النص المفهرس

صفحات 61-80

ترجمة أصحاب الكتب العشرة
وقال ابن الصلاح(١) (ت ٦٤٣): فإن (المستدرك على الصحيحين)) للحاكم أبي عبدالله
كتاب كبير يشتمل مما فاتهما - أي البخاريَّ ومسلماً - على شيء كثير وإن يكن عليه
في بعضہ مقال فإنہ یصفو له منه صحیح کثیر». اهـ.
وقد ناقش هذا القول الحافظ ابن كثير(٢) (ت ٧٧٤) فقال: ((قلت: في هذا نظر،
فإنه يُلزمهما بإخراج أحاديث لا تلزمهما لضعف رواتها عندهما، أو لتعليلهما ذلك، والله
أعلم)). اهـ.
أي: فقول الحاكم: بأنها على شرطهما أو شرط أحدهما غير مُسَلَّم.
وقال الحافظ ابن حجر(٣)(ت ٨٥٢): إن تساهله - أي ابن الجوزى (ت ٥٩٧) - في
((موضوعاته)) وتساهل الحاكم أعدم النفع بكتابَيْهما، إذ ما من حديث فيهما إلا ويمكن أنه
مما وقع فيه التساهل، فلذلك وجب على الناقد الاعتناء بما ينقله منهما من غير تقليد لهما)).
اهـ.
وقال ابن حجر (٤) أيضاً: ومن عجيب ما وقع للحاكم أنه أخرج لعبدالرحمن بن
زيد بن أسلم، وقال بعد روايته: هذا حديث صحيح الإسناد، وهو أوَّل حديث ذكرته
لعبد الرحمن(٥).
مع أنه قال في كتابه الذي جمعه في الضعفاء: عبدالرحمن بن زيد بن أسلم، روی عن
أبيه أحاديث موضوعة لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه.
وقال في آخر هذا الكتاب: فهؤلاء الذين ذكرتهم قد ظهر عندي جرحهم لأن الجرح
لا أستحلّە تقليداً، انتهى.
=
صحيح .
وللحافظ ابراهيم بن محمد بن خليل الطرابلسي ثم الحلبي، المعروف بسبط ابن العجمي (ت ٨٤١) حواشٍ
على ((تلخيص الذهبي)) ذكره العلامة ابن فهد في ((لحظ الألحاظ)) ص ٣١٤، كما ذكر فيه - ص ٢٠٠ -: أن
الحافظ ابن الملقن عمر بن علي (ت ٨٠٤) خدم ((رجال المستدرك)) في كتابه «مختصر تهذيب الكمال مع التذييل
عليه)) من رجال كتب ستة وهي: ((مسند أحمد)) و((صحيح)) ابن خزيمة وابن حبان، (( ومستدرك الحاكم))
و ((السنن)) للدارقطني والبيهقي.
(١) ((التقييد والإيضاح)) ص: ١٥، و((الباعث الحثيث)) ص: ٢٦.
(٢) ((الباعث الحثيث)) ص ٢٦ .
(٣) ((مقدمة تحفة الأحوذي)) ١٥٧/١.
(٤) ((النكت على كتاب ابن الصلاح)) ٣١٨/١.
(٥) ((المستدرك)) ٦١٥/٢.
٦١

مقدمة التحقيق
فكان هذا من عجائب ما وقع له من التساهل والغفلة. اهـ.
تأويل ما وقع في ((المستدرك)) من التساهل وموقف الحافظ ابن حجر في ((إتحاف المهرة)) منه
للحافظ ابن حجر في ذلك ثلاثة آراء:
الأول: قوله(١) وإنما وقع للحاكم التساهل لأنّه سوَّد الكتاب لينقحه فأعجلته المنّة،
وقال(٢): وقد وجدت في قريب نصف الجزء الثاني من تجزئة ستة من المستدرك ((إلى هنا
انتهى إملاء الحاكم)).
ثم قال(٣): ((وما عدا ذلك من الكتاب لا يؤخذ عنه إلا بطريق الإجازة، فمن أكبر
أصحابه وأكثر الناس ملازمة له البيهقي (ت ٤٥٨)، وهو إذا ساق عنه في غير المُمْلَى شيئاً
لا يذكره إلا بالإجازة».
وقال(٤): ((والتساهل في القدر المُعْلَى قليل جداً بالنسبة لما بعده)).
الثاني: ويقال(٥): ((إن السبب في ذلك أنه صنف ((المستدرك» في أواخر حياته وقد
أدركته غفلة»(٦).
الثالث: أن الحاكم يعتبر في استدراكه على الصحيحين الرجال فقط، دون اعتبار بقية
شروط الصحيح، من الاتصال وعدم العلّة القادحة(٧).
معنى قول الحاكم ((على شرطهما)):
اختلف العلماء في ذلك على قولين :
(الأول): قالوا: مراد الحاکم بقوله ((هذا صحيح على شرطهما)) أن یکون رجال ذلك
الإسناد المحكوم عليه بذلك قد روى الشيخان عنهم في كتابيهما - وعليه النووي
(ت ٦٧٦) وابن دقيق العيد (ت ٧٠٢) والذهبي (٨) (ت ٧٤٨) - وقالوا: ويؤيِّد ذلك
(١) و(٢) ((تدريب الراوي) ١٠٦/١.
(٣) ((تدريب الراوي)) ١٠٦/١.
(٤) ((تدريب الراوي)) ١٠٦/١ - ١٠٧.
(٥) المجلد الأول حديث رقم ٥٨٦، ومصورة ((إتحاف المهرة)) (ج ١ لوحة ٥٦/أ).
(٦) انظر: مصور الإتحاف (٩٠/٥/أ) حديث: أنزلت هذه الآية ... و(١٧/٢/ب) حديث: الآيات بعد
المائتين، و(٩٨/٥/أ) حديث أهديت لرسول الله صلفر شاة ...
(٧) انظر: مصورة الإتحاف (٢٥٨/٥/ب) وكلامه على حديث: ((من قال عليَّ ما لم أقل ... )) رواية مسلم بن يسار
عن أبي هريرة.
(٨) ((التبصرة والتذكرة) ٦٥/١ -٦٦، ((فتح المغيث)) ٤٨/١، ((توجيه النظر إلى أصول الأثر)) ص ١٣٨.
٦٢

ترجمة أصحاب الكتب العشرة
تصرف الحاكم في كتابه، فإنه إذا كان الحديث الذي عنده، مما قد أخرجه الشيخان معاً أو
أحدهما لرواته، قال: ((هذا صحيح على شرطهما أو شرط أحدهما))، وإذا كان مما لم يخرج
الشيخان لجميع رواته، قال: ((صحيح الإسناد)) فقط.
ويوضح(١) ذلك قوله ۔ في کتاب التوبة ٤ /٢٤٨، ٢٤٩ - لما أورد حديث أبي عثمان
عن أبي هريرة، رضي الله عنه، مرفوعاً: ((ما نزعت الرحمة إلّ من شقي)). قال: هذا
حديث صحيح الإسناد ... وأبو عثمان هذا هو مولى المغيرة بن شعبة، وليس بالنهدي،
ولو كان النهدي لحكمت بصحته على شرط الشيخين.
وإذا خالف الحاكم ذلك في بعض المواضع، حمل على السهو والنسيان الذي كان
يعتريه إذ ذاك كثيراً ولا ينافي ذلك قوله في خطبة ((مستدركه)): ((وأنا أستعين الله تعالى على
إخراج أحاديث رواتها ثقات، قد احتج بمثلها الشيخان أو أحدهما)).
لأن المثلية قد تكون في الأعيان، وقد تكون في الأوصاف، فاستعمل الحاكم عقب
ما يكون عن رواتهما بالأعيان، عبارة ((هذا صحيح على شرطهما)) واستعمل عقب ما يكون
عن مثل رواتهما بالأوصاف ((هذا صحيح الإسناد)).
واعلم أن في ((المستدرك)) جماعة من رجال الشيخين قطعاً، وجماعة من غير رجالهما
قطعاً، فلا يتم حمل ((المثلية)) في كلام الحاكم في خطبة ((المستدرك)) إلّ على الأعيان أو
الأوصاف، كما تقدّم. والله أعلم.
(الثاني): وقال آخرون: إن المراد بالمثلية الأوصاف، سواء وجدت أعيانهم في
الصحيحين أم لم توجد، لأنها المعتبرة في الحكم، وعلى هذا كثير من المحدّثين، وتمام عبارة
الحاكم في ((مقدمته))(٢) تفيد هذا، قال: ((وأنا أستعين الله على إخراج أحاديث رواتها
ثقات، قد احتج بمثلها الشيخان، رضي الله عنهما، أو أحدهما، وهذا شرط الصحيح عند
كافة فقهاء أهل الإسلام)).
وقالوا(٣): إن عدم إخراج البخاري عن فلان ليس دليلاً أنه ليس على شرطه عند
الحاكم، بل كل من وجدت فيه الصفات التي ذكرها الحاكم، وجعلها شرط رواة الشيخين
فهو على شرطهما، وإن لم يخرّجا عنه.
(١) ((النكت على كتاب ابن الصلاح)) ٣٢٠/١.
(٢) ((المستدرك)) ٣/١.
(٣) ((توضيح الأفكار)) للصنعاني ١١١/١ .
٦٣

مقدمة التحقيق
فإذا أريد الانتقاد على الحاكم إذا قال: ((على شرطهما)) ثم وجدنا فيه رجلاً لم يخرجا
عنه، نظرنا في صفات ذلك الرجل، هل هو جامع لما ذكره الحاكم من الصفات في شرط
رواتهما؟ فلا اعتراض عليه بأنه لم يخرج له الشيخان مثلاً، فالمعتبر وجود الشرط في
الراوي، لا وجوده عندهما، أو عند أحدهما.
حكم ما انفرد الحاكم بتصحيحه :
.. فالأَوْلَى أن يُتَوَسّط في أمره، فنقول: ما
قال ابن الصلاح(١) (ت ٦٤٣) :.
حكم بصحته، ولم نجد ذلك فيه لغيره من الأئمة، إن لم يكن من قبيل الصحيح فهو من
قبيل الحسن يحتج به ويعمل به، إلا أن تظهر فيه علة توجب ضعفه، ويقاربه في حكمه
((صحيح)) أبي حاتم بن حبان البستي (ت ٣٥٤) رحمهم الله أجمعين.
وقال زين الدين العراقي (ت٨٠٦) وكثير من المحدثين: الحكم عليه بالحسن
تَحگم، والحقُّ أن ما انفرد بتصحیحه يُتتبّع بالکشف عنه، ومُحگّم علیه بما يليق بحاله من
الصحة أو الحسن أو الضعف، ولكن ابن الصلاح رأيه ليس لأحد أن يصحّح في هذه
الأعصار، فلهذا قطع النظر عن الكشف عليه.
وقال ابن العراقي - وليّ الدين أحمد بن عبدالرحيم (ت ٨٢٦) -: قد كشف عنه
الذهبي (ت ٧٤٨) وبيّنه في كتابه ((تلخيص المستدرك)) وذكر أن فيه قدر النصف صحيح
على شرط الشيخين كما ادعاه الحاكم، وقدر الربع صحيح لا على شرطهما، وقدر الربع مما
يعترض عليه في تصحيحه(٢).
٧ - موطأ الإمام مالك (٩٣ - ١٧٩)*
المؤلف :
هو شيخ الإسلام، حجة الأمة، إمام دار الهجرة، أبو عبدالله مالك بن أنس بن
(١) ((التقييد والإيضاح)) ص ١٨، و((تدريب الراوي) ١٠٥/١ - ١٠٨، و((توضيح الأفكار)) ٦٤/١ - ٦٥،
((وتوجيه النظر)، ص ١٣٩ - ١٤٠.
(٢) وقال البلقيني (ت ٨٢٤) - بعد تعقّبه لكلام ابن الصلاح (ت ٦٤٣) - ص ٩٤: ومع ذلك ففيه صحيح قد خرجه
البخاري ومسلم أو أحدهما لم يعلم به الحاكم. قلتُ: بينّ كثيراً من ذلك الحافظ ابن حجر في «إتحاف المهرة)).
(*) مصادر ترجمته: الحلية ٣١٦/٦، الانتقاء في فضائل الثلاثة الفقهاء ص ٩ - ٦٣، ترتيب المدارك ١٠٢/١، =
٦٤

ترجمة أصحاب الكتب العشرة
مالك بن عامر بن الحارث بن غيمان بن خُثَّيْل بن عمرو بن الحارث وهو ذو أصبح بن
عوف بن مالك بن زيد بن شدّاد بن زرعة - وهو حِمْيَر الأصغر - الحِمْيَري، ثم الأصبحيّ
المدني، حليف بني تميم من قريش.
ومولد مالك على الأصح في سنة ثلاث وتسعين، عام موت أنس خادم رسول الله الو
ومات عام (١٧٩) ودفن بالبقيع، رحمه الله تعالى.
من ثناء العلماء عليه :
عن ابن عيينة (ت ١٩٨) قال: مالك عالم أهل الحجاز، وهو حُجَّةُ زمانه(١).
وقال الشافعي (ت ٢٠٤): إذا ذُكِر العلماء فمالك النجم(٢) .
وقال يحيى القطان (ت ١٩٨): ما في القوم أصح حديثاً من مالك، كان إماماً في
الحديث(٣).
وقال: هو إمام يقتدى به (٤).
وقال ابن أبي عمر العدني (ت ٢٤٣): سمعت الشافعي (ت ٢٠٤) يقول: مالك
مُعلِّمي، وعنه أخذت العلم(٥).
وذكر أحمد بن حنبل (ت٢٤١) مالكاً، فقدَّمه على الأوزاعي (ت ١٥٧) والثوري
(ت ١٦١) والليث (ت ١٧٥) وحمّاد (ت ١٦٧) والحكم (ت ١١٣) في العلم، وقال: هو
إمام في الحديث والفقه(٦).
وقال ابن معين (ت ٢٣٣): مالكٌ من حُجَجِ الله على خلقه (٧).
صفة الصفوة ٩٩/٢، تهذيب الأسماء واللغات ٧٥/٢، سير أعلام النبلاء ٤٨/٨، تذكرة الحفاظ ٢٠٧/١،
البداية والنهاية ١٧٤/١٠، الديباج المذهب ٥٥/١، النجوم الزاهرة ٩٦/٢، شذرات الذهب ٢٨٩/١.
(١) ((ترتيب المدارك) ١٣٠/١ و((سير أعلام النبلاء)) ٥٧/٨، و((الديباج المذهب)) ٧٤/١.
(٢) (الانتقاء)) ص ٢٣، و((ترتيب المدارك)) ١٣٠/١، و((سير أعلام النبلاء)) ٧٥/٨. والديباج المذهب)) ٧٤/١.
(٣) (الانتقاء) ص ٢٦، و((ترتيب المدارك)) ١٣٣/١، و((سير أعلام النبلاء)) ٧٥/٨.
(٤) ((الانتقاء)) ص ٢٦، و((ترتيب المدارك)) ١٣٣/١، و((سير أعلام النبلاء)) ٩٤/٨.
(٥) (الانتقاء)) ص ٢٣، و((ترتيب المدارك)) ١٣٠/١، ١٤١، و((سير أعلام النبلاء)) ٧٥/٨، و((الديباج المذهب))
٧٤/١.
(٦) ((الانتقاء) ٢٩، و((سير أعلام النبلاء)) ٩٤/٨، و((الديباج المذهب)) ٧٥/١.
(٧) ((الانتقاء)) ص ٣١، و((سير أعلام النبلاء)) ٩٤/٨، ((الديباج المذهب)) ٧٥/١.
٦٥

مقدمة التحقيق
وقال الحافظ الذهبي (١) (ت ٧٤٨): وقد اتفق لمالك مناقب ما علمتها اجتمعت
لغيره :
أحدها : طول العمر، وعلُوُّ الرواية.
وثانيتها
: الذهن الثاقب، والفهم، وسعة العلم.
وثالثتها : اتفاق الأئمة على أنه حُجّة صحيح الرواية.
ورابعتها : تجمّعهم على دينه، وعدالته، واتباعه السنن.
وخامستها : تقدّمه في الفقه، والفتوى، وصحة قواعده.
موطأ مالك:
قال أبو عبدالله محمد بن إبراهيم الكناني(٢) الأصبهاني (ت القرن ٣) قلت لأبي حاتم
الرازي (ت ٢٧٧): ((مُوَطَّ) مالك بن أنس، لم سمى مُوَطَّأ؟ فقال: شيء قد صنّفه وَوَطَُّهُ
للناس، حتى قيل مُوَطَّأ مالك، كما قيل: ((جامع سفيان)»(٣).
وقال أبو الحسن بن فهر: أنا أحمد بن إبراهيم بن فراس (ت ٤٠٥)، سمعت أبي
يقول: سمعت علي بن أحمد الخلنجي يقول: سمعت بعض المشايخ يقول: قال مالك:
عرضت كتابي هذا على سبعين فقيهاً من فقهاء المدينة، فكلهم واطأني عليه، فسمّيته
المُوَطَّأ. قال ابن فهر: لم يَسْبق مالكاً أحدٌ إلى هذه التسمية: فإن ممن ألّف في زمانه،
بعضهم سَمَّى بالجامع، وبعضهم بالْمُصَنَّف، وبعضهم بالمؤلّف، ولفظة المُوَطَّأ بمعنى الُمَهَّد
المُنَقْح. انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني(٤): والحاصِل من هذا أنّ أول من صنف في
الصحيح يصدق على مالك باعتبار انتقائه وانتقاده للرجال، فكتابُه أُصَحُّ من الكتب
المصنَّفة في هذا الفنّ من أهل عصره وما قاربه كمصنّفات سعيد بن أبي عَرُوبَة
(ت ١٥٦)، وحماد بن سلمة (ت ١٦٧)، والثوري (ت ١٦١)، وابن إسحاق (ت ١٥٠)
(١) ((تذكرة الحفاظ)) ٢١٢/١.
(٢) قال الحافظ ابن حجر في ((تبصير المنتبه)) ص ١٢٠٧ مادة (الكتاني): واختلف في محمد بن إبراهيم بن الوليد
الحافظ الأصبهاني، تلميذ أبي حاتم الرازي، فقيل: هكذا، وقيل: بالنون.
(٣) ((تنوير الحوالك)) ٦/١.
(٤) ((النكت على ابن الصلاح)) ٢٧٨/١.
٦٦

ترجمة أصحاب الكتب العشرة
ومعمر (ت ١٥٤)، وابن جريج (ت ١٥٠)، وابن المبارك (ت ١٨١)، وعبدالرزاق
(ت ٢١١) وغيرهم، ولهذا قال الشافعي (ت ٢٠٤): ما بعد كتاب الله عزّ وجلّ أصحّ من
کتاب مالك.
فكتابه صحيح عنده، وعند من تبعه ممن يحتج بالمُرْسَل والمَوْقوف.
وأما أول من صنّف الصحيح المَعْتَبَر عند أئمّة الحديث، الموصوفَ بالاتصال وغير
ذلك من الأوصاف، فهو الإِمام البخاريّ (ت٢٥٦)، ثم مسلمٌ (ت٢٦١)، كما جزم
به ابن الصلاح (ت ٦٤٣).
وأما قول القاضي أبي بكر ابن العربي (ت ٥٤٣) في مقدمة ((شرح الترمذي)):
و((الموطأ)) هو الأصل الأول، و((البخاري)) هو الأصل الثاني، وعليهما بنى جميع من بعدهما
کمسلم والترمذي، وغيرهما.
فإن أراد مجرد السبق إلى التصنيف فهو كذلك، ولا يلزم منه مخالفة لما تقدم، وإن أراد
الأصل في الصحة فهو كذلك، لكن على التأويل الذي أولناه. اهـ.
وقال الحافظ السيوطي(١) (ت ٩١١): صرح الخطيب (ت ٤٦٣) وغيره بأن ((الموطأ))
مقدم على كل كتاب من الجوامع والمسانيد، فعلى هذا هو بعد ((صحيح)) الحاكم
(ت ٤٠٥)، وأما ابن حزم (ت ٤٥٦) فإنه قال: أولى الكتب ((الصحيحان)) ثم ((صحيح))
ابن السكن (ت ٣٥٣)، و((المنتقى)) لابن الجارود (ت ٣٠٧) و((المنتقى)) لقاسم بن أصبغ
(ت ٣٤٠)، ثم بعد هذه الكتب: كتاب أبي داود (ت ٢٧٥) وكتاب النسائي
(ت ٣٠٣)، و((مصنف)) قاسم بن أصبغ (ت ٣٤٠)، و((مصنف)) الطحاوي
(ت ٣٢١)، و ((مسانيد)) أحمد (ت ٢٤١)، والبزار (ت ٢٩٢)، وابني أبي شيبة: أبي بكر
(ت ٢٣٥) وعثمان (ت ٢٣٩)، وابن راهويه (ت ٢٣٨)، والطيالسي (ت ٢٠٤)،
والحسن بن سفيان (ت ٣٠٣) والْمُسْنَدِي (ت٢٢٩)، ومحمد بن سنجر (ت ٢٥٨)،
ويعقوب بن شيبة (ت ٢٦٢)، وعلي بن المديني (ت ٢٣٤)، وابن أبي غَرَزَةَ (ت ٢٧٦)،
وما جرى مجراها، التي أفردت لكلام رسول الله وَظلي صيرْفاً .
ثم بعدها الكتب التي فيها كلامه وكلام غيره، ثم ما كان فيه الصحيح فهو أجل،
مثل: ((مصنف)) عبدالرزاق (ت ٢١١)، و((مصنف)) ابن أبي شيبة (ت ٢٣٥)،
و ((مصنف)) بقي بن مخلد (ت ٢٧٦)، وكتاب محمد بن نَصْرِ المَرْوَزي (ت ٢٩٤)، وكتاب
-
(١) ((تدريب الراوي) ١٠٩/١.
٦٧

مقدمة التحقيق
ابن المنذر (ت ٣١٨)، ثم ((مصنّف)) حماد بن سلمة (ت ١٦٧)، و ((مصنف)) سعيد بن
منصور (٢٢٧)، و((مصنف)) وكيع (ت ١٩٧)، و((مصنف)) الفريابي (ت ٢١٢)
و((موطأ)) مالك (ت ١٧٩) و((موطأ)) ابن أبي ذئب (ت ١٥٨) و((موطأ)) ابن وهب
(ت ١٩٧)، و((مسائل)) أحمد بن حنبل (ت ٢٤١) و((فقه)) أبي عبيد (ت ٢٢٤)، و((فقه))
أبي ثور (ت ٢٤٠).
وما كان من هذا النمط مشهوراً كحديث شعبة (ت ١٦٠)، وسفيان (ت ١٦١)،
والليث (ت ١٧٥)، والأوزاعي (ت ١٥٧)، والحميدي (ت ٢١٩)، وابن مهدي
(ت ١٩٨)، ومُسَدَّد (ت ٢٢٨)، وما جری مجراها.
فهذه طبقةُ ((موطأ)) مالك، بعضها أجمع للصحيح منه، وبعضها مثله، وبعضها دونه ...
قال الحافظ الذهبي(١) (ت ٧٤٨) بعد نقله عبارة ابن حزم (ت ٤٥٦): ما أنصف
ابن حزم، بل رتبة ((الموطأ)) أن يذكر تلو ((الصحيحين)) مع ((سنن)) أبي داود والنسائي،
لكنه تأدب، وقدم المسندات النبوية الصرف، وإن ((الموطأ)) لموقعاً في النفوس، ومهابة في
القلوب لا يوازنها شيء. اهـ.
وقال ابن حزم (ت ٤٥٦) في كتاب ((مراتب الديانة))(٢): ((أحصيت ما في ((موطأ))
مالك، فوجدت فيه من المسند خمسمائة ونيفاً، وفيه ثلاثمائة ونيف مرسلاً، وفيه نيف
وسبعون حديثاً قد ترك مالك نفسه العمل بها، وفيه أحاديث ضعيفة وهّاها جمهور
العلماء)».
وقال أبو بكر الأبهري(٣) (ت ٣٧٥): ((جملة ما في ((الموطأ) من الآثار عن النبي ◌َّ-
وعن الصحابة والتابعين: ألف وسبعمائة وعشرون حديثاً، المسند منها: ستمائة
حديث، والمرسل: مائتان واثنان وعشرون، والموقوف: ستمائة وثلاثة عشر، ومن قول
التابعين: مائتان وخمسة وثمانون)).
اختلاف الموطآت :
قال الحافظ السيوطي (٤) (ت ٩١١): وقال الحافظ صلاح الدين العلائي
(١) ((سير أعلام النبلاء)) ٢٠٣/١٨.
(٢) ((تنوير الحوالك)) ٩/١، و((تدريب الراوي)) ١١١/١.
(٣) ((تنوير الحوالك)) ٩/١.
(٤) ((تنوير الحوالك)) ٩/١.
٦٨

ترجمة أصحاب الكتب العشرة
(ت ٧٦١): روى ((الموطأ)) عن مالك جماعات كثيرة، وبين رواياتهم اختلاف من تقديم
وتأخير، وزيادة ونقص، وأكبرها رواية القَعْنَبِيِّ (ت ٢٢١).
ومن أكبرها وأكثرها زيادات: رواية أبي مصعب - أحمد بن أبي بكر القاسم
(ت ٢٤١) - فقد قال ابن حزم (ت ٤٥٦): في ((موطأ)) أبي مصعب زيادة على سائر
الموطآت، نحو مائة حديث.
وقال الغافقي (١) (ت ٣٨٥) في ((مسند الموطأ)): اشتمل كتابنا هذا على ستمائة
حديث وستة وستين حديثاً، وهو الذي انتهى إلينا من مسند ((موطأ)) مالك، قال: وذلك
أني نظرت ((الموطأ)) من ثنتي عشرة رواية رويت عن مالك، وهي: رواية عبدالله بن وهب
(ت ١٩٧)، وعبدالرحمن بن القاسم (ت ١٩١)، وعبدالله بن مسلمة القَعْنَبِي
(ت ٢٢١)، وعبدالله بن يوسف التِنْيسيّ (ت ٢١٨)، ومعن بن عيسى (ت ١٩٨)،
وسعيد بن كثير بن عفير (ت ٢٢٦)، ويحيى بن عبدالله بن بكير (ت ٢٣٦)، ومحمد بن
المبارك الصوري (ت ٢١٥)، وسليمان بن برد (ت ٢١٢)، ويحيى بن يحيى الليثي
الأندلسي(٢) (ت ٢٣٤)، فأخذت الأكثر من روايتهم، وذكرت اختلافهم في الحديث
والألفاظ، وما أرسله بعضهم أو وقفه، وأسنده غيرهم، وما كان من المرسل اللاحق
بالمسند.
قلت - القائل هو الحافظ السيوطي -: وقفت على ((الموطأ)) من روايتين أخريين،
سوى ما ذكر الغافقي (ت ٣٨٥)، إحداهما: رواية سويد بن سعيد - الحَدَثاني
(ت ٢٤٠)، والأخرى: رواية محمد بن الحسن (ت ١٨٩) صاحب أبي حنيفة، وفيها
أحاديث يسيرة زيادة على سائر الموطآت، منها: حديث: ((إنما الأعمال بالنّات .... ))
الحديث. وبذلك يتبينّ صحةُ قول مَن عَزا روايتَه إلى ((الموطأ)) وَوَهَمُ من خطّأه في
ذلك(٣).
(١) هو أبو القاسم عبدالرحمن بن عبدالله بن محمد الغافقي الجوهري (ت ٣٨٥) له ((مسند الموطأ)) و((مسند ما ليس
في الموطأ، كما في «الديباج المذهب» ٤٧٠/١.
(٢) وإذا أطلق في هذه الأعصار ((موطأ مالك)) فإنما ينصرف لها.
(٣) انظر بعض مخطوطات هذه الروايات في ((تاريخ الأدب العربي)) لبروكلمان ٢٧٥/٣ و((تاريخ التراث))
لسزكين: المجلد الأول، الجزء الثالث ص ١٣٢.
٦٩

مقدمة التحقيق
٨ - مسند الإمام الشافعي (١٥٠ - ٢٠٤)*
المؤلف :
هو الإمام، عالم العصر، ناصر الحديث، فقيه الملّة أبو عبدالله محمد بن إدريس بن
العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبديزيد بن هاشم بن المطلب بن
عبدمناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي ثم المُطَّلِبي
الشافعي المكي، الغَزّي المولد، نسيبُ رسول اللهِوَ ◌َّ، وابنُ عمه، فالمُطْلِب هو أخو
هاشم والد عبدالمطلب.
ولد الإمام الشافعي بغزّة، ومات أبوه إدريسٍ شاباً، فنشأ يتيماً في حجر أمه فخافت
عليه الضيعة، فتحولت به إلى مَخْتِدِهِ وهو ابن عامَيْنْ، فنشأ بمكة، وأقبل على الرَّمْي، حتى
فاق فيه الأقران .
وقد ارتحل وهو ابن نيّف وعشرين سنة إلى المدينة المنورة، فحمل عن مالك بن أنس
(ت ١٧٩) ((الموطأ)) عَرَضَه مِن حِفْظُه، وقيل: من حفظه لأكثره(١).
وصنّف التصانيف، ودوّن العلم، وردّ على الأئمة متبعاً الأثر، وصنّف في أصول
الفقه وفروعه، وبَعُدَ صيتُه، وتكاثر عليه الطلبة، وتوفي، رحمه الله تعالى، بمصر في آخر
يوم من رجب، وعاش أربعاً وخمسين سنة.
كان الشافعي كثير المناقب، جمَّ المفاخر، منقطع القرين، اجتمعت فيه من العلوم
بكتاب الله وسنة رسول الله وَّر وكلام الصحابة، رضي الله عنهم، وآثارهم، واختلاف
أقاويل العلماء وغير ذلك من كلام العرب واللغة العربيّة والشعر.
وقد صنّف في مناقبه الكبار قديماً وحديثاً، ونال بعض الناس منه غَضّاً، فما زاده إلّ
رفعة وجلالة، ولاح للمنصفين أن كلام أقرانه فيه بهوى، وقَلَّ من بَرَّز في الإمامة، وردّ
على من خالفه إلّ وعُودِيَ، نعوذ بالله من الهوى.
(٥) مصادر ترجمته: ((التاريخ الكبير)) ٤٢/١، حلية الأولياء ٦٣/٩، الانتقاء ص ٦٥ - ١٠٣، تاريخ بغداد
٥٦/٢، صفة الصفوة ٩٥/٢، سير أعلام النبلاء ٥/١٠، تذكرة الحفاظ ٣٦١/١، مرآة الجنان ١٣/٢،
البداية والنهاية ٢٥١/١٠، النجوم الزاهرة ١٧٦/٢، حسن المحاضرة ٣٠٣/١، شذرات الذهب ٩/٢.
(١) انظر ((الحلية)) ٦٩/٩، و((الانتقاء)» ص ٦٨ .
٧٠

ترجمة أصحاب الكتب العشرة
والإمام الشافعي من أئمة النقد(١)، وممن يعتمد عليه في الجرح والتعديل(٢)، وقال
الإمام مسلم بن الحجاج(٣) (ت ٢٦١) في كتابه (الانتفاع بجلود السباع)): وهذا قول أهل
العلم بالأخبار ممن يعرف بالتفقّه فيها والاتباع لها، منهم: يحيى بن سعيد القطان
(ت ١٩٨)، وعبدالرحمن بن مهدي (ت ١٩٨)، ومحمد بن إدريس الشافعي (ت ٢٠٤)،
وأحمد (ت ٢٤١) وإسحاق (ت ٢٣٨ ).
وقال الأستاذ أبو منصور البغدادي (٤) (ت ٤٢٩): ((بالغ مسلم في تعظيم الشافعي
في كتاب ((الانتفاع بجلود السباع)) وفي كتاب ((الرد على محمد بن نصر)) وعدّه في هذا
الكتاب من الأئمة الذين يرجع إليهم في الحديث، وفي الجرح والتعديل)).
وكان الإمام الشافعي، رحمه الله تعالى، ملازماً الاتباع للقرآن والسنة، مجانباً للبدع
والأهواء، وقافاً عند حدود الله .
مسند الشافعي :
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني(٥) (ت ٨٥٢): ((هو عبارة عن الأحاديث التي
وقعت في مسموع أبي العباس الأصم (ت ٣٤٦)، على الربيع بن سليمان (ت ٢٧٠) من
كتاب ((الأم)) و((المبسوط)) التقطها بعض النيسابوريين(٦) من الأبواب)).
وقال في مقدمة ((تعجيل المنفعة))(٧): ((ثم إن الشافعي لم يعمل هذا المسند، وإنما
التقطه بعض النيسابوريين من ((الأم)) وغيرها من مسموعات أبي العباس الأصم
(ت ٣٤٦)، التي كان انفرد بروايتها عن الربيع (ت ٢٧٠) وبقي من حديث الشافعي
شيء كثير لم يقع في هذا المسند، ويكفي في الدلالة على ذلك قول إمام الأئمة أبي بكر بن
خزيمة (ت ٣١١): إنه لا يُعْرَف عن النبي ◌َّر سنة لم يودعها الشافعي في كتابه، وكم من
سُنَّةٍ وردت عن النبي ◌َّ﴿ لا توجد في هذا المسند.
(١) ((المتكلمون من الرجال)) للسخاوي ص ٩١.
(٢) ((ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل)) للذهبي ص ١٥٨.
(٣) ((تهذيب التهذيب)) ٣٠/٩.
(٤) ((تهذيب التهذيب)) ٣١/٩.
(٥) ((المعجم المفهرس)) (دار الكتب المصرية ٨٢ مصطلح) الورقة ٨، وعنها مصوّرة في الجامعة الإسلامية.
(٦) قال الكتاني في ((الرسالة المستطرفة)) ص ١٧: ((التقطها بعض النيسابوريين وهو أبو عمرو محمد بن جعفر بن
محمد بن مطر المطري العدل النيسابوري الحافظ (ت ٣٦٠) - من شيوخ الحاكم - من الأبواب لأبي العباس
الأصم المذكور، لحصول الرواية له بها عن الربيع)).
(٧) (تعجيل المنفعة)) ص ٥ (ط الهند).
٧١

مقدمة التحقيق
ولم يرتّب الذي جمع حديث الشافعي أحاديثه المذكورة، لا على المسانيد ولا على
الأبواب، وهو قصور شديد، فإنه اكتفى بالتقاطها من كتب ((الأم)) وغيرها كيفما اتفق،
ولذلك وقع فيها تكرار في كثير من المواضع(١)، ومن أراد الوقوف على حديث الشافعي
مستوعباً، فعليه بكتاب ((معرفة السنن والآثار)) للبيهقي (ت ٤٥٨)، فإنه تتبع ذلك أتمّ
تتبع، فلم يترك له في تصانيفه القديمة والجديدة حديثاً إلّ ذكره وأورده مرتباً على أبواب
الأحكام. اهـ كلامه.
وقال الحافظ السيوطي(٢) (ت ٩١١) (( ... ويشبه هذا ((مسند الشافعي)) فإنّه ليس
من تصنيفه وإنما لقطه بعض الحفّاظ النيسابوريين من مسموع الأصم (ت ٣٤٦) من
((الأم))، وسمعه عليه، فإنه كان سمع ((الأم)) أو غالبها، على الربيع (ت ٢٧٠) عن
الشافعي، وعُمِّرَ، وكان آخر من روى عنه، وحصل له صمم، فكان في السماع عليه
مشقّة)).
وقال الحافظ السخاوي(٣) (ت ٩٠٢): (( .... و((كالمسند)» للإمام الشافعي، وليس
هو من جمعه، وإنما التقطه بعض النيسابوريين من ((الأم)) له)).
رجاله :
وتكلم على رجال مسند الشافعي مما ليس من رجال الكتب الستة الحافظ ابن حجر
في كتابه ((تعجيل المنفعة)) ورمز له بـ ((فع)).
٩ - مسند الإمام أحمد (١٦٤ - ٢٤١)*
المؤلف :
هو الإمام حقاً، وشيخ الإسلام صدقاً، أبو عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل بن
(١) وقد قام المحدث البارع محمد عابد السندي (ت ١٢٥٧) بترتيب أحاديث المسند في كتابه ((ترتيب مسند
الشافعي)» وطبع في القاهرة في جزأين بمجلد واحد عام ١٣٧٠ هـ/ ١٩٥١ م بتحقيق يوسف علي الزواوي
وعزت عطار الحسيني، ونشره مكتب الثقافة الإسلامية.
(٢) «تدريب الراوي)) ١٧٥/١ .
(٣) ((الضوء اللامع)) ١٠/٨.
(*) مصادر ترجمته: طبقات ابن سعد ٣٥٤/٧، التاريخ الكبير ٥/٢، حلية الأولياء ١٦١/٩، تاريخ بغداد =
٧٢

ترجمة أصحاب الكتب العشرة
هلال ... الذهلي الشيباني المروزي ثم البغدادي.
كان عظيم الشأن، رأساً في الحديث وفي الفقه وفي التأله، أثنى عليه خلق من
خصومه، فما الظن بإخوانه وأقرانه؟ وكان مَهيباً في ذات الله، حتى لقال أبو عبيد
(ت ٢٢٤): ما هِبْتُ أحداً في مسألة ما هِبْتُ أحمد بن حنبل(١).
وُلد في العشرين من ربيع الأول سنة أربع وستين ومئة. وتُوفي ضحوة يوم الجمعة في
الثاني عشر من ربيع الأول سنة مئتين وإحدى وأربعين، ودفن بمقبرة باب حرب.
من ثناء العلماء عليه :
قال إبراهيم الحربي(٢) (ت ٢٨٥): رأيت أبا عبدالله، كأن الله جمع له علم الأولين
والآخرين.
وقال العباس بن محمد الخَلال(٣): حدثنا إبراهيم بن شماس، سمعت وكيعاً
(ت ١٩٧) وحفص بن غياث (ت ١٩٥) يقولان: ما قدم الكوفة مثل ذاك الفتى، يعنيان
أحمد بن حنبل.
وقال الخلال(٤): حدثنا المروذي، أخبرنا خضر المروذي بطرسوس، سمعت ابن
راهويه (ت ٢٣٨)، سمعت يحيى بن آدم (ت ٢٠٣) يقول: أحمد بن حنبل إمامنا.
وعن عباس الدوري(٥) (ت ٢٧١) سمعت أبا عاصم (ت ٢١٢) يقول لرجل
بغدادي : من تعدون عندکم الیوم من أصحاب الحديث؟ قال: عندنا أحمد بن حنبل
(ت ٢٤١) ويحيى بن معين (ت ٢٣٣) وأبو خثيمة (ت ٢٣٤) والمعيطي - أحمد بن وهب
(ت ٢٩٩) - والسويدي - محمد بن النوشجان أبو جعفر - حتى عدَّ له جماعة بالكوفة أيضاً
وبالبصرة. فقال أبو عاصم: قد رأيت جميع من ذكرت، وجاءوا إليّ، لم أر مثل ذاك الفتى،
٤١٢/٤، طبقات الحنابلة ٤/١، صفة الصفوة ١٩٠/٢، مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي، طبقات الشافعية
=
للسبكي ٢٧/٢، تهذيب الكمال ٤٣٧/١ (مؤسسة الرسالة)، سير أعلام النبلاء ١٧٧/١١، تذكرة الحفاظ
٤٣١/٢، البداية والنهاية ٣٤٠/١٠، النجوم الزاهرة ٣٠٤/٢، طبقات المفسرين ٧٠/١ الأعلام ٢٠٣/١.
(١) هذه عبارة الحافظ الذهبي في (سير أعلام النبلاء)) ١٧٧/١١ و٢٠٣.
(٢) ((سير أعلام النبلاء)) ١٨٨/١١.
(٣) ((سير أعلام النبلاء)) ١٨٨/١١.
(٤) ((تاريخ بغداد)) ٤١٧/٤، و((مناقب الإمام أحمد بن حنبل)) ص ٧٧، و((تهذيب الكمال)) ٤٥١/١، و ((سير
أعلام النبلاء)» ١٨٩/١١.
(٥) ((مناقب الإمام أحمد)) ص ٧٦، و((سير أعلام النبلاء)) ١٩٠/١١.
٧٣

مقدمة التحقيق
يعني أحمد بن حنبل.
وقال عبدالرزاق(١) (ت ٢١١): ما رأيت أحداً أفقه ولا أورع من أحمد بن حنبل.
وقلت - القائل الذهبي (ت٧٤٨) -: قال هذا، وقد رأى مثل الثوري (ت١٦١)
ومالك (ت ١٧٩) وابن جريج (ت ١٥٠).
وقال قتيبة(٢) (ت ٢٤٠): خير أهل زماننا ابن المبارك (ت ١٨١)، ثم هذا الشاب،
يعني أحمد بن حنبل، وإذا رأيت رجلاً يحبّ أحمد فاعلم أنه صاحب سنة، ولو أدرك عصر
الثوري (ت ١٦١) والأوزاعي (ت ١٥٧) والليث (ت ١٧٥) لكان المقدّم عليهم، فقيل
لقتيبة: يُضَمّ أحمد إلى التابعين؟ قال: إلى كبارهم.
وقال قتيبة(٣) (ت ٢٤٠): لولا الثوري (ت ١٦١) لمات الورع، ولولا أحمد لأحدثوا
في الدین، أحمد إمام الدنيا.
وقال حرملة (٤) (ت ٢٤٣): سمعت الشافعي (ت ٢٠٤) يقول: خرجت من بغداد
فما خلفت بها رجلا أفضل ولا أعلم ولا أفقه ولا أتقی من أحمد بن حنبل.
وعن ابن المديني(٥) (ت ٢٣٤) قال: أعزَّ اللهُ الدينَ بالصدِّيق يوم الرِدَّة، وبأحمد يوم
المحنة.
وعنه قال: أحمدُ اليومَ حُجّة الله على خلقه.
وقال أبو عبيد(٦) (ت ٢٢٤): إنّ لأتديَّن بذكر أحمد، ما رأيت رجلاً أعلم بالسنة
منه .
وقال ابن أبي حاتم(٧) (ت ٣٢٧): سألت أبي عن عليّ بن المديني (ت ٢٣٤)
وأحمد بن حنبل (ت ٢٤١)، أيهما أحفظ؟ فقال: كانا في الحفظ متقاربين، وكان أحمد
(١) (مناقب الإمام أحمد)، ص ٦٩، و((سير أعلام النبلاء)) ١٩٥/١١.
(٢) ((تاريخ بغداد)) ٤١٧/٤، و(مناقب الإمام أحمد)) ص ٨١، و((سير أعلام النبلاء)) ١٩٥/١١.
(٣) ((حلية الأولياء)) ١٦٨/٩، و(تاريخ بغداد)) ٤١٧/٤، و(مناقب الإمام أحمد)، ص ٨٢، و(تهذيب الكمال))
٤٥١/١ (ط الرسالة) و((سير أعلام النبلاء)) ١٩٥/١١.
(٤) ((تاريخ بغداد)) ٤١٩/٤، و(تهذيب الكمال)) ٤٥١/١، و((سير أعلام النبلاء ١٩٥/١١، و(«البداية والنهاية))
١٠ /٣٥٠.
(٥) ((تاريخ بغداد)) ٤١٨/٤، و((سير أعلام النبلاء)) ١٩٦/١١.
(٦) ((سير أعلام النبلاء)) ١٩٦/١١.
(٧) ((سير أعلام النبلاء)) ١٩٨/١١.
٧٤

ترجمة أصحاب الكتب العشرة
أفقه، إذا رأیت من يحبّ أحمد فاعلم أنه صاحب سنة.
وقال ابن خزيمة(١) (ت ٣١١): سمعت محمد بن سحتويه، سمعت أبا عمير بن
النحاس الرملي (ت ٢٥٦)، وذكر أحمد بن حنبل، فقال: رحمه الله، عن الدنيا ما أُصبره،
وبالماضين ما كان أشبهه، وبالصالحين ما كان ألحقه، عُرِضَت له الدنيا فأباها، والبِدَع
فنفاها.
وعن إسحاق المنجنيقي(٢) (ت ٣٠٤): حدثنا القاسم بن محمد المؤدّب، عن
محمد بن أبي بشر، قال: أتيت أحمد بن حنبل في مسألة، فقال: ائت أبا عبيد (ت ٢٢٤)،
فإن له بياناً لا تسمعه من غيره، فأتيته فشفاني جوابُه، فأخبرته بقول أحمد، فقال: ذلك
رجل من عمال الله، نشر الله رداء عمله، وذخر له عنده الزلفى، أما تراه محبباً مألوفاً،
ما رأت عيني بالعراق رجلاً اجتمعت فيه خصال هي فيه، فبارك الله له فيما أعطاه من
الحلم والعلم والفهم، فإنه لکما قيل:
رأيتَ له وَجْها يَسُرُّكَ مُقْبِلا
يَزِينُك إمّا غَابَ عَنْك، فإِنْ دَنا
مِنَ الأدَبِ المَجْهولِ كَهْفاً وَمَعْقِلا
يُعَلَمُ هذا الخلق ما شَذَّ عَنْهُمُ
مَضِيماً لِهْلِ الحَقِّ لا يَسْأَّمُ البَلا
ويُحْسِنُ في ذات الإله إذا رَأى
بَصيرٍ بِأَمْرِ الهِ يَسْمُو عَلى العُلا
وَإِخْوانُهُ الأدْنَوْنَ كُلُّ مُوَفِّقٍ
وعن - أبي الحسين أحمد بن جعفر - ابن المنادي(٣) (ت ٣٣٦) عن جدّه أبيٍ جعفر
(ت ٢٧٢)، قال: كان أحمد مِن أَحْتَى الناس وأكرمهم وأحسنهم عِشْرة وأدباً، كثير
الإطراق، لا يسمع منه إلا المذاكرة للحديث وذكر الصالحين في وقار وسكون ولفظ
حسن، وإذا لقيه إنسان بَشْ به وأقبل عليه، وكان يتواضع للشيوخ شديداً، وكانوا
يعظّمونه، وكان يفعل بيحيى بن معين (ت ٢٣٣) ما لم أره يعمل بغيره من التواضع
والتکریم والتبجيل، كان يحيى أكبر منه بسبع سنين.
(١) ((سير أعلام النبلاء)) ١٩٨/١١.
(٢) ((سير أعلام النبلاء)) ٢٠٠/١١.
(٣) ((سير أعلام النبلاء)) ٣١٧/١١.
٧٥

مقدمة التحقيق
((المسند)) :-
عن ابن السَّمَّك(١) (ت ٣٤٤): حدّثنا حنبل - ابن إسحاق بن حنبل ابن عم الإمام
(ت ٢٧٣) -، قال: جَمَعَنا أحمدُ بن حنبل، أنا وصالح (ت ٢٦٦) وعبدالله (ت ٢٩٠)،
وقرأ علينا ((المسند)) ما سمعه غيرنا، وقال: هذا الكتاب جَمَعْتُه وانْتَقَيْتُه من أكثر من سبع
مئة ألف وخمسين ألفاً، فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله وير فارجعوا إليه،
فإن وجدتموه فيه وإلا فليس بحجّة.
قال الذهبي (ت ٧٤٨) بعده: ((قلت: في الصحيحين أحاديث قليلة ليست في
((المسند)) لكن قد يقال: لا تَرِدُ على قوله، فإن المسلمين ما اختلفوا فيها، ثم ما يلزم من
هذا القول أن ما وُجد فيه أن يكون حجّة، ففيه جملة من الأحاديث الضعيفة مما يسوغ
نقلها ولا يجب الاحتجاح بها، وفيه أحاديث معدودة شبه موضوعة ولكنها قطرة في
بحر ... )).
وكان الإمام أحمد يقول لابنه عبدالله (ت ٢٩٠) احتفظ بهذا ((المسند) فإنه سيكون
للناس إماماً.
وقال الحافظ أبو موسى المديني (ت ٥٨١) في كتابه ((خصائص المسند)) (٢): ((وهذا
الكتاب أصل كبير ومرجع وثيق لأصحاب الحديث، انتقِيَ من حديث كثير
ومسموعات وافرة، فجعله إماماً ومعتمداً، وعند التنازع ملجأ ومستندا)).
الزيادات على ((المسند)):
وقد زاد على المسند أحاديث عبدالله ابن الإمام (ت ٢٩٠)، كما زاد فيه زيادات
أخرى أيضاً أبو بكر القَطِيعِيّ (٣) (ت ٣٦٨) تلميذ عبدالله ابن الإِمام، وهذه الزيادات
تعرف من طريقة روايتها.
عدد أحاديثه :
ويشتمل ((المسند)) على ثلاثين ألف حديث غير مكررّة، وأربعين ألفاً مع المكررة، وقد
وقع له فيه ما ینوف عن ثلاثمائة حديث ثلاثيّة الإسناد.
(١) ((سير أعلام النبلاء) ٣٢٩/١١.
(٢) ص ٩.
(٣) وقد جمعتها في مقدمتي على ((إطراف المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي)).
٧٦

ترجمة أصحاب الكتب العشرة
رُواة ((المسند)):
وقد رَوَى ((المسند)) المحدّثون وأئمة أهل العلم، من أشهرهم: صالح (ت ٢٦٦)
وعبدالله (ت ٢٩٠) ابنا الإمام أحمد، وَرَوَى عن عبدالله كثيرون من أشهرهم أبو بكر
أحمد بن جعفر البغدادي الحنبلي المشهور بالقَطِيعِيّ (ت ٣٦٨)، وهو الذي اشتهر برواية
((المسند)).
درجة أحاديث ((المسند)):
من العلماء من يرى أن جميع ما في ((المسند)) صحيح، أو على الأقلّ مقبول محتجً به،
وإلى هذا يشير كلام الحافظ أبى موسى المديني(١) (ت ٥٨١).
وقال السيوطي(٢) (ت ٩١١): ((وكل ما كان في (مسند)) أحمد فهو مقبول، فإن
الضعيف الذي فيه يقرب من الحسن)). اهـ.
لكن قال الحافظ عماد الدين ابن كثير(٣) (ت ٧٧٤): ((وأما قول الحافظ أبي موسى
محمد بن أبي بكر المديني (ت ٥٨١) عن ((مسند)) الإمام أحمد أنه صحيح: فقول ضعيف،
فإن فيه أحاديث ضعيفة بل موضوعة، كأحاديث فضائل مَرْو وعسقلان والبَّرْث الأَحْمَر عند
خمص، وغير ذلك كما قد نبّه عليه طائفة من الحفاظ)).
وقال الحافظ العراقي: (ت ٨٠٦) في شرحه على ((مقدمة ابن الصلاح)) ((وأما وجود
الضعيف فيه فهو محقق، بل فيه أحاديث موضوعة، وقد ذكرتها في جزء، قد ضعّف الإمام
أحمد نفسه أحاديث فيه .. )) وعدَّدَ الحافظُ بعضَ هذه الأحاديث.
إلى أن قال: ((ولعبد الله بن أحمد (ت ٢٩٠) في ((المسند)» زيادات فيه الضعيف
والموضوع .... )). اهـ.
وذكر ابن الجوزي (ت ٥٩٧) في كتابه ((الموضوعات)) خمسة عشر حديثاً وهي في
((المسند))، وذكر العراقي (ت ٨٠٦) أيضاً تسعة أحاديث قال: إنها موضوعة وهي في
((المسند)) .
وقد انتصر للمسند الحافظ ابن حجر (ت ٨٥٢) رحمه الله تعالى، فألّف رسالة في الرد
(١) ((خصائص المسند)) ص ٩ - ١٢.
(٢) ((جمع الجوامع)) في المقدمة.
(٣) ((الباعث الحثيث)) ص ٣١.
٧٧

مقدمة التحقيق
على الحافظَيْنْ ابن الجوزي (ت ٥٩٧) والعراقي (ت ٨٠٦) سمّاها «القول المسدد في الذَّبِّ
عن مسند أحمد)) قال في مقدمته(١):
(أما بعد فقد رأيت أن أذكر في هذه الأوراق ما حضرني من الكلام على الأحاديث
التي زعم بعض أهل الحديث أنها موضوعة، وهي في ((المسند)) الشهير للإمام الكبير أبي
عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل، إمام أهل الحديث في القديم والحديث، والمطلع على
خفاياه، المثير لخباياه، عصبية مني لا تُخِلَّ بدين ولا مروءة وحَمِيَّةٌ للسنة لا تُعَدّ بحمد الله
من حمية الجاهلية، بل هي ذَبَّ عن هذا المصنَّف العظيم، الذي تَلَقّتْه الأمة بالقبول
والتكريم، وجعله إمامهم حُجَّةً يرجع إليه، ويُعَوَّل عند الاختلاف عليه)).
لكن قال أبو شهبة(٢) (ت ١٤٠٥): ((وفي الحق أن بعض هذه الأحاديث، كان الحق
فيها مع الحافظ، وأنها لا تصل إلى حَدِّ يحكم عليها بالوضع، والبعض تكلف في الردّ عنه
الحافظ غاية التكلف، وأن الصواب كان في جانب الناقدَيْن الجليْلَيْنْ، وليس أدلّ على هذا
مما قاله الحافظ ابن حجر (ت ٨٥٢) في كتابه ((تعجيل المنفعة برجال الأربعة)): ليس في
((المسند)) حديث لا أصل له إلّ ثلاثة أحاديث أو أربعة، منها حديث عبدالرحمن بن عوف
أنه يدخل الجنة حَبْواً، والاعتذار عنه أنه مما أَمَرَ أحمدُ بالضربِ عليه فتركه سَهْواً، ومع هذا
فقد حاول الحافظ نفي الوضع عنه».
قلت: الذي وجدته في مقدمة ((التعجيل))(٣) ما نصه:
(( . .. ثم تعقبتُ كلامَ ابن الجوزي (ت ٥٩٧) فيها حديثاً حديثاً فظهر من ذلك أن غالبها
جياد، وأنه لا يتأتى القطع بالوضع في شيء منها، بل ولا الحكم بكون واحد منها موضوعاً
إلّ الفرد النادر، مع الاحتمال القوي في دفع ذلك».
وقال السيوطي (ت ٩١١) رحمه الله تعالى في ((التدريب))(٤) عقب إيراد بعض كلام
الحافظ ما نصه: ((قلت: وقد فاته أحاديث أُخَرُ أوردها ابن الجوزي (ت ٥٩٧) في
((الموضوعات)) وهِي فيه، وجمعتها في جزء سميته ((الذيلُ الُمَهَّد)) مع الذبّ عنها وعِدَّتُها
أربعة عشر حديثاً.
(١) ص ٣١ - ٣٢.
(٢) ((أعلام المحدثين)) ص ٨٣.
(٣) ((تعجيل المنفعة)) (ط مصر ص ١٠).
(٤) «تدريب الراوي)) ١٧٢/١ .
٧٨

ترجمة أصحاب الكتب العشرة
على أن الإمام أحمد (ت ٢٤١) كان يرى التساهل في رواية الفضائل، ومما يؤثَر في
ذلك قوله رحمه الله: ((نحن إذا روينا في الحلال والحرام شدّدنا، وإذا روينا في الفضائل
تساهلنا)».
ولا يفهم من هذا أن الإمام كان يخرّج بعض الأحاديث الموضوعة، لأن الموضوع
ليس بحديث، وإن وجد فلعله اجتهاد نظر، وأئمة الجرح والتعديل مختلفون في
مناهجهم(١).
قال ابن تيمية (ت ٧٢٨) رحمه الله تعالى(٢): ((وقد تنازع الناس هل في ((مسند أحمد)»
حديث موضوع؟ فقال طائفة من حفّاظ الحديث كأبي العلاء الهَمَذَاني (ت ٥٦٩) وغيره:
ليس فيه موضوع، وقال بعض العلماء كأبي الفرج ابن الجوزي (ت ٥٩٧): فيه موضوع.
وقال أبو العباس - ابن تيمية -: ولا خلاف بين القولين عند التحقيق، فإن لفظ
((الموضوع)) قد يراد به المختلق المصنوع الذي يتعمّد صاحبه الكذب، وهذا مما لا يعلم أن
في «المسند» منه شيئاً، بل شرط «المسند» أقوى من شرط أبي داود في «سننه)) وقد روى أبو
داود في «سننه)) عن رجال أَعْرَضَ عنهم في ((المسند)).
قال: ولهذا كان الإمام أحمد في («المسند» لا يروي عمّن يعرف أنه يكذب مثل
محمد بن سعيد المصلوب، ونحوه، ولكن يروي عمن يُضَعَّف لسوء حفظه، فإن هذا
یکتب حديثه، ويعتضد به ویعتبر به.
قال: ويراد بالموضوع ما يعلم انتفاء خبره، وإن كان صاحبه لم يتعمَّد الكذب، بل
أخطأ فيه، وهذا الضرب في ((المسند)) منه، بل وفي ((سنن)) أبي داود والنسائي وفي
((صحيح)) مسلم والبخاري أيضاً ألفاظ في بعض الأحاديث من هذا الباب لكن قد بين
البخاري حالها في نفس الصحيح ... )). اهـ كلامه.
أما من جهة زيادات ابن الإمام: عبدالله (ت ٢٩٠) وتلميذه أبي بكر القَطِيعِيّ
(ت ٣٦٨) ففيها أحاديث حكم عليها بالوضع .
ومهما يكن من أمر فإن ما وقع في المسند من الأحاديث المختلف في وضعها - على
قلتها - لا تغضّ من شأن هذه الموسوعة الحديثية الكبرى ولا تقلل من منزلتها كديوان من
دواوين السنة المعتبرة، والله سبحانه وتعالى أعلم.
(١) وانظر (النكت على ابن الصلاح)) ٤٥٠/١ - ٤٧٣.
(٢) مقدمة ((مسند أحمد بن حنبل)) لأحمد شاكر ٣٤/١ - ٣٥، و((النكت على ابن الصلاح)) ٤٥٠/١.
٧٩

مقدمة التحقيق
ترتيب ((المسند)) وتقريبه :-
١ - قال الإمام ابن الجزري(١) (ت ٨٣٣) رحمه الله تعالى: أما ترتيب هذا المسند فقد
أقام الله تعالى لترتيبه خاتمة الحفاظ الإمام الصالح الورع أبا بكر محمد بن
عبدالله بن المحب الصامت (ت ٧٨٩) رحمه الله تعالى، فرتّبه على معجم الصحابة
ورتّب الرواة كذلك كترتيب كتب الأطراف، تعب فيه تعبأً كثيراً.
٢ - وقال: ثم إن شيخنا الإمام مؤرخ الإسلام وحافظ الشام عماد الدين أبو الفداء
إسماعيل بن عمر بن كثير (ت ٧٧٤) رحمه الله تعالى، أخذ هذا الكتاب المرتب من
مؤلفه وأضاف إليه أحاديث الكتب الستة، و((معجم الطبراني الكبير))، و ((مسند
البزار)) و ((مسند أبي يعلى الموصلي)) وأجهد نفسه كثيراً وتعب فيه تعباً عظيماً(٢)،
فجاء لا نظير له في العالم وأكمله، إلا بعض مسند أبي هريرة فإنه مات قبل أن
یکمله، فإنه عوجل بکفّ بصره. وقال لي رحمه الله تعالی: لا زلت أکتب فيه في
الليل والسراج ينونص حتى ذهب بصري معه، ولعل الله أن يقيض له من يكمله
مع أنه سهل، فإن معجم الطبراني الكبير ليس فيه شيء من مسند أبي هريرة رضي
الله عنه .
٣ - وقال : - ابن الجزري - وقد بلغني أن بعض فضلاء الحنابلة بدمشق اليوم رتّبه على
ترتيب صحيح البخاري، وهو الشيخ الإمام الصالح العالم أبو الحسن علي بن
زكنون الحنبلي (ت ٨٣٧).
وقال السخاوي (ت ٩٠٢) في ترجمته(٣): ((رتب المسند على أبواب البخاري، وسماه
((الكواكب الدراري في ترتيب مسند أحمد على أبواب البخاري)» وشرحه في مائة
وعشرين مجلداً. اهـ.
٤ - وقد رتّبه على الأبواب بعض الحفاظ الأصبهانيين.
٥ - وكذا الحافظ ناصر الدين ابن زريق (ت ٨٠٣)(٤).
(١) (غاية النهاية في طبقات القراء)) ١٧٤/٢، و((المصعد الأحمد)) ص ٣٠.
(٢) وسماه ((الهَذْيُ والسنن في أحاديث المسانيد والسنن)) كما في ((ذيل طبقات الحفاظ)) للحسيني ص ٥٨. وهو
المعروف بـ ((جامع المسانيد والسنن الهادي لأقوم سنن)).
(٣) ((الضوء اللامع)) ٢١٤/٥.
(٤) ((الرسالة المستطرفة)) ص ١٩. (ط دمشق).
٨٠