحمه الله تعالى
يحكي أنَّه كان معادلاً للشيخ زين الدين عبدالرحيم بن رجب الحنبلي في
التوجه إلى بلد الخليل عليه السلام، فلما دنا من البلد قال: نويت الصلاة
في مسجد الخليل ليحتزر عن شدِّ الرحل لزيارته على طريقة شيخ الحنابلة
ابن تيمية قال: فقلت: نويت زيارة قبر الخليل عليه السلام ثم قلت له: أما
أنت فقد خالفت النبي# لأنه قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة
مساجد) وقد شددت الرحل إلى مسجد رابع، وأما أنا فاتبعت النبي *
لأنه قال: (زورا القبور) أَفَقَالَ إلا قبور الأنبياء؟ قال: فبهت اهـ.
وأبو الفضل العراقي الكبير كان حافظاً، فقيهاً، أصولياً، فأسكت ابنَ
رجب، رحمة الله على الجميع.
القسم الثاني: الأحاديث الدالة على زيارة قبره صلى الله عليه وسلم
بخصوصه:
ومنها ما هو حسنٌ بل صححه أو حسنه بعض الأئمة كابن السكن،
والسبكي، والسيوطي وإلى الحُسن تكاد تصرح عبارة الذهبي.
ومن أحسنها ما روي من طريق موسى بن هلال العبدي عن عبدالله
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾
٩
ابن عمر العمري وعبيدالله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر قال:
قال رسول الله/: (من زار قبري وجبت له شفاعتي).
والصواب: إثبات رواية العبدي للحديث عن العمري المكبر
والمصغر، والمكبر وإن كان فيه كلام لكنه حسن الحديث. وقال ابن معين
في حديثه عن نافع: صالح ثقة.
ومما يجب أن نلفت نظر القارئ الكريم إليه أَنَّ ابن عبد الهادي الذي
حشد نصوص الجرح في العمري المكبر قد حسَّن حديث العمري هذا في
تنقيح التحقيق (١٢٢/١)، والحجة في قول يحيى ابن معين إمام الجرح
والتعديل وغيره من الأئمة الذين قبلوا حديث العمري.
وموسى بن هلال العبدي روى عنه أئمة حفاظ وهو من شيوخ
أحمد، وقد قال عنه الذهبي في الميزان (٢٢٦/٤): صالح الحديث، وقال ابن
عدي: أرجو أنه لا بأس به.
ومن أحاديث الزيارة ما هو صالح للاحتجاج على طريقة أبي داود
السجستاني في سننه كما ستجده في مكانه إن شاء الله تعالى.
وصفوة القول أنَّ أحاديث زيارة القبر الشريف تصلح لإقامة صلب
الدعوى ومن الجرأة الحكم عليها بالوضع كما زعم بعضهم.
ثالثاً: الإجماع:
وقد نقله جماعة منهم القاضي عياض، فقال في الشفا بتعريف حقوق
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾
٩٢
المصطفى صلى الله عليه وسلم (٧٤/٢):
((زيارة قبره صلى الله عليه وسلم سُنة من سنن المسلمين مجمع عليها
وفضيلة مرغب فيها)). اهـ.
وقال الشوكاني في نيل الأوطار (١١٠/٥):
((واحتج أيضاً من قال بالمشروعية بأنه لم يزل دأب المسلمين
القاصدين للحج في جميع الأزمان على تباين الديار، واختلاف المذاهب
الوصول إلى المدينة المشرفة لقصد زيارته، ويعدون ذلك من أفضل
الأعمال فكان إجماعاً)). اهـ.
وقال العلامة المحقق أبو الحسنات محمد عبدالحي بن عبدالحليم
اللكنوي(١) في "إبرازِ الغي الواقع في شفاء العيّ":
((وأما نفس زيارة القبر النبوي فلم يذهب أحدٌ من الأئمة وعلماء
الملة إلى عصر ابن تيمية إلى عدم شرعيته بل اتفقوا على أنها من أفضل
العبادات وأرفع الطاعات، واختلفوا في ندبها ووجوبها، فقال كثير منهم
بأنها مندوبة، وقال بعض المالكية والظاهرية: إنها واجبة وقال أكثر الحنفية
إنها قريب من الواجب، وقريب الواجب عندهم في حكم الواجب، وأول
من خرق الإجماع فيه وأتى بشئ لم يسبق إليه عالِم قبله هو ابنُ تيمية)).
اهـ.
(١) كلمة العلامة اللكنوي كافية، وشافية، ومرهم لعلل الشذاذ، واللكنوي معروف في
الأوساط العلمية بالتحقيق والإنصاف معاً.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾
٩٣
وقد أتى المعارض هنا بتمحلات، وليس عنده ما يشفي ومن جملة
تمحلاته أَنَّه يعترف بالإجماع المذكور، ولكنَّه حَرَّف الكَلِمَ عن مواضعه
وقال: مقصودهم زيارة القبر الشريف بدون شد الرحل أو زيارة المسجد
إن اقترن بشد الرحل.
وهذا التمحل باطل ويبطله النصوص المتقدمة عن السادة الفقهاء
رضي الله عنهم وعمل الأمة، فمن ذا الذي يتحمل مشقة السفر والتعرض
للمخاطر حتى يحصل أجر ألف صلاة في حين أنه يتمكن من تحصيل أجر
مائة ألف في مكة المكرمة.
لاشك أن الأمة ما شدت الرحل وما سمحت بهذه التفدية العظيمة
إلا لزيارة تلك البقعة المقدسة التي ثوى فيها حبيب رب العالمين وإمام
المرسلين وسيد ولد آدم أجمعين # وبارك عليه، وزاده فضلاً وشرفاً لديه.
ولا يظن ظان أننا ننكر فضل المسجد النبوي، كلا وإنما مع وجود
فضيلة المسجد النبوي فهي تقل عن فضيلة المسجد الحرام كما جاء النصّ
بذلك، فلو كان شدُّ الرحل لتحصيل الأجر فقط لكان المسجد الحرام أولى
وأولى، وانظر رحمني الله وإياك هل تشد الرحال لزيارة المسجد الأقصى
كما تشد للمسجد النبوي؟! فذلك أدل دليل وأقوى برهان على أن الذي
يحث العزائم والركائب هو زيارة سيدنا ومولانا رسول الله:8* وليتنبه
القاريء إلى أَنَّه لم يقل أحد من فقهاء الأمة بنية شد الرحل لزيارة مسجده
* فقط قبل ابن تيمية.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾
٩٤
والحاصل أنَّ الإجماع القولي والعلمي على مشروعية شد الرحل
لزيارة القبر الشريف قد ثبت ثبوت الجبال الرواسي، والحمد لله الذي
بنعمته تتم الصالحات.
وثمَّ ألفاظ وردت عن الإمام مالك رحمه الله تعالى لاتقدح في هذا
الإجماع أجاب أصحابه عليها كما هو معلوم في محله، ومثله ما يروى عن
أبي محمد الجويني في مسألة النذر، فإنه لا تعلق له بزيارة القبر الشريف،
كما حققه التقي السُّبكي في شِفاء السِّقام (ص١٢١ - ١٢٣).
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾
٩٥
حديث "لا تشدُّ الرحال ... الحديث"
يدل بمفهومه على استحباب الزيارة
من المعروف أنَّ ابن تيمية انفرد في القرن السابع بمنع إنشاء السفر
لزيارة التي ږ، وقد أکثر تلميذه ابن عبدالهادي من نقل فتاوى شيخه ابن
تيمية المصرحة بتحريم شد الرحل لمجرد الزيارة، وأعقب فتيا ابن تيمية
مناظرات ومصنفات وفتن.
وأكثر العلماءُ من رَدّ مقالتِه(١).
قال الحافظُ ابنُ حجر في "الفتح" (٦٦/٥) بعد الإشارة لهذه الفتنة:
((والحاصل أنّهم ألزموا ابنَ تيميةَ بتحريمِ شدِّ الرحل إلى زيارة قبر
سيدنا رسول الله ﴿، ثم قال الحافظ: وهي من أبشع(٢) المسائل المنقولة
(١) ومحاولة تصوير الرادِين على ابن تيمية أنهم من علماء السوء تهافت وبعدً عن البحث،
وركوب لِمَقَامٍ الإفساد الذي يرده الواقع، ولا بد من المبالغة في رد أمثال هذه الوساوس.
(٢) قال الشيخ عبدالعزيز بن باز مُعلقاً على عبارة الحافظ المذكورة أعلاه (الفتح: ٦٦/٣):
وهذا اللازم لا بأس به، وقد التزمه الشيخ وليس في ذلك بشاعة بحمد الله عند من عرف السُنّة
مواردها ومصادرها، والأحاديث المروية في فضل زيارة قبر النبي # كلها ضعيفة بل موضوعة،
كما حقق ذلك أبو العباس في منسكه وغيره، ولو صحت لم يكن فيها حُجَّة على جواز شد
الرحال إلى زيارة قبره عليه الصلاة والسلام من دون قصد المسجد، بل تكون عامةً مطلقةٌ.
وأحاديث النهي عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة يخصها ويقيدها)). اهـ.
قلت: إذا كان كلامُ الشيخ ابن تيمية فيه بشاعةٌ شدد بسببها العلماءُ النكيرَ عليه، فالأبشع منه
قولك: ولو صحت ... إلخ، فلازم كلامك تحريم السفر لطلب العلم وصلة الرحم وزيارة أخ في
الله وللتجارة .. إلخ، لأنَّ الأحاديث التي ورَدت في مثل هذه الأنواع عامة مطلقة، وأحاديث =
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾
٩٦
عن ابن تيمية)) اهـ.
وقال الحافظ أبو زرعة العراقي في بعض أجوبته المسماة (الأجوبة
المرضية عن الأسئلة المكية ص٩٦-٩٨)، وهو بصدد الكلام على المسائل
التي انفرد ابن تيمية بها:
"وما أبشع مسألتي ابن تيمية (١) في الطلاق والزيارة، وقد رد عليه
فيهما معاً الشيخ تقي الدين السبكي وأفرد ذلك بالتصنيف فأجاد
وأحسن" اهـ.
وقال أيضاً في طرح التثريب (٤٣/٦):
وللشيخ تقي الدين ابن تيمية هنا كلام بشع عجيب يتضمن منعَ شدِّ
- النهي عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة يخصها ويقيدها حسب عبارتك وهذا لم يقل
به أحد من الأمة، ولا يعقل وكان أولى بالكاتب أن يتقيد مذهبه الحنبلي بَلْهَ مذاهب الأئمة
قاطبة وقد تقدمت بعض نصوصهم ، ولا يخفي على القارئ اللبيب أن الحديث المذكور في شدّ
الرحال لا يفيد العموم، ودونك فهم الصحابة له مثل عمر بن الخطاب، وسعد بن أبي وقاص،
وأبي هريرة وسيأتي إن شاء الله تعالى، والله المستعان.
(١) وكأنَّ ابن تيمية يمنع من الزيارة مطلقا كما يفهم من كلامه فقال في الرد على الأخنائي
(ص١٠٢): والمسافر إليه إنما يسافر إلى المسجد، وإذا سمى هذا زيارة لقبره فهو اسم لا مسمى
له إنما هو اتيان إلى مسجده اهـ وقلده ابن عبد الهادي فقال: ولأن زيارة قبره # لا يتمكن منها
أحد كما يتمكن من الزيارة المعروفة عند قبر غيره. اهـ.
قلت: مشيا رحمهما الله على اشتراط مشاهدة القبر في الزيارة وهو أمر لم يصرح به أحد من
المسلمين، على أنه قد استفاض لفظُ القبر الشريف مع الزيارة والسلام والدعاء وطلب
الاستسقاء والله المستعان.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾
٩٧
الرحل للزيارة، وأنه ليس من القُرَب، بل بضد ذلك، ورد عليه الشيخ تقي
الدين السُّبکي في شفاء السِّقام فشفی صدور قوم مؤمنين اهـ
وذكر الحافظ العلائي المسائل التي انفرد بها ابن تيمية فقال:
((ومنها ... أنَّ إنشاء السفر لزيارة نبينا/ معصية لا تقصر فيها
الصلاة، وبالغ في ذلك ولم يقل به أحد من المسلمين قبله (١) ))
انظر تكملة الردِّ على النونية (ص١٤٣) وبمقولة ابن تيمية فتح في
الأمة باب فتنة، وقضى الله، ولا رادَّ لقضائه.
وعمدة ابن تيمية على هذا المنع حديث: لا تشدُّ الرحالُ إلا إلى ثلاثة
مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا.
والجواب على هذا من وجوه:
الوجه الأول:
هذا الاستثناء المذكور في الحديث استثناء مفرغ، ولابدَّ من تقدير
المستثنى منه، وهو إما أن يُحمَل على عمومه فيقدر له أعمَّ العام لأن
الاستثناء معيار العموم، فيكون التقدير لا تشدُّ الرحالُ إلى مكان إلا إلى
المساجد الثلاثة.
وهذا باطل بداهة لأنه يستلزم تعطيل السفر مطلقاً إلا للمساجد
الثلاثة.
(١) وكلمة الحافظ صلاح الدين العلائي مثبتة للإجماع، نافية للشذوذ.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾
٩٨
ولكن لابد أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه.
قال ابن النجار الحنبلي في "شرح الكوكب المنير" (٢٨٦/٣):
ولا يصح الاستثناء أيضاً من غير الجنس نحو جاء القوم إلا حماراً،
لأن الحمار لم يدخل في القوم، وكذا: له عندي مائة درهم إلا ديناراً
ونحوه، وهذا هو الصحيح من الروايتين عن الإمام أحمد رضي الله عنه
واختيار الأكثر من أصحابنا وغيرهم. اهـ.
واختاره الإمام الغزالي في المنخول (ص١٥٩).
ومن قال بجواز الاستثناء من غير الجنس قال: إنه مجاز.
وعليه فلا يصح أن يقال: قام القوم إلا حماراً مع إرادة الحقيقة. فإن
أراد المجاز صح هنا بأن يجعل الحمار كناية عن البليد، كذا في المدخل لابن
بدران الحنبلي (ص١١٧).
وفيه أيضاً قول الخرقي في مختصره: ومن أقر بشيء واستثنى من غير
جنسہ کان استثناؤه باطلاً. اهـ.
واستظهر أبو إسحق الشيرازي كونَ الاستثناء من غير الجنس من
باب المجاز، كذا في نزهة المشتاق شرح لمع أبي إسحاق (ص٢٣٠ -
٢٣١) لشيخ مشايخنا الشيخ يحيى أمان المكي رحمه الله تعالى.
وصفوةُ القول أن كون المستثنى لابد أن يكون من جنس المستثنى
منه هو مذهب الحنابلة.
وأَنَّ من جَوَّزَه جعله من باب المجاز، فرجع خلافهم إلی وفاق.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾
٩٩
وعلى ما سبق تقريره ينبغي أن يقدر مستثنى منه يوافق المستثنى
(المساجد) المذكور في الحديث. فيكون نظم الحديث كالآتي:
لا تشد الرحال إلى (مسجد) إلا إلى ثلاثة (مساجد).
وروايةٌ شهر بن حوشب في تعيين المستثنى منه مشهورة، وقد
أخرجها أحمد في المسند (٩٣،٦٤/٣)، وأبو يعلى في مسنده (٤٨٩/٢).
وقال الحافظ في الفتح (٦٥/٣): وشهر حسن الحديث وإن كان فيه
بعض الضعف. اهـ.
:
وذكره الذهبي فيمن تكلم فيه وهو موثق (ص ١٠٠)، فهو ممن يحسن
حديثه عند الذهبي أيضاً.
فهذان حافظان جبلان في الحفظ ومعرفة الرجال ذهبا إلى تحسين
حديث شهر بن حوشب، فلا تنظر بعد لتشغيب الألباني وقد رددت عليه
بما سيأتي في مكانه إن شاء الله تعالى، وقد تتابع على تقدير المستثنى
بالمساجد شراح الحديث. وقال الكرماني في شرحه على البخاري
(١٢/٧) عند قوله "إلا إلى ثلاثة مساجد":
والاستثناء مفرغ، فإن قلت: فتقدير الكلام لا تشدُّ الرحال إلى
موضع أو مكان، فيلزم أن لا يجوز السفر إلى مكان غير المستثنى حتى لا
يجوز السفر لزيارة إبراهيم الخليل عليه السلام ونحوه، لأن المستثنى منه في
المفرغ لابد أن يقدر أعم العام، قلت: المراد بأعم العام ما يناسب المستثنى
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾