النص المفهرس

صفحات 221-240

سُورَةُ المَائِدَةِ (١٠٩)
مُوسُوكَبْ التَّفْسِيُ المَاتُور
٢٢١ =
هاهنا موضع الحساب. فيسمع النداءَ جميعُ الناس، فيُقبلون نحو الصوت، فإذا
اجتمعوا ببيت المقدس زفرت جهنم زفرةً لا يبقى ملَك مُقَرَّب ولا نبيٌّ مرسل إلا ظنَّ
أنه لو جاء بعمل سبعين نبيًّا ما نجا، فعند ذلك تاهت عقولهم، فيقول لهم عند ذلك
- يعني: المرسلين -: ﴿مَاذَا أُحِبْتُمْ﴾ في التوحيد. ﴿قَالُواْ لَا عِلْمَ لَنَّ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ
اٌلْغُيُوبِ﴾. ثم رجعت عقولهم بعد ذلك إليهم، فشهدوا على قومهم أنهم قد بلَّغوا
الرسالة عن ربهم، فذلك قوله سبحانه: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَدُ﴾ يعني: الأنبياء ﴿هَؤُلَاءِ
اُلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ١٨](١). (ز)
٢٤٢٨٤ - عن عبد الملك ابن جُرَيْج - من طريق حجَّاج - قوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ
فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾، يقول: ماذا عملوا بعدكم، وماذا أحدثوا بعدكم؟ قالوا: ﴿قَالُواْ
لَا عِلْمَ لَنَّاً إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ﴾ (٢)٢٢٠٩). (ز)
٢٤٢٨٥ - عن أحمد بن أبي الحَوارِيّ، قال: قلت لإسحاق بن خلف: قوله: ﴿يَوْمَ
يَجْمَعُ اَللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمَّ قَالُواْ لَا عِلْمَ لَنَاً﴾، قلت: أليس قد علموا ماذا
عليهم في الدنيا؟ قال: بلى، ولكن مِن عِظَم قول السؤال طاشت عقولهم، فلم
[يدروا] ما أُجيبوا، فإذا رجعت إليهم بعدُ عرفوا. فحدّث به أبو سليمان
[الداراني]، فقال: هم في سماعهم تلك صادقين، ثم ترجع إليهم عقولهم بعد،
فيخبر بما أجيبوا(٣). (ز)
٢٢٠٤ انتَقَد ابنُ جرير (١١٢/٩) قولَ ابن جُرَيج مستندًا لدلالة اللغة، والعقل بقوله: ((وأما
الذي قاله ابن جُرَيْج ... فتأويلٌ لا معنى له، لأن الأنبياء لم يكن عندها من العلم بما يحدث
بعدها إلا ما أعلمها الله من ذلك، وإذا سئلت عما عملت الأمم بعدها والأمر كذلك فإنما
يُقال لها: ماذا عرفناك أنه كائن منهم بعدك؟ وظاهر خبر الله - تعالى ذِكْرُه - عن مسألته
إياهم يدل على غير ذلك)).
وبنحوه ذهب ابنُ عطية (٢٩٤/٣)، فقال: ((لكن لفظة ﴿أُجِبْتُمْ﴾ لا تساعد قول ابن جريج
إلا على كُرْه)). ووجَّهه بقوله: ((وهذا معنَى حسنٌ في نفسه، ويؤيده قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ
عَلَّمُ الْغُيُوبِ﴾)).
(١) تفسير مقاتل بن سليمان ٥١٤/١ - ٥١٥.
(٢) أخرجه ابن جرير ٩/ ١١٢.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٤ /١٢٣٦.

سُورَةُ المَائِدَةِ (١١٠)
٥ ٢٢٢ .
فَوَسُوعَة التَّفْسِيَةُ الْجَاتُور
وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَى وَلِدَتِكَ﴾
٢٤٢٨٦ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ﴾ في الآخرة،
﴿أَذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَى وَلِّدَتِكَ﴾ يعني: مريم ◌َّلاَةَ(١). (ز)
﴿إِذْ أَيَّدَتُكَ بِرُوجِ الْقُدُسِ﴾
٢٤٢٨٧ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿إِذْ أَيَّدَتُكَ بِرُوجِ الْقُدُسِ﴾، فالنعمة على عيسى
حين أيده بروح القدس، يعني: جبريل ظلَّ(٢). (ز)
﴿تُكِلِّمُ النَّاسَ فِ اَلْمَهْدِ وَكَهْلَّا﴾
٢٤٢٨٨ - عن عباد بن منصور، قال: سألت الحسن في قوله: ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِى
اَلْمَهْدِ وَكَهْلَا﴾. قال: كلمهم في المهد صبيًّا، وكلمهم كبيرًا(٣). (ز)
٢٤٢٨٩ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِ الْمَهْدِ﴾ يعني: تكلم بني إسرائيل
صبيًّا في المهد حين جاءت به أمه تحمله، ﴿وَ﴾ يكلمهم ﴿كَهْلًا﴾، حين اجتمع
واستوت لحيته(٤). (ز)
﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ﴾
٢٤٢٩٠ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَبَ﴾ يعني: خَطَّ الكتابِ بيده،
(١) تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٥١٥.
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٥١٥.
وقد تقدمت الآثار مُفَصَّلة في معنى الآية عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَهُ بِرُوجِ الْقُدُسِنَّ﴾ [البقرة: ٨٧]،
وأعادها ابن أبي حاتم ١٢٣٨/٤ كعادته.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ١٢٣٨/٤ - ١٢٣٩.
(٤) تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٥١٥ - ٥١٦.
وقد تقدمت الآثار مفصلة في معنى الآية عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِ الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ
الصَّلِحِينَ﴾ [آل عمران: ٤٦]، وأعادها ابن أبي حاتم ١٢٣٨/٤ - ١٢٣٩.

فَوْسُبَة التَّفْسِيَةُ الْجَاتُور
سُورَةُ المَائِدَةِ (١١٠)
٥ ٢٢٣ %
﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ يعني: الفهم، والعلمُ
(١) ٢٢٠٥]
. (ز)
﴿وَالتَّوْرَنَةَ وَالْإِنِجِيلَ﴾
٢٤٢٩١ - عن قتادة بن دِعامة - من طريق أبي جعفر - قوله: ﴿وَالتَّوْرَنَةَ وَالْإِنجِيلِّ﴾،
قال: كان عيسى يقرأ التوراة والإنجيل(٢). (ز)
٢٤٢٩٢ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿وَالتَّوْرَنَّةَ وَالْإِنجِيلِّ﴾، يعني: علم التوراة
والإنجيل، وجعله نبيًّا ورسولًا إلى بني إسرائيل(٣). (ز)
٢٤٢٩٣ - عن محمد بن إسحاق - من طريق عبد الله بن إدريس - ﴿وَالتَّوْرَنَةَ وَالْإِنِيلَ﴾،
أي: كتاب لم يسمعوا به جاءهم به، وكتاب قد سمعوا به مضى ودَرَس علمُه من بين
أظهرهم، فردَّ به عليهم (٤). (ز)
﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ اُلْطِينِ كَهَيْئَةِ اٌلَّيْرِ بِإِذْنِ فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًّا بِإِذْنِ﴾
٢٤٢٩٤ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ يعنى: الخفاش
﴿بِإِذْنِ فَتَنْفُخُ فِيهَا﴾ يعني: في الهيئة ﴿فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنٍ﴾(٥). (ز)
٢٢٠٥ ذكر ابن عطية (٢٩٥/٣) هذا القول وان المراد بـ((الكتاب)): الخط، ثم أورد احتمالا
آخر، فقال: ((ويحتمل أن يريد اسم جنس في صحف إبراهيم وغير ذلك، ثم خص بعد
ذلك التوراة والإنجيل بالذكر تشريفًا)).
(١) تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٥١٥.
وقد تقدمت الآثار مفصلة في معنى الآية عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَنَةَ وَالْإِنجِيلَ﴾
[آل عمران: ٤٨]، وأحال إليها ابن جرير ١١٥/٩، بينما أعادها ابن أبي حاتم ١٢٣٩/٤ - ١٢٤٠.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٢٤٠.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٢٤٠.
(٣) تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٥١٥.
(٥) تفسير مقاتل بن سليمان ٥١٥/١ - ٥١٦.
تقدمت الآثار مفصلة في معنى الآية عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَرَسُولَا إِلَى بَنِىّ إِسْرَِّيلَ أَنِى قَدْ جِئْتُكُمْ بَِايَةٍ مِّن
ذَّبِّكُمْ أَنَّ أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ [آل عمران: ٤٩]، وقد أحال
ابن جرير ١١٥/٩ إليها، بينما أعادها ابن أبي حاتم ٤/ ١٢٤٠.

سُورَةُ الْمَائِدَةِ (١١٠)
=
٥ ٢٢٤ %
فَوَسُوعَة التَّفْسَةُ المَاتُور
﴿وَتُبِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِّ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْنَ بِإِذْنِ﴾
٢٤٢٩٥ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿وَتُبْرِئُ اَلْأَكْمَةَ﴾ يعني: الأعمى الذي يخرج من
بطن أمه أعمى، فكان عيسى ◌ُلَّلا يرد إليه بصره بإذن الله تعالى، فيمسح بيده عليه
فإذا هو صحيح بإذن الله، ﴿وَ﴾يبرئ ﴿الْأَبْرَصَ﴾ يمسحهما بيده فيبرئهما ﴿ِإِذْنِّ وَإِذْ
تُخْرِجُ الْمَوْنَى بِإِذْنِ﴾ أحياء(١). (ز)
﴿ .. وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِىَّ إِسْرَِّيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيْنَتِ
فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ
٢٤٢٩٦ - عن عبد الله بن عباس - من طريق ابن إسحاق بسنده - في قوله: ﴿وَإِذْ
كَفَفْتُ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِنَتِ﴾، أي: الآياتِ التي وضَع على
يَدَيه؛ مِن إحياء الموتى، وخَلقِه مِن الطين كهيئة الطير، ثم ينفخ فيه فيكونُ طيرًا
بإذن الله، وإِبراءِ الأسقام، والخبرِ بكثيرٍ مِن الغُيُوبِ مما يدَّخِرون في بُيُوتِهم، وما
رَدَّ عليهم مِن التوراة مع الإنجيل الذي أحدَثَ اللهُ إليه. ثم ذكَّر كفرَهم بذلك
كلِّه(٢). (٥٩٢/٥)
٢٤٢٩٧ - قال مقاتل بن سليمان: وأما النعمة على مريم ◌ُلهَلا فهي أنه اصطفاها
- يعني: اختارها -، وطهرها من الإثم، واختارها على نساء العالمين، وجعلها زوجة
محمد رَّ في الجنة ... ، ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ عَنكَ﴾ يعني: عن قتلك حين
رفعه الله رَّ إليه، وقُتل شبيهه، وهو الرقيب الذي كان عليه، ﴿إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾
يعني: بالعجائب التي كان يصنعها؛ من إبراء الأكمه، والأبرص، والموتى، والطائر،
ونحوه، ﴿فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ﴾ يعني: من اليهود من بني إسرائيل: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا
سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ يعني: ما هَذَا الَّذِي يصنع عِيسَى من الأعاجيب ﴿إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾
يعني: بَيِّن. نظيرها في الصف(٣). (ز)
(١) تفسير مقاتل بن سليمان ٥١٥/١ - ٥١٦.
وتقدمت الآثار مفصلة في معنى الآية عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأُرِىءُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَفَ وَأُخْىِ الْمَوْنَى بِإِذْنِ
اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩]، وقد أحال ابن جرير ١١٥/٩ إليها، بينما أعادها ابن أبي حاتم ١٢٤١/٤ كعادته.
(٣) تفسير مقاتل بن سليمان ٥١٦/١ - ٥١٧.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ١٢٤٢/٤.

فَوْسُكَبُ التَّفْسَةُ الْحَاتُون
سُورَةُ المَائِدَةِ (١١١)
٥ ٢٢٥ :
آثار متعلقة بالآية:
٢٤٢٩٨ - عن ابن وهب، عن أبيه [وهب بن منبه] - مِن طريق أبي بكر بن عَيَّاش -
قال: قدِم رجلٌ مِن أهل الكتاب اليمن، فقال أبي: ائتِهِ، فاسمَع منه. فقلتُ: تُحِيلُني
على رجلٍ نصراني؟ قال: نعم، ائتِه، واسمع منه. فأتَيتُه، فقال: لَمَّا رفع الله
عيسى ◌َلَّا أقامَه بين يَدَي جبريل وميكائيل، فقال له: اذكُر نِعمَتي عليك وعلى
والدتِك؛ فَعَلتُ بك وفعلتُ بك، ثم أخرَجتُك مِن بطنِ أمِّك، ففعلتُ بك وفعلتُ
بك، وستكونُ أمةٌ بعدَك يَنتَحِلُونك، ويَنتَحِلُون ربوبيَّتَك، ويَشْهَدون أنك قد مُتَّ،
وكيف يكونُ ربِّ يموتُ؟! فبعِزَّتِي حَلفتُ لأُناصِبَنَّهم الحسابَ يومَ القيامة، ولأُقِيمَّهم
مُقَامَ الخَصم مع الخصم، حتى يُنفِذوا ما قالوا، ولن يُنفِذُوه أبدًا. ثم أسلم، وجاء
من الأحاديثِ بشيءٍ لم أسمع مثلَها(١). (٥٩١/٥)
﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِبْنَ﴾
٢٤٢٩٩ - عن الحسن البصري - من طريق رجل - في قول الله: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى
النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]، وقوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِبْنَ﴾، ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾
[القصص: ٧]، قال: إلهام ألهمهم(٢). (ز)
٢٤٣٠٠ - عن قتادة بن دِعامة: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِْنَ﴾، قال: وحيٌّ قُذِفَ في
قلوبِهم، ليس بوحي نُبُوَّةٍ، والوحيُّ وَحيان: وحيٌّ تَجِيءُ به الملائكة، ووحيٌّ يُقَذَفُ
في قلبِ العبد(٣). (٥٩٢/٥)
٢٤٣٠١ - عن إسماعيل السُّدِّيّ - من طريق أسباط - في قوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى
اُلْحَوَارِِّنَ﴾، يقول: فَذَفتُ في قلوبِهم (٤). (٥٩٢/٥)
٢٤٣٠٢ - عن محمد بن السائب الكلبي - من طريق مَعْمَر - في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ
(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٢٣٧.
(٢) أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع - تفسير القرآن ٢/ ٥٣ - ٥٤ (١٠٣). وعلَّقه ابن أبي حاتم ٤/
٠١٢٤٢
(٣) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
(٤) أخرجه ابن جرير ١١٦/٩، وابن أبي حاتم ١٢٤٢/٤. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.

سُورَةُ المَائِدَة (١١١)
مُوَسُوعَة التَّفْسَِّةُ المَاتُور
٢٢٦ %
. (ز)
(١) ٢٢٠٦
أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِبَِّنَ﴾، قال: قذف في قلوبهم(١
٢٤٣٠٣ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِبْنَ﴾، وهم: القَصَّارون
مُبَيِّضو الثياب، وكانوا اثني عشر رجلًا، والوحي إليهم من الله رَ هو إلهام، قَذَف
في قلوبهم التصديق بالله رمَك بأنَّه واحد لا شريك له(٢). (ز)
﴿أَنْ ءَامِنُواْ بِى وَبِرَسُولِىِ قَالُوَاْ ءَامَنَا وَأَشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ
٢٤٣٠٤ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿أَنْ ءَامِنُواْ بِ﴾: أن صدِّقوا بأنِّي واحد ليس معي
شريك، ﴿وَبِرَسُولِ﴾ عيسى ابن مريم أنَّه نبي رسول. ﴿قَالُواْ ءَامَنًا﴾ يعني: صدَّقنا بما
جاء به من عند الله، ونشهد أنَّ الله رَمّ واحد لا شريك له، وأنك رسوله،
﴿وَأَشْهَدْ﴾ يا عيسى ﴿يَأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ يعني: مخلصون بالتوحيد(٣)٢٢٠٧]. (ز)
٢٢٠٦] اختلف المفسرون في معنى ﴿أَوْحَيْتُ﴾ على قولين: الأول: ألهمتهم. والثاني: قذفت
في قلوبهم .
ورأى ابنُ جرير (١١٦/٩) تقارب المعاني بينهما، فقال: ((وقد اختلفت ألفاظ أهل التأويل
في تأويل قوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ﴾، وإن كانت متفقة المعاني)).
وذكر ابنُ كثير (٤١٣/٥) القول بكونه وحي إلهام، وجعل نظيرًا له قوله تعالى: ((﴿وَأَوْحَيْنَاً
إِلَىَ أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيَةِ﴾ [القصص: ٧]، وقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النََّلِ أَنِ اتَّخِذِى مِنَ الْجِبَالِ
بُيُوتًا﴾ [النحل: ٦٨])).
ثم ذكر (٤١٤/٥) احتمالاً آخر في معنى الوحي غير الإلهام، والقذْف في القلب، فقال:
((ويحتمل أن يكون المراد: وإذ أوحيت إليهم بواسطتك، فدعوتهم إلى الإيمان بالله
وبرسوله، واستجابوا لك وانقادوا وتابعوك، فقالوا: ﴿ءَامَنَا وَأَشْهَدْ بِأَنَا مُسْلِمُونَ﴾)).
٢٢٠٧ ذكر ابنُ عطية (٢٩٨/٣) أن قوله تعالى: ﴿وَاشْهَدْ﴾ يحتمل احتمالين: الأول: أن
يكون مخاطبة منهم لله تعالى. الثاني: أن يكون لعيسى الَّلِ.
(١) أخرجه عبد الرزاق ١/ ٢٠٠.
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٥١٧.
وتقدمت الآثار مفصلة في معنى الحواريين عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾
[آل عمران: ٥٢]، وقد أحال ابن جرير ١١٦/٩ إليها، بينما أعادها هنا ابن أبي حاتم ١٢٤٢/٤ -
١٢٤٣.
(٣) تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٥١٧.

فَوْسُكَبِ التَّقْسَِّةُ الْمَاتُور
٥ ٢٢٧ .
سُوْدَةُ المَائِدَة (١١٢)
﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِبُّونَ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآيِدَةً مِّنَ السَّمَاَءِ
قَالَ أَتَّقُواْ اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
قراءات :
٢٤٣٠٥ - عن عبد الرحمن بن غَنم، قال: سألتُ معاذ بن جبل عن قول الحَوارِيِّين:
﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾؟ أو: ﴿تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ﴾؟ فقال: أقرَأَني رسول الله وَّ: ﴿هَل
تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ﴾ بالتاءُ(١). (٥٩٣/٥)
٢٤٣٠٦ - عن عامر الشعبي: أنَّ عليًّا كان يَقرَؤُها: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾، قال: هل
يُطِيعُك ربُّك(٢). (٥٩٣/٥)
٢٤٣٠٧ - عن عبد الله بن عباس: أنَّه قرأَها: ﴿تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ﴾ بالتاء، وبنصبٍ
﴿رَبَّكَ﴾(٣). (٥٩٣/٥)
٢٤٣٠٨ - عن سعيد بن جُبير - من طريق حسَّان بن مُخارِق - أنَّه قرَأها: ﴿تَسْتَطِيعُ
رَبَّكَ﴾، وقال: هل تستطيعُ أن تَسأَلَ ربَّك (٤). (٥٩٣/٥)
٢٤٣٠٩ - عن يحيى بن وَثَّب =
٢٤٣١٠ - وأبي رجاء أنهما قرآ: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ بالياء والرفع (٥)٢٢٠٨). (٥٩٣/٥)
٢٢٠٨ اختلف القراء في قراءة ﴿يَسْتَطِيعُ﴾؛ فمنهم من قرأ بالياء ورفع الرب، ومنهم من قرأ
بالتاء ونصب الرب .
وذكر ابنُ جرير (١١٨/٩) أن قراءة التاء بمعنى: هل تستطيع أن تسأل ربك؟ وهل تستطيع
أن تدعو ربك؟ وهل تستطيع وترى أن تدعوه؟ وأما قراءة الياء فتحتمل معنيين: أحدهما : ==
(١) أخرجه الترمذي ١٩٢/٥ (٣١٥٨)، والحاكم ٢٦٠/٢ (٢٩٣٥) واللفظ له.
قال الترمذي: ((هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث رشدين، وليس إسناده بالقوي، ورشدين بن سعد
والإفريقي يضعفان في الحديث)). وقال الحاكم: ((هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه)).
وهما قراءتان متواترتان، فقرأ العشرة ما عدا الكسائي ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ بالياء، ورفع الباء، أما الكسائي
فقرأ ﴿تَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ بالتاء، ونصب الباء. انظر: النشر ٢٥٦/٢، والإتحاف ص ٢٥٧.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ١٢٤٣/٤.
(٣) عزاه السيوطي إلى أبي عبيد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ.
(٤) أخرجه ابن جرير ١١٨/٩. وعزاه السيوطي إلى أبي عبيد.
(٥) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.

سُورَةُ المَائِدَةِ (١١٢)
٥ ٢٢٨
فَوْسُوعَة التَّفْسِيرُ الْجَاتُور
== أن يُنَزّل علينا ربك، كما يقول الرجل لصاحبه: أتستطيع أن تنهض معنا في كذا؟ وهو يعلم
أنه يستطيع، ولكنه إنما يريد: أتنهض معنا فيه؟ والآخر: هل يستجيب لك ربك ويطيعك أن
ينزل علينا؟.
وذكر نحوه ابنُ عطية (٢٩٨/٣ - ٢٩٩)، وابنُ كثير (٤١٤/٥ - ٤١٥).
وأضاف ابنُ عطية أنَّ في قَوْلَة الحواريين ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ﴾ بشاعة؛ ولذا مال فريق من
الصحابة لقراءة التاء، وساق أثر عائشة التالي، وعلَّق (٢٩٩/٣) عليه بقوله: ((نزّهَتْهم
عائشة رضيُها عن بشاعة اللفظ، وإلا فليس يلزمهم منه جهل بالله تعالى على ما قد تبين آنفًا)).
يعني : على توجيه قراءة الياء بما قد مرَّ .
ورجّح ابنُ جرير (١١٨/٩ - ١١٩) قراءة الياء مستندًا إلى دلالة اللغة، والسياق، والعقل،
وذلك أن قوله: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِبُّونَ﴾ من صلة ﴿إِذْ أَوْحَيْتُ﴾، فالمعنى: وإذ أوحيت إلى
الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي إذ قال الحواريون ما قالوا. وفي ذلك دلالة على كره الله
لما قالوا، ودعوتهم للتوبة منه. كما تترجّح من جهة أن عيسى استعظم مقالة الحواريين،
ولذا ردَّ عليهم بقوله: ﴿ أَتَّقُواْ اللَّهَ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾، وفي استتابة الله للحواربين واستعظام
عيسى لمقولتهم ما يدل على صحة قراءة الياء؛ إذ لو كانت بالتاء لما استُكبِرت هذا
الاستكبار. ثم قال (١١٩/٩ - ١٢٠ بتصرف): «فإن ظن ظانٌّ أنَّ قولهم ذلك له إنما هو
استعظام منهم لأن ذلك منهم كان مسألة آية، فإن الآية إنما يسألها الأنبياءَ مَن كان بها
مكذبًا ليتقرر عنده حقيقة ثبوتها وصحة أمرها، كما كانت مسألة صالح الناقة من مكذبي
قومه، فإن كان الذين سألوا عيسى أن يسأل ربه أن ينزل عليهم مائدة من السماء على هذا
الوجه فقد أحلَّهم الذين قرءوا ذلك بالتاء ونصب الرب محلًّا أعظم من المحل الذي ظنوا
أنهم يحيدون بهم عنه. أو يكونوا سألوا ذلك عيسى وهم موقنون بأنه لله نبي مبعوث،
وأن الله تعالى على ما سألوا من ذلك قادر، فإن كانوا سألوا ذلك وهم كذلك، وإنما كانت
مسألتهم إيّاه ذلك على نحو ما يسأل أحدهم نبيَّه إذا كان فقيرًا أن يسأل له ربه أن يغنيه،
وإن عرضت به حاجة أن يسأل له ربه أن يقضيها، فإن ذلك من مسألة الآية في شيء، بل
ذلك سؤال ذي حاجة عرضت له إلى ربه، فسأل نبيه مسألة ربه أن يقضيها له. وخبر الله
تعالى عن القوم يُنبِئ بخلاف ذلك، وذلك أنهم قالوا لعيسى: ﴿نُرِيدُ أَن تَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَيِنَّ
قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾، فقد أنبأ هذا من قيلهم أنهم لم يكونوا يعلمون أن عيسى قد
صدقهم، ولا اطمأنت قلوبهم إلى حقيقة نبوته، فلا بيان أبين من هذا الكلام في أن القوم
كانوا قد خالط قلوبهم مرض وشك في دينهم وتصديق رسولهم، وأنهم سألوا ما سألوا من
ذلك اختبارًا)).

فَوْسُورَة التَّفْسِيرُ الْمَاتُور
سُورَةُ المَائِدَة (١١٢)
& ٢٢٩ %=
تفسير الآية:
٢٤٣١١ - عن عائشة - من طريق ابن أبي مليكة - قالت: كان الحوارِيُّون أعلمَ بالله
مِن أن يقولوا: هل يستطيعُ ربُّك؟ إنما قالوا: هل تستطيعُ أنت ربَّك؛ هل تستطيعُ أن
تَدعُوَه؟(١). (٥٩٢/٥)
٢٤٣١٢ - عن سعيد بن جبير - من طريق الأعمش - في قوله: ﴿مَآيِدَةً﴾، قال:
المائدةُ: الخِوانُ (٢). (٥٩٣/٥)
٢٤٣١٣ - قال الحسن البصري: يقولون: هل ربك فاعل، وهو كلام العرب: ما
أستطيع ذلك؛ أي: ما أنا بفاعل ذلك(٣). (ز)
٢٤٣١٤ - عن إسماعيل السُّدِّيّ - من طريق أسباط - في قوله: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ
رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآيِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ﴾، قال: قالوا: هل يُطيعُك رَبُّك إن سَأَلتَه؟
فأنزل اللهُ عليهم مائدةً مِن السماء، فيها جميع الطعام إلا اللحم، فأكلوا
منها (٤). (٥٩٣/٥)
٢٤٣١٥ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ
رَبُّكَ﴾ يقول: هل يقدر على أن يعطيك ربك إن سألته ﴿أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآيِدَةً مِّنَ
السَّمَاِ قَالَ أَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ فلا تسألوه البلاء ﴿إِن كُنتُم ◌ُؤْمِنِينَ﴾ فإنها إن نزلت ثم كذَّبتم
عُوقِيتم(٥). (ز)
== وذَكَر ابنُ عطية (٣٠٠/٣) أنَّ قول عيسى للحواربين: ﴿أَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ يتخرج على قراءة الياء
على أمرين: أحدهما: بشاعة اللفظ. والآخر: إنكار طلب الآيات والتعرض إلى سخط الله
بها، والنبوات ليست مبنية على أن تتعنت، وأما على قراءة التاء فلم ينكر عليهم إلا
الاقتراح، وقلة طمأنينتهم إلى ما قد ظهر من آياته .
(١) أخرجه يحيى بن سلام - كما في تفسير ابن أبي زمنين ٥٤/٢ - ٥٥ -، وابن جرير ٩ / ١١٧ -
١١٨، وابن أبي حاتم ١٢٤٣/٤. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وأبي الشيخ، وابن
مردويه .
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٤ /١٢٤٤ - ١٢٤٥.
(٣) ذكره يحيى بن سلام - كما في تفسير ابن أبي زمنين ٢/ ٥٤ -.
(٤) أخرجه ابن جرير ٩/ ١٢١.
(٥) تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٥١٧.

سُورَةُ المَائِدَة (١١٣ - ١١٤)
٥ ٢٣٠ .
مُؤْسُوعَة التَّفْسِي الْخَاتُور
﴿قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَيِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا
وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَِّهِدِينَ
١٣
٢٤٣١٦ - عن سعيد بن جبير - من طريق قيس بن مسلم - في قوله: ﴿وَتَطْمَيِنَّ﴾،
قال: تُوقِنَ(١). (٥٩٣/٥)
٢٤٣١٧ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿قَالُواْ نُرِيدُ أَن ◌َّأْكُلَ مِنْهَا﴾، فقد جُعنا، ﴿وَتَطْمَيِنَّ
قُلُوبُنَا﴾ يعني: وتسكن قلوبنا إلى ما تدعونا إليه، ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ بأنَّك نبي
رسول، ﴿وَتَكُونَ عَلَيَّهَا مِنَ الشَّهِدِينَ﴾ يعني: على المائدة عند بني إسرائيل إذا رجعنا
إليهم. وكان القوم الذين خرجوا وسألوا المائدة خمسة آلاف بطريق، وهم الذين
سألوا المائدة مع الحوارِيِّين (٢)٢٢٠٩]. (ز
﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَآيِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا
وَءَايَةً مِّنْكٌ وَأَرْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الزَِّقِينَ
٢٤٣١٨ - عن عبد الله بن عباس - من طريق عقيل - أنَّه قال: أكل منها - يعني: من
المائدة - حين وضعت بين أيديهم آخرُ الناس كما أكل منها أولُهم(٣)١٥
ـا. (ز)
٢٢٠٩] قال ابنُ عطية (٣٠٠/٣): ((ولا خلاف أحفظه في أن الحواريين كانوا مؤمنين، وهذا
هو ظاهر الآية)).
ثم ذكر أنَّ قومًا قالوا بأن الحواريين قالوا هذه المقالة في صدر الأمر قبل علمهم بأنه يبرئ
الأكمه والأبرص ويحيي الموتى.
وبيَّن أن معنى قولهم: ﴿وَتَطْمَيِنَّ قُلُوبُنَا﴾ أي: يسكن فكرنا في أمرك بالمعاينة لأمر نازل
من السماء بأعيننا، ﴿وَنَعْلَمَ﴾ علم الضرورة والمشاهدة أن قد صدقتنا فلا تعترضنا الشبه
التي تعرض في علم الاستدلال. ثم قال: ((وبهذا يترجح قول من قال كان هذا قبل علمهم
بآياته. ويدل أيضًا على ذلك أن وحي الله إليهم أن آمنوا إنما كان في صدر الأمر، وعند
ذلك قالوا هذه المقالة ثم آمنوا ورأوا الآيات واستمروا وصبروا، وهلك من كفر)).
علَّق ابنُ عطية (٣/ ٣٠٢) على قول ابن عباس بقوله: ((فالعيد على هذا لا يراد به المستدير)).
٢٢١٠
(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٤ /١٢٤٤ - ١٢٤٥.
(٣) أخرجه ابن جرير ١٢٤/٩.
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٥١٧ - ٥١٨.

مَوْسُوَة التَّفْسَةُ المَاتُور
سُورَةُ المَائِدَةِ (١١٤)
٥ ٢٣١ %=
٢٤٣١٩ - عن كعب الأحبار: نزلت يوم الأحد، لذلك اتخذه النصارى عيدًا(١). (ز)
٢٤٣٢٠ - عن قتادة بن دعامة - من طريق سعيد - في قوله: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا
وَءَاخِنَا﴾، قال: أرادوا أن تكونَ لعَقِبِهم مِن بعدهم (٢). (٥٩٤/٥)
٢٤٣٢١ - عن إسماعيل السُّدِّيّ - من طريق أسباط - في قوله: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا
وَءَاخِنَا﴾، يقولُ: نَتَّخِذُ اليومَ الذي نَزَلَت فيه عيدًا، نُعَظِّمُه نحن ومَن بعدنا(٣). (٥٩٤/٥)
٢٤٣٢٢ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿قَالَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمْ﴾ وَِّ عند ذلك: ﴿اَللَّهُمَّ رَبَّنَا
أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَآيِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا﴾، يقول: تكون عيدًا لمن كان
في زماننا عند نزول المائدة، وتكون عيدًا لمن بعدنا، ﴿وَ﴾ تكون المائدة ﴿آيَةً مِّنٌ
وَأَرْزُقْنَا﴾ يعني: المائدة، ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّزِقِينَ﴾ من غيرك، يقول: فإنك خير مَن
يرزق(٤). (ز)
٢٤٣٢٣ - عن عبد الملك ابن جُرَيْج - من طريق حجَّاج - قوله: ﴿أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَآيِدَةً مِّنَ
السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا﴾ قال: الذين هم أحياء منهم يومئذ، ﴿وَءَاخِنَا﴾، مَن
(٥) ٢٢١١
بعدهم منهم (٥)٢٢١٦]. (ز)
٢٤٣٢٤ - عن سفيان الثوري - من طريق عبد العزيز - ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا﴾، قالوا :
نُصَلِّي فيه، نزلت مرتين (٦)٢٢]. (ز)
٢٢١١] رجَّح ابنُ جرير (١٢٥/٩) قول ابن جُرَيْج مستندًا إلى الأغلب في اللغة، فقال: ((لأن
ذلك هو الأغلب من معناه)) .
٢٢١٢] أفادت الآثارُ الاختلافَ في تفسير قوله: ﴿عِيدًا﴾ على قولين: أحدهما: أنَّ معناه:
نتخذ يوم نزولها عيدًا نعظمه نحن ومَن بعدنا. والآخر: أنَّ معناه: نأكل منها جميعًا. وذكر
ابنُ جرير قولًا ثالثًا ولم ينسبه: أنَّ المعنى: عائدة من الله علينا وحجة وبرهانًا .
ورجَّح ابنُ جرير (١٢٤/٩) القول الأول الذي قاله السدي، وقتادة، وابن جريج، وسفيان،
وانتقد الثالث مستندًا إلى الأغلب في اللغة، فقال: ((لأنَّ المعروف من كلام الناس ==
(١) تفسير الثعلبي ٤ / ١٢٧.
(٢) أخرجه ابن جرير ١٢٣/٩، وابن أبي حاتم ١٢٤٩/٤. وذكره يحيى بن سلام - كما تفسير ابن أبي زمنين
٢/ ٥٥ -. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ.
(٣) أخرجه ابن جرير ٩/ ١٢٣، وابن أبي حاتم ١٢٤٨/٤ - ١٢٤٩. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
(٤) تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٥١٨.
(٥) أخرجه ابن جرير ١٢٤/٩.
(٦) أخرجه ابن جرير ٩/ ١٢٤.

سُورَةِ المَائِدَة (١١٥)
٥ ٢٣٢ .
مَوْسُورَة التَّفْسِيَةُ المَاتُور
﴿قَالَ اَللَّهُ إِنِي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ
فَإِّ أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَّ أُعَذِّبُهُ: أَحَدًا مِّنَ اُلْعَلَمِينَ
قراءات :
٢٤٣٢٥ - في قراءة عبد الله - من طريق الأعمش -: (قَالَ سَأُنزِلُهَا عَلَيْكُمْ)(١). (ز)
٢٤٣٢٦ - عن عاصم: أنه قرأ: ﴿إِنِّ مُنَزِّلُهَا﴾ مُثَقَّلَةً(٢). (٦٠٥/٥)
تفسير الآية:
٢٤٣٢٧ - عن عمار بن ياسر، قال: قال رسول الله وَله: ((أنزلت المائدة مِن السماء
خُبزًا ولحمًا، وأُمِروا ألَّا يخونوا ولا يَدَّخِروا لغدٍ، فخانوا وادَّخروا وَرَفَعوا لغدٍ،
فُمُسِخوا قِرَدةً وخنازير))(٣). (٦٠٠/٥)
٢٤٣٢٨ - وعن عمار بن ياسر - من طريق خِلاس بن عمرو - موقوفًا، مثلَه (٤). (٦٠٠/٥)
٢٤٣٢٩ - عن عكرمة: أنَّ رسول الله وَّه قال: ((لولا بنو إسرائيلَ ما خَنِزِ(٥) الخبزُ،
ولا نَتَن اللحمُ، ولكنَّهم خبَّتوه لغدٍ؛ فأنتَن اللحمُ، وخَنْزِ الخبز)) (٦). (٦٠٠/٥)
== المستعمل بينهم في العيد ما ذكرنا، دون القول الذي قاله مَن قال معناه: عائدة من الله
علينا، وتوجيه معاني كلام الله إلى المعروف من كلام مَن خوطب به أولى من توجيهه إلى
المجهول منه ما وُجِد إليه السبيل)).
(١) أخرجه ابن أبي داود في المصاحف ٣١٣/١.
وهي قراءة شاذة، تروى أيضًا عن الأعمش، وطلحة بن مصرف. انظر: البحر المحيط ٤/ ٦٢.
(٢) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
وهي قراءة متواترة، قرأ بها نافع، وأبو جعفر، وابن عامر، وعاصم، وقرأ بقية العشرة: ﴿مُنَزِّلُهَا﴾
بالتخفيف. انظر: النشر ٢٥٦/٢، والإتحاف ص٢٥٨.
(٣) أخرجه الترمذي ٣٠٢/٥ - ٣٠٣ (٣٣١٣)، وابن جرير ١٢٨/٩، وابن أبي حاتم ١٢٤٥/٤ (٧٠٢٢)،
١٢٥١/٤ - ١٢٥٢ (٧٠٤٥).
قال الترمذي: ((هذا حديث قد رواه أبو عاصم وغير واحد، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن
خلاس، عن عمار بن ياسر موقوفًا، ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث الحسن بن قزعة)). وقال البزار في
مسنده ٢٥٠/٤ (١٤١٩): ((وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عمار مرفوعًا إلا من هذا الوجه)).
(٤) أخرجه ابن جرير ١٢٨/٩. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وأبي حاتم.
قال الترمذي ٣٠٣/٥: ((والوقف أصح)).
(٥) ما خنز: ما أنتن. النهاية ٨٣/٢.
(٦) عزاه السيوطي إلى سفيان بن عيينة مرسلًا.

مُوَسُوعَة التَّفْسِيرُ الْمَاتُور
سُورَةُ المَائِدَةِ (١١٥)
: ٢٣٣ %
٢٤٣٣٠ - عن عمار بن ياسر - من طريق خلاس بن عمرو - قال: نزلت المائدةُ
عليها ثَمَرٌ مِن ثَمرِ الجنة(١). (٦٠٠/٥)
٢٤٣٣١ - عن رجل من بني عجل، قال: صلَّيْتُ إلى جنب عمَّار بن ياسر، فلما فرغ
قال: هل تدري كيف كان شأن مائدة بني إسرائيل؟ قال: فقلت: لا. قال: إنهم
سألوا عيسى ابن مريم مائدةً يكون عليها طعامٌ يأكلون منه لا ينفد. قال: فقيل لهم:
فإنها مقيمة لكم ما لم تخبئوا أو تخونوا أو ترفعوا، فإن فعلتم فإني أعذبكم عذابًا لا
أعذبه أحدًا من العالمين. قال: فما تَمَّ يومهم حتى خَبَّئوا ورفعوا وخانوا، فعُذِّبوا
عذابًا لم يُعَذِّبه أحدًا من العالمين. وإنكم معشر العرب كنتم تتبعون أذناب الإبل
والشاء، فبعث الله فيكم رسولاً من أنفسكم تعرفون حسبه ونسبه، وأخبركم على
لسان نبيكم أنكم ستظهرون على العرب، ونهاكم أن تكنِزوا الذهب والفضة،
وأيم اللهِ، لا يذهب الليل والنهار حتى تكنزوهما ويعذبكم عذابا أليمًا (٢). (ز)
٢٤٣٣٢ - عن عبد الله بن عباس - من طريق عكرمة - قال: المائدةُ سمكةٌ
وأرغفةٌ(٣). (٦٠٠/٥)
٢٤٣٣٣ - قال عبد الله بن عباس: أنزل على المائدة كل شيء غير اللحم(٤). (ز)
٢٤٣٣٤ - عن عبد الله بن عباس - من طريق العَوفي - قال: نَزَل على عيسى ابن مريم
والحوارِيِّين خِوَانٌ عليه خبزٌ وسمكٌ، يأكلون منه أينما نزلوا إذا شاءوا(٥). (٦٠٢/٥)
٢٤٣٣٥ - عن عبد الله بن عباس - من طريق عكرمة - في المائدة، قال: كان طعامًا
يَنزِلُ عليهم من السماء حيثما نَزَلوا(٦). (٦٠٢/٥)
٢٤٣٣٦ - عن عبد الله بن عباس - من طريق عقيل - أنَّه كان يُحَدِّثُ عن عيسى ابن
مريم أنَّه قال لبني إسرائيل: هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يومًا، ثم تسألوه فيُعطِيَكم
ما سألتم، فإن أجرَ العامل على مَن عَمِل له؟ ففَعَلوا، ثم قالوا: يا معلمَ الخير،
قُلتَ لنا: إنَّ أجرَ العاملِ على مَن عَمِل له. وأمَرتَنا أن نصومَ ثلاثين يومًا، ففَعَلنا،
(١) أخرجه ابن جرير ١٢٨/٩، وابن أبي حاتم ١٢٤٥/٤. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وأبي الشيخ،
وابن مردويه .
(٢) أخرجه ابن جرير ٩/ ١٢٧.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ١٢٤٦/٤.
(٤) ذكره يحيى بن سلام - كما في تفسير ابن أبي زمنين ٢/ ٥٥ -.
(٥) أخرجه ابن جرير ١٢٦/٩.
(٦) أخرجه ابن جرير ١٢٨/٩، وابن الأنباري في كتاب الأضداد ص ٣٥٠.

سُورَةُ المَائِدَة (١١٥)
٥ ٢٣٤ .
فَوَسُبعَة التَّفْسِيَةُ الْحَاتُور
ولم نَكُن نعمَلُ لأحدٍ ثلاثين يومًا إلا أطعَمَنا، ف﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا
مَآيِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿أَحَدًا مِّنَ الْعَلَمِينَ﴾. فأقبَلَتِ الملائكةُ تَطيرُ بمائدةٍ مِن
السماء، عليها سبعةُ أحوَاتٍ وسبعةُ أرغفةٍ، حتى وَضَعَتها بين أيديهم، فأكَل منها آخِرُ
الناسِ كما أكَل منها أوَّلُهم (١). (٥٩٩/٥)
٢٤٣٣٧ - قال كعب الأحبار: نزلت مائدة منكوسة تطير بها الملائكة بين السماء
والأرض، عليها كلُّ الطعام إلا اللحم(٢). (ز)
٢٤٣٣٨ - عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي - من طريق أبي إسحاق - في قوله: ﴿أَنْزِلْ
عَلَيْنَا مَآيِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ﴾، قال: خُبزًا، وسمكًا (٣). (٦٠١/٥)
٢٤٣٣٩ - عن سعيد بن جُبير - من طريق مسلم الأعمش - قال: أُنزِل على المائدةِ
كلُّ شيءٍ إلا اللحمَ. والمائدةُ: الخوانُ (٤). (٦٠٣/٥)
٢٤٣٤٠ - عن سعيد بن جُبير - من طريق جعفر - قال: نَزَلتِ المائدةُ وهي طعام
يَفُورُ، فكانوا يأكلون منها قُعُودًا، فأحدثوا، فرُفِعَتْ شيئًا، فَأَكَلُوا على الرُّكَبِ، ثم
أحدثوا، فَرُفِعَت شيئًا، فأكَلوا قيامًا، ثم أحدثوا، فَرُفِعت البَّةَ(٥). (٦٠١/٥)
٢٤٣٤١ - عن مجاهد بن جبر - من طريق ليث - في قوله: ﴿أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآيِدَةً مِّنَ
السَّمَاءِ﴾، قال: هو مَثَلٌ ضُرِب، ولم يَنزِل عليهم شيءٌ(٦). (٦٠٣/٥)
٢٤٣٤٢ - عن مجاهد بن جبر - من طريق ابن جريج - قال: مائدةٌ عليها طعام،
أبَوها حينَ عُرِض عليهم العذابُ إن كفَروا، فأبَوا أن تَنزِلَ عليهم(٧). (٦٠٤/٥)
٢٤٣٤٣ - عن مجاهد بن جبر - من طريق أبي يحيى - قال: هو الطعامُ يَنْزِلُ عليهم
حيثُ نَزَلوا(٨). (٦٠٢/٥)
٢٤٣٤٤ - عن عكرمة مولى ابن عباس - من طريق يزيد - أنَّ الخبزَ الذي أُنزِلَ مع
(١) أخرجه ابن جرير ١٢١/٩، وابن أبي حاتم ١٢٤٤/٤، ١٢٤٦. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
(٢) تفسير البغوي ١١٩/٣.
(٣) أخرجه ابن الأنباري في كتاب الأضداد ص٣٥١.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ١٢٤٥/٤، ١٢٤٨. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
(٥) أخرجه ابن الأنباري ص٣٥١ واللفظ له، وأبو الشيخ في العظمة (١٠١٣).
(٦) أخرجه ابن جرير ٩/ ١٣٠، وابن أبي حاتم ١٢٤٨/٤. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
(٧) أخرجه ابن جرير ٩/ ١٣٠. وعزاه السيوطي إلى أبي عبيد، وابن المنذر.
(٨) أخرجه ابن جرير ١٢٦/٩. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.

فَوْسُوعَة التَّفْسِيُ المَاتُور
سُورَةُ المَائِدَةِ (١١٥)
٢٣٥ .
المائدةِ كان مِن أُرْزِ (١). (٦٠٢/٥)
٢٤٣٤٥ - عن الحسن البصري - من طريق قتادة - قال: لَمَّا قيل لهم: ﴿فَمَنْ يَكْفُرُ
بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِّ أُعَذِّبُهُ عَذَابًا﴾، قالوا: لا حاجةَ لنا فيها. فلم تَنزِل عليهم(٢). (٦٠٤/٥)
٢٤٣٤٦ - عن عطيةَ بن سعد العَوفي - من طريق فضيل بن مرزوق - قال: المائدةُ
سمكةٌ فيها مِن طَعمِ كلِّ طعام (٣). (٦٠١/٥)
٢٤٣٤٧ - عن وهب بن مُنَبِّهٍ - من طريق القاسم الحنفي - أنَّه سُئِل عن المائدة التي
أَنزَلَها اللهُ مِن السماء على بني إسرائيل. قال: كان يَنْزِلُ عليهم في كلِّ يومٍ في تلك
المائدةِ مِن ثمارِ الجنة، فأكَلَوا ما شاءُوا مِن ضُرُوبٍ شَتَّى، فكانت يَقعُدُ عَلَّيها أربعةُ
آلافٍ، فإذا أكَلوا أَبدَل اللهُ مكانَ ذلك بمثلِه، فَلِثُوا بذلك ما شاء الله (٤). (٦٠٣/٥)
٢٤٣٤٨ - عن وهب بن مُنَبِّهٍ - من طريق المنذر بن النعمان - يقول في قوله: ﴿أَنْزِلْ
عَلَيْنَا مَآيِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا﴾، قال: نزل عليهم قِرَصةٌ(٥) من شعير،
وأَحْوَاتٌ. قال الحسن: قال أبو بكر: فحدثت به عبد الصمد بن معقل، فقال:
سمعت وهبًا وقيل له: وما كان ذلك يُغنِي عنهم؟ فقال: لا شيء، ولكن الله حشا
بين أضعافهن البركة، فكان قوم يأكلون ثم يخرجون، ويجيء آخرون فيأكلون ثم
يخرجون، حتى أكلوا جميعهم وأَفْضَلوا (٦). (ز)
٢٤٣٤٩ - عن وهب بنِ مُنَبِّهِ، قال: كانت مائدةً يَجلِسُ عليها أربعةُ آلافٍ، فقالوا
القوم مِن وُضَعَائِهم: إنَّ هؤلاء يُلَطِّخون ثيابَنا علينا، فلو بَنَيْنا لها دُكَّانًا(٧) يَرِفَعُها .
فَبَنَواً لها دُكَّانًا، فجَعَلَتِ الضُّعفاءُ لا تَصِلُ إلى شيءٍ، فَلَمَّا خَالَفوا أمرَ اللهِ رََّ رِفَعها
عنهم (٨). (٦٠١/٥)
(١) أخرجه ابن أبي حاتم ١٢٤٦/٤. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
(٢) أخرجه ابن جرير ٩/ ١٣٠، وابن أبي حاتم ١٢٥٢/٤، وابن الأنباري ص٣٥١ - ٣٥٢. وعزاه السيوطي
إلى عبد بن حميد.
(٣) أخرجه ابن جرير ١٢٥/٩ - ١٢٦، وابن أبي حاتم ١٢٤٦/٤ واللفظ له، وابن الأنباري في كتاب
الأضداد ص٣٥١. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ١٢٤٨/٤.
(٥) قِرَصَة - بوزْن ◌ِنَبة -: جمع قُرْص، وهو الرَّغيف. النهاية (قرص).
(٦) أخرجه عبد الرزاق ١/ ٢٠٠ - ٢٠١، وابن جرير ١٢٦/٩، وابن أبي حاتم ١٢٤٦/٤.
(٧) الدُّكَّان: الدَّكَّة المبنية للجلوس عليها. النهاية (دكن)
(٨) أخرجه ابن الأنباري ص ٣٥٠.

سُورَةُ المَائِدَةِ (١١٥)
& ٢٣٦ %
فَوْسُوعَة التَّفْسِسَةُ المَاتُور
٢٤٣٥٠ - عن مَيسَرَةَ =
٢٤٣٥١ - وزاذانَ [أبي عمر الكندي] - من طريق عطاء بن السائب - قالا: كانتِ
المائدةُ إذا وُضِعَت لبني إسرائيلَ اختَلَفَتِ الأيدي فيها بكلِّ طعام(١). (٦٠٣/٥)
٢٤٣٥٢ - قال قتادة بن دعامة: كانت تنزل عليهم بُكْرَةً وعشِيًّا، حيث كانوا كالمن
والسلوى لبني إسرائيل(٢). (ز)
٢٤٣٥٣ - عن قتادة بن دعامة - من طريق سعيد - قال: ذُكِر لنا: أنَّها كانت مائدةً
يَنزِلُ عليها الثَّمرُ مِن ثمارِ الجنة، وأُمِروا ألَّا يُخَبِّئُوا ولا يخونوا ولا يَدَّخِروا لغدٍ،
بلاءٌ أبلاهم اللهُ به، وكانوا إذا فعلوا شيئًا مِن ذلك أنبأهم به عيسى، فخان القومُ
فيه، فخَبَّئُوا وادَّخَروا لغدٍ(٣) ٢٢١٣]. (٦٠٣/٥)
٢٤٣٥٤ - عن إسحاق بن عبد الله - من طريق أبي معشر - أن المائدةَ نَزَلَتْ على
عيسى ابن مريم، عليها سبعةُ أرغفةٍ، وسبعةُ أحواتٍ، يَأْكُلون منها ما شاءُوا، فسرَق
٢٢١٣ اختلف المفسرون في نزول المائدة بين مثبت لنزولها، ونافٍ له.
ورجَّح ابنُ جرير (١٣١/٩) القول الأول، وانتقد الثاني الذي قاله مجاهد من طريق ليث،
وابن جريج، وقتادة من طريق سعيد، والحسن من طريق ابن زاذان، وقتادة مستندًا إلى
السنة، وأقوال السلف، ودلالة العقل، وذلك للآتي: ١ - موافقته ما جاء عن النبي وَّل،
وصحبه، وغالب أهل التأويل. ٢ - إخبار الله بأنه منزلها، ولا يجوز أن يكون منه خلاف
ما يخبر .
وبنحوه رجّح ابنُ كثير (٤٢٤/٥)، وذكر أنّه قول الجمهور.
وانتقد ابنُ عطية (٣٠٣/٣) قول من نفى نزول المائدة استنادًا لإخبار الله بنزولها، فقال:
((وهذا غير لازم؛ لأن الخبر مقرون بشرط يتضمنه قوله: ﴿فَمَن يَكُفُرَّ بَعْدُ مِنْكُمْ﴾)).
وذكر ابنُ كثير (٤٢٣/٥ - ٤٢٤) الإسرائيليات مستندًا للقول الثاني، فقال: ((وقد يتقوى
ذلك بأن خبر المائدة لا تعرفه النصارى، وليس هو في كتابهم، ولو كانت قد نزلت لكان
ذلك مما يتوفر الدواعي على نقله، وكان يكون موجودًا في كتابهم متواترًا، ولا أقلّ من
الآحاد)).
(١) أخرجه ابن جرير ١٢٩/٩. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر.
(٢) تفسير البغوي ٣/ ١٢٠.
(٣) أخرجه ابن جرير ١٢٩/٩، وابن الأنباري ص٣٥١. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وأبي الشيخ.

فَوَسُبَة التَّقَسَّسَةُ الْحَاتُون
سُورَةُ المَائِدَةِ (١١٥)
: ٢٣٧ %
بعضُهم منها، وقال: لعلَّها لا تَنْزِلُ غدًا. فرُفِعَتْ(١). (٦٠٢/٥)
٢٤٣٥٥ - قال محمد بن السائب الكلبي: كان عليها خبز، ورز، وبقل (
ا. (ز)
(٢) ٢٢١٤
(١٥)
﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنَكُمْ فَإِّ أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَّ أُعَذِّبُهُ: أَحَدًا مِّنَ الْعَلَمِينَ
٢٤٣٥٦ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص - من طريق أبي المغيرة القوَّاس - قال:
إنَّ أشدَّ الناسِ عذابًا يومَ القيامة مَن كفَر مِن أصحاب المائدة، والمنافقون، وآلُ
فرعون(٣). (٦٠٤/٥)
٢٤٣٥٧ - عن قتادة بن دعامة - من طريق سعيد - في قوله: ﴿فَإِّ أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لََّ
أُعَذِّبُهُ: أَحَدًا مِّنَ الْعَلَمِينَ﴾، قال: ذُكِر لنا: أنَّهم لما صنَعوا في المائدة ما صنعوا حُوِّلوا
خنازير (٤). (٥ / ٦٠٤)
٢٤٣٥٨ - عن إسماعيل السُّدِّيّ - من طريق أسباط - في قوله: ﴿فَمَن يَكْفُرَّ بَعْدُ
مِنكُمْ﴾: بعدَما جاءَته المائدة ﴿فَإِّ أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَّ أُعَذِبُهُ: أَحَدًا مِّنَ الْعَلَمِينَ﴾ يقول:
أُعَذِّبُه بعذابِ لا أُعَذِّبُه أحدًا غيرَ أهل المائدة(٥). (٦٠٤/٥)
٢٢١٤ اختلف المفسرون فيما كان على المائدة على ثلاثة أقوال: الأول: نزلت وكانت
حوتًا، وطعامًا. والثاني: كان عليها من ثمار الجنة. والثالث: كان عليها من كل الطعام
إلا اللحم.
وجمع ابنُ جرير (١٣١/٩) بين الأقوال باندراجها تحت العموم، فقال: ((كان عليها
مأكول، وجائز أن يكون كان سمكًا وخبزًا، وجائز أن يكون كان ثمرًا من ثمر الجنة، وغير
نافعِ العلم به ولا ضارِّ الجهل به إذا أقر تالي الآية بظاهر ما احتمله التنزيل)).
وعلّق ابنُ عطية (٣٠٢/٣) بعد ذكره للاختلاف في كيفية نزول المائدة بقوله: ((وكثر الناس
في قصص هذه المائدة ما رأيت اختصاره لعدم سنده)) .
(١) أخرجه ابن جرير ٩/ ١٢٧.
(٢) تفسير البغوي ١١٩/٣.
(٣) أخرجه ابن جرير ٩/ ١٣٢. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وأبي الشيخ.
(٤) أخرجه ابن جرير ٩/ ١٣٢، وابن أبي حاتم ١٢٥٢/٤ وفيه: عن قتادة عن عمار بن ياسر. وذكر يحيى بن
سلام - كما في تفسير ابن أبي زمنين ٥٦/٢ - نحوه. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
(٥) أخرجه ابن جرير ١٣٢/٩، وابن أبي حاتم ١٢٥٢/٤.

سُورَةُ الْمَائِدَةِ (١١٥)
٥ ٢٣٨ %
فَوَسُوعَةُ التَّفْسَِّةُ الْخَاتُور
٢٤٣٥٩ - عن محمد بن السائب الكلبي =
٢٤٣٦٠ - ومقاتل: أنزل الله خبزًا، وسمكًا، وخمسة أرغفة، فأكلوا ما شاء الله
تعالى، والناس ألف ونيِّف، فلما رجعوا إلى قراهم ونشروا الحديث ضحك منهم مَن
لم يشهد، وقالوا: ويحكم! إنَّما سَحَر أعينكم. فمَن أراد الله به الخير ثَبَّته على
بصيرته، ومن أراد فتنته رجع إلى كفره، ومُسِخوا خنازير ليس فيهم صبي ولا امرأة،
فمكثوا بذلك ثلاثة أيام، ثم هلكوا، ولم يتوالدوا، ولم يأكلوا، ولم يشربوا، وكذلك
كل ممسوخ (١). (ز)
٢٤٣٦١ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿قَالَ اللَّهُ﴾ وَّ: ﴿إِّ مُنَزِّلُهَا﴾ يعني: المائدة
﴿عَلَيْكُمْ﴾ فنزلها يوم الأحد، ﴿فَمَن يَكْفُرَّ بَعْدُ﴾ نزول المائدة ﴿مِنْكُمْ فَإِّ أُعَذِّبُهُ عَذَابًا
لََّ أُعَذِّبُهُ: أَحَدًا مِّنَ الْعَلَمِينَ﴾. فنزلت من السماء عليها سمك طريٌّ، وخبز رقاق،
وتمر. وذكروا: أنَّ عيسى ◌َّ قال لأصحابه وهم جلوس في روضة: هل مع أحد
منكم شيء؟ فجاء شمعون بسمكتين صغيرتين، وخمسة أرغفة، وجاء آخر بشيء من
سويق، فعمد عيسى ◌َلّ فقطّعهما صغارًا، وكسر الخبز فوضعها فِلَقًّا فِلَقًّا (٢)، ووضع
السَّويق، فتوضأ، ثم صلَّى ركعتين، ودعا ربه رَ، فألقى الله رَّت على أصحابه شِبْه
السُّبات، ففتح القومُ أعينَهم، فزاد الطعامُ حتى بلغ الرُّكَب، فقال عيسى ◌ِّ للقوم:
كلوا، وسَمُّوا الله رَّت، ولا ترفعوا. وأمرهم أن يجلسوا حِلَقًا حِلَقًّا، فجلسوا فأكلوا
حتى شبعوا، وهم خمسة آلاف رجل، وهذا ليلة الأحد ويوم الأحد، فنادى
عيسى رَّ، فقال: أكلتم؟ قالوا: نعم. قال: لا ترفعوا. قالوا: لا نرفع. فرفعوا،
فبلغ ما رفعوا من الفضل أربعة وعشرين مِكْتَلًا(٣)، فآمنوا عند ذلك بعيسى وَّل،
وصدَّقوا به، ثم رجعوا إلى قومهم اليهود من بني إسرائيل ومعهم فضل المائدة، فلم
يزالوا بهم حتى ارتدوا عن الإسلام، فكفروا بالله، وجحدوا بنزول المائدة،
فمسخهم الله رّ وهم نيام خنازير، وليس فيهم صبي ولا امرأة(٤). (ز)
بسط قصة إنزال المائدة :
٢٤٣٦٢ - عن سلمان الفارسي - من طريق أبي عثمان النهدي - قال: لما سأل
(١) تفسير البغوي ٣/ ١٢٠.
(٢) فِلَق الخبز: كِسَره. النهاية (فلق).
(٣) المِكْتَل: شبه الزنبيل، يسع خمسة عشر صاعًا. تاج العروس (كتل).
(٤) تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٥١٨ - ٥١٩.

سُورَةُ المَائِدَةِ (١١٥)
مُؤْسُوَة التَّقْسِيُ المَانُور
٢٣٩ هـ
الحَوارِيُّون عيسى ابنَ مريمَ المائدة كَرِه ذلك جِدًّا، وقال: اقنعوا بما رزقكم الله في
الأرض، ولا تسألوا المائدة من السماء، فإنها إن نزلت عليكم كانت آيةً مِن ربِّكم،
وإنما هَلَكَت ثمودُ حِينَ سألوا نبيَّهم آيَةً، فابتُلُوا بها حتى كان بَوارُهم فيها. فَأَبَوا إلا
أن يَأْتِيَهم بها، فلذلك قالوا: ﴿زِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَيِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ
صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيَّهَا مِنَ الشَّهِدِينَ﴾. فلما رأى عيسى أن قد أبَوا إلا أن يَدعُوَ لهم
بها، قام فألقَى عنه الصُّوفَ، ولَبِسَ الشعَرَ الأسود، وجُبَّةً مِن شعَرٍ، وعَباءَةً مِن
شعَرٍ، ثم تَوضَّأ واغتَسَل، ودخَل مُصَلّاه، فصَلَّى ما شاء الله، فلمَّا قضَى صلاتَه قام
قائِمًا مُستَقْبِلَ القِبلة، وصَفَّ قَدَمَيه حتى استَوَيا، فألصَق الكعبَ بالكعب، وحاذَى
الأصابعَ بالأصابع، ووضَع يدَه اليُمنى على اليُسرى فوق صدرِه، وغضَّ بصرَه،
وطَأْطَأُ رأسَه خُشوعًا، ثم أرسَل عَيْنَيه بالبكاء، فما زالت دموعُه تَسيلُ على خَدَّيه،
وتَقطُرُ مِن أطرافِ لحيتِهِ، حتى ابتَلَّتِ الأرضُ حِيالَ وجهِه مِن خشوعِه، فلمَّا رأى
ذلك دعا الله، فقال: ﴿اَللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَآيَدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا
وَءَاخِنَ﴾ تكونُ عظةً منك لنا، ﴿وَءَايَةً مِّنٌ﴾ أي: علامةً منك، تكونُ بيننا وبينَك،
وارزُقنا عليها طعامًا نَأْكُلُه، ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الزَّزِقِينَ﴾. فأنزل الله عليهم سُفْرَةً حَمراءَ بينَ
غَمَامَتَين؛ غَمامةِ فوقَها، وغَمامةِ تحتَها، وهم ينظرون إليها في الهواء مُنقَضَّةً مِن فَلَكِ
السماء تَهوِي إليهم، وعيسى يبكي خوفًا للشُّرِوطِ التي اتخذ الله عليهم فيها؛ أنه
يُعَذِّبُ مَن يَكْفُرُ بها منهم بعدَ نزولها عذابًا لم يُعَذِّبه أحدًا مِن العالَمين، وهو يدعو اللهَ
في مكانِه، ويقول: إلهي، اجعَلها رحمةً، إلهي، لا تَجعَلها عذابًا، إلهي، كم مِن
عَجيبةٍ سَألتُك فأعطَيتَني، إلهي، اجعلنا لك شاكِرِين، إلهي، أعُوذُ بك أن تكونَ
أَنزَلتَها غضبًا ورِجزًا، إلهي، اجعَلهَا سلامةً وعافيةً، ولا تَجعَلها فتنةً ومُثلَةً. فما زال
يدعو حتى استَقَرَّتِ السُّفرةُ بينَ يدي عيسى، والحَوارِيُّون وأصحابُه حولَه، يَجِدون
رائحةً طيبةً، لم يجدوا فيما مضى رائحةً مِثلَها قَطٌ، وخَرَّ عيسى والحواريون الله
سُجَّدًا؛ شُكرًا له بما رزقهم مِن حيث لم يَحتَسِبوا، وأراهم فيه آيةً عظيمةً ذاتَ عَجَب
وعِبرَةٍ، وأقبَلَتِ اليهود ينظُرُون، فرَأَوا أمرًا عجيبًا أورَثَهم كَمَدًا وغَمَّا، ثم انصرفوا
بغيظٍ شديدٍ، وأقبَل عيسى والحَوارِيُّون وأصحابُه حتى جَلَسوا حولَ السُّفرة، فإذا
عليها مِندِيلٌ مُغَطَّ، قال عيسى: مَن أجرَؤُنا على كشفِ المنديلِ عن هذه السُّفرة،
وأوثَقُنا بنفسِه، وأحسَنُنَا بلاءً عندَ ربِّه، فَلَيَكشِف عن هذه الآية حتى نراها، ونَحمَدَ
ربَّنا، ونَذكُرَ باسمِه، ونَأكُلَ مِن رزقِه الذي رَزَقَنا؟ فقال الحَوارِيُّون: يا رُوحَ الله

سُورَةُ المَائِدَةِ (١١٥)
: ٢٤٠
فَوَسُكَبِ التَّفْسِيَةُ الْخَاتُور
وكلمتَه، أنت أَولَانا بذلك، وأحَقُّنا بالكشف عنها. فقام عيسى، فاستَأنَف وُضُوءًا
جديدًا، ثم دخَل مُصَلَّاه، فصلَّى بذلك رَكَعَات، ثم بكَى طويلًا، ودعا الله أن يأذَنَ
له في الكشف عنها، ويَجعَلَ له ولقومِه فيها بركةً ورزقًا، ثم انصرف، وجلس إلى
السُّفرة، وتناول المنديل، وقال: بسم الله خيرِ الرازقين. وكَشَف عن السفرة، وإذا
هو عليها سمكةٌ ضخمةٌ مَشوِيَّةٌ، ليس عليها بَوَاسِير، وليس في جَوفِها شَوٌ، يَسيلُ
السمنُ منها سَيلًا، قد نُضِّد حولَها بقُولٌ مِن كلِّ صِنفٍ غيرَ الكُرَّاث، وعندَ رأسِها
خَلٌّ، وعندَ ذَنَبِها مِلحٌ، وحولَ البُقُولِ خمسةُ أرغِفَةٍ، على واحدٍ منها زيتونٌ، وعلى
الآخَرِ ثَمَراتٌ، وعلى الآخر خمسُ رُمّاناتٍ، فقال شَمعون رأسُ الحَوارِيِّين لعيسى:
يا رُوحَ الله وكلمتَه، أمِن طعام الدنيا هذا، أم مِن طعام الجنة؟ فقال: أما آن لكم أن
تَعتَبروا بما تَرَون مِن الآياتَ، وتَنتَهوا عن تَنْقِيرِ المسائل، ما أخوَفَني عليكم أن
تُعاقَبوا في سبب هذه الآية. فقال شمعون: لا وإلهِ إسرائيلَ، ما أردتُ بها سُوءًا، يا
ابنَ الصِّدِّيقة. فقال عيسى: ليس شيءٌ ممَّا تَرَون عليها مِن طعام الجنة، ولا مِن
طعام الدنيا، إنما هو شيءٌ ابتَدَعه اللهُ في الهواءِ بالقُدرةِ الغالِبَةِ القَاهِرَة؛ فقال له:
كُن. فكان أسرعَ مِن طرفة عين، فكُلُوا مما سألتُم باسم الله، واحمدُوا عليه ربّكم،
يُمِدَّكم منه ويَزِدكم، فإنه بَديع قادر شاكر. فقالوا: يا روح الله وكلمته، إنَّا نحبُّ أن
تُرِيَنا آيَةً في هذه الآية. فقال عيسى: سبحان الله، أما اكتَفَيْتُم بما رأَيتُم مِن هذه الآية
حتى تَسأَلُوا فيها آيَةً أُخرَى! ثم أقبَل عيسى على السمكة، فقال: يا سمكةُ، عُودي
بإذنِ اللهِ حيَّةً كما كُنتِ. فأحياها اللهُ بِقُدرتِه، فاضطَرَبَت وعادت بإذنِ الله حَيَّةً طَرِيَّةً،
تَلَمَّظُ كما يَتَلَمَّظُ الأسد، تدُورُ عَيناها، لها بَصيصٌ، وعادت عليها بَواسِيرُها، فَفَزِع
القومُ منها وانحاسوا (١)، فلمَّا رأَى عيسى ذلك منهم فقال: ما لكم تَسأَلُون الآيةَ،
فإذا أراكُمُوها ربُّكم كَرِهتُمُوها؟! ما أخوَفَني عليكم أن تُعاقَبوا بما تَصنعون، يا
سمكةُ، عُودِي بإذن الله كما كُنتِ. فعادتْ بإذن الله مشويَّةً كما كانت في خَلقِها
الأول، فقالوا لعيسى: كُن أنتِ يا رُوحَ اللهِ الذي تَبدَأُ بالأكلِ منها، ثم نحنُ بعدُ.
فقال: مَعاذَ اللهِ مِن ذلك، يَبدَأُ بالأكلِ مَن طَلَبَها. فَلَمَّا رأى الحَوارِيُّون وأصحابُهم
امتِناعَ نبيِّهم منها خافوا أن يكونَ نزولُها سُخطَةً، وفي أكلِها مُثلَةً، فتحامَوها، فلمَّا
رأى ذلك عيسى دعا لها الفقراءَ والزَّمنَى، وقال: كلوا من رزق ربكم ودعوة نبيكم،
(١) حاسوا وجاسوا، بِمَعنّى واحد: يذهبون ويجيئون. اللسان (جوس).