النص المفهرس
صفحات 141-160
محمد بن مسروق، أخبرنا محمد بن بكّار، أخبرنا إسماعيل بن زكريا، عن عاصم الأحول، عن مُورِّق العِجْلي، عن أنس بن مالك قال: كُنَّا مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في سَفَرِ أكثرُنا يومئذٍ ظِلاً الذي يستظِلُ بكِسَاءٍ، فأمَّا الذين أفطروا فسَقُوا الرِّكاب وأمهَنَوا وعَالَجوا، وأمَّا الذين صَاموا فلمْ يُعالِجوا شيئاً، فقال رسولُ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: ذَهَب المُفْطِرُونَ اليومَ بالأَجْرِ (١). سمعت أبا علي الحسين بن علي بن خلف الصُّوفيَّ بمصرَ، يقول: سمعت أبا علي محمد بن أحمد الرُّوذباري(٢) يقول: كان بين بعض الفقراء (١) الحديث صحيح. رواه البخاري ٨٤/٦، ومسلم (١١١٩)، والنسائي ١٨٢/٤، وأحمد في الزهد ص ٨، وابن أبي شيبة في المصنف ١٤/٣، وأبو يعلى في المسند ٢٠٩/٧، وابن خزيمة في الصحيح (٢٠٣٣)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ١٣٨/١٥، وفي شرح معاني الآثار ٦٨/٢، وابن حبان في الصحیح ٣٢٥/٨، والبيهقي في السنن ٢٤٣/٤، كلهم بإسنادهم إلى عاصم بن سليمان الأحول به. قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٨٤/٦: قوله (ذهب المفطرون بالأجر) أي بالأجر الوافر، وليس المراد نقص أجر الصُوَّام، بل المراد أن المفطرين حصل لهم أجر عملهم مثل أجر الصُوَّام، لتعاطيهم أشغالهم وأشغال الصُوَّام، ولذلك قال: (بالأجر) لوجود الصفات المقتضية لتحصيل الأجر منهم. (٢) هو أبو علي محمد بن أحمد بن القاسم الرُّوذباري، وقيل في اسمه: أحمد بن محمد بن القاسم، وقيل: حسن بن هارون، من كبار شيوخ الصوفية، سكن مصر، وكان عالماً فقيهاً حافظاً للحديث، من أهل الفضل والفهم، وله تصانيف في التّصوف. لزم الجُنيد وصحبه، مات سنة ٣٢٢ أو بعدها. والرُوذباري - بضم الراء وسكون الواو والذال المعجمة - نسبة إلى مدينةٍ بطُوس في خُراسان . = ١٤٠ www.dorat-ghawas.com وبين بعض الشيوخ(١) وقعةً، فدعا الشيخُ جماعةَ الفُقراءِ، فقالوا لذاك الفقير: ساعدنا، فقال: على شرط أن تستأذنوا الشيخ حتى لا يتأذى قلبُه بحضوري معكم، فتقدَّم واحدٌ واستأذنه، فقال الشيخ: لا آذنُ له إلاَّ بشرط أن لا يضعَ أولَ قَدم في داري إلاَّ على خَدِّي شكراً لله على مجيئه إلى منزلي، ثم وَضَعَ الشيخُ خَدَّهُ على الأرض حتى وَضَعَ ذاك الفقيرُ قَدَمَهُ على خَدِّه، حتى دخلَ إلى منزِلِهِ، قال: والشيخ كان أبا العباس بن مسروق(٢). من مصادر ترجمته: طبقات الصوفية ص ٣٥٤، والحلية ٣٥٦/١٠، وتاريخ = بغداد ٣٢٩/١، والأنساب ١٠٠/٣، والسير ٥٣٥/١٤، وطبقات الشافعية الكبرى ٤٨/٣ . ومن أقوال هذا الإِمام: - في اكتساب الدنيا مذلّة النفوس، وفي اكتساب الآخرة عزّها، فيا عجباً لمن يختار المذلَّة في طلب ما يفنى على العزّ في طلب ما يبقى. - دخلت الآفة من ثلاث: سُقم الطبيعة، وملازمة العادة، وفساد الصُحبة، فسئل: ما سقم الطبيعة؟ قال: أكل الحرام، ثم قيل: ما ملازمة العادة؟ قال: النظر في العينين والاستماع بالأذنين ما لا يليق بالحق والغيبة والبهتان، ثم قيل له: وما فساد الصحبة؟ قال: كلما هاج في النفس شهوة تتبعه. (من كتاب الزهد للبيهقي ص ١٧٤). - سئل عمّن يسمع الملاهي، يقول: هي لي حلال، لأني قد وصلت إلى درجةٍ لا يؤثّر فِيَّ اختلاف الأحوال، فقال: نعم، قد وصل لعمري، ولكن إلى سَقَر. (١) في ب: المشايخ. (٢) نقل هذه الحادثة اليافعي في مرآة الزمان (ورقة ٤٩ ب)، والشعراني في الطبقات الكبرى ٩٣/١، وله تكملة: قال: وصار أبو العباس يقول: هذا الرجل يتواضع لي ويحضر وليمتي بأي شيء أكافئه. ١٤١ www.dorat-ghawas.com (١) ١٥ - ذِكر حارثٍ المُحاسبي (١) هو الحارث بن أسد المحاسبي، أبو عبد الله البغدادي، أحد الأئمة المشهورين، سُمّي بالمحاسبي لكثرة محاسبته لنفسه، كان إماماً في الفقه والحديث والتصوف والكلام، روى عنه: أبو العباس ابن مسروق الطوسي، وأبو القاسم الجُنيد، وآخرون، وله كتب كثيرة مشهورة في الزهد والردّ على المعتزلة والرافضة، توفي سنة ٢٤٣ . ومن كتبه التي طبعت: الرعاية لحقوق الله، والتَّوهم، والعقل، ورسالة المسترشدين وغيرهما، وقال السمعاني في الأنساب ٢٠٧/٥: له كتب كثيرة في الزهد وفي أصول الدِّيَانات، والرّد على المخالفين من المعتزلة والرافضة، وكتبه كثيرة الفوائد جمَّة المنافع. قلت : : تمتاز كتبه بالتركيز على تحليل النفس ونزغات الهوى والربط بين المعاني الواردة في السنة النبوية والمسائل الصوفية بعد معالجتها وتحليلها وتعميق معانيها مما كان له الأثر الطيب في كثير ممن جاء بعده كالإِمام الغزالي الذي نسج على منواله في إحياء علوم الدين. روى اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنَّة والجماعة ٧٣٦/٤، وأبو نعيم في الحلية ٧٥/١٠ بسندهما إلى أبي العباس بن مسروق قال: مات الحارث المحاسبي يوم مات، وحارث محتاج إلى أقل من درهم لعيال وبنات عليه، وترك أبوه مالاً وضيعة وأثاثاً وأموالاً كثيرة نفيسة، فلم يقبل منها شيئاً، فقيل له في ذلك، فقال: روي عن النبي وَ ل أنه قال: (أهل ملتين شتى لا يتوارثان)، وكان أبوه واقفياً يقول بالقدر. = ١٤٢ www.dorat-ghawas.com وكان بينه وبين الإِمام أحمد صداقة، ولكن الحارث تكلّم في شيء من الكلام، = فهجره الإِمام أحمد، فلما مات لم يُصلِّ عليه إلاّ أربعة نفر. وقال الغزالي في إحياء علوم الدين ١٥٤/٢ - ١٥٥: كان أحمد بن حنبل يهجر الأكابر في أدنى كلمة .. وهجر الحارث المحاسبي في تصنيفه في الردّ على المعتزلة، وقال: إنك لا بدّ تورد أولاً شبهتهم، وتحمل الناس على التفكير فيها، ثم تردّ عليهم .. ثم قال الغزالي: وهذا أمر يختلف باختلاف النيّة، وتختلف النية باختلاف الحال. وتعقب ابن تيمية كلام الغزالي، فقال في درء تعارض العقل والنقل ٧/ ١٤٧ : هجران أحمد الحارث لم يكن لهذا السبب الذي ذكره أبو حامد، وإنما هجره لأنه كان على قول ابن كُلّب الذي وافق المعتزلة على صحة طريق الحركات وصحة طريق التركيب، ولم يوافقهم على نفي الصفات مطلقاً .. ثم قال: ذكر غير واحد أنّ الحارث رجع عن ذلك ... إلخ. وقيل: إنما تكلم فيه الإِمام أحمد بسبب كلامه عن الوساوس والخطرات والتدقيق والمحاسبة الدقيقة البليغة التي لم يرد بها الشرع. روى ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد ص ٢٤٠، بسنده: أن الإِمام أحمد طلب من إسماعيل السراج أن يُهيىء له مجلساً عند حضور الحارث وأصحابه بحيث يسمع كلامهم ويراهم ولا يرونه، فبكى الإِمام أحمد حتى غُشي عليه متأثراً بموعظة الحارث، حتى قال: ما أعلم أني رأيت مثل هؤلاء القوم، ولا سمعت في علم الحقائق مثل کلام هذا الرجل، ومع هذا فلا أرى لك صحبتهم، ثم قام وخرج. وعلّق السبكي على هذه الحكاية، فقال: تأمل هذه الحكاية بعين البصيرة، واعلم أن أحمد بن حنبل إنما لم ير لهذا الرجل صحبتهم لقصوره عن مقامهم، فإنهم في مقام ضيِّق لا يسلكه كل أحد فيخاف على سالكه، وإلاّ فأحمد قد بكى وشكر الحارث هذا الشكر، ولك رأي واجتهاد. قلت: ويبدو أن هذا مسلك بعض المحدثين ممن سلك منهج الإمام أحمد، فهذا = ١٤٣ www.dorat-ghawas.com الإِمام المحدث أبو زرعة الرازي سئل عن كتب الحارث، فقال للسائل: إياك = وهذه الكتب، هذه كتب بدع وضلالات، عليك بالأثر فإنك تجد فيه ما يغنيك، فقيل له: في هذه الكتب عبرة، فقال: من لم يكن له في كتاب الله عبرة، فليس له في هذه الكتب عبرة، بلغكم أن سفيان ومالكاً والأوزاعي صنفوا هذه الكتب في الخطرات والوساوس، ما أسرع الناس إلى البدع. من مصادر ترجمته: الحلية ٧٣/١٠، والرسالة ٧٨/١، وتاريخ بغداد ٢١١/٨، وتهذيب الكمال ٢٠٨/٥، والسير ١١٠/١٢، وطبقات الشافعية الكبرى ٢٧٥/٢. شذرات من أقوال هذا الإمام الجليل : - العلم يورث المخافة، والزهد يورث الراحة، والمعرفة تورث الإنابة، وخيار هذه الأمة لا تشغلهم آخرتهم عن دنياهم، ولا دنياهم عن آخرتهم، ومن حسنت معاملته في ظاهره مع جُهد باطنه ورته الله الهداية إليه، لقوله عز وجل: ﴿ وَالَّذِينَ جَهَدُواْ فِينَا لَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ - الذي يبعث العبد على التوبة ترك الإصرار، والذي يبعثه على ترك الإِصرار ملازمة الخوف . - صفة العبوديّة ألا ترى لنفسك مِلْكاً، وتعلم أنك لا تملك لنفسك ضرّاً ولا نفعاً. - التسليم هو الثبوت عند نزول البلاء من غير تغيّر منه في الظاهر والباطن. - من صحح باطنه بالمراقبة والإِخلاص، زيّن الله ظاهره بالمجاهدة واتّباع السنّة . - أصل الطاعة الورع، وأصل الورع التقوى، وأصل التقوى محاسبة النفس، وأصل محاسبة الخوف والرجاء، وأصل الخوف والرجاء معرفة الوعد والوعيد، ومعرفة الوعد والوعيد عظم الجزاء، وأصل ذلك الفكرة والعبرة. - أول بلّية العبد تعطل القلب عن ذكر الآخرة، وحينئذٍ تحدث الغفلة في القلب . ١٤٤ www.dorat-ghawas.com أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد الشِّمْشاطِئُّ(١)، حدثنا أحمد بن القاسم بن نَصْرِ (٢)، أخبرنا الحارث بن أسد المُحاسبي الغَنزَيّ، أخبرنا يزيد بن هارون، عن شعبة، عن القاسم بن أبي بَزَّةَ، عن عطاء الكَيْخَاراني أو الخُراساني، عن أم الدَّرداء، عن أبي الدَّرداءِ قال: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: أثْقَلُ ما يُوضَعُ في مِيزَانِ العَبْدِ يَوْمَ القِيَامَةِ حُسْنُ الخُلُقِ (٣) . (١) في حاشية (أ): الشمشاطي نسبة إلى شمشاط، قال ابن السمعاني: بلدة من الشام، وانظر: الأنساب ٣/ ٤٥٦ . (٢) هو المعروف بأخي أبي الليث الفرائضي البغدادي، مات سنة ٣٢٠، ذكره الخطيب في تاريخ بغداد ٤ /٣٥٢، وقال: مات سنة ٣٢٠، ثم نقل له شعراً، فقال : فإن سَلِمتَ فما بالحزمِ من بأس لا تترك الحزمَ في أمر هممتَ به وأحزم الحزمِ سوءُ الظن بالناسِ العجز ضُرٍّ، وما بالحزم من ضَررٍ (٣) الحديث صحيح . رواه صدر الدين البكري في كتاب الأربعين ص ٩٦ - ٩٧، وابن السبكي في طبقات الشافعية الكبرى ٢/ ٢٨٠، بإسنادهما إلى أبي سعد الماليني في كتابه هذا . ورواه السُّلمي في طبقات الصوفية ص ٥٦، وأبو نعيم في الحلية ١١٠/١٠، بإسنادهما إلى أحمد بن القاسم، عن الحارث به . ورواه أحمد ٤٤٦/٦ و٤٤٨، والبخاري في الأدب المفرد (٢٧٠)، وأبو داود (٤٧٩٩)، وابن أبي شيبة في المصنف ٥١٦/٨، وعبد بن حُميد في المسند (٢٤٠)، وابن حبان في الصحيح ٢٣٠/٢، والبيهقي في الشعب ٢٣٨/٦، كلهم بإسنادهم إلى شعبة بن الحجاج به. ١٤٥ www.dorat-ghawas.com أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن بنت أبي حفص النَّسائي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد المَلَطيّ، أخبرنا محمد بن أحمد بن أبي شيخ(١) قال لي أحمد بن الحسين الأنصاري: سألتُ الحارثَ المُحَاسبيَّ عن العقل، فقال: هو نُورُ الغَرِيزة مع التَّجارُب يَزِيدُ ويَقْوَى بالعلم والحِلْمِ (٢). (١) هو أحمد بن محمد بن أحمد بن زكريا بن أبي شيخ أبو العباس التغلبي، ذكره الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ٤ / ٣٦٧ . (٢) رواه ابن السبكي في الطبقات ٢/ ٢٨١، بإسناده إلى الماليني به. ثم نقل عن إمام الحرمين أنه قال في البرهان عند الكلام في تعريف العقل: وما حوّم عليه أحد من علمائنا غير الحارث المحاسبي، فإنه قال: العقل: غريزة يتأتى بها دَرْك العلوم ليست منه. وقال ابن الجزري في ذم الهوى ص ١٣ : اختلف الناس في ماهية العقل اختلافاً كثيراً، ثم قال: والتحقيق في هذا أن يقال: العقل غريزة، كأنها نور يُقذف في القلب، فيستعد لإِدراك الأشياء، فيعلم جواز الجائزات، واستحالة المستحيلات، ويتلمح عواقب الأمور، وذلك النور يقل ويكثر .. إلخ، وانظر إتحاف السادة المتقين للزَّبِيدي ١/ ٤٥٩ . ١٤٦ www.dorat-ghawas.com ١٦ - ذكر خزرج بن علي [البغدادي](١) أخبرنا أبو بكر محمد بن علي، أخبرنا أبو طالب خزرج بن علي البغدادي، أخبرنا أحمد بن عبيد الله النَّرَّسي(٢)، أخبرنا شَبَابة، أخبرنا شعبة، عن نُعيم بن أبي هند، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة قالت: صلَّى رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم في مَرَضِهِ الَّذي ماتَ فيه خلْفَ أبي بكرٍ (٣). سمعت أبا القاسم عبد الواحد بن أحمد بن عبيد الله يقول: سمعت (١) من أ. هو الإِمام العابد خزرج بن علي بن العباس بن الغمر أبو طالب الصوفي، حدّث بأصبهان عن أحمد بن عبيد الله النرسي، وكانت له کرامات تحکی. انظر: تاريخ بغداد ٣٤٣/٨، وصفة الصفوة ٤٦٦/٢ . (٢) البغدادي، قال الخطيب البغدادي في تاريخه ٢٥١/٤: كان ثقة أميناً، مات سنة ٢٧٩ أو بعدها، وذكره ابن حبان في الثقات ٥٣٨ . (٣) الحديث صحيح. رواه الخطيب في تاريخه ٣٤٨/٨، من طريق يحيى بن علي بن الطيب، عن أبي بكر بن المقرىء، عن أبي طالب خزرج به . ورواه أحمد ١٥٩/٦، والترمذي (٣٦٢)، من طريق شبابة بن سوّار به. ورواه النسائي ٧٩/٢، وابن خزيمة (١٦٢٠) من حديث بكر بن عيسى عن شعبة به . ١٤٧ www.dorat-ghawas.com أبا عبد الله محمد بن خفيف(١) يقول: دخل أبو طالب خزرجَ بن علي شيراز، فاعتلَّ عِلََّ الذَّرَبِ(٢)، فكنتُ أخدمه وأقدِّمُ إليه الطَّسْت في اللَّيل مراراً، وكنتُ في ذلك الوقت في حال الرِّياضة، وكنتُ لا أُفطر إلاَّ على الباقلاء اليابس، فسمِعَ أبو طالب ليلةً كسرى الباقلاء بأسناني، فقال لي: ما هذا؟ فعرّفته حالي وأنّي لا آكل غير ذلك، فبكى وقال: الزم هذا يا أبا عبد الله، فإني كنتُ كذلك حتَّى حَضَرتُ ليلةً مع أصحابنا في دعوة ببغداد، فَقُدِّمَ إلينا حَمَلٌ مَشْوِيٌّ، فأمسكت يديَّ، فقال لي بعض أصحابنا: كُل بلا أنت(٣)، فأكلتُ لقمةً، فأنا منذ أربعين سنةٍ إلى خلفٍ، ثمَّ تماثل (١) هو أبو عبد الله بن خفيف الشيرازي، من كبار الصوفية، كان سيّداً جليلاً ذا قدم راسخ في العلم والدين، يُستمطر الغيث بدعائه. قال ابن السبكي في طبقاته: من أعلم المشايخ بعلوم الظاهر، وممن اتفقوا على عظيم تمسُّكه بالكتاب والسنة، صحِب رُويماً والجَريري وغيرهما، مات سنة ٣٧١، ونيَّف على المائة. انظر: طبقات الصوفية ص ٤٦٢، والحلية ٣٨٥/١٠، وطبقات الشافعية الكبرى ١٤٩/٣. ومن أقواله : - ليس شيء أضر بالمريد من مسامحة النفس في ركوب الرُّخص، وقبول التأويلات. - الإِيمان تصديق القلب بما أعلمه الحقُّ من الغيوب. - الخوف اضطراب القلوب بما علمت من سطوة المعبود. - التقوى مجانبة ما يبعدك عن الله . (٢) الذَّرَب - بالتحريك - الدَّاء الذي يعرض للمعدة فلا تهضم الطعام. لسان العرب ١٤٩٢/٣ (ذَرَب). (٣) كذا جاء في النسخ الثلاث، وكذا جاء أيضاً في تاريخ بغداد، ولم أجد لها معنى، ولم ترد هذه العبارة في صفة الصفوة . ١٤٨ www.dorat-ghawas.com وخرج إلى بعض النَّواحي، وجلس في رِباطٍ وسَوَّد داخلَ الرِّباط وخارجه، وقال: هكذا جلوس أهل المصائب، فما خَرَجَ منه حتى مات(١). (١) رواه الخطيب البغدادي في تاريخه ٣٤٤/٨، من طريق أحمد بن محمد الصوفي، عن ابن خفيف به، وذكره ابن الجوزي فى صفة الصفوة ٢/ ٤٦٦ - ٤٦٧ . قلت: تَرْكُ المباحات والتشدد في أمور العبادات لم يُعهد عن رسول الله وَّه، ولا عن السلف الصالح رضوان الله عليهم، فقد كان رسول الله وَل ــ وهو أخشانا لله وأتقانا له - يأكل اللحم، ويحب الحلوى، ويستعذب الماء البارد، وكذا كان أصحابه الكرام. وللإِمام الذهبي كلام نفيس في هدي رسول الله وَّر، ذكره في السير ٨٩/١٢، قال رحمه الله تعالى ما ملخّصه: الطريقة المثلى هي المحمديّة، وهو الأخذ من الطيبات، وتناول الشهوات المباحة من غير إسراف، كما قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطَِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحً﴾، وقد قال النبي ◌َّر: لكني أصوم وأفطر وأقوم وأنام وآتي النساء وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني، فلم يَشرع لنا الرهبانية، ولا التمزق والوصال، بل ولا صوم الدهر، ودين الإِسلام يُسر وحنيفية سمحة، فليأكل المسلم من الطَّيب إذا أمكنه، وقد كان النساء أحبّ شيء إلى نبينا وِ ◌ّ، وكذلك اللحم والحلواء والعسل والشراب البارد والمٍسك، وهو أفضل الخلق وأحبهم إلى الله تعالى .. والخلوة والجوع أَبو جَادِ التَّرهب، وليس من شريعتنا في شيء، بلى السلوك الكامل هو الورع في القوت، والورع في المنطق، وحفظ اللسان، وملازمة الذكر، والبكاء على الخطيئة، والتلاوة بالترتيل والتدبر، والإكثار من الصوم المشروع، ودوام التهجد، والتواضع للمسلمين، وصلة الرحم، وقول الحق المرّ برفق وتؤدة، والأمر بالمعروف، والرِّباط بالثغر، وجهاد العدو، وتناول الطيبات في الأحايين، وكثرة الإستغفار في السَّحَر، فهذه شمائل الأولياء، وصفات المحمديين، أماتنا الله على محبتهم. ١٤٩ www.dorat-ghawas.com ١٧ - ذكر علي بن المُوَفَّق(١) أخبرنا أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان، أخبرنا جعفر بن مُجاشِع الخُتَّلي (٢)، حدثنا علي بن الموفَّق العابد، أخبرنا منصور بن عمَّار(٣) حدثنا (١) علي بن الموفق، حدّث عن منصور بن عمار وأحمد بن أبي الحَوَاري، وكان ثقةً، توفي سنة ٢٦٥، وكان كثير الحج، فقد حج ستين حجة، روى الإمام ابن الجوزي في مثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن ١١٢/٢، بسنده إلى علي بن الموفق قال: لما تم لي ستون حجة، خرجت من الطواف، وجلست بحذاء الميزاب، وجعلت أفكر، لا أدري أي شيء حالي عند الله عز وجل، وقد كثر ترددي إلى هذا المكان، فغلبتني عيني، فكأن قائلاً يقول لي: يا علي بن الموفق، هل تدعو إلى بيتك إلاّ من تحبه؟ قال: فانتبهت، وقد سُرّي عني ما کنت فيه . ترجمته في: تاريخ بغداد ١١٢/١٢، المنتظم ٢٠٢/١٢، وصفة الصفوة ٣٨٦/٢. (٢) هو جعفر بن عبد الله بن مجاشع الخُتْلي، تاريخ بغداد ٢٠٩/٧، وقال: كان ثقة، مات سنة ٣١٧. (٣) هو الواعظ الكبير، كان عديم النظير في الموعظة والتذكير، قال الذهبي: وَعَظ بالعراق والشام ومصر، وبعد صيته، وتزاحم عليه الخلق، وكان ينطوي على زهد وتألّه وخشية، ولوعظه وقع في النفوس، قال أبو حاتم: صاحب مواعظ ليس بالقوي، وقال الدارقطني: يروي عن ضعفاء أحاديث لا يتابع عليها، وقال ابن حبان: أخباره في القصص والحث على الخير أكثر من أن يحتاج إلى = ١٥٠ www.dorat-ghawas.com [بشير](١) بن طلحة، عن خالد بن الدُّريك(٢)، عن يعلى بن أمية قال: سمعت رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: إذا جَازَ المُؤْمنُ على جَهَنَّمَ، تقولُ له: جُزْني يا مؤمنُ فقد أطفأَ نُورُكَ لَهَبي(٣). أخبرنا أبو الفضل عبيد الله بن عبد الرحمن الزهري، أخبرنا أبو عمرو عثمان بن أحمد الدَّقيقي(٤)، أخبرنا محمد بن أحمد بن المهدي(٥)، قال: ذكرها، ليس من أهل الحديث الذين يحفظون، وأكثر رواياته عن الضعفاء. = انظر: الثقات ٩/ ١٧٠، والكامل ٢٣٨٩/٦، والسير ٩٣/٩، واللسان ٩٨/٦. (١) جاء في جميع النسخ: بشر، وهو خطأ، وبشير بن طلحة ثقة، وانظر: الجرح والتعديل ٣٧٥/٢، ولسان الميزان ٣٩/٢. (٢) خالد بن دُريك شامي تابعي ثقة، لكن روايته عن يعلى بن أمية منقطعة، فإنه لم يدركه. انظر: المراسيل لابن أبي حاتم ص ٥٢، وتهذيب التهذيب ٨٦/٣. (٣) إسناده ضعيف. لضعف منصور بن عمار، ولانقطاعه. رواه الخطيب في تاريخه ١٢/ ١١١ بإسناده إلى أبي حفص ابن شاهين به. ورواه الطبراني في المعجم الكبير ٢٥٨/٢٢، وابن عدي في الكامل ٦/ ٢٣٩٠، وأبو نعيم في الحلية ٣٢٩/٩، والخطيب البغدادي في تاريخه ١٩٤/٥، وعبد الغني المقدسي في ذكر النار ص ١٠٩، كلهم بإسنادهم إلى منصور بن عمار به . وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٦٠/١٠، والمتقي الهندي في كنز العمال ١٤/ ٣٨٥، ونسباه إلى الطبراني في الكبير، وزاد المتقي نسبته إلى أبي نعيم في الحلية . (٤) هو أبو عمرو ابن السماك البغدادي، كان ثقة حافظاً، مات سنة ٣٤٤. تاريخ بغداد ٣٠٢/١١، والسير ١٥/ ٤٤٤ . (٥) هو أبو عمارة البغدادي، في حديثه مناكير، مات سنة ٣٠٠. تاريخ بغداد ٣٦٠/١، وتاريخ الإِسلام ص ٢٤٩. ١٥١ www.dorat-ghawas.com سمعت علي بن الموفق ما لا أُحصيه، وهو يقول: اللَّهُمَّ إنْ كنتَ تعلمُ أني أعبدُك خوفاً من نارك، فعذِّبني بها، وإن كنتَ تعلمُ أني أعبدك حُباً مِنِّي لجنَتك وشوقاً إليها فاحرمنيها، وإن كنتَ تعلمُ إنَّما أعبدك حُبَّاً مني لك وشوقاً إلى وجهك الكريم فابحنيه مرَّة واصنع بي ما شئت(١). أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد بن هارون قال: سمعت عثمان بن نصر البغدادي(٢)، أخبرنا علي بن الموفق قال: قال ذي النّون: إذا نفد حُكمك في نفسك تداعتْ أنفسُ العامَّةِ إلى عدلِكَ. (١) رواه البيهقي في شعب الإيمان ٢/ ٣٦٤، عن شيخه أبي سعد الماليني به . ورواه الخطيب البغدادي في تاريخه ١٢/ ١١٢، من طريق عثمان بن أحمد به، ورواه من طريق: ابن الجوزي في المنتظم ٢٠٢/١٢، وذكره ابن المُلقن في طبقات الأولياء ص ٣٤٢ . قلت: هذا الكلام يُسمع كثيراً من أئمة التصوف، ولعلّ رابعة العدوية هي أول من نقل عنها ذلك، ولم يُعرف هذا عن السلف الصالح، بل إن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ وَيَدْعُوَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾، أي يدعوننا رغباً فيما عندنا، ورهباً مما عندنا، ولهذا فإن المؤمن إنما يعبد ربه بالأعمال الثلاثة الإِيمانية القلبية: المحبة، والخوف، والرجاء. وانظر أقوال السلف في تفسير الآية ٩٠ من سورة الأنبياء في الدر المنثور ٥/ ٦٧٠ . (٢) عثمان بن نصر، ذكره الخطيب البغدادي في تاريخه ١١/ ٢٩٣. ١٥٢ www.dorat-ghawas.com ١٨ - ذكر بشر بن الحارث(١) (١) هو أبو نصر بشر بن الحارث بن عبد الرحمن المَرْوَزي، المعروف بالحافي، نزيل بغداد، شيخ الإِسلام الإِمام القدوة الزاهد، صحب الفضيل بن عياض، وسمع حماد بن زيد وعبد الله بن المبارك وهُشيم بن بشير وأبا يوسف القاضي - تلميذ أبي حنيفة ـــ وابن عُليّة وغيرهم، ورحل في طلب العلم إلى مكة والكوفة والبصرة، وروى حديثاً كثيراً، إلاَّ أنه لم ينصب نفسه للرواية، بل كان يكرهها، وقد دفن كتبه لأجل ذلك، وأقبل على العبادة، وكل ما سُمِع منه - كما قال الخطيب البغدادي - فإنما هو على طريق المذاكرة. وإنما دفن كتبه لأجل الخوف من أن يظفر بها محدِّث قليل الدين، فيغيِّر فيها ويزيد فيها، فينسب ذلك إليه، أو أن أصوله كان فيها مقاطيع وواهيات، كما قال الذهبي في السير ٣٩٦/١١. وكان على مذهب سفيان الثوري في الفقه والورع، مات سنة ٢٢٧، وهو ابن ست وسبعون سنة، ودُفن بباب حرب. وكان بين هذا الإِمام وبين الإِمام أحمد صداقة قوية، وقد أثنى بشر على الإِمام أحمد في موقفه في فتنة خلْق القرآن، فقال: أُدخل أحمد بن حنبل الكِير فخرج ذهباً أحمر، فبلغ ذلك أحمد، فقال: الحمد لله الذي أرضى بشراً بما صنعنا. كما كان بشر يدعو للإِمام أحمد ويقول: حفظ الله أحمد من بين يديه ومن خلفه. كما أنه كان يجعله أفضل منه بسبب أمور ثلاثة، فيقول: فُضِّل أحمد عليّ بثلاث: بطلب الحلال لنفسه ولغيره، وأنا أطلب الحلال لنفسي، واتساعه للنكاح، وضيقي عنه، وقد جُعل إماماً للعامة، وأنا أطلب الوحدة لنفسي. ١٥٣ www.dorat-ghawas.com = أما الإِمام أحمد فكان يصف بشراً بأنه ليس له نظير إلاَّ عامر بن عبد قيس، وكان = يقول: ليتنا نُترك، الطريق ما كان عليه بشر بن الحارث. وقال أيضاً: مات بشر وما له نظير في هذه الأمة، لكن ظل الإِمام أحمد يأخذ عليه عزوف بشر عن الزواج، فيقول: ولو تزوّج لتم أمره. وقال الدارقطني: زاهد جبل ثقة، ليس يروي إلاَّ حديثاً صحيحاً، وربّما تكون البليّة ممن يروي عنه . وقال الخطيب البغدادي: كان ممن فاق أهل عصره في الورع والزهد، وتفرّد بوفور العقل وأنواع الفضل وحُسْن الطريقة واستقامة المذهب وعزوف النفس وإسقاط الفضول. وكان هذا الإِمام يتبع هدي السلف في أقواله وأفعاله، وذكر الإمام الذهبي في كتاب العلو للعلي الغفار ص ١٢٧ بأن لبشر عقيدة في ذلك، رواها ابن بطة في كتاب الإِبانة، ثم نقل شيئاً منها. وكان له موقف من الذين أجابوا في محنة خلْق القرآن، فقال: وددتُ أن رؤوسهم خُضِبت بدمائهم وأنهم لم يُجيبوا. وكان يقول عن الصحابة: أوثق عملي في نفسي حُبّ أصحاب محمد وَله . وكان محباً لأهل الحديث، معظماً لهم، وكان يقول: لا أعلم أفضل من طلب الحدیث لمن اتقى الله، وحَسُنت نيته فیه. من مصادر ترجمته: طبقات الصوفية ص ٣٩، والحلية ٣٣٦/٨، والرسالة ٧٣/١، وتاريخ بغداد ٦٧/٦، وصفة الصفوة ٣٢٥/٢، وتهذيب تاريخ دمشق ٢٣١/٣، وتهذيب الكمال ٩٩/٤، والسير ١٠ /٤٦٩. شذرات من حِكم هذا الإمام الجليل : - لا تجد حلاوة العبادة، حتى تجعل بينك وبين الشهوات حائطاً من حديد. - بحسبك أن قوماً موتى تحيا القلوب بذكرهم، وأن قوماً أحياء تقسو القلوب برؤيتهم. = ١٥٤ www.dorat-ghawas.com أخبرنا أبو علي مخلد بن جعفر الدّقاق، أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد بن غزوان البَرَائي(١)، عن نُعَيم بن الهَيْصَم(٢)، أخبرنا بشر بن الحارث، عن عبد الله بن داود الخُرَيبي، عن سُويد مولى عمرو بن حُريث، قال: سمعت علي بن أبي طالب على المنبر يقولُ: إنَّ أفضَلَ النَّاسِ بعدَ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أبو بكرٍ وعمرَ وعثمانَ(٣). - كان بشر بباب حَرْبٍ، وأراد الدخول إلى المقبرة، فقال: الموتى داخل = الشُّور أكثر منهم خارج السُّور. - ما اتقى الله من أحبَّ الشُّهرة. - حادثوا الآمال بقُرب الآجال. - ما أقبح أن يُطلب العالِم، فيقال: هو بباب الأمير. - لا ينبغي أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلاَّ من يصبر على الأذى. - سكون النفس إلى المدح، وقبول المدح لها، أشدّ عليها من المعاصي. - عز المؤمن استغناؤه عن الناس، وشرفه قيامه بالليل. - لا تعمل لتُذكر، اكتم الحسنة كما تكتم السيئة . - ينبغي للرجل أن ينظر من أين هو؟ ومسكنه الذي يسكنه أهله من أي شيء هو؟ ثم يتكلّم (كتاب الزهد للبيهقي ص ٣٣٩). - ليس الزهد في الدنيا ترك الدنيا، إنما الزهد أن تزهد في كل ما سوى الله، هذا داود وسليمان - عليهما السلام - قد ملكا الدنيا، وكانا عند الله من الزاهدين. (من كتاب الزهد للبيهقي ص ٧٤). (١) هو أبو العباس البَرَائي البغدادي، محدث ثقة، مات سنة ٣٠٢، تاريخ بغداد ٣/٥، والسير ١٤ / ٩٢. (٢) هو أبو محمد الهروي نزيل بغداد، محدث صدوق، مات سنة ٢٢٨. تاريخ بغداد ٣٠٥/١٣، ولسان الميزان ٦/ ١٧١ . (٣) إسناده ضعيف . = ١٥٥ www.dorat-ghawas.com أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن الحسن، حدثني أبو مقاتل محمد بن شجاع(١)، عن أبيه قال: قال بشر بن الحارث يوماً: حدثنا ابن عيينة، ثم قال: أستغفر الله، إنَّ عُلُّوَ الإِسناد من زِينةِ الحياةِ الدُّنيا. أخبرنا أبو الطَّيب عبد المنعم بن عبيد الله المقرىء، أخبرنا عبد الصمد بن محمد(٢)، حدثنا أحمد بن محمد بن أبي موسى فيه سويد مولى عمرو بن حُريث، يكنى بأبي الأسود، مجهول الحال، وذكره = ابن حبان فى الثقات ٣٢٥/٤. رواه أبو نعيم في الحلية ٣٥٩/٨، من طرق إلى نعيم بن الهيصم به. ورواه الطبراني في المعجم الكبير ١٠٧/١، وابن شاهين في شرح مذاهب أهل السنة ص ٣١٥، والخطيب البغدادي في تاريخه ٣٧٦/٨، و٤١٦/١٤، كلهم من طريق أبي الأسود سويد به. قلت: ولكن الحديث له شاهد صحيح، من حديث محمد بن الحنفية قال: قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله وَ له؟ قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر، وخشيت أن يقول عثمان، قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلاّ رجل من المسلمين. رواه البخاري ٧/ ٢٠، وأبو داود (٤٦٢٩)، وابن أبي عاصم في السنة ٥٧٢/٢. قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٣٣/٧: أما خشية محمد بن الحنفية أن يقول عثمان، فلأن محمداً كان يعتقد أن أباه أفضل، فخشي أن علياً يقول: عثمان، على سبيل التواضع منه، والهضم لنفسه فيضطرب حال اعتقاده، ولا سيما وهو في سنّ الحداثة . (١) هو أبو مقاتل محمد بن العباس بن أحمد بن شجاع، يعرف بالمروزي، ثقة مات سنة ٣٢٩، تاريخ بغداد ١١٥/٣. (٢) هو عبد الصمد بن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد أبو علي، ذكره ابن جُميع في معجم شيوخه ص ٣٢١ . ١٥٦ www.dorat-ghawas.com الأنطاكي، حدثنا أبي، قال: سمعت بشر بن الحارث يقول : عقوبةُ العَالِمِ في الدُّنيا أن يُعْمَى بَصَرُ قلبِهِ. حدثنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن جُمَيع، أخبرنا محمد بن مخلد(١)، أخبرنا محمد بن المثنى(٢)، قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: من طلب الدُّنيا فليتهيأ للذُّل(٣). أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن إسماعيل الطَّابثي، أخبرنا محمد بن السِّمط الجَرْجَرَاي، قال: سمعت عبيداً الورَّاق(٤) يقول: سمعت بشر بن الحارث يقول لأصحاب الحديث: أدُّوا زكاةَ هذا الحديث؟ قالوا: وما زكاته؟ قال: اعملوا من كل مائتي حديث بخمسة أحاديث(٥). (١) هو أبو عبد الله محمد بن مخلد بن حفص العطار الدُّوري، الإمام الحافظ العابد، مات سنة ٣٣١، انظر: معجم ابن جُميع ص ١٤٠، وتاريخ بغداد ٣١٠/٣. (٢) البغدادي، ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٩٥/٨، وقال: صاحب بشر بن الحارث .. كتبت عنه مع أبي، وهو صدوق، وذكره الخطيب البغدادي في تاريخه ٢٨٦/٣، وقال: مات سنة ٢٦٠. (٣) رواه أبو نعيم في الحلية ٨/ ٣٥٢، من طريق أبي جعفر البزاز، عن بشر بن الحارث به . (٤) هو عبيد بن محمد بن القاسم أبو محمد الوراق النيسابوري، ذكره الخطيب البغدادي في تاريخه ١١/ ٩٧، وقال: كان ثقة، مات سنة ٢٥٥. (٥) رواه أبو نعيم في الحلية ٨/ ٣٣٧، والبيهقي في شعب الإِيمان ٤٢٤/٤ - ٤٢٥، والخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي وآدب السامع ٢١٩/١، والسمعاني في أدب الإِملاء والاستملاء ٤٤٥/٢، كلهم بإسنادهم إلى عبيد الوراق به . = ١٥٧ www.dorat-ghawas.com أخبرنا أبو الفتح يوسف بن عمرو بن مسرور، حدثنا حمزة بن الحسين السِّمسار (١)، حدثنا محمد بن يوسف أبو عبد الله الجوهري(٢)، قال: سمعت بشر بن الحارث يقول يوم ماتت أخته(٣): إنَّ العبدَ إذا قَصَّرَ ورواه الخطيب في تاريخ بغداد ٦٩/٧، وفي شرف أصحاب الحديث = ص ١١٧ - ١١٨، والخليلي في الإِرشاد ٨٦٧/٣، وابن عساكر في تاريخ دمشق، كما في تهذيبه ٢٢٣/٣، من طريق آخر إلى بشر به . ورواه أبو نعيم في الحلية ٣٤٦/٨ من طريق إبراهيم الحربي، قال: حملني أبي إلى بشر بن الحارث، فقال: يا أبا نصر، ابني هذا مشتهر بكتابة الحديث والعلم، فقال لي: يا بُني، هذا العلم ينبغي أن يُعمل به، فإن لم يُعمل به كلّه فمن كل مائتين خمسة، مثل زكاة الدراهم، وقال له أبي: أبا نصر، تدعو له؟ فقال: دعاؤك له أبلغ، دعاء الوالد لولده كدعاء النبي لأمته، قال إبراهيم الحربي: فاستحليتُ كلامه فاستحسنته . وذكره الذهبي في السير ٤٧١/١٠، وقال: هذا على المبالغة، وإلاّ فإن كانت الأحاديث في الواجبات فهي موجبة، وإن كانت في فضائل الأعمال، فهي فاضلة، لكن يتأكد العمل بها على المحدث. (١) هو حمزة بن الحسين بن عمر أبو عيسى السمسار، ذكره الخطيب البغدادي في تاريخه ١٨١/٨، وقال: كان ثقة، مات سنة ٣٢٨، وذكره ابن جُميع في معجم شيوخه ص ٢٦٢ . (٢) هو أبو عبد الله محمد بن يوسف البغدادي الجوهري، الإِمام الحافظ القدوة، مات سنة ٢٦٥، انظ: سير أعلام النبلاء ١٣/ ٥٩. (٣) لبشر بن الحارث ثلاث أخوات، وهنَّ مشهورات بالزهد والورع، ذكرهن الخطيب البغدادي في تاريخه ٤٣٦/١٤، وابن الجوزي في صفة الصفوة ٥٢٤/٢. = ١٥٨ www.dorat-ghawas.com عن طاعةِ اللَّهِ سلَبَهُ اللَّهُ مَنْ يُؤنسه(١). أخبرنا أبو الفضل عبيد الله بن عبد الرحمن الزهري، حدثني أبو الحسن أحمد بن محمد بن يزيد الزُّعفراني، قال: سمعت محمد بن يوسف الجوهري يقول: سمعت بشر بن الحارث يقول: اللَّهُمَّ إنْ كنتَ وقد جاءت إحداهن إلى الإِمام أحمد، قال عبد الله بن أحمد: كنت مع أبي يوماً من الأيام في المنزل فدَقّ داقٌ الباب، فقال لي: اخرج فانظر من بالباب؟ فخرجت فإذا امرأة، فقالت لي: استأذن لي على أبي عبد الله، قال: فاستأذنته، قال: أدخلها، قال: فدخلت، فسلمت عليه، وقالت له: يا أبا عبد الله، أنا امرأة أغزل بالليل في السراج، فربما طفىء السراج فأغزل في القمر، فعلي أن أبين غزل القمر من غزل السراج؟ قال: فقال لها: إن كان عندك بينهما فرق فعليكِ أن تبيّني ذلك. قال: قالت: يا أبا عبد الله، أنين المريض شكوى؟ قال: أرجو ألا يكون، ولكنه اشتکاء إلى الله عز وجل. قال : فودعته وخرجت. فقال: يا بني ما سمعت قطّ إنساناً يسأل عن مثل هذا، اتبع هذه المرأة فانظر أين تدخل؟ فاتبعتها فإذا قد دخلت إلى بيت بشر بن الحارث وإذا هي أخته، قال: فرجعت، فقلت له، فقال: مُحال أن تكون مثل هذه إلاّ أخت بشر. (١) رواه أبو نعيم في الحلية ٣٤٦/٨، من طريق أحمد بن علي الأبار عن محمد بن يوسف الجوهري به، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة ٣٢٧/٢ . وقد علّق الإِمام عمر السُّهروردي في عوارف المعارف ص ٢١٣ على قول بشر هذا، فقال: فالأنس يهيئه الله للصادقين رفقاً من الله تعالى وثواباً للعبد معجلاً، والأنيس قد يكون مفيداً كالمشايخ، وقد يكون مستفيداً كالمريدين، فصحيح الخلوة والعزلة لا يترك من غير أنيس، فإن كان قاصراً يؤنسه الله بمن يتمم حاله به. وإن كان غير قاصر يُقيِّض الله تعالى من يُؤنسه من المريدين، وهذا الأُنس ليس فيه ميل بالوصف الأعم، بل هو بالله ومن الله وفي الله . ١٥٩ www.dorat-ghawas.com