النص المفهرس

صفحات 1-20

سلسلَة الأَجْزَاء وَالكُتُبْ الحَديثيّة
(٤)
كتَابُ
٧
الأَرْعَة
في شيوخ الصّوفيّة
للإمَامِالمُحَدِّثِ الَّاهِدِ أَبِ سَعْدِ أَخَ بْن مُحَمَدِ بْ أَ حْمَدِ المالِيْنِي
المتَوَفَ سَنة ٤١٢ هـ
تقديم وتحقيق وتعليق
الدكتورْ عَامِر حَسَ صَبْري
دَارُ السَِّ الإسْلامِيَّة

كتَابُ
الأربعين
في شيوخ الصوفيّة
www.dorat-ghawas.com

حُقُوقُ الطَّبِعِ مَخْفُوظَةٌ
الطّبْعَة الأوَلَىَ
١٤١٧ هـ ـ ١٩٩٧م
دَار البشائر الإسْلاميّة
للطباعة والنشروالتوزيع بيروت -لبنان -ص.ب: ٥٩٥٥-١٤
www.dorat-ghawas.com

سلْسلَة الأجْزَاء وَالكُتُبْ الحَديثيّة
(٤)
كتَابُ
الَّرُ بَيْر
في شيوخ الصّوفيّة
للإمَامِ الْحَدِّثِ الَّاهِدِأَبِ سَعْد أَخَذْ تُحْمَدِ بْأَحْمَدَ المَالِيْنِي
المتَوَفَ سَنة ٤١٢هـ
تقديم وتحقيق وتعليق
الدكتورْ عَامِ حَصَبْري
دَارُ الَِّ الإسْلاَمِيَّة
www.dorat-ghawas.com

الإهْدَاء
إلى روح أخي وصديقي الدكتور وليد حسن العاني(١)
رحمه الله تعالى رحمة واسعة، ورضي عنه .
اعترافاً بفضله ووفاءً ببعض حقه .
راجياً المولى عز وجل أن يتغمّده بوافر رحمته،
وأن يجزيه عنّا خير الجزاء.
أتقدم بهذا الكتاب ...
وفاءً وتقديراً
(١) عرفت الأخ وليد - رحمه الله - في بغداد، عندما كنا ندرس بالمعهد الإِسلامي في أوائل
السبعينات، وكان يتقدمني بثلاث سنين، ثم توثّقت صلتي به عندما قدم مهاجراً إلى مكة سنة
١٩٨٠، فعرفته عن قرب، ورأيت فيه مثالاً للمؤمن الصادق، فقد كان حلو الشمائل، لين
الجانب، عالي الهمة، كريماً، شهماً، محباً لإِخوانه، ذا فهم ثاقب، وذكاء مفرط، ورأي
مصيب، وقلم سيال، وعبارة جيدة، كانت أوقاته كلها معمورة بالخير، وكان موضع قبول
عند الناس، ولم يزل كذلك حتى توفاه الله في شهر شعبان من سنة ١٤١٦، وهو في الأربعين
من العمر، رحمه الله تعالى، وجمعني وإياه في مستقر رحمته.
٤
www.dorat-ghawas.com

بِسْمِ اللهِ الرّحمنِالرَّحَِّ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد
المرسلين، وعلى آله وأصحابه البررة المتقين، ومن تبعهم بإحسان إلى
یوم الدین .
وبعد: فإن الله تعالى هيأ لهذه الأمة من يدعو إلى تطهير النفس،
وتزكية الروح، وتوثيق العلاقة مع الله عز وجل، وإلى الاستنهاض في
مدافعة الشهوات، والاستهانة بزينة الدنيا، من العلماء العاملين والأئمة
الزاهدين .
وإنّا نرى اليوم في الأمة الإسلامية أزمة روحية وخُلُقية، فقد اتخذ
كثير منهم طريق الشيطان في حب المال والجاه، وعمّت المجتمع أمراض
قلبية مثل الحسد والكِبْر والأنانية والشُّح والرِّياء، وغيرها مما يُجمع في
كلمتين هما: حبُّ الدنيا وكراهية الموت، وهو الوهن الذي وصفه
رسول الله و ر عندما أشار إلى حال أمته حينما تتكالب عليها الأمم.
ولا شك أنه لا علاج لهذه الأمراض إلاَّ بالعودة الحقيقية إلى ما كان
عليه سلف هذه الأمة من التمسك الكامل بكتاب الله وسنّة رسوله وَّهِ،
والتأسي بالصحابة الكرام الذين كانوا فرساناً في النهار رهباناً في الليل،
واستحقوا بذلك بأن كانوا خير أمة أخرجت للناس.
٥
www.dorat-ghawas.com

وهذا الكتاب جمَعَ فيه مؤلفة الإِمام أبو سعد المَالِيني أخبارَ صفوةٍ
من أئمة التصوف المشهود لهم بالخير والصَّلاح مما تدعو المسلم إلى
تربية روحه وتزكيتها، ولا شك أن الاطلاع على أخبار الصالحين الذين
شهد لهم الأئمة بصلاحهم وتأسِّيهم برسول الله وَّر، هي البديلة
للانحرافات والتجاوزات التي وقع فيها بعض من سُمّوا بالمتصوفة ممن
جاء بقضايا فلسفية وافدة من الأمم السابقة خالفت المنهج السَّلفي القويم،
وعكّرت صفاء العقيدة، وفتحت الثغرات الواسعة لكل مبتدع أو زنديق
ليدخل من هذا الباب باسم التصوف.
وقد قمتُ بالتعليق عليه، وتخريج أحاديثه، وخدمته خدمةً تليق به
وبمؤلفه رحمه الله تعالی وتجاوز عنه.
وهذا الكتاب يرى النور لأول مرّة، وهو أول كتاب يصدر لأبي
سعد الماليني.
وقد قدّمتُ الكتاب بدراسة، اشتملت على ثلاثة أبواب، ذكرتُ في
الباب الأول كلمة حول الصوفية وتطورها، أما الباب الثاني فقد خصصته
للتعريف بالمؤلف، فذكرت نبذةً عن عصره، ثم الكلام عن حياته،
وتضمن الباب الثالث - وهو الأخير - الكلام عن كتاب الأربعين في
شيوخ الصوفية .
وقد وضعت في آخر الكتاب فهارس تكشف عن مضامين الكتاب
وموضوعاته، والله أسأل أن يتقبل عملي هذا، وهو ولي ذلك والقادر
عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
٦
www.dorat-ghawas.com

الدراسة
: كلمة حول الصوفية وتطورها .
الباب الأول
: التعريف بالمؤلف، وفيه:
الباب الثاني
أولاً : عصر المؤلف.
ثانياً : حياته .
: التعريف بالكتاب.
الباب الثالث
٧
www.dorat-ghawas.com

www.dorat-ghawas.com

الباب الأول
كلمة حول الصوفية وتطورها
تعددت مواقف المؤرخين في حقيقة المصدر الذي اشتقت منه كلمة
صوفية، فقيل إنه معزو إلى لبس الصوف، وقيل: إنه منسوب إلى أهل الصُّفة،
وهم الفقراء الذين كانوا في المسجد النبوي، وقيل: مشتق من الصَّفاء، أي
صفاء النفوس ونقاءها، وقيل غير ذلك، ولعل القول الأول هو الراجح، كما
قال ابن تيمية: واسم الصوفية هو نسبة إلى لباس الصوف، وهذا هو
الصحیح(١).
ويذكر الكلاباذي تعريفاتٍ عن سبب التسمية بالصوفية تدور حول مفهوم
الزهد والتزكية، فلقد جاء عنده: قالت طائفة: إنما سمّيت الصوفية صوفية
لصفاء أسرارها ونقاء آثارها. قال بشر بن الحارث: الصُّوفي مَنْ صفا قلبه لله .
وقال بعضهم: الصُّوفي من صفت الله معاملته، فصفت له من الله عزَّ وجلّ
كرامته. وقال قوم: إنما سُقُوا صوفية لأنهم في الصف الأول بين يدي الله
جلَّ وعزّ بارتفاع هممهم إليه وإقبالهم عليه ووقوفهم بسرائرهم بين يديه(٢) .
إِنَّ الصُّوفية كما يُلاحظ من هذه التعريفات يهتمون اهتماماً كبيراً بالنفس
(١) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ص ٢٤.
(٢) التعرف لمذهب أهل التصوف، ص ٥.
٩
www.dorat-ghawas.com

وطريقة صفائها، ونقاء سريرتها، ومجاهدة الطبع بردِّه عن الأخلاق الرَّذيلة،
وحمله على الأخلاق الطَّيبة من الزُّهد والحلم والصبر والإِخلاص والصدق إلى
غير ذلك من الخصال الحسنة .
وقد عقد ابن خلدون فصلاً مهماً في المقدمة، سمّاه علم التصوف،
تحدَّث فيه عن أهمية التصوف ونشأته، وكذا منهجه وقواعده، وقد لخّص لنا في
هذا الفصل كلَّ ما سبقه من آراء عند مؤرخي التصوف القدماء، إلى جانب موقفه
الخاص من الصوفية، فيقول عن علم التصوف: هذا العلم من علوم الشريعة
الحادثة في المِلَّة، وأصله أنَّ طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها
من الصحابة والتابعين ومن بعدهم طريقةَ الحق والهداية، وأصلها العكوف على
العبادة والانقطاع إلى الله تعالى، والإِعراضُ عن زخرف الدنيا وزينتها، والزُّهد
فيما يُقبِل عليه الجمهور من لذَّة ومال وجاه، والانفراد عن الخلق في الخلوة
للعبادة، وكان ذلك عاماً في الصحابة والسلف، فلما فشا الإقبال على الدنيا في
القرن الثاني وما بعده، وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا، اختص المقبلون على
العبادة باسم الصوفية والمتصوفة(١).
وبهذا يتبين أنَّ اسم التصوف لم يظهر في الاستخدام قبل القرن الأول، إلاَّ
أنَّ هذا لا يعني أنه من نشأة غير إسلامية، بل يمكن أن نقول إنه امتداد لذلك
الزُّهد القويم الذي كان عليه رسول الله بَله، فقد تجسّد في زهده الكريم أسمى
أنواع الزهد المقترن بالعبادة تصل إلى حد القيام في الليل حتى تتفطر قدماه عليه
الصلاة والسلام، وعندما يسأل عن ذلك وأن الله تعالى قد غفر له ما تقدم من
ذنبه وما تأخر، يجيب على ذلك بقوله: أفلا أكون عبداً شكوراً. وجاء عدد من
الأحاديث موصياً المؤمن بأن لا يركن إلى الدنيا، وأن لا يتخذها وطناً، وأن
يقصر أمله، ولا يحدث نفسه بطول البقاء، وأن يكون فيها كغريب أو عابر
(١) مقدمة ابن خلدون ٣/ ١٠٦٣ .
١٠
www.dorat-ghawas.com

سبيل، مع عدم جواز مخالفة الحنيفية السمحة والمبالغة في أداء الشعائر
بأسلوب مرهق يتجاوز حدود الممكن، فيأخذ المؤمن من الدنيا قدر النصيب
والحاجة من دون إفراط ولا تفريط، شرط إخلاء القلب من حبها حتى لا تفسد
على الإِنسان صفاء إيمانه، وتخالط عقيدته ويقينه مما ينعكس سلباً على تقواه
والتزامه .
وعلى هذه التربية المتكاملة كان الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، فقد
كانت حياتهم تجمع بين العلم والعمل والجهاد في سبيل الله، كانوا رضي الله
عنهم كما وُصفوا: رهباناً في الليل فرساناً في النهار، تراهم في المسجد، وفي
مجالس العلم، وفي ميدان التجارة والصناعة، ومع نسائهم وأبنائهم، وفي
ساحات الوغى، كانت الآيات والأحاديث في ذم الدنيا، وأنها مزرعة للآخرة
تُتلى عليهم وتُقرأ، وكانوا يفهمونها على الوجه الصحيح الذي استحقوا به
رضاء الله تعالى عليهم.
ثم جاء من بعدهم التابعون، فكانوا على هذا النمط من الفهم والتجرد
إلى الله تعالى.
وكما يقول الإِمام أحمد وغيره: بذكر الصالحين تتنزل الرحمة، فلا بأس
أن نشير إلى بعضهم:
فهذا الإِمام القدوة العابد الربيع بن خُثَيم، كان من أورع أصحاب
عبد الله بن مسعود، وكان يقول له: لو رآك رسول الله وَ لّ لأحبك، وما رأيتك
إلاّ ذكرت المُخبِتين.
وهذا سيد التابعين وزاهدهم أبو مسلم الخَوْلاَني، كان من أعبد الناس في
زمانه، ومات بأرض الروم مجاهداً في سبيل الله تعالى.
وهذا الإِمام القدوة العَلَم مَسْروق بن الأجدع، كان عالماً زاهداً، كان
١١
www.dorat-ghawas.com

يصلِّي حتى ترِمَ قدماه، وكان المُقدَّم في أصحاب عبد الله بن مسعود، شَهِدَ
معركة القادسية وقد شُلّت يده فيها .
وهذا الإِمام الرَّباني الأسود بن يزيد النخعي، وهو نَظِيرُ مسروق في
الجلالة والعلم والثقة والسِّن، يُضرَبُ بعبادته المَثَل.
ومنهم أيضاً: القدوة الزاهد، سيد التابعين أُويس القَرَني، الذي قال عنه
رسول الله وَليقول: ((خير التابعين رجل يقال له أُويس ... )) الحديث، وفيه:
لو أقسم على الله لأبرّه، ثم قال لعُمَرَ: لو استطعت أن يستغفر لك فافعل.
وهذا الإِمام الحافظ، الفقيه المجتهد، الزاهدة القدوة، الحسن البصري،
وكان سيد أهل زمانه عِلْماً وعَمَلاً ونُسُكاً.
وغيرهم كثير ممن ضرب أروع المثل في الزهد، والبعد عن زينة الدنيا
وزخرفها، مع عدم حرمان النفس من الطَّيبات، فليس الزهد كما قال الحسن
البصري: بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال، ولكن أن تكون بما في يد الله
أوثق منك بما في يدك، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت بها أرغب منك
فيها لو لم تصبك(١).
(١) نقله ابن القيم في مدارج السالكين ١٣/٢، وقال: وهذا أجمع كلام في الزهد وأحسنه.
وقال الإِمام أحمد: الزهد على ثلاثة أوجه:
الأول: ترك الحرام، وهو زهد العوام.
الثاني: ترك الفضول من الحلال، وهو زهد الخواص.
والثالث: ترك ما يشغل عن الله، وهو زهد العارفين.
قال ابن القيم في المدارج ١٢/٢: وهذا الكلام من الإِمام أحمد يأتي على جميع
ما تقدم من كلام المشايخ، مع زيادة تفصيله وتبيين درجاته، وهو من أجمع الكلام.
وانظر تراجم هؤلاء الأعلام في سير أعلام النبلاء، وقد ذكرهم علقمة بن مرثد في كتابه
زهد الثمانية من التابعين.
١٢
www.dorat-ghawas.com

ثم جاء من بعد هذه الطبقة طبقة أخرى اشتُهرت بالزهد والورع، عُرِفت
باسم طبقة الزُّهاد والعُبَّاد، وكان ذلك في القرن الثاني، ويبدو أن سبب ظهور
هذه الطبقة هو الواقع الاجتماعي والسياسي الذي أدى إلى ميل بعض المسلمين
إلى الدنيا حيث أخذت منهم كل مأخذ، فكانت ردة الفعل عن البعض هي
الابتعاد الكلي عنها .
ولا بأس أن نذكر بعض العُبَّاد في هذه المرحلة.
فمنهم: الإِمام الرباني محمد بن واسع (ت بعد ١٢٠) أحد الأئمة
الأعلام، كان عابداً زاهداً.
ومنهم: مالك بن دينار (ت ١٢٧)، كان من أعبد الناس في زمانه، وكان
ثقة في الحديث.
ومنهم: صفوان بن سُلَيم (ت ١٣٢)، قال عنه الإِمام أحمد: يُستشفى
بحديثه، وينزل القَطْر من السماء بذكره. كان رحمه الله تعالى يصلّي في الشتاء
في السطح لئلا يجيئه النوم، وقد أعطى اللهَ تعالى عهداً أن لا يضع جنبه على
فراش حتی یلحق بربه .
ومنهم: عطاء السَّلِيمي (ت بعد ١٤٠)، مكث أربعين سنة على فراشه
لا يقوم من الخوف، ولا يخرج، وكان يتوضأ على فراشه، وكان إذا بكى بكى
ثلاثة أيام بلياليها .
ومنهم: كُرز بن وَبْرَة، كان يصلِّي حتى تَرِم قدماه، وكان يمتنع عن
الطعام، حتى أنه كان يطوي أياماً كثيرة، نزل جُرْجان، وكان قد دخلها غازياً
لها، قال الذهبي في ترجمته: هكذا كان زُمَّاد السَّلف وعُبَّادهم، أصحاب
خوف وخشوع، وتعبد وقنوع، ولا يدخلون في الدنيا وشهواتها، ولا في
١٣
www.dorat-ghawas.com

عبارات أحدثها المتأخرون من الفناء، والمحو، والاصطلام، والاتحاد، وأشباه
ذلك، مما لا يسوغه كبار العلماء(١) .
ومنهم: حبيب العَجَمِي، زاهدُ أهل البصرة وعابدها، كان مجابَ الدَّعوة
وصاحب کرامات.
ومنهم: رَابِعةُ العَدَوية (ت بعد سنة ١٣٥) العابدة الخاشعة، كانت تصلِّي
اللَّيل كلّه، فإذا طلع الفجر، هجعت هجعةً حتى يُسفِر الفجر، فكانت تقول:
يا نفس كم تنامين، وإلى كم تقومين، يوشك أن تنامي نومة لا تقومين منها إلاَّ
ليوم النُّشور.
ومنهم: وُهَيْبُ بن الوَرْد المكي (ت ١٥٣)، كان عابداً زاهداً مشهوراً
بزهده، كان سفيان الثوري إذا حدّث الناس في المسجد الحرام وفرغ، قال:
قوموا إلى الطيِّب، يعني وهيباً. وكان وهيب قد حلف ألاّ يراه الله ضَاحِكاً لأحد
من خَلْقه حتى يعلم ما يأتي به رسل ربه، فسمعوه عند الموت يقول: وفَّيتَ لي
ولم أفٍ لك.
ومنهم: الإِمام أبراهيم بن أدهم (ت ١٦٢) سيِّد الزُّهاد وعَلَم الأولياء،
قال عنه سفيان الثوري: كان إبراهيم بن أدهم يشبه إبراهيم الخليل، ولو كان في
الصحابة لکان رجلاً فاضلاً.
ومنهم: داود بن نصير الطائي (ت ١٦٥)، سمع الحديث وتفقه، ثم
اشتغل بالتعبد، وكان عبد الله بن المبارك يقول: وهل الأمر إلا ما كان عليه داود
الطائي .
ومنهم: شَقِيق البَلْخي (ت ١٩٤)، الإِمام الزاهد شيخ خُراسان، كان
(١) سير أعلام النبلاء ٦/ ٨٤.
١٤
www.dorat-ghawas.com

زاهداً مداوماً على العبادة، وكان أيضاً من رؤوس الغُزَاة في سبيل الله، وقد قتل
في إحدى المعارك.
وبعد هذه المرحلة ظهر اسم التصوف كما سبق أن ذكرنا، وهو الذي
يمكن أن نسمِّيه بالتصوف السُّني، ويقوم على الربط بين الشريعة والحقيقة،
الشريعة المؤيدة للحقيقة، والحقيقة المقيّدة بالشريعة، فالشريعة هي الشجرة
والحقيقة ثمارها، وهذا ما حمل ابن خلدون إلى القول: صار علم الشريعة على
صنفين: صنف مخصوص بالفقهاء وأهل الفُتيا، وهي الأحكام العامة في
العبادات والعادات والمعاملات، وصنف مخصوص بالقوم في القيام بهذه
المجاهدة، ومحاسبة النفس عليها، والكلام في الأذواق والمواجد العارضة في
طريقها، وكيفية الترقي فيها من ذوق إلى ذوق، وشرح الاصطلاحات التي تدور
بينهم في ذلك(١) .
ومن أعلام هذا التوجه: معروف الكرخي، والسَّرِي السَّقَطي، والحارث
المُحَاسبي، وبشر بن الحارث، وسهل بن عبد الله التُّستري، والجُنَيد
البغدادي، وأمثالهم ممن ذكر بعضهم الإِمام أبو سعد المَالِيني في هذا الكتاب،
وقد بدا هذا الاتجاه واضحاً في القرن الثالث، وبلغ أوجّه في القرن الخامس عند
الإِمام أبي حامد الغزالي.
وكان هؤلاء الأئمة قد جمعوا بين العلم والعمل (٢)، ولا شك أن تحصيل
الحديث النبوي والفقه الشرعي ضرورة لا بد منها لكل مسلم، وخصوصاً بالنسبة
للمتصوف، حتى يكون على بصيرة وهدى، وإلّ كان مُعرَّضاً للانحراف
(١) المقدمة، ص ١٠٦٥ - ١٠٦٦.
(٢) وقد شهد لهم العلماء بذلك، ومنهم الإِمام ابن تيمية، انظر كلامه في الفتاوى
١٠ / ٥١٦.
١٥
www.dorat-ghawas.com

والشطط، ولهذا قال سَرِيُّ السَّقَطي للجُنَيد: جعلكَ اللَّهُ صاحب حديث صوفياً،
ولا جعلك صوفیاً صاحب حدیث.
قال أبو طالب المكي في قوت القلوب، معلِّقاً على هذا القول: يعني أنك
إذا ابتدأت بعلم الحديث والأثر ومعرفة الأصول والسنن، ثم تزهدت وتعبدت
تقدمتَ في علم الصوفية وكنت صوفياً عارفاً، وإذا ابتدأت بالتعبد والتقوى
والحال شُغِلتَ به عن العلم والسنن، فخرجتَ إما شاطحاً أو غالطاً؛ لجهلك
بالأصول والسنن، فأحسنُ أحوالك أن ترجع إلى العلم الظاهر وكتب الحديث،
لأنه هو الأصل الذي تُفرَّع عليه العبادة والعلم، وأنت قد بودئت بالفرع قبل
الأصل، وقد قيل: إنما حُرموا الوصول بتضييع الأصول، والأصول هي كتب
الحديث ومعرفة الآثار والسنن(١).
إنَّ شرح المكي للعلاقة بين علم الفقه والتصوف فيه بيان واضح لاشتراط
تحصيل العلم قبل الدخول في الطريق حتى لا يقود ذلك إلى شطحات تخرج
بصاحبها عن سلوك الإِسلام، فالصوفية كما يقول أبو نصر الطُّوسي: اتفقوا مع
الفقهاء وأصحاب الحديث في معتقداتهم وقبلوا علومهم، ولم يخالفوهم في
معانيهم ورسومهم، إذا كان ذلك مجانباً للبدع واتباع الهوى، ومنوطاً بالأسوة
والاقتداء، وشاركوهم بالقبول والموافقة في جميع علومهم(٢).
وقال الغزالي: من تصوف قبل العلم خاطر بنفسه، وشرح ذلك الزَّبِيدي،
فقال: أي أوقعها في الخطر والهلاك ولا يفلح أبداً، لأن التصوف عبارة عن
تطهير السرائر وتزكيتها عن الأخلاق المذمومة، وهو متوقف على تحصيل العلوم
الشرعية، يهتدي بها في سلوكه(٣).
(١) كتاب قوت القلوب ١٢٥/٢.
(٢) كتاب اللمع، ص ٢٨ .
(٣) إتحاف السادة المتقين ١/ ١٧٣ .
١٦
www.dorat-ghawas.com

أما الكلمات التي تروى عن بعض المتصوفة من التزهيد في العلم،
والاستغناء عنه، كقول من قال: نحن نأخذ علمنا من الحي الذي لا يموت،
وأنتم تأخذونه من حي يموت، وقول الآخر: العلم حجاب بين القلب وبين الله
عزَّ وجلّ، وقول الآخر: إذا رأيت الصوفي يشتغل بأخْبَرَنا وحدثنا فاغسل يدك
منه، فقد أجاب عن ذلك ابن القيم، فقال: أحسن أحوال قائلها أن يكون جاهلاً
يُعذر بجهله، أو شاطحاً معترفاً بشطحه، وإلا فلولا أخبرنا وحدثنا لما وصل إلى
هذا وأمثاله شيء من الإِسلام ... إلخ كلامه رحمه الله تعالى، وهو نفيس(١).
ومما يلاحظ على هذه المرحلة: الكلام عن الصُّوفية على أساس أنها كيان
وجماعة، فظهرت كلمات، مثل: مذهبنا أو علمنا أو أصولنا أو القوم ... إلخ،
يقول الجنيد: علمنا هذا مشبّك بحديث رسول الله وَ له، وقوله: مذهبنا هذا مقيّد
بالكتاب والسنَّة، وقول سهل: أصولنا سبعة ... إلخ. وقول إبراهيم بن محمد
النصرآباذي: أصل هذا المذهب: ملازمة الكتاب والسنة، وترك الأهواء
والبدع، والتمسك بالأئمة، والاقتداء بالسلف. وقول أبي سليمان الدَّاراني: إنه
لتمرّ بقلبي النُّكتة من نُكَتِ القوم، فلا أقبلها إلاَّ بشاهِدَيْ عَدْلٍ من الكتاب
والسنَّة.
ومما يلاحظ عليها أيضاً: تصنيف الكتب التي تتكلم عن خطرات النفوس
وسُبل معالجتها، والتركيز على الإِخلاص، والتوكل، والخشية .. وغير ذلك
ككتب الحارث المحاسبي، وأبي طالب المكي، والحكيم الترمذي .. وغيرهم
ممن خلَّط التّصوف بالحديث والكلام، مما أدَّى إلى ذكر أشياء تخالف
الشريعة(٢).
(١) مدارج السالكين ٤٦٨/٢ .
(٢) انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية ٣٦١/١٠، وانظر كلامه أيضاً فيما تضمنته كتب
الصوفية من الأحاديث والآثار في ١٠/ ٦٨٠ .
١٧
www.dorat-ghawas.com

ويمكن أن نسجل على هذا التوجه ملاحظتين :
الأولى: بروز جانب التشدد في العبادات وترك المباحات، وهذا الأمر
كان موجوداً أيضاً عند بعض الزُّهَّاد في عصر التابعين ومن بعدهم، وفي ذلك
يقول الإمام الذهبي: الطريقة المثلى هي المحمدية، وهو الأخذ من الطيبات،
وتناول الشهوات المباحة من غير إسراف، فلم يشرع الرهبانية ولا الوصال ولا
صوم الدهر(١).
قلت: هكذا فهم السلف الزهد فهماً صحيحاً، فلم يتعمقوا ويشددوا على
أنفسهم، فهذا سيد التابعين سعيد بن المُسيِّب ــ وهو من هو في علمه وفضله
وتقواه - يقول له مولاه بُرد: ما رأيتُ أحسن ما يصنع هؤلاء، قال سعيد: وما
يصنعون؟ قال: يصلي أحدهم الظهر ثم لا يزال صافّاً رجليه يصلي حتى العصر،
قال سعيد: ((ويحك يا برد، أما والله ما هي العبادة، تدري ما العبادة؟ إنما
العبادة التفكر والكفُّ عن محارِم الله(٢).
ولأجل هذا التدقيق والمبالغة كَرِهَ الإِمام أحمد وغيره كتب الحارث
المحاسبي وأتباعه، وفضَّل أن يسمِّي كتابه في الرقائق باسم (الزهد) على أساس
الاعتماد الكامل على الكتاب والسنة، والمأثور عن الأنبياء من آدم إلى محمد
صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وعن طريق الصحابة والتابعين، وعدم
الخوض في الخطرات والوساوس، وإذا أضفنا إلى ذلك ما فعله قبله أئمة
(١) سير أعلام النبلاء ٨٩/٢.
(٢) رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى ١٣٥/٥، ورواه بنحوه ابن الجوزي في ذم الهوى،
ص ١٥٠.
وقد مدح الخليفة أبو جعفر المنصور عمرو بن عبيد المعتزلي على زهده، فعلق
ابن كثير في البداية والنهاية ٧٨/١٠ بقوله: الزهد لا يدل على صلاح، فإن بعض
الرهبان قد يكون عنده من الزهد ما لا يطيقه عمرو ولا كثير من المسلمين.
١٨
www.dorat-ghawas.com

الحديث: عبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح، وهنّاد بن السَّري،
ومحمد بن فُضَيل بن غزوان، وأسد بن موسى، الذين وضعوا مؤلفات في هذا
الموضوع بنفس الاسم، فإن المَغْزى يُشير إلى أنهم آثروا التعبد المشروع الذي
سمته التوسط وعدم مخالفة الحنيفية السمحة.
ويقيِّد الإِمام ابن الجوزي في ذلك خاطرةً من خواطره، فيقول: تأملت
أحوال الصوفية والزُّهاد، فوجدت أكثرها منحرفاً عن الشريعة، بين جهل بالشرع
وابتداع بالرأي ... فقد عُلم ما خلَّف الزبير وابن عوف، وغيرهما، وبلغت
صدقة عليٍّ أربعين ألفاً، وخلّف ابن مسعود تسعين ألفاً، وكان الليث بن سعد
يستغلّ كل سنة عشرين ألفاً، وكان سفيان الثوري يتَّجر بمال، وكان ابن مهدي
يستغل كل سنة ألفي دينار.
وإن أكثر من النكاح والسراريٍّ، كان ممدوحاً لا ملوماً، فقد كان
للنبي وَل زوجات وسراري، وجمهور الصحابة كانوا على الإكثار من ذلك،
وكان لعلي بن أبي طالب أربع حرائر، وسبع عشرة أمة، وتزوج ولده الحسن
نحواً من أربعمائة ...
وقد كان النبي ◌َّل﴿ يأكل ما وجد، فإن وجد اللحم أكله، ويأكل لحم
الدجاج، وأحبُّ الأشياء إليه الحلوى والعسل، وما نقل عنه أنه امتنع من
مباح ... إلخ كلامه رحمه الله تعالى(١).
والملاحظة الثانية: ظهور مصطلحات معينة، فيها إبهام وغموض مما
يسوغ تفسيرها، كُلٌّ حسب ما يريده، فظهر الكلام عن: الفناء، والبقاء،
والصحو، والمحو، والتجريد، وغير ذلك(٢)، وهي ألفاظ مجملة تحتمل الحق
والباطل، فمثلاً عبارة (الفناء) قد تعني وجهاً باطلاً، وهو الاعتقاد بأنه ليس
(١) صيد الخاطر، ص ٢٥ - ٢٧ .
(٢) انظر شرح هذه المصطلحات في الرسالة القُشَيرية .
١٩
www.dorat-ghawas.com