النص المفهرس
صفحات 161-180
شهرتني في الدُّنيا لتفضحني في الآخرة فاسْلُبه عنِّي(١). أخبرنا أبو الحسين عبد الله بن إبراهيم بن جعفر الزُّبيري، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن أيوب المُخَرَّمي(٢)، أخبرنا سَرِي السَّقَطي، سمعت بشر بن الحارث يقول: لقي حكيمٌ حكيماً فقال: لا يراكَ اللَّهُ عند ما نهاكَ عنه، ولا يَفْقِدكَ عند ما أمركَ به (٣). (١) رواه البيهقي في الزهد ص ٩٩، بإسناده إلى أبي الفضل الزهري به. ورواه بنحوه الخطيب البغدادي في تاريخه ٧١/٧، وابن عساكر في تاريخه كما في تهذيب تاريخ دمشق، ٢٣٩/٣، والمزي في تهذيب الكمال ٤/ ٨٠٨. (٢) هو أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن أيوب المُخرمي، المعروف بابن الصُّغدي، قال الدارقطني كما في سؤالات حمزة (١٨٣): ليس بثقة، مات سنة ٣٠٤، وانظر معجم شيوخ الإسماعيلي ٥٤٣/٢، وتاريخ بغداد ١٢٤/٦. (٣) رواه أبو نعيم في الحلية ٣٤٦/٨، بإسناده إلى بشر بن الحارث به. ١٦٠ www.dorat-ghawas.com ١٩ - ذكر ذي النُّون المصري(١) (١) هو الإِمام الزاهد العالم، اختلف في اسمه، يكنى أبا الفيض، ويقال: أبو الفياض، أصله من النوبة، من قرية من قرى الصعيد، يقال لها: إخميم، روى عن مالك، والفضيل، وسفيان بن عيينة، وطائفة، وروى عنه: الجُنيد، ومقدام بن داود الزُّعيني وآخرون، وقد أُسندت عنه أحاديث غير ثابتة، والحمل فیھا - کما يقول الخطيب البغدادي ــ على من دونه. وكان واعظاً فصيحاً حكيماً، وطلبه الخليفة المتوكل، فحُمل إلى حضرته بسامراء، فلما سمع كلامه ولِع به وأحبه، وكان يقول: إذا ذُكر الصالحون، فحيَّ هلا بذي النون. ثم انحدر إلى بغداد، وأقام بها مدة، ثم انحدر إلى مصر، وتوفي بها سنة ٢٤٥ . قال السُّلمي: ذو النون أول من تكلم ببلدته في ترتيب الأحوال ومقامات الأولياء، فأنكر عليه عبد الله بن عبد الحكيم، وهجره علماء مصر، وشاع أنه أحدث علماً لم يتكلم فيه السلف، وهجروه حتى رموه بالزندقة. وقال ابن عساكر: كان رئيس القوم، والمرجوع إليه، والمقبول على جميع الألسنة، وأول من عبّر عن علوم المنازلات، وله السياحة المشهورة والرياضات المذكورة . وكان هذا الإِمام على مذهب السلف في الأسماء والصفات، وكان يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق. مصادر ترجمته: طبقات الصوفية ص ١٥، والرسالة ٥٨/١، والحلية ٣٣١/٩، وتاريخ بغداد ٣٩٣/٨، وتهذيب تاريخ دمشق ٢٧٨/٥، وصفة الصفوة = ١٦١ www.dorat-ghawas.com ٤ /٣١٥، والسير ١١/ ٥٣٢. = من حِكَم هذا الإمام الجليل : - من علامات المُحبّ: متابعة الله في أخلاقه، وأفعاله، وأمره، وسننه. - مدار الكلام على أربع: حبُّ الجليل، وبغض القليل، واتِّباع التنزيل، وخوف التحويل . - طوبى لمن كان شعار قلبه الورع، ولم يُعمِ بصر قلبه الطمع، وكان مُحاسباً لنفسه فيما صنع. - ثلاثة من أعلام الورع: ترك الشبهة باحتمال المضرَّة في المال والبدن، وبذل الفضل خوفاً من دخول الخلل في الفريضة، والكف عن الفضول خشية فساد القلب. - من تَزَيَّن بعمله، كانت حسناته سيِئات. - اللهم اجعلنا من الذين تفكروا فاعتبروا، ونظروا فأبصروا، وسمعوا فتعلقت قلوبهم بالمنازعة إلى طلب الآخرة حتى أناخت وانكسرت عن النظر إلى الدنيا وما فيها، ففتّقوا بنور الحكم ما رتقه ظلم الغفلات، وفتحوا أبواب مغاليق العمى بأنوار مفاتيح الضياء، وعمّروا مجالس الذاكرين بحسن مواظبة استيدام الثناء . - بصحبة الصالحين تطيب الحياة، والخير مجموع في القرين الصالح، إن نسيت ذكّرك، وإن ذكرت أعانك. - عليك بصحبة من تُذكّرك الله عزَّ وجلّ رؤيته، وتقع هيبتُه على باطنك، ويزيد في عملك منطقه، ويُزُهّدك في الدنيا عمله، ولا تعصي الله ما دمت في قُربه، يعظُك بلسان فعله، ولا يعظك بلسان قوله. - إلهي إن كان صغُر في جنب طاعتك عملي فقد كبُر في جنب رجائك أملي. - ما طابت الدنيا إلا بذكره، ولا طابت الآخرة إلا بعفوه، ولا طابت الجنة إلا برؤيته . = ١٦٢ www.dorat-ghawas.com أخبرنا أبو الحسين علي بن عبد الرحمن الفِهري، حدثنا أبو الحسن أحمد بن عيسى الأنصاري، حدثنا محمد بن أحمد بن سلمة قال: سمعت ذا التُّون يقول: سمعت الفضل بن غانم يقول: سمعت مالك بن أنس يقول: سمعت جعفر بن محمد يقول: سمعت أبي محمد بن علي يقول: سمعت أبي علي بن الحسين يقول: سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسَلَّم: سمعت جبريل عليه السلام يقول: يا محمدُ، من قال من أمَّتك كلَّ يوم مائة مرَّة: لا إله إلاَّ الله الحَقُّ المبين، كان له أمانٌ من الفَقْر وأُنس من وَحَشَة القبر، واسْتَجْلَبَ به الغِنى، واسْتَقْرَعَ به باب الجنَّةِ(١). - ثلاثة من أعلام التسليم: مقابلة القضاء بالرضا، والصبر عند البلاء، والشكر = على الرخاء. - من علامات إقبال الله عزَّ وجلّ على العبد: إذا رأيته صابراً شاكراً ذاكراً، فذلك علامة إقبال الله عزَّ وجلّ عليه . - لا تسكن الحكمة معدة مُلئت طعاماً. - من علامات إعراض الله تعالى عن العبد أن تراه ساهياً لاهياً لاغياً معرضاً عن ذكر الله تعالى. - قال لنفر من أصحابه: توسّدوا الموت إذا نمتم، واجعلوه نصب أعينكم إذا قمتم، كونو كأنكم لا حاجة بكم إلى الدنيا ولا بدّ لكم من الآخرة. - سُئِل عن العلماء بالقرآن، فقال: هم الذين نصبوا الرُّكب والأبدان، صحبوا القرآن بأبدان ناحلة، وشفاه ذابلة، ودموع وابلة، وزفرات عالية، أولئك لهم الأمن وهم مهتدون. - من أحسن سريرته أحسن الله علانيته، ومن أحسن ما بينه وبين الله أصلح ما بينه وبين الناس، ومن أصلح أمر آخرته أصلح الله له أمر دنياه. (١) الحديث ضعيف. == ١٦٣ www.dorat-ghawas.com سمعت أبا حفص بقا بن عبيد الله بن عتيق الإِخميمي بها، قال: ذكر المهاجر بن موسى بن سليمان الإِخميمي قال: قال ذو التُّون: ثلاثُ خِصَال من الكَرَم: حسنُ المحضر، واحتمال الزَّلة، وقلَّةُ الملامة (١). أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله الرَّازي، قال: سمعت إسحاق بن إبراهيم السَّرخسي بمكة يقول: سمعتُ ذا النُّونِ يقول، وفي يده الغُلّ، وفي رجليه القيد، وهو يُساقُ إلى المَطْبَق(٢)، والناس يبكون حوله، وهو فيه الفضيل بن غانم الخزاعي، وهو ضعيف. قال ابن معين: ليس بشيء، وقال = الدار قطني: ليس بالقوي، وقال الخطيب: ضعيف. رواه أبو نُعيم في صفة الجنة ٢/ ٣١، والخطيب البغدادي في تاريخه ٣٥٨/١٢، وابن الجوزي في العلل المتناهية ٢/ ٢٥٣، كلهم من طريق الفضل بن غانم به . وقد تُوبع في روايته عن مالك، فقد رواه أبو نعيم في الحلية ٨/ ٢٨٠، من طريق سلم بن ميمون الخواص، عن مالك به. وإسناده ضعيف أيضاً، سلم يخطىء كثيراً. قال ابن حبان في المجروحين ٢٤٥/١: من عُبَّاد أهل الشام وقُرَّائهم، ممن غلب عليه الصلاح حتى غفل عن حفظ الحديث وإتقانه .. إلخ كلامه، وانظر لسان الميزان ٣/ ٦٦ . وذكره الدارقطني في العلل ١٠٦/٣، وذكر الاختلاف على مالك فيه، ثم ذكر أنه رُوي مرسلاً. وعزاه السخاوي في الفتاوى الحديثية ص ٣٧٣ إلى الخطيب البغدادي والدارقطني في كتاب الرواة عن مالك، والرافعي في تاريخ قزوين، والصابوني في الأربعين. (١) رواه البيهقي في شعب الإيمان (طبعة دار الكتب العلمية) ٣٢٥/٦، عن شيخه أبي سعد الماليني به، ولكن ذكر شيخه باسم: معاذ بن عبد الله الإِخميمي، ولم أقف على ترجمته حتى أتحقق من الصواب، والله أعلم. (٢) المطبق: سجن ببغداد، سيق إليه ذو النون حين جيء به إلى الخليفة المتوكل. ١٦٤ www.dorat-ghawas.com يقول: هذا مِنْ مواهب الله لكَ ومن عطاياه، وكل فعاله عذب حسنٌ طيِّبٌ، ثم أنشأ يقول: كلُّ لومِ عليَّ فيكَ يهونُ لكَ من قلبي المكانُ المصون فالصَّبرُ عنك ما لا يكون (١) لك عزمٌ بأن أكون قتيلاً فيك أخبرنا أبو محمد الحسن بن رَشِيق، حدثني أبو دجانة أحمد بن إبراهيم المَعَافِرِيُّ (٢)، قال: سمعت ذا التُّون يقول: أما إنَّه من الحُمق التماسُ الإِخوان بغير الوفاء، وطلب الآخرة بالرِّياء، ومودَّة النِّساء بالغِلظة(٣). أخبرنا أبو عبد الله محمد بن محمد بن سليمان المُخَرَّمي الصُّوفي، حدثنا إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي(٤)، قال: سمعت ذا التُّون وهو (١) ذكره ابن الملقن في طبقات الأولياء، ص ٢٢٢. ونقل الذهبي في السير ٥٣٥/١١، عن عمرو بن السرح قال: قلت لذي النون: كيف خلصتَ من المتوكل، وقد أمر بقتلك؟ قال: لما أوصلني الغلام، قلت في نفسي: يا من ليس في البحار قطرات، ولا في ديلج الرياح ديلجات، ولا في الأرض خبيئات، ولا في القلوب خطرات، إلا وهي عليك دليلات، ولك شاهداتٌ، وبربوبيتك معترفات، وفي قدرتك متحيّرات، فبالقدرة التي تُجير بها من في الأرضين والسماوات إلا صلَّيت على محمد وعلى آل محمد، وأخذتَ قلبي عني، فقام المتوكل يخطو حتى اعتنقني، ثم قال: أتعبناك يا أبا الفيض. (٢) هو أحمد بن إبراهيم بن الحكم أبو دجانة القَرَافي مولاهم، مات سنة ٢٩٩، انظر: تاريخ الإِسلام ص ٣٩ . (٣) رواه البيهقي في شعب الإيمان ١٢/ ٢٦٤، عن شيخه أبي سعد الماليني به . (٤) هو أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الهاشمي العباسي البغدادي، توفي سنة ٣٢٥. انظر: تاريخ بغداد ١٣٧/٦، والسير ١٥/ ٧١. ١٦٥ www.dorat-ghawas.com داخل إلى الحَبْس يقول: الحسدُ داءٌ لا يبرأ، وحسْبُ الحسود من الشَّرِّ ما يلقى، ودخل الحبس(١). حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن يعقوب، أخبرنا أحمد بن عبد الله بن ميمون، قال: سُئِل ذا النون عن المحبَّة، فقال: قُربُ القلب(٢) من المحبوب على الطمأنينة والسُّكون(٣). أخبرنا أحمد بن محمد بن هارون، قال: سمعت الحسن بن جميل أبا علي يقول: سمعت يوسف بن الحسن يقول: سمعت ذا النون يقول: من راقب العواقب سَلِم. (١) رواه البيهقي في شعب الإيمان ١٢/ ٤٠، عن شيخه أبي سعد الماليني به. (٢) في أ : القلوب. (٣) نقل عن ذي النون قول آخر في المحبة، فقال: أن تُحبّ ما أحبَّ الله، وتبغضَ ما أبغضَ الله، وتفعل الخير كلَّه، وترفض كلَّ ما يشغلُ عن الله، وألا تخاف في الله لومة لائم، مع العطف للمؤمنين، والغلظة على الكافرين، واتباع رسول الله وَ لّ في الدين. انظر: طبقات الصوفية ص ١٨، والحلية ٣٩٤/٩. ١٦٦ www.dorat-ghawas.com ٢٠ - ذكر أبي بكر محمد بن سيِّدٌ حَمْدُويه(١) أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن سعيد بن علي بن سعيد الأزدي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الله(٢)، حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن سيد حَمْدُويه، أخبرنا أبو جيفر محمد بن علي، أخبرنا يعلى - يعني ابن عُبيد -، حدثني أبو حيَّان(٣)، عن مُجمِّع(٤) قال: كان لعمرَ بن سعدٍ إلى أبيه حاجةً فقدّم بين يدي حاجته كلاماً مما أحدثَ الناسُ، ويتوسَّلون به، لم يكنْ سمعه منه فيما مَضى، فلمَّا فَرَغَ، قال: يا بُنيَّ، فرغتَ من كلامِكَ؟ قال: نعم، ما كنتَ من حاجتك أبعدَ، ولا كنتُ فيك أزهدَ منذ (١) هو أبو بكر محمد بن أحمد بن سيِّد حَمدُويه الدمشقي، الإِمام العارف شيخ العُبَّاد، توفي سنة ٣٠١، قال الذهبي: له الكرامات والأحوال، وكانوا يلقِّبونه المعلم . من مصادر ترجمته: تاريخ الإِسلام ص ٧٣، وسير أعلام النبلاء ١٤ / ١١١. (٢) هو أبو الحسين عبد الله بن محمد بن عبد الله بن يونس السِّمناني، كان ثقة، مات سنة ٣٠٣. انظر: معجم الشيوخ للإسماعيلي ٢٧٦/٢، والسير ١٤/ ١٩٤. (٣) أبو حيان: هو يحيى بن سعيد بن حيان التيمي. (٤) مُجمِّع هو ابن سمعان، ويقال: صمعان، أبو حمزة التيمي النسَّاج الكوفي، ثقة، ولكنه لم يدرك سعداً ولا أحداً من الصحابة. ١٦٧ www.dorat-ghawas.com سمعتُ كلامكَ هذا، سمعتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسَلَّم يقول: ((سيكونُ قومٌ يأكلونَ بألسنتهم كما تأكلُ البقرُ من الأرضْ))(١). سمعت أبا القاسم عبد الواحد بن أحمد بن إبراهيم الشيرازي يقول: سمعتُ أبا أحمد عبد الله بن محمد المفسر يقول: أقام أبو بكر محمد بن سيد حَمدُويه خمسين سنة ما استند، ولا مدَّ رجلَهُ بين يديِّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلّ هیبةً له. سمعت أبا بكر أحمد بن عبد الله بن المنتصر الأندلسي يقول: أخبرنا أبو الفرج الموحِّد إبراهيم بن إسحاق بن البرِّي، قال: قال لي أبو صالح مفلح بن عبد الله: أقمتُ أربعينَ يوماً ما شربتُ ماءً، فلما مضى أربعون يوماً أخذ بيدي الشيخ أبو بكر محمد بن سيد حَمدُويه، وحملني إلى بيته، فأخرج لي ماء، وقال: اشرب فشربت، فحكتْ لي امرأته أنَّه قال لها: اشربي فضلَةَ رجلٍ له أربعون يوماً ما شرب، قال أبو صالح: وما اطَّلَع على تركي لشرب الماء أحد غير الله [تعالى](٢). (١) إسناده ضعيف، ولكن الحديث صحيح. رواه أحمد رقم (١٥١٧)، وأحمد بن إبراهيم الدورقي في مسند سعد رقم (٧١)، وغيرهما من طريق يعلى بن عبيد به. وله طرق أخرى، ذكرتها في حاشية مسند سعد. (٢) من أ. ١٦٨ www.dorat-ghawas.com (١) ٢١ - ذكر أبي عبيد البُسري أخبرنا أبو الحسين عبد الوهاب بن الحسن الكِلَابي، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الملك بن مروان، حدثنا أبو عبيد البُسري محمد بن حسان الزَّاهد، أخبرنا أبو الجُمَاهر محمد بن عثمان، حدثنا يحيى بن سُليم الطَّائفي، حدثنا موسى بن عقبة، عن نافع، (١) هو محمد بن حسان البُسري، الإِمام القدوة الصالح. قال القشيري في الرسالة: من قدماء المشايخ، صحب أبا تُراب النَّخشبي، روى عنه: أبو عبد الله بن الجلاء وأبو سعيد الخرّاز وغيرهما، مات سنة ٢٦٠. وذكر تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية ٣٣٨/٢ كرامة لأبي عبيد، قال: صح عن أبي عبيد البُسري أنه غزا، ومعه دابة، فماتت، فسأل الله أن يُحييها حتى يرجع إلى بُسر، فقامت الدابة تنفض أُذنيها، فلما فرغ من الغزوة ووصل إلى بُسر أمر خادمه أن يأخذ السَّرج عن الدابة، فلما أخذه سقطت ميّتة. وقال: سألت الله ثلاث حوائج، فقضى لي اثنتين ومنعني واحدة، سألته أن يُذهب عني شهوة الطعام، فما أُبالي أكلت أم لا، وسألته أن يُذهب عني شهوة النوم، فما أبالي نمت أم لا، وسألته أن يُذهب عني شهوة النساء فما فعل. من مصادر ترجمته: الرسالة ١٣٥/١، وصفة الصفوة ٢٤١/٤، وتكملة الإكمال لابن نقطة ٤٠٦/١ . والبُسري - بضم الباء - نسبة إلى بسرى، وهي قرية بحوران، من بلاد الشام. ١٦٩ www.dorat-ghawas.com عن ابن عمر قال: قال رسولُ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسَلَّم: لا بأسَ بِقَضَاءِ شَهْرِ رَمَضَانَ مُتَفَرِّقً(١). سمعت أبا أحمد عبد الله بن بكر الطبراني يقول: سمعت أبا إسحاق الأذرعي يقول: سمعتُ أبا عبد الله أحمد بن يحيى الجَلَّء(٢) يقول: (١) إسناده ضعيف. رواه الدارقطني في سننه ١٩٣/٢، من حديث ابن عباس وأبي هريرة موقوفاً، وإسناده صحيح. (٢) ابن الجلاء هو الإِمام القدوة العارف شيخ الشام، كان عالماً ورعاً، أصله من بغداد ثم انتقل إلى الشام، وكان يُقَال: الجُنيد ببغداد، وابن الجلّء بالشام، وأبو عثمان الحيري بنيسابور - يعني لا نظير لهم ولا رابع لهم في عصرهم. مات سنة ٣٠٦، ولما مات نظروا إليه وهو يضحك، فقال الطبيب: إنه حيّ، ثم نظر إلى مجسِّه، فقال: إنه ميِّت، ثم كشف عن وجهه، فقال: لا أدري هو ميِّت أم لا . وكان ابن الجلَّة يقول: ما جلا أبي شيئاً قط، ولكنه كان يعظ، فيقع كلامه في القلوب، فسمِّي جلّء القلوب. ومن أقوال هذا الإِمام القدوة: - من استوى عنده المدح والذم فهو زاهد، ومن حافظ على الفرائض في أول مواقيته فهو عابد، ومن رأى الأفعال كلّها من الله عز وجل فهو موحّد. - الزهد: هو النظر إلى الدنيا بعين الزوال، لتصغر في عينيك، فيسهل عليك الإِعراض عنها. - لا تُضيعنَّ حقَّ أخيك اتكالاً على ما بينك وبينه من المودّة والصداقة، فإن الله فرض لكل مؤمن حقوقاً لا يضيعها إلاَّ من لم يراع حقوق الله عليه. مصادر ترجمته: طبقات الصوفية ص ١٧٦، والحلية ٣١٤/١٠، وتاريخ بغداد ٢١٣/٥، ومختصر تاريخ دمشق ٣٢٢/٣، وبغية الطلب في تاريخ حلب ١٢٣٣/٣، والسير ١٤/ ٢٥١ . ١٧٠ www.dorat-ghawas.com قَدِمتُ على أبي عبيد البُسْري فأخلَى لي بيتاً، فكان يأتيني بعد صَلاَةِ العِشَاءِ الآخرة، فيقف على الباب فيقول: ما أظنُّ أنَّ أبا عبد الله يعدِلُ بالوحدة شيئاً، فأقول: إلا مِنْكَ، فيقول: إلا مني، فأقول: نعم، فيدخل، فيذاكرني إلى أن يؤذِّنَ المُؤذِّنُ لِصَلاَةِ الفَجْرِ، فيخرج ويصلي(١). (١) رواه ابن العديم في بغية الطلب ١٢٣٤/٣ - ١٢٣٥، بإسناده إلى أبي سعد الماليني في كتابه هذا في شيوخ الصوفية . ١٧١ www.dorat-ghawas.com ٢٢ - ذكر أبي الحسن بن شعرة(١) أخبرنا أبو بكر محمد بن إسحاق بن محمد الحجَّار بمصر، أخبرنا أبو أحمد الحسين بن جعفر بن سعادة، أخبرنا أبو الحسن عمرو بن عثمان بن الحكم بن شعرة، أخبرنا أحمد بن عيسى(٢)، حدثنا الهيثم بن جنّاد(٣)، أخبرنا يحيى بن سُليم، حدثنا الأَزور بن غالب، عن سليمان التِّيمي، عن أنس بن مالك قال: قال لي رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلّم: يا أنس، أسبغ الوُضوءَ يُزِدْ في عُمرك، وَسَلَّم على أهلِك يكثرُ خيْرُ بيتِكَ، وسلَّم على من لقِيتَ من أمّتي تكثُرْ حَسناتُكَ، وصلِّ صلاة الضُّحى فإنها صلاةُ الأوَّابين قبلك، وصلِّ بالليل والنهار يحفظُكَ الحَفَظَةُ، ولا تنم إلاَّ على طُهْرٍ، فإنْ مُتَّ مُتَّ شهيداً، واحفظِ الكبيرَ وارحمِ الصَّغير تلقني غداً (١) هذا الشيخ لم أجد له ترجمة فيما لديّ من المراجع. (٢) هو أبو سعيد الخرّاز، وقد تقدمت ترجمته فيما تقدم. (٣) هو الهيثم بن جنّاد الحلبي، ذكره ابن حبان في الثقات ٩/ ٢٣٧ . (٤) إسناده ضعيف . فيه الأزور بن غالب، وهو ضعيف، ضعفه النسائي، وقال البخاري: منكر الحدیث، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به . ١٧٢ = www.dorat-ghawas.com توفي ابن شعرة سنة إحدى وثلاثمائة . سمعت أبا القاسم عبد الرحمن بن محمد بن الأفقم العَطَّار يقول: قال أبو الحسن عمرو بن عثمان بن شعرة: إلهي لولا الواجب من قبول أمرك لنزَّهتك من ذكري لذكرك. قال عبد الرحمن: فسنح لي أن قلت في هذا المعنى : لما أبديتُ من ذِكْره ذكْراً لتنزيه لولا وُجوبُ قَبُولِ الأمر منه شُغُل عن كل ذكر لما يُخْفِه مُبْدِيه إنّي وكَيْفَ وفي تنزيهه رواه العقيلي في الضعفاء ١١٩/١، وابن عدي في الكامل ٤٠٩/١، بإسنادهما = إلی یحیی بن سُلیم به . وله طرق أخرى لا تثبت، كما قال العقيلي في الضعفاء، وانظر تخريجها في: المسند لأبي يعلى ١٩٧/٧، و٢٧٢، والضعفاء للعقيلي ١٠٦/٢، والمعجم الصغير للطبراني ٨١/٢، والكامل لابن عدي ٣٦٧/١ و١٢٠١/٣، وأخبار أصبهان لأبي نعيم ١٣٤/١، و١٦٣/٢، والعلل المتناهية لابن الجوزي ٣٥٠/١، ومعجم أبي علي الصدفي للأبار ص ٢٨٤. ١٧٣ www.dorat-ghawas.com ٢٣ - ذكر بُنَان الحمَّال(١) (١) هو أبو الحسن بُنان بن محمد بن حمدان بن سعيد الحمّال، واسطي الأصل، وقيل بغدادي، سكن بغداد، وأقام بها إلى أن مات سنة ٣١٦ وكان إماماً محدثاً زاهداً، صَحِب أبا القاسم الجنيد بن محمد وغيره من مشايخ وقته، وحدَّث عن الحسن بن محمد الزَّعفراني، والحسن بن عرفة، وطائفة، وحدَّث عنه: أبو بكر المقرىء وجماعة، وكان أستاذ أبي الحسين التُّوري، وكان يُضْرَبُ بعبادته المثل، وكان لا يقبل من السلاطين شيئاً. قال السُّلمي في طبقاته ص ٢٩١: هو من جِلَّة المشايخ، والقائلين بالحق، والآمرين بالمعروف، له المقامات المشهورة، والآيات المذكورة. وقال أبو علي الرُّوذباري: سبب دخولي مصر حكاية بُنان الحمّال، وذاك أنه أَمَرَ ابنَ طولون بالمعروف، فأمر أن يُلقى بين يدي السَّبُع، فجعل يشمّه ولا يضرَّه، فلمّا خرج من بين يدي السَّبُع، قيل له: ما الذي كان في قلبك حيث شمّك؟ قال: كنت أفكّر في سُؤر السِّباع ولُعابها . ترجمته: في طبقات الصوفية ص ٢٩١، والحلية ٣٢٤/١٠، والرسالة ١٤٩/١، وتاريخ بغداد ٧/ ١٠٠، والسير ١٤/ ٤٨٨، وحُسن المحاضرة ٥١٣/١. ومن أحكام هذا الإمام: - الحُرّ عبدٌ ما طمع، والعبد حرٌّ ما قنع. - إن أفردته بالرُّبوبية أفردك بالعناية. - اجتنبوا رياء الأخلاق كما تجتنبوا الحرام. - ذكر الله باللسان يُورث الدَّرجات وذكر الله بالقلب يورث القُرُبات. ١٧٤ www.dorat-ghawas.com أخبرنا أبو محمد الحسن بن رَشِيق بمصر، حدثنا أبو الحسن بُنَان بن محمد الزَّاهد، حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا الشافعي، عن محمد بن خالد الجَنَدي، عن أبان بن صالح، عن الحسن، عن أنس بن مالك قال: قال رسولُ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: لا يَزْدَادُ الأمْرُ إلَّ شِدَّة، والدُّنيا إلَّ إدبَاراً، والنَّاسُ إِلَّ شُخَاً، ولا مَهْديُّ إلَّ عيسى، ولا تقومُ السّاعةُ إلَّ على شِرَار النَّاس(١). (١) الحديث إسناده ضعيف، ولكن له شواهد يُحسّن بها الحديث. وسبب ضعف هذا الإِسناد هو عنعنة الحسن البصري، فإنه كان يدلس، كما أنه فيه الجندي، وقد اختلف فيه. رواه ابن ماجه (٤٠٨٨)، والحاكم في المستدرك ٤٤١/٤، وأبو نعيم في الحلية ١٦١/٩، وأبو عمرو الدَّاني في السنن الواردة في الفتن ٥٢١/٣ و١٠٧٥/٥، والبيهقي في معرفة السنن والآثار ٤٧٦/١٤، والخطيب البغدادي في تاريخه ٢٢٠/٤، وهبة الله البسطامي في أماليه (ورقة ٧ أ)، وابن الفرضي في تاريخ علماء الأندلس ١١٧/٢، ونجم الدين النسفي في القند في ذكر علماء سمرقند ص ٢٠٧، وابن الجوزي في العلل المتناهية ٣٧٩/٢، وابن الصابوني في تكملة إكمال الإِكمال ص ٣٤٦، والذهبي في تذكرة الحفاظ ٥٢٧/١، وفي المعجم اللطيف وهو المعجم الصغير ص ٥٣، والسبكي في طبقات الشافعية ١٧٢/٢ ، كلهم بإسنادهم إلى يونس بن عبد الأعلى به. وله شواهد من حديث أبي أمامة، ومعاوية، وأنس : فأما حديث أبي أمامة، فقد أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ٢١٤/٨، و ٢٧٠، وابن عدي في الكامل ٢٤٠١/٦، والحاكم في المستدرك ٤/ ٤٤٠، وإسناده حسن، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٢٨٥، وعزاه للطبراني، وقال: ورجاله وثّقوا. وأما حديث معاوية، فقد رواه الطبراني في المعجم الكبير ٣٥٧/١٩، وذكره = ١٧٥ www.dorat-ghawas.com سمعت أبا القاسم عبد الرحمن بن محمد بن الأفقم يقول: سمعت أبا بكر الصَّيدلاني يقول: سمعت بُنان بن محمد يقول: بينما أنا أسيرُ بين جُدةَ ومكة، فإذا شخصٌ قد ترايا لي، فأممتُ نحوه، فلمَّا قربت منه سلَّمتُ عليه، وقلتُ له: أوصني، فقال: يا بُنان، إنْ كان الله أعطاك من سرِّ سِرِّه سرّاً فكن مع ما أعطاك، وإن كان الله لم يُعْطِك من سِرِّ سِرِّه سِرّاً فكن مع النَّاس على ما هم عليه من الظَّاهر، وعليك بكَتَبَةِ الحديث. سمعت أبا القاسم الحسين بن عبد الله القرشي يقول: سمعت بُنان بن محمد الحمَّال يقول: من كانَ يَسُرُّه ما يَضُرُّه متى يُفْلِح؟(١). = الهيثمي في مجمع الزوائد ١٤/٨، وعزاه للطبراني، وقال: رجاله رجال الصحيح . وأما حديث أنس، فقد رواه الطبراني في المعجم الصغير ٢٩٣/١، وإسناده ضعيف جداً، فيه مبارك بن سُحيم وهو متروك الحديث. والحديث ليس فيه إشكال في معناه، سوى لفظة (ولا مهدي إلاّ عيسى)، وقد وجَّهه ابن كثير توجيهاً حسناً، فقال في النهاية في الفتن والملاحم ٥٨/١ : المقصود منه أنه لا مهدي كاملاً معصوماً إلاَّ عيسى، وهذا لا ينفي أن يكون مهدیّاً آخر . (١) رواه البيهقي في الزهد ص ١٦٧، عن شيخه أبي سعد الماليني به، ورواه السُّلمي في طبقات الصوفية ص ٢٩٣، من طريق أحمد بن زكريا عن الحسين القرشي به، ورواه من طريقه: أبو نعيم في الحلية ٣٢٥/١٠، ورواه ابن الجوزي في ذم الهوى ص ١٥١ بإسناده إلى الحسين بن عبد الله القرشي به . ١٧٦ www.dorat-ghawas.com ٢٤ - ذكر محمد بن عيَّاش(١) أخبرنا أبو علي الحسن بن جعفر بن علي الحاجب بالموصل، أخبرنا أبو الفتح أحمد بن محمد بن عيَّاش، حدثنا أبي أبو حفص محمد بن عيَّاش، أخبرنا محمد بن بُكَير، أخبرنا أحمد بن أبي الحَوَاري، أخبرنا وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم التَّيمي، عن أبيه، عن أبي ذرٍّ قال: قلت: يا رسول الله ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرِّ لَّهَا﴾ قال: بينَ يَدي السَّاعةِ (٢). قال لي الحسن بن جعفر: كان محمد بن عياش من كبار شيوخ الصوفية . سمعت الحسن بن جعفر يقول: سمعت جعفر بن محمد بن الحجاج يقول: كان محمد بن عياش ينازلُ الجُوع فجاءه بعض الفقراء، فقال: أنا أصبَرُ منك على هذه الحال، فتعال حتى أجلسَ معك شهراً لا نأكل، (١) لم أجد ترجمة هذا الشيخ، بالرغم من البحث عنه في المصادر التي بين يدي. (٢) الحديث صحيح. رواه أحمد ١٥٨/٥، و١٧٧، والبخاري ١٥٤/٦، ومسلم ٩٦/١، بإسنادهم إلی وکیع به . ١٧٧ www.dorat-ghawas.com فجلسا في بيت لا يستِرُ واحدٌ منهما عن الآخر، فلمَّا مَضَى سبعةٌ وعشرون يوماً، خَرَجَ الفقيرُ من البيتِ لحاجته، فشمَّ رائحةَ الخُيْزِ من دارٍ كان يُخْبَزُ فيها في الجيران فغُشِيَ عليه ووقع، فلما أفاقَ جاؤوا له بالخبز فأكل، وأقام محمد بن عياش تَمام الشَّهر، ثم أكل، أو كما قال. ١٧٨ www.dorat-ghawas.com ٢٥ - ذكر موسى بن محمد الحَدِيثي الصُّوفي (١) أخبرنا أبو الطيب يوسف بن عبد السيد(٢) بن سهل السِّنِّي(٣)، حدثنا أبو الحسن محمد بن يعقوب بن الجَنَدي السِّنِّي، حدثنا أبو عمران موسى بن محمد الحَديثي الصُّوفي، حدثنا أحمد بن علي بن المثنَّى (٤)، حدثنا شيبان بن فرُّوخ، حدثنا البراء بن عبد الله الغَنَوي، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: أَلا (١) هذا الشيخ لم أجد له ترجمة، إلاَّ إشارة نقلها ابن نقطة في تكملة الإِكمال من كتاب الأربعين لأبي سعد، فقال في ٥٤٠/٣ بعد أن ذكر شيخ الماليني في حديث هذه الترجمة وشيخ شيخه: والحديثي يروي عن أبي يعلى الموصلي. وأما نسبته فهي إلى الحديثة - بفتح الحاء وكسر الدال ـــ وهي مدينة في غرب العراق تقع على نهر الفرات، وهي معروفة إلى الآن. (٢) كذا جاء في الأصول الثلاثة، ولكن جاء عند ابن نقطة في تكملة الإكمال ٥٤٠/٣، وكذا عند ابن ناصر الدين في توضيح المشتبه ١٩٧/٥: عمر، ولم أقف على ترجمته حتى أتحقق من صحة الاسم. (٣) السِّني - بكسر السين - نسبة إلى السِّن، قرية بين الموصل وبغداد، فوق تكريت، انظر: الأنساب ٣٢٦/٣، وتوضيح المشتبه ١٩٧/٥ . (٤) هو الإِمام المحدث أبو يعلى الموصلي، صاحب المسند المشهور، توفي سنة ٣٠٧، انظر ترجمته في السير ١٤ / ١٧٤. ١٧٩ www.dorat-ghawas.com