النص المفهرس
صفحات 61-80
٦٠
عبادة الله محرماً يُخرج فاعلَه من الدين ويوجب له الخلود في جهنم)).
انتهى بحرفه من كتابه ((عقيدة المؤمن)) (ص١٤٤).
والصحيح أنَّ المؤمن لا يعتقد ذلك في إخوانه المؤمنين الذين يعتقدون
ألامؤثر إلا الله جلَّ وعَزَّ، وغاية عملهم أنهم علموا منزلة النسبي 8# عند
رَبَّه فتوسلوا به واتبعوا الأدلةَ الصحيحةَ، وقد تأسوا في ذلك بالصحابة
رضوان الله عليهم.
وقد أخطأ (أبو بكر الجزائري) فكفّر عبادَ الله الصالحين، وهذا
التكفير الجزاف لا ارتباط له بكتاب أو سنة ولا بما عليه السواد الأعظم،
ولم يقل ذو عقل، ودين بمقولته الفاسدة إلا من كان على رأي الخوارج،
نسأل الله العافية.
وللأسف قد طبع كتابه مرات، وليتأمل القاري المنصف كم من
المسلمين فُتنوا بهذا الباطل، والله المستعان.
ولابد أن يفرق المنصفُ بين وقوع الفعل في حدود ما أباحه
الشارع ووقوعه إذا خرج عن المحدود وإن كان جائزاً في نفسه، فلا
يعني وقوع بعض الألفاظ المتوهمة من العوام ضرورة منع الأصل الذي
أباحه الشرع، فتدبر.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾
٦١
وإذا كان أبو بكر الجزائري قد تفوه بالتكفير، فهناك آخر هو (محمد
صالح العثيمين) الذي أصرّ على اعتبار التوسّل من مباحث الاعتقاد
واستدل على مقولته بما لم يصرح به مسلم فقال:
((بالنسبة للتوسّل فهو داخل في العقيدة لأن المتوسّل يعتقد أنَّ لهذه
الوسيلة تأثيراً في حصول مطلوبه ودفع مكروهه، فهو في الحقيقة من
مسائل العقيدة، لأن الإنسان لا يتوسّل بشئ إلا وهو يعتقد أن له تأثيراً
فيما يريد)) اهـ من فتاوي ابن عثيمين (٣:١٠٠) كما نقله عنه جامع
(فتاوى مهمه لعموم الأمة ص٨٩).
قلت: اثبتِ العرش ثم انقش، فمن الذي أطلعك على ما في صدور
المتوسلين حتى تصرح بهذه المقولة الشنيعة، التي يلزم منها تكفير المتوسلين
جمیعاً.
إنَّ ما قاله منافٍ للاعتقاد تماماً فكلُ مسلم يعتقد اعتقاداً جازماً أنَّ
الله جلَّ وعزَّ هو النافعُ، وهو الضار، وأن المؤثر الحقيقي هو الله، وأنّه
وحده مسببُ الأسباب، فلا فاعل إلا الله، ولا خالق سواه، وإليه يرجع
الأمر كلَّه، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
وغاية ما في المتوسّل أن يقول: اللهم إني أسألك أو أتوسّل إليك
بنبيك# أو بالولي الفلاني مثلاً.
فالمتوسل سأل الله تعالى ولم يسأل سواه، ولم ينسب إلى المتوسَل به
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾
٦٢
تأثيراً أو فعلاً أو خلقاً، وإنما أثبت له القربة والمنزلة عند الله تعالى فقط،
وتلك المنزلة ثابتة له في الدنيا والآخرة، وإليه نذهب يوم القيامة طلباً
للشفاعة.
... ومن يعتقد أنَّ إخوانه المسلمين يعتقدون أنَّ المتوسَّل به له تأثير
فيكون قد كفّرهم، ونصَّب نفسه مقامَ العارف بما في الصدور، وهذه
فتاوي يضحك بها هؤلاء الشيوخ على البسطاء ليوضحوا لهم أن
المتوسلين من جلدة أخرى، وكلام العثيمين ينسحب إلى التوسّل كله،
والحق يقال: إنّه كلام لا علاقة له بالعلم بل هو نوع من أنواع الجهل،
والتعالم، وسوء الظنِّ بالمسلمين، وكم من حوادث وفتن تتبع هذه
الفتاوى.
وكم من جاهل كفّر أبويه أو أهل خطته بسبب اغتراره بمثل هذه
الفتاوى، ولو تمهل المفتي وفكر قليلاً لأدرك سخف مقولته . ... }
: والعجب أنّه أطلق وما قيد، فهل للعمل الصالح المتوسَّل به تأثيرٌ
بذاته؟
%
ومحال أن الصحابة اعتقدوا هذا الاعتقاد في البي # والعباس ويزيد
عندما توسلوا بهم.
ومحال أنَّ يعتقد السلف ومتهم الإمام أحمد الذين توسّلوا بالني #
(كما صرح به ابن تيمية في التوسّل والوسيلة ص٩٨) هذا الاعتقاد
الفاسد.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾
٦٣
والحنابلة يجوزون أو يستحبون التوسّل بالنبي 8 كما صرح إمامهم
ابن قدامه بذلك في المغني، فهل يراهم يعتقدون مثل هذا الاعتقاد ؟ !!
إنَّ من الآفات المردية التسرع في رمي العباد بالعظائم، والحاصل أن
ما قاله العثيمين لا يصلح دليلاً على ما ادعى بل هو مما يدوم ضررة، لأن
آثاره نراها دارجة تفرق بين المسلمين، نسأل الله لنا جميعاً الهداية
والتوفيق.
ولو حَسَّن الشيخ الظنَّ بإخوانه المسلمين لكان له موقف آخر، ولهذه
الفتوى وصاحبها محمد بن صالح العثيمين نظائر، والله المستعان.
وليكن هذا آخر الكلام على مبحث التوسّل، والحمد لله أولا
وآخراً، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾
٦٤
المقدمة الثانية
في الكلام على الزيارة
كلامُ الأئمةِ الفقهاء في استحباب أو وجوب
زيارة القبر الشريف
قال الإمام - المجمع على علّمه وفضله - أبو زكريا النووي رحمه
الله تعالى:
((واعلم أنَّ زِيارةً قبرِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلْمَ مِن أهمٌ
القربات، وأنجح المساعي، فإذا انصرف الحجاجُ والمعتمرونَ مِن مكةً
استحب لهم استحباباً متأكداً أن يتوجهوا إلى المدينة لزيارته صلى الله عليه
وسلَّمَ، وينوي الزائرُ من الزيارةِ التقربَ وشدَّ الرحل إليه والصلاة فيه)).
اهـ (المجموع: ٢٠٤/٨).
وقال أيضاً في الإيضاح في مناسك الحج:
((إذا انصرف الحجاجُ والمعتمرون من مكةً فليتوجهوا إلى مدينةٍ
رسول الله # لزيارة تربته صلى الله عليه وسلَّم فَإِنّها من أهمِّ القربات
وأنجح المساعي، وقد روى البَزَّر والدارقطني بإسنادهما عن ابن عمر
رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله : (من زار قبري وجبت له
شفاعتي))) اهـ (ص٢١٤).
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾
٦٥
وعلّق الإِمام الفقيه ابنُ حجر الهيتمي على الحديث، فقال في حاشية
الإيضاح:
((الحديث يشمل زيارته صلى الله عليه وسلم حياً وميتاً، ويشمل
الذكر والأنثى، الآتي من قرب أو بعد، فيستدل به على فضيلة شدّ
الرحال لذلك، وندب السفر للزيارة إذ للوسائل حكم المقاصد)). اهـ.
(ص٢١٤ حاشية الإيضاح).
وقال الإمام المحقق الكمال ابن الهُمام الحنفي في شرح فتح القدير:
المقصد الثالث في زيارة قبر النبي 8 * :
قال مشايخنا رحمهم الله تعالى: من أفضل المندوبات، وفي مناسك
الفارس وشرح المختار: إنَّها قريبة من الوجوب لمن له سعة.
ثم قال بعد كلام ما نصُّه: والأولى فيما يقع عند العبد الضعيف
تجريد النية لزيارة قبر النبي # ثم إذا حصل له إذا قَدَّمَ زيارةَ المسجد أو
يستفتح فضل الله سبحانه في مرة أخرى ينويهما فيها، لأنَّ في ذلك زيادة
تعظيمه صلى الله عليه وسلم وإجلاله. اهـ (١٧٩/٣ - ١٨٠).
وعلّق عليه العلاّمة محمد أنور شاه الكشميري فقال:
وهو الحق عندي، فإن آلاف الألوف من السَلَف کانوا یشدون
رحالهم لزيارة التي # ويزعمونها من أعظم القربات، وتجريد نياتهم إنها
كانت للمسجد دون الروضة المباركة باطل، بل كانوا ينوون زيارة قبر
التي # قطعاً. اهـ (فيض الباري: ٤٣٣/٢).
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾
٦٦
قلت: کلامہ صوابٌ وحیدٌ - رحمه الله تعالى - وكيف لا يكون
كذلك وقد تركوا ثواب مائة ألف صلاة في مكة المكرمة وبذلوا النفس
والنفيس وسافروا أترى لماذا. ؟
لماذا تركوا بلداً قال فيها رسول الله ﴾ : (والله إنَّكِ لخير أرض الله
وأحب أرض الله إلى الله).
هل تركوا ذلك من أجل زيارة المسجد كما يقولون ؟
كلا ولو استظهروا بالثقلين لخالفوهم ولقالوا: إنما شدوا الرحال
لزيارة الحبيب المصطفى # فقط .
وفي ردِّ المحتار على الدر المختار:
"قوله مندوبة": أي بإجماع المسلمين كما في اللباب، قوله: ((بل قيل
واجبة)) ذكره في شرح اللباب، وقال كما بينته في "الدرة النبوية في
الزيارة المصطفوية"، وذكره أيضاً الخير الرملي في حاشية المنح عن ابن
حجر قال: وانتصر له، نعم عبارة اللباب والفتح وشرح المختار إنها قريبة
من الوجوب لمن له سعة، وقد ذكر في الفتح ما ورد في فضل الزيارة
وذكر كيفيتها وآدابها وأطال في ذلك وكذا شرح المختار واللباب. اهـ.
قوله: "ويبدأ ... إلخ". قال في شرح اللباب: وقد روى الحسن عن
أبي حنيفة أنَّه إذا كان الحج فرضاً، فالأحسن للحاج أن يبدأ بالحج ثم
يثني بالزيارة وإن بدأ بالزيارة جاز. اهـ (رد المحتار على الدر المختار:
٢٥٧/٢).
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾
٦٧
وقال علي القارى:
وقد فرَّط ابنُ تيمية من الحنابلة حيث حرم السفر لزيارة النبي 8# كما
أفرط غيره حيث قال: كون الزيارة قربة معلومة من الدين بالضرورة
وجاحده محكوم عليه بالكفر، ولعلَّ الثاني أقرب للصواب لأن تحريم ما
أجمع العلماء فيه بالاستحباب يكون كفراً، لأنه فوق تحريم المباح المتفق
عليه في هذا الباب. اهـ (٥١٤/٢ من شرح الشفا بهامش نسيم الرياض).
وقال القاضي عياض في الشفا (٧٤/٢):
فصل في حكم زيارة قبره صلى الله عليه وسلم وفضيلة من زاره
وسلّم عليه، و کیف یُسلّم ويدعو وزيارة قبره صلى الله عليه وسلم سنة
من سنن المسلمين مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها. اهـ.
وقال في موضع آخر (٧٥/٢) نقلاً عن ابن عبدالبر:
الزيارةُ مباحة بين الناس، وواجب شد المطي إلى قبره صلى الله عليه
وسلم قال عياض: يريد بالوجوب هناوجوب ندب وترغيب وتأكيد لا
وجوب فرض. اهـ.
وقال العلامة الدردير في الشرح:
وندب زيارة النبي # وهي من أعظم القربات. اهـ (٣٨١/٢).
وقال محقق مذهب الحنابلة أبو محمد بن قدامة المقدسي:
ويستحب زيارة قبر النبي # لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر
قال: قال رسول الله : (من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾
٦٨
في حياتي). وفي رواية (من زار قبري وجبت له شفاعتي) رواه باللفظ
الأول سعید ثنا حفص بن سليمان عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر، وقال
أحمد في رواية عبد الله عن يزيد بن قُسَيْط عن أبي هريرة أن النبي #
قال: (ما من أحد يسلم عليّ عند قبري إلا رد الله علي روحي حتى
أرد عليه السلام). وإذا حج الذي لم يحج قط يعني من غير طريق الشام
لا يأخذ على طريق المدينة لأني أخاف أن يحدث به حدث فينبغي أن
يقصد مكة من أقصر الطرق ولا يتشاغل بغيره، ويروى عن العُتي قال:
كنت جالساً عند قبر النبي # فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول
سمعت الله يقول: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله
واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً﴾، وقد جئتك مستغفراً
لذني مستشفعاً بك إلى ربي ثم أنشأ يقول:
فَطَابَ مِن طِيبهنَّ القاعُ والأكمُ
يا خيرَ مَنْ دُفنت بالقاعِ أعْظُمُه
فيهِ العفافُ وفِيهِ الْجُود والگَرَمُ
نَفْسي الفداءُ لقبرٍ أَنْتَ سَاكِنَهُ
ثم انصرف الأعرابي فحملتني عينى فنمت فرأيت النبيَّ# في النوم،
فقال: يا عتي الْحَقْ الأعرابىَّ فبشره أنَّ الله غفر له. اهـ (المغني: ٥٨٨/٣ -
٥٨٩).
وقال أبو الفرج ابن قدامة الحنبلي في الشرح الكبير:
(مسألة): "فإذا فرغ من الحج استحب زيارة قبر النبي 8# وقبر
صاحبيه رضي الله عنهما". تستحب زيارة قبر النبي # لما روى الدارقطني
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾
٦٩
بإسناده عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : (من
حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي)، وفي رواية: (من زار
قبري وجبت له شفاعتي) رواه باللفظ الأول سعيد.
وقال أحمد في رواية عبد الله عن يزيد بن قُسَيْط عن أبي هريرة
رضي الله عنه أن رسول الله ﴿ قال: (ما من أحد يسلم علي عند قبري
إلا ردّ الله عليَّ روحي حتى أرد عليه السلام). اهـ.
ثم ذكر قصة العتي التي تقدمت (الشرح الكبير: ٤٩٤/٣).
وقال الشيخ منصور البهوتي في كشَّاف القناع:
(فصل): وإذا فرغ من الحج استحب له زيارة النبي #، وقبر
صاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما لحديث الدارقطني عن ابن عمر
قال: قال رسول الله ﴾ : (من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني
في حياتي). وفي رواية: (من زار قبري وجبت له شفاعتي) رواه باللفظ
الأول سعید.
تنبيه: قال ابنُ نصر الله: لازم استحباب زيارةٍ قبرهِ صلى الله عليه
وسلم استحبابُ شَدِّ الرحال إليها لأنَّ زيارته للحاج بعد حجة لا تمكن
بدونِ شَدِّ الرحلِ، فهذا كالتصریح باستحباب شد الرحل لزيارته صلى
الله عليه وسلم)). اهـ (٥١٤/٢ -٥١٥)، وذكر قصة العُتي التي تقدم
ذ کرها.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾
٧٠
وفي متن المقنع: إذا فرغ من الحج استحب له زيارة قبر النبي #
وزيارة قبر صاحبيه رضي الله عنهما (٢٥٨/٢ مع المبدع).
وكذا في المبدع شرح المقنع لابن مُفْلِح، وقرر عليه وزاد بذكر قصة
العُنْي (٢٥٨/٢ -٢٦٠).
وقال أبو الحسن المزداوي في الإنصاف (٥٣/٤):
(("قوله فإذا فرغ من الحج استحب له زيارة قبر النبي {8# وقبر
صاحبيه".هذا المذهب وعليه الأصحابُ قَاطِيةً متقدمهم ومتأخرهم)).
اهـ.
وفي زاد المستقنع مختصر المقنع:
((ويستحبُ زيارة قبر النبي ﴿، وقبر صاحبيه رضي الله عنهما)).
اهـ (الروض المربع ص ١٥٢).
هذا حاصل ما للسادة فقهاء المذاهب الأربعة في مسألة الزيارة، وقد
. علمت مما سبق اتفاقهم على طلب الزيارة وجوباً وندباً، وتسابقوا في ذكر
تأكيدها وجريان عمل المسلمين على ذلك.
وفيما ذكر كفاية لمن كان من أهل العناية، وسَلَّمَ لأولي الفقه وعرف
قدَّره ووقف عنده.
أما من رغب في معرفة الدليل فإنهم استدلوا على مطلوبهم بالكتاب،
والسُّنَّة، والإجماع:
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾
٧١
أولاً - الدليل من الكتاب:
قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ أَنْهِم إذْ ظَلَمُوا أَنْفَسُهم جَاءُوك
فاستغفَرُوا الله واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرسولُ لَوَجَدُوا اللّه تَواباً رحيماً﴾.
هذه الآية تشمل حَالَتَيْ الحياة وبعد الإنتقال، ومن أراد تخصيصها
%:
بحال الحياة، فما أصاب لأن الفعل في سياق الشرط يفيد العموم، وأعلى
صيغ العموم ما وقع في سياق الشرط، كما في إرشاد الفحول (ص١٢٢)
وغيره.
قال شيخنا العلامة المحقق السيد عبدالله بن الصديق الغُماري رحمه
الله تعالى: فهذه الآية عامة تشمل حالة الحياة وحالة الوفاة وتخصيصها
بأحدهما يحتاج إلى دليل، وهو مفقود هنا، فإن قيل: من أين أتى العموم
حتى يكون تخصيصها بحالة الحياة دعوى تحتاج إلى دليل ؟ قلنا: من وقوع
الفعل في سياق الشرط، والقاعدة المقررة في الأصول أَنَّ الفعل إذا وقع في
سياق الشرط كان عاماً، لأن الفعل في معنى النكرة لتضمنه مصدراً
منكراً، والنكرة الواقعة في سياق النفي أو الشرط تكون للعموم وضعاً.
انتهى من الردِّ المحكم المتين (ص٤٤).
فالآية الشريفة طالبة للمجئ إليه صلى الله عليه وسلم في جميع
الحالات لوقوع "جاءوك" فيها في حيز الشرط الذي يدل على العموم.
وقد فهم المفسرون من الآية العموم، ولذلك تراهم يذكرون معها
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾
٧٢
حكاية العُتّبي الذي جاء للقبر الشريف مستشفعاً بالنبي # ، فقال ابن
کثیر في تفسيره (٣٠٦/٢):
وقد ذكر جماعة منهم الشيخ أبو النصر الصَّباغ في كتابه الشامل
الحكاية المشهورة عن العُنْي قال: كنت جالساً عند قبر النبي # فجاء
أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله سمعت الله يقول: ﴿ولو أنهم
إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا
الله تواباً رحيماً﴾، وقد جئتك مستغفراً لذني مستشفعاً بك إلى ربي ثم
أنشأ يقول:
فَطَابَ مِن طِيبِهِنَّ القاعُ والأُكمُ
يا خيرَ مَنْ دُفنت بالقاعِ أعْظُمُه
فيهِ العفافُ وفيهِ الْجُودُ والگرَمُ
نَفْسي الفداءُ لقبرِ أَنْتَ ساكِنَهُ
ثم انصرف الأعرابي فغلبتني عين فرأيت التي # في النوم فقال: يا
عتبي إلحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له(١).
(١) وقد ذكر قصة العتي الإمام المجمع على فضله وعلمه يحيى بن شرف النووي الشافعي
رحمه الله تعالى في كتابه "الأذكار" .
ولكن بعض القائمين على نشر الكتاب فارق الأمانة فبادر بحذف قصة العتبي في الطبعة
التي حققت لحساب دار الهدى بالرياض سنة (١٤٠٩) ..
ولم يكتفوا بهذا التحريف فله نظائر أخرى في نفس الكتاب منها :
أن الإمام النووي قال في الأذكار :
"فصل" في زيارة قبر رسول الله ! وأذكارها: اعلم أنه ينبغي لكل من حج أن يتوجه إلى
زيارة رسول الله # سواء كان ذلك طريقه أو لم يكن فإن زيارته صلى الله عليه وسلم من =
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾
٧٣
- أهم القربات وأربح المساعي وأفضل الطلبات ... إلخ. هذه عبارة الإمام النووي ، ولكنهم
حرَّفوا عبارة النووي، وهذا نصُّ تحريفهم (ص٢٩٥):
"فصل" في زيارة مسجد رسول اله : اعلم أنه يستحب من أراد زيارة مسجد رسول الله
* أن يكثر من الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم ... إلخ.
فليتقِ الله هؤلاء المتلاعبون، وانظر إلى نصرة الباطل بالباطل ، فهولاء أيدوا الباطل وكذبوا
على النووي، وعلى مذهب الشافعي وعلى المسلمين الذين أجمعوا على استحباب السفر لزيارة
القبر الشريف ، وصدق رسول الله :﴿ القائل: (إذا لم تستحٍ فاصنع ما شئتَ).
وظننت أن المحقق للطبعة المحرفة الشيخ "عبد القادر الأرناؤوط " هو الذي حرف الكتاب
ليروج عند بعضهم، ثم التقيت بابنه " محمود" بدبي فتفى نفياً قاطعاً عن والده هذا التحريف ،
فقلت له : إذا كان كذلك فلا بد من كتابةٍ تمحو إلصاق هذا الفعل المشين به ، خاصة وأن هذا
باب إذا فتح لم يغلق .
ثم وقفت على تبرئة الشيخ عبد القادر الأرناؤوط بخطه ، وقد عَصَّب الجناية بطرف آخر ،
ولا أظن أن هذا الطرف المسيء وقف عند حد تحريف كتاب " الأذكار " فقط ، بل لابد وأن
يكونوا جاوزوا هذا الحد إلى حدود أخرى أبعد وأعظم أثراً، وقد ينتهون بهذا التحريف وبهذه
الجرأة على تغيير وتشويه كتب الأئمة المتقدمين ، استهانة منهم بكل ما خالفهم .!
نصُّ براءة الشيخ عبد القادر الأناؤوط من تحريف كتاب
الأذكار للإمام النووي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،
وبعد :
فإن هذا الكتاب الذي بين أيدينا ( الأذكار ) للإمام النووي رحمه الله قد طبع بتحقيقي في
مطبعة الملاح بدمشق سنة (١٣٩١) هـ ، الموافق (١٩٧١) م، ثم قمت بتحقيقه مرة أخرى
وقام بطبعه صاحب دار الهدى بالرياض الأستاذ أحمد النحاس ، وكان قد قدمه للإدارة العامة
لشؤون المصاحف ومراقبة المطبوعات برئاسة البحوث العلمية والدعوة والإرشاد في الرياض ،
وسلم الكتاب إلى هيئة مراقبة المطبوعات ، وقرأه أحد الأساتذة فتصرف فيه في ( فصل في =
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾
٧٤
= زيارة قبر رسول الله #) وجعله ( فصل في زيارة مسجد رسول الله (38) مع تغيير بعض
العبارات في هذا الفصل صفحة (٢٩٥)، وحذف من صفحة (٢٩٧) قصة العتي ، وهو محمد
ابن عبد الله بن عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبى سفيان صخر بن حرب بن أمية
الأموي العتي الشاعر ، الذي ذكر قصة الأعرابي الذي جاء قبر رسول الله 8﴿ وقال له :
منتك مستغفراً من ذني .
وأن العتي رأى النبي # في المنام وقال له: يا عتي إلحق الأعرابي فبشره بأن الله قد غفر له
وحذف التعليق الذي ذكرته حول القصة ، وقد ذكرت أنها غير صحيحة ، ومع ذلك كله
حذفها ، وحذف التعليق الذي علقته عليها .
وهذا التصرف الذي حصل في هذا الكتاب لم يكن من أنا العبد الفقير إلى الله تعالى العلي
القدير ( عبد القادر الأرناؤوط) وكذلك لم يكن من صاحب دار الهدى الأستاذ أحمد النحاس ،
وإنما حصل من هيئة مراقبة المطبوعات ، وصاحب دار الهدى ومحقق الكتاب لا يحملان تبعة
ذلك ، إنما الذي يحمل تبعة ذلك هيئة مراقبة المطبوعات ، ولاشك أن التصرف في عبارات
المؤلفين لايجوز ، وهي أمانة علمية ، وإنما على المحقق والمدقق أن يترك عبارة المؤلف كما هي،
وأن يعلق على ما يراه مخالفاً للشرع والسنة في نظره ، دون تغيير لعبارة المؤلف .
وكان الأخ في الله الأستاذ أحمد النحاس كلمني بالهاتف من الرياض إلى دمشق ، وذكر لي
أن المدقق تصرف في الكتاب ، وأنه حصل تغيير وتبديل ، ولكن كل ظني أنه تصرف مع
التعليق على ذلك المكان ، كما هي عادة المحققين والمدفقين .
وأخيراً طبع الكتاب وطرح إلى السوق في الرياض ، وبعد اطلاعنا على الكتاب ما كان من
صاحب دار الهدى الأستاذ أحمد النحاس إلا أن قام بطباعته مرة أخرى ، ورد قصة العتيبي
المحذوفة إلى مكانها كما كانت سابقاً في جميع الطبعات ، مع التعليق عليها من قبلي ، وزدت
عليه مبيناً أن هذه القصة غير صحيحة ، وفي هذه الطبعة الأخيرة رد كلام النووي كما كان
أيضاً في جميع الطبعات مع التعليق عليه .
قال الله تبارك وتعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً، يصلح لكم
أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً﴾ (الأحزاب: ٧٠ -
٧١)، كما نسأله تعالى أن يجعل قلوبنا طاهرة من الحقد والحسد، وعامرة بذكر الله تعالى =
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾
٧٥
=والصلاة على رسوله #، وأن يلهمنا القول بالحق في الرضى والغضب، وأن يرزقنا التقوى
في السر والعلانية ﴿هو أهل التقوى وأهل المغفرة﴾ (المدثر: ٥٦)، إنه على كل شيء قدير
وبالإجابة جدير ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
دمشق : ١ ربيع الأول ١٤١٣ هـ .
٢٩ آب ١٩٩٢ م .
طالب العلم الشریف ..
العبد الفقير إلى الله تعالى العلى القدير
( عبد القادر الأرناؤوط )
انظر في (ص٣٧٧ - ٣٧٩) صورة لهذه التبرئة بخط يد الشيخ عبد القادر الأرناؤوط . .. "
وهكذا انطفأَ سراجُ الأمانة ، وعبث الصغارُ يكتب الكبار .
وَذَكَّرَنِي هذا التحريف والتعدي بِسَلَف هذا المُتعدي .
ففي طبقات الشافعية الكبرى للإمام عبد الوهاب بن علي السُّبكي (١٦/٢، ١٧):
"قد تزايد الحال بالخطابية، وهم المجسِّمة في زماننا هذا، فصاروا يَرَوْنَ الكذب على
مخالفيهم في العقيدة ، لاسيما القائم عليهم بكل ما يسوءه في نفسه وماله ، وبلغني أن كبيرهم
استُفتيّ في شافعيّ ؛ أيشهد عليه بالكذب ؟ فقال: ألستَ تعتقد أن دمه حلال ، قال: نعم،
قال : فما دون ذلك دون دمه ! فاشهد وادفع فساده عن المسلمين ، فهذه عقيدتهم ، ویرون
أنهم المسلمون، وأنهم أهل السنة ولو عُدُّوا عدداً لما بلغ علماؤهم - ولا عالم فيهم على الحقيقة -
مبلغاً يعتبر ، ويكفرون غالب علماء الأمة ، ثم يعتزون إلى الإمام أحمد بن حنيل رضى الله عنه
وهو منهم بريء ، ولكنه كما قال بعض العارفين ورأيته بخط الشيخ تقي الدين ابن الصلاح:
إمامان ابتلاهما الله بأصحابهما وهما بريّان منهم ؛ أحمد بن حنبل ابتلي بالمجسمة ، وجعفر
الصادق ابتلي بالرافضة " اهـ .
ثم قال الإمام ابن السُبكي (١٩/٢) :
" وقد وصل حال بعض المجسِّمة في زماننا إلى أن كتب شرح " صحيح مسلم" للشيخ محي
الدين النوويّ،وحذف من كلام التروي ما تكلم به على أحاديث الصفات، فإن النوويّ
أشعري العقيدة ، فَلَمْ تحمل قوى هذا الكاتب أن يكتب الكتاب على الوضع الذي صنفه =
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾
٧٦
«مصنفه ، وهذا عندي من كبائر الذنوب ؛ فإنه تحريف للشريعة ، وفتح باب لا يؤمن معه
بكتب الناس وما في أيديهم من المصنفات ، فقّح الله فاعله وأخزاه ، وقد كان في غُنية عن
كتابة هذا الشرح، وكان الشرح في غُنية عنه " اهـ.
ومثل هذا التحريف تجده في نسخ الإبانة لأبي الحسن الأشعري المطبوعة بواسطة أذناب
الكرامية .
قال الإمام أبو الحسن الأشعري في كتابه " الإبانة " المُحَقّق على أربع نسخ خطية والمطبوع
في ( دار الأنصار بتحقيق الدكتورة فوقية ص ٢١ ) ما نصُّه :
" وأنَّ الله تعالى استوى على العرش على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده، استواءٌ
مُنَزَّهاً عن المماسَّة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال ، لا يحمله العرش ، بل العرش وحملته
محمولون بلطف قدرته ، ومقهورون في قبضته ، وهو فوق العرش ، وفوق كل شيء إلى تخوم
الثرى ، فوقّة لا تزيده قرباً إلى العرش والسماء ، بل هو رفيع الدرجات عن العرش ، كما أنّه
رفيع الدرجات عن الثرى ، وهو مع ذلك قريب من كل موجود ، وهو أقرب إلى العبد من
حبل الوريد ، وهو على كل شيء شهيد " .
وهذا النِّص لا تجده في النسخ المحرفة .
وانظر ما كتبه فضيلة أستاذنا الشيخ " وهي سليمان الألباني" عن التحريف في كتاب
الإبانة .
وقال الشيخ " زاهد الكوثري" في تكملة الرد على نونية ابن القيّم (ص ٨٥) :
: "قال أبو حيان الأندلسي الحافظ في تفسير قوله تعالى ﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾
وقد قرأت في كتاب لأحمد بن تيمية هذا الذي عاصرناه ، وهو بخطه سماه كتاب العرش :
إنّ الله يجلس على الكرسي وقد أخلى مكاناً يقعد معه فيه رسول الله لا، تخيّل عليه محمد
بن علي بن عبد الحق ، وكان من تخيّله أنه أظهر أنه داعية له حتى أخذ منه الكتاب وقرأنا
ذلك فيه "، كما ترى ذلك في النسخ المخطوطة من تفسير أبي حيّان، وليست هذه الجملة
بموجودة في تفسير البحر المطبوع ، وقد أخبرني مصحح طبعه بمطبعة السعادة أنه استفظعها جداً
وأَكْبَرَ أن ينسب مثلها إلى مسلم ، فحذفها عند الطبع لئلا يستغلها أعداء الدين ، ورجاني أن
أسجل ذلك هنا استدراكاً لما كان منه ونصيحة للمسلمين أهـ
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾
٧٧
وهي حكاية غير صحيحة الإسناد، لكنَّ الشاهدَ من ذكرها هو بيانُ
أنَّ العلماء ذكروها استئناساً لبيان أن الآية تفيد العموم.
وحديثُ عرض الأعمال يؤيد الاستدلال بهذه الآية وهو قوله صلى
الله عليه وسلم: (حیاتی خیر لکم، ومماتي خیر لکم تحدثون ويُحدث
لكم وتعرض عليَّ أعمالكم، فما وجدت خيراً حمدت الله وما وجدت
غير ذلك استغفرت لكم).
وهو حديث صحيح، وسيأتي إن شاء الله تعالى.
= وقال العلامة الكوثري أيضاً في تكملة الرد على النونية (ص١٠٨):
"وهو - أي الآلوسي صاحب حلاء العينين - ليس بأمين على طبع تفسير والده، ولو قابله
أحدهم بالنسخة المحفوظة اليوم بمكتبة راغب باشا باصطنبول - وهي النسخة التي كان المؤلف
أهداها إلى السلطان عبد الحميد خان - لوحد ما يطمئن إليه ( أي في إثبات الحذف والتحريف)
نسأل الله السلامة " اهـ .
وقال شيخنا السيد عبد الله الصديق رحمه الله تعالى في كتابه " بدع التفاسير" (ص١٥٦)
عند الكلام على تفسير أبي حيان الأندلسي :
" وقد تعرض لابن تيمية ، وذكر أنه اغتر به أول الأمر فمدحه ، ثم تبين له خلاف ذلك ،
فذمّه وحط عليه ، وذكر بعض عيوبه ، لكن القائمين على طبع التفسير حذفوا منه ذمّ ابن تيمية
غيرة منه علیه " .
والقائمة طويلة، وقد تعامَى عنها بكر أبو زيد صاحب كتاب " تحريف النصوص" لحاجةٍ
في نفسه ، والباء تجر على جميع المذاهب ، والله المستعان .
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾
٧٨
ومع عموم الآية المتقدمة الذي لا يرتاب فيه مرتابٌ، أغرب ابنُ
عبدالهادي فقال: ((ولم يفهم منها أحدٌ من السَلَف والخلف إلا المجئ إليه
في حياته ليستغفر لهم)). اهـ (ص٤٢٥ من الصارم المنكي).
قلت: عجبت ولا ينقضي عجي من ابن عبدالهادي رحمه الله تعالى،
فهو يشهد شهادة نفي على السَلَف والخلف، فلم يكفه السّلَف بل تعدى
إلى الخلف، ونظرة إلى كتب التفاسير والفقه والمناسك التي بين أيدينا
تجدهم يذكرون هذه الآية عند الكلام على الزيارة، ولو استحضر ابن
عبدالهادي رحمه الله تعالى كتبَ مذهبه واستدلالَ فقهاء السادة الحنابلة
بالآية على استحباب الزيارة لما صرح بقوله المذكور، ولكن حبك للشئ
یعمي ويصم.
وما زال الحُجَّاج على مدى قرون عديدة يأتون للزيارة قبل أو بعد
المناسك، متشرفين بالوقوف بين يدي المصطفى صلى الله عليه وسلم
يسلمون عليه فيرد عليهم السلام، ويدعُون ويستغفرون، وهذا يكفي لردَّ
دعواه.
ثم الواجب على المسلم أن يعمل بالدليل الذي صحَّ، ولا ينظر هل
عُمل به أم لا؟
وتوقفه عن العمل بسبب هذه الشائبة فيه افتئات على الشرع،
وتوقف في العمل بالدليل لعارض متوهَم، وقد قال الله تعالى: ﴿فلا
وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾
٠٠
٧٩
أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾.
ولم يتقرر بعد توقف العمل بالدليل إلا بعد حصر من عمل به ولم
یعمل، ولا تجد هذا إلا في مخيلة من يدفع بالصدر فقط.
والحاصل أنَّ التخصيص لا يكون إلا بحجة، ولا حجة هنا في عرف
الشرع.
وأجاد العلامة أبو بكر المراغي فقال رحمه الله تعالى في عموم هذه
الآية: وينبغي لكل مسلم اعتقاد كون زيارته صلى الله عليه وسلم قربة
الأحاديث الواردة في ذلك ولقوله تعالى: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم
جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً﴾.
لأن تعظيمه صلى الله عليه وسلم لا ينقطعُ بموته ولا يقال: إن
استغفار الرسول # إنما هو في حال حياته، وليست الزيارة كذلك لما
أجاب به بعض العلماء المحققين أن الآية دلت على تعليق وجدان الله
تواباً رحيماً بثلاثة أمور: المجئ واستغفارهم واستغفار الرسول لهم.
وقد حصل استغفار الرسول # لجميع المؤمنين لأنه صلى الله عليه
وسلم قد استغفر للجميع. قال الله تعالى: ﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين
والمؤمنات﴾ (آية ١٩ سورة سيدنا محمد*) فإذا وجد مجيئهم
واستغفارهم تكملت الأمور الثلاثة الموجبة لتوبة الله ورحمته، وقد أجمع
المسلمون على استحباب زيارة القبور كما حكاه النووي، وأوجبها
الظاهرية.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾