النص المفهرس

صفحات 341-360

فَوْسُوعَة التَّقْسِيُ المَاتُور
سُورَةُ الْ غَيْرَانَ (٨٥)
٣٤١ %
١٣٦١١ - عن عطاء بن يسار - من طريق سفيان - قال: كان اليهود يجيئون إلى
أصحاب النبي وَ ل *، فيحدثونهم، فيسبحون، فذكروا ذلك للنبي وَّ، فقال: (لا
تُصَدَّقوهم، ولا تُكَذِّبوهم، وقولوا آمنا بالله))(١). (ز)
﴿وَمَن يَبْتَعْ غَيْرَ الْإِسْلَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ
نزول الآية :
١٣٦١٢ - عن عكرمة مولى ابن عباس - من طريق ابن أبي نجيح - قال: قوله:
﴿وَمَن يَبْتَغْ غَيْرَ اْإِسْلَمِ دِينًا﴾ فقالت الملل: نحن المسلمون. فأنزل الله رَى: ﴿وَلَّهِ
عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران:
٩٧]، فحج المسلمون، وقعد الكفار(٢). (ز)
١٣٦١٣ - عن عكرمة مولى ابن عباس - من طريق ابن أبي نجيح - قال: لَمَّا نزلت:
﴿وَمَن يَبْتَعْ غَيْرَ الْإِسْلَمِ دِينًا﴾ إلى آخر الآية، قالت اليهود: نحن المسلمون. فقال الله
جلَّ وعزَّ لنبيِّهِ نَّهِ، فحجهم، يقول: اخْصِمْهُم، فإنَّ الله فرض على المؤمنين الحج.
فقال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ﴾ إلى ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل
عمران: ٩٧]، قال: فأبَوا. وقالوا: ليس علينا(٣). (ز)
١٣٦١٤ - قال مقاتل بن سليمان: في قوله: ﴿وَمَن يَبْتَعْ غَيْرَ الْإِسْلَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ
وَهُوَ فِ اُلْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ نزلت في طُعْمَة بن أَبَيْرِق الأنصاري من الأوس من بني
(ز)
صقر، ارتد عن الإسلام، ولحق بكفار مكة (٤) ١٢٧٩
تفسير الآية:
١٣٦١٥ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَل: ((تجيء الأعمال يوم القيامة،
فتجيء الصلاة، فتقول: يا رب، أنا الصلاة. فيقول: إنَّك على خير. وتجيء الصدقة،
١٢٧٩ ذكر ابنُ عطية (٢٧٦/٢) أنَّ بعض المفسرين قال بنزولها في الحارث بن سويد.
(١) أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٢٢٨، وابن أبي حاتم ٢٤٢/١ (١٢٩٨)، ٦٩٧/٢، ٦٩٨ (٣٧٨١) مرسلاً .
(٢) أخرجه ابن جرير ٥/ ٥٥٥، وابن أبي حاتم ٦٩٩/٢.
(٣) أخرجه ابن المنذر ١/ ٢٧٧ - ٢٧٨.
(٤) تفسير مقاتل بن سليمان ٢٨٨/١.

سُورَةُ آلْ عَثْرَانَ (٨٦)
٥ ٣٤٢ :
فَوْسُوعَة التَّفْسِيَةُ المَاتُور
فتقول: يا رب، أنا الصدقة. فيقول: إنك على خير. ثم يجيء الصيام، فيقول: أنا
الصيام. فيقول: إنك على خير. ثم تجيء الأعمال، كل ذلك يقول الله: إنك على
خير. ثم يجيء الإسلام، فيقول: يا رب، أنت السلام، وأنا الإسلام. فيقول الله: إنَّك
على خير، بك اليوم آخذ وبك أعطي. قال الله في كتابه: ﴿وَمَن يَبْتَعْ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا
فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِ اُلْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾))(١). (٦٥٣/٣)
﴿كَيْفَ يَهْدِى اَللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَنِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌ
(٨٦)﴾ الآيات
وَجَآءَ هُمُ الْبَيِّنَتُّ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الَّالِمِينَ ◌َ
نزول الآيات، والنسخ فيها:
١٣٦١٦ - عن عبد الله بن عباس - من طريق عكرمة - قال: كان رجل من الأنصار
أسلم، ثم ارتدَّ ولحق بالمشركين، ثم ندم، فأرسل إلى قومه: أرسلوا إلى
رسول الله وَ﴿ هل لي مِن توبة. فنزلت: ﴿كَيْفَ يَهْدِى اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيَمَنِهِمْ﴾
إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، فأرسل إليه قومه؛ فأسلم(٢). (٦٥٣/٣)
١٣٦١٧ - عن عبد الله بن عباس - من طريق ابن إسحاق -: أنَّ الحارث بن سويد
قتل الْمُجَذَّر بن ذِياد، وقيس بن زيد أحد بني ضُبَيْعَة يوم أحد، ثم لحق بقريش،
فكان بمكة، ثم بعث إلى أخيه الْجُلَاس يطلب التوبة ليرجع إلى قومه. فأنزل الله
فيه: ﴿كَيْفَ يَهْدِى اللَّهُ قَوْمًا﴾ إلى آخر القصة(٣). (٦٥٥/٣)
(١) أخرجه أحمد ٣٥٥/١٤ (٨٧٤٢) من طريق عباد بن راشد، عن الحسن، عن أبي هريرة به.
قال عبد الله ابن الإمام أحمد في المسند ٣٥٦/١٤: ((عباد بن راشد ثقة، ولكن الحسن لم يسمع من أبي
هريرة)). وقال ابن كثير ١٠٤/٣: ((تفرَّد به أحمد))، ثم نقل كلام عبد الله ابن الإمام أحمد السابق. وقال
الهيثمي في غاية المقصد ٤٢٦/٤ (٥٠٢٦) بعد نقل كلام عبد الله: ((قلت: قد وثق عباد بن راشد، وأبو
سعيد ثقة أيضًا، وقد قال الحسن: حدثنا أبو هريرة إذا ذاك ونحن في المدينة، فكيف يقول هذا؟!)). وقال
في المجمع ١٠/ ٣٤٥ (١٨٣٦٧): ((وفيه عباد بن راشد، وثّقه أبو حاتم وغيره، وضعفه جماعة، وبقية رجال
أحمد رجال الصحيح)). وقال الألباني في الضعيفة ٦١٢/١٢ (٥٧٨٠): ((ضعيف)).
(٢) أخرجه النسائي ٧/ ١٠٧ (٤٠٦٨).
صححه ابن حبان ٣٢٩/١٠ (٤٤٧٧)، واختاره الضياء المقدسي في المختارة ٣٧٢/١١ (٣٨٣)، والحاكم
١٥٤/٢ (٢٦٢٨)، ٤٠٧/٤ (٨٠٩٢)، وقال: ((صحيح الإسناد)). ووافقه الذهبي. وينظر: مقدمة الموسوعة.
(٣) أخرجه ابن المنذر ٢٧٩/١ (٦٧٥)، من طريق محمد بن إسحاق به مرسلًا إلى ابن عباس.
وينظر : مقدمة الموسوعة.

سُورَةُ الْ عَثْرَانَ (٨٦)
مُؤْسُكَبِ التَّفْسِيُ المَاتُور
٥ ٣٤٣ .
١٣٦١٨ - عن عبد الله بن عباس - من طريق السدي الصغير، عن الكلبي، عن أبي
صالح -: أنَّ الحارث بن سويد بن الصامت رجع عن الإسلام في عشرة رهط،
فألحقوا بمكة، فندم الحارث بن سويد فرجع، حتى إذا كان قريبًا من المدينة أرسل
إلى أخيه الجُلاس بن سويد: إنِّي ندمت على ما صنعت، فاسأل رسول الله: هل لي
مِن توبة؟. فأتى الجُلَاسُ النبيَّ فأخبره، فأنزل الله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ .
فأرسل الجُلَاس إلى أخيه: إنَّ الله قد عرَض عليك التوبة، فأقبل إلى المدينة، واعتذر
إلى رسول الله. وتاب إلى الله، وقَبِل النبي منه (١). (٣/ ٦٥٦)
١٣٦١٩ - عن عبد الله بن عباس - من طريق العوفي - في قوله: ﴿كَيْفَ يَهْدِى اللَّهُ
قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَنِهِمْ﴾، قال: هم أهل الكتاب، عرفوا محمدًا ثم كفروا
به (٢). (٣/ ٦٥٧)
١٣٦٢٠ - عن مجاهد بن جبر - من طريق حميد الأعرج - قال: جاء الحارث بن
سويد، فأسلم مع النبي ◌َّ، ثم كفر، فرجع إلى قومه، فأنزل الله فيه القرآن:
﴿كَيْفَ يَهْدِى اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ﴾ إلى قوله: ﴿رَحِيمٌ﴾. فحملها إليه رجل من
قومه، فقرأها عليه، فقال الحارث: إنك - والله - ما علمت لصدوق، وإن
رسول الله وَلّ لأصدق منك، وإنَّ الله رَّ لأصدق الثلاثة. فرجع الحارث،
(١) أخرجه أبو نعيم في معرفة الصحابة ٢/ ٦٤٢ - ٦٤٣ (١٧١٨)، ٧٧٧/٢ (٢٠٦٨)، من طريق أبي عمر
الدوري، عن محمد بن مروان، عن محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس به.
وفي سنده أبو عمر الدوري، وهو حفص بن عمر بن عبد العزيز بن صهبان، قال عنه الذهبي في ميزان
الاعتدال ٥٦٦/١: ((شيخ القراء، ثبت في القراءة، وليس هو في الحديث بذاك)). وفيه أيضًا محمد بن
مروان، وهو السدي الصغير، قال عنه الذهبي في ميزان الاعتدال ٣٢/٤: ((تركوه، واتهمه بعضهم
بالكذب)). وفيه أيضًا محمد بن السائب الكلبي، قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء ٢٤٨/٦: ((متروك
الحديث)). وينظر: مقدمة الموسوعة.
(٢) أخرجه ابن جرير ٥٦٠/٥، وابن أبي حاتم ٦٩٩/٢ (٣٧٩٠)، من طريق محمد بن سعد العوفي، عن
أبيه، عن عمه الحسين، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس به .
وفي سنده محمد بن سعد بن محمد بن الحسن بن عطية العوفي، قال عنه الخطيب البغدادي في تاريخ
بغداد ٢٦٨/٣: ((كان لينًا في الحديث)). وفيه أيضًا سعد بن محمد بن الحسن بن عطية العوفي، قال
عنه الإمام أحمد - كما في تاريخ بغداد ١٨٣/١٠ -: ((لم يكن ممن يستأهل أن يكتب عنه، ولا كان
موضعًا لذاك)). وفيه أيضًا الحسين بن الحسن بن عطية العوفي، قال عنه الذهبي في المغني في الضعفاء
١/ ١٧٠ : ((ضعفوه)). وفيه أيضًا الحسن بن عطية بن سعد العوفي، قال عنه ابن حجر في تقريب
التهذيب (١٢٥٦): ((ضعيف)). وفيه أيضًا عطية بن سعد بن جنادة العوفي، قال عنه ابن حجر في تقريب
التهذيب (٤٦١٦): ((صدوق، يخطىء كثيرًا، وكان شيعيًّا، مدلسًا)). وينظر: مقدمة الموسوعة.

سُورَةُ آلْ عَشْرَانَ (٨٦)
مُؤْسُوعَة التَّقَسَّسَةُ المَاتُور
: ٣٤٤ :
فأسلم، فحسن إسلامه(١). (٣/ ٦٥٤)
١٣٦٢١ - عن مجاهد بن جبر - من طريق ابن أبي نجيح - في قوله: ﴿كَيْفَ يَهْدِى
اللَّهُ قَوْمًا﴾ الآية، قال: نزلت في رجل مِن بني عمرو بن عوف، كفر بعد إيمانه،
فجاء الشام(٢). (٣/ ٦٥٤)
١٣٦٢٢ - عن مجاهد بن جبر - من طريق ابن جريج -: في الآية، قال: هو رجل
من بني عمرو بن عوف، كفر بعد إيمانه، قال: قال ابن جريج: أخبرني عبد الله بن
كثير، عن مجاهد قال: لحق بأرض الروم، فتنصر، ثم كتب إلى قومه: أرسلوا، هل
لي من توبة؟ فنزلت ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ﴾، فآمن، ثم رجع . =
١٣٦٢٣ - قال ابن جريج: قال عكرمة: نزلت في أبي عامر الراهب، والحارث بن
سويد بن الصامت، ووَحْوَح بن الأسلت، في اثني عشر رجلًا رجعوا عن الإسلام،
ولحقوا بقريش، ثم كتبوا إلى أهلهم: هل لنا من توبة؟ فنزلت: ﴿إِلَّا الَّيْنَ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ
ذَلِكَ﴾ الآيات(٣). (٦٥٥/٣)
١٣٦٢٤ - عن الحسن البصري - من طريق قتادة - في الآية، قال: هم أهل الكتاب
من اليهود والنصارى، رأوا نعت محمد في كتابهم، وأقروا به، وشهدوا أنه حق،
فلما بُعث من غيرهم حسدوا العرب على ذلك، فأنكروه، وكفروا بعد إقرارهم؛
حسدًا للعرب حين بُعِث مِن غيرهم(٤)١٢٨٠. (٦٥٧/٣)
١٣٦٢٥ - عن أبي صالح مولى أم هانئ: أنَّ الحارث بن سويد بايع رسول الله وَّه
ثم لحق بأهل مكة، وشهد أُحدًا فقاتل المسلمين، ثم سُقِط في يده، فرجع إلى مكة،
١٢٨٠ المعنى المفهوم: أن الشهادة قبل الكفر، لكنه ورد في لفظ الآية الكفر قبل الشهادة.
وذكر ابن عطية (٢٧٨/٢) تخريجين لهذه الآية: الأول: أنَّ الواو التي عطفت ﴿ وَشَهِدُوا﴾
على ﴿كَفَرُواْ﴾ لا تفيد ترتيبًا، وعلى هذا فالشهادة واقعة قبل الكفر. الثاني: أن
﴿وَشَهِدُواْ﴾ عطفت على ﴿بَعْدَ أَيْمَنِهِمْ﴾، وعلى هذا فالشهادة والإيمان وقعا قبل الكفر.
(١) أخرجه ابن جرير ٥٥٨/٥، وابن المنذر ٢٨١/١ - ٢٨٢ (٦٨٠).
قال البوصيري في إتحاف الخيرة ١٣٢/١ (١١٦): ((هذا إسناد مرسل، رجاله ثقات)). وقال الألباني في
الصحيحة ١٨٦/٧: ((مرسل صحيح)).
(٢) أخرجه ابن جرير ٥٥٩/٥، وابن المنذر ٢٧٨/١. وعزاه السيوطي إلى عَبد بن حُمَيد مرسلًا.
(٣) أخرجه ابن جرير ٥٥٩/٥ - ٥٦٠، وابن المنذر ٢٧٨/١.
(٤) أخرجه ابن جرير ٥/ ٥٦٠، وابن المنذر ١/ ٢٨٠. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.

سُورَةُ آلْعَمْرَانَ (٨٦)
مُؤْسُوعَةُ التَّقَسَةُ الْمَانُون
: ٣٤٥ %-
فكتب إلى أخيه جُلَاس بن سويد: يا أخي، إنِّي ندمت على ما كان مِنِّي؛ فأتوب
إلى الله، وأرجع إلى الإسلام، فاذكر ذلك لرسول الله وَ ل، فإن طمعت لي في توبة
فاكتب إلي. فذكر لرسول الله وَ له؛ فأنزل الله: ﴿كَيْفَ يَهْدِى اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ
إِيمَنِهِمْ﴾. فقال قوم من أصحابه مِمَّن كان عليه: يتمتع، ثم يراجع الإسلام.
فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيَمَنِهِمْ ثُمَّ أَزْدَادُواْ كُفْرًا لَّنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ
الضَّالُونَ﴾ [آل عمران: ٩٠](١). (٦٥٦/٣)
١٣٦٢٦ - عن محمد بن كعب القرظي - من طريق أبي صخر -: أنَّ ناسًا مِن أهل
مكة اتَّعَدُوا ليخرجوا إلى رسول الله، حتى إذا اجتمعوا خرجوا إليه، حتى قدموا عليه
المدينة، فبايعوه، وأقروا بالإسلام، ثم مكثوا ما شاء الله أن يمكثوا، فخرجوا من
المدينة، فارتدوا عن إيمانهم حتى لحقوا بقومهم كفَّارًا، فأنزل الله فيهم: ﴿كَيْفَ
يَهْدِى اَللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيَمَنِهِمْ وَشَهِدُوَاْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَتُّ وَاللَّهُ لَا
يَهْدِى الْقَوْمَ الَلِمِينَ ﴿ أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَغْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
خَلِينَ فِيَهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظُرُونَ﴾. ثم تعطّف عليهم برحمته،
٨٧
فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ﴾ لأولئك القوم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
.. (ز)
رَّحِيمٌ﴾ (٢) ١٢٨١]
١٢٨١ اختلف المفسرون فيمن عني بهذه الآية؟ وفيمن نزلت؟ فذهب البعض إلى نزولها في
رجل كان مسلمًا فارتد، وذهب البعض إلى ان المعني بالآية أهل الكتاب، وفيهم نزلت .
وذكر ابنُ جرير (٥٦١/٥) أن القول الثاني الذي قال به الحسن وابن عباس من طريق
العوفي أشبه بظاهر الآية، فقال: ((وأشبه القولين بظاهر التنزيل: ما قال الحسن من أن هذه
الآية معني بها أهل الكتاب)). ثم رجَّحَ قولَ ابن عباس من طريق عكرمة ومجاهد والسدي؛
لكثرة القائلين به وسعة علمهم، قال: ((غير أن الأخبار بالقول الآخر أكثر، والقائلين به
أعلم بتأويل القرآن)). ثم بيَّن (٥٦١/٥) عموم الآية لكلا القولين ولغيرهما مما يدخل في
عموم الآية، فقال: ((وجائز أن يكون الله ربّ أنزل هذه الآيات بسبب القوم الذين ذكر أنهم
كانوا ارتدوا عن الإسلام، فجمع قصتهم وقصة من كان سبيله سبيلهم في ارتداده عن
الإيمان بمحمد # في هذه الآيات، ثم عَرَّف عباده سُنَّته فيهم، فيكون داخلًا في ذلك كل
من كان مؤمنًا بمحمد ◌َّ قبل أن يبعث ثم كفر به بعد أن بعث، وكل من كان كافرًا ثم ==
(١) أخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ٣٧٠ (٣٦٧٧٨) مرسلًا .
(٢) أخرجه ابن وهب في الجامع - تفسير القرآن ٢/ ٧٨ (١٥٠).

سُورَةُ الْعَقْرَانَ (٨٦)
: ٣٤٦ %
مُوَسُوعَةُ التَّفْسَةُ الْحَاتُوز
١٣٦٢٧ - عن إسماعيل السُّدِّيّ - من طريق أسباط - ﴿كَيْفَ يَهْدِى اَللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ
بَعْدَ إِيمَنِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌ﴾، قال: أنزلت في الحارث بن سُوَيد الأنصاري،
كفر بعد إيمانه، فأنزل الله رَ فيه هذه الآيات إلى: ﴿أُوْلَكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِهَا
خَلِدُونَ﴾، ثم تاب وأسلم، فنسخها الله عنه، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ
وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(١) ١٢٨٢]. (٣/ ٦٥٤)
١٣٦٢٨ - قال محمد بن السائب الكلبي - من طريق مَعْمَر -: هم قوم ارْتَدُّوا بعد
إيمانهم (٢). (ز)
١٣٦٢٩ - قال مقاتل بن سليمان: نزلت في اثني عشر رجلًا ارتدوا عن الإسلام،
وخرجوا من المدينة كهيئة البَدَاة(٣)، ثم انصرفوا إلى طريق مكة، فلحقوا بكفار مكة،
منهم: طُعْمَة بن أُبَيْرِق الأنصاري، ومقيس بن ضبابة الليثي، وعبد الله بن أنس بن
خَطَل من بني تَّيْم بن مُرَّة القرشي، ووَحْوَح (٤) بن الأسلت الأنصاري، وأبو عامر بن
النعمان الراهب، والحارث بن سويد بن الصامت الأنصاري من بني عمرو بن عوف
أخو الجُلاس بن سويد بن الصامت. ثم إن الحارث ندم فرجع تائبًا من ضرار، ثم
أرسل إلى أخيه الجُلَاس: إني قد رجعت تائبًا، فسل النبى وَّل هل لي من توبة؟ وإلا
لحقت بالشام. فانطلق الجُلَاس إلى النبيِ وَّل، فأخبره، فلم يَرُدَّ عليه شيئًا؛
فأنزل الله رَّك في الحارث، فاستثنى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ﴾(٥). (ز)
== أسلم على عهده وَّ* ثم ارتد وهو حي عن إسلامه؛ فيكون معنيًّا بالآية جميع هذين الصنفين
وغيرهما ممن كان بمثل معناهما، بل ذلك كذلك إن شاء الله)).
وبنحوه قال ابن عطية (٢٧٧/٢).
١٢٨٢] انتقد ابنُ عطية (٢٧٧/٢) قول السدي بقوله: ((وفي هذه العبارة تَجُوُّز كثير، وليس
هذا بموضع نَسْخ)).
(١) أخرجه ابن جرير ٥/ ٥٥٨. وعزاه السيوطي إلى عَبد بن حُمَيد دون ذكر النَّسْخِ.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١٢٥/١.
(٣) البَدَاة: البدو. لسان العرب (بدا).
(٤) في مطبوعة المصدر: وَجَوَج.
(٥) تفسير مقاتل بن سليمان ٢٨٨/١ - ٢٨٩.

مَوْسُورَة التَّفْسِيُ المَاتُوز
سُورَةُ الْ عَثْرَانَ (٨٦ - ٨٨)
: ٣٤٧ :
تفسير الآيات:
﴿كَيْفَ يَهْدِى اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَنِهِمْ وَشَهِدُوّاْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌ وَجَاءَ هُمُ الْبَيِّنَاتُّ
وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
٨٦
١٣٦٣٠ - عن الحسن البصري - من طريق مَعْمَر - في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِى اللَّهُ
قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيَمَنِهِمْ﴾، قال: هم أهل الكتاب، كانوا يجدون محمدًا مكتوبًا في
كتابهم، وَيَسْتَخْفُون به، فكفروا بعد إيمانهم به(١). (ز)
١٣٦٣١ - قال مقاتل بن سليمان: في قوله: ﴿كَيْفَ يَهْدِى اَللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ
إِيَمَنِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌ وَجَآءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ يعني: البيان، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى﴾ إلى
دينه ﴿اَلْقَوْمَ الظَّلِينَ﴾(٢). (ز)
: آثار متعلقة بالآية:
١٣٦٣٢ - عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ غلامًا كان لعبد الله بن
مَظْعُون قِبْطِيًّا، أسلم فحسن إسلامه على عهد النبي، فأعجب عبد الله بإسلامه،
فخرج عَقِبَه، فرآه فتّى من آل مظعون قد ربط الهِمْيَان(٣) في وسطه، وجزَّ ناصيته،
فقال: فلان، ما لك؟ قال: لا، إلا أنه مرَّ على أهله نصارى فتنصر. فذهب به إلى
عمرو بن العاص، فكتب فيه إلى عمر، فكتب عمر تَظُله: ﴿كَيْفَ يَهْدِى اللَّهُ قَوْمًا
كَفَرُواْ بَعْدَ إِيَمَنِمْ﴾ حتى ختم الآية. ثم قال: اعرِض عليه الإسلام، فإن أسلم
فَخَلِّ عنه، وإن أبى فاقتله. فعرَض عليه الإسلام، فأبى، فقتله (٤). (٣/ ٦٥٧)
﴿أُوْلَئِكَ جَزَّآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَغْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
خَلِينَ فِيهَا لَا يُحَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظُرُونَ
٨٨)
٨٧
١٣٦٣٣ - قال مقاتل بن سليمان: في قوله: ﴿أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَغْنَةَ الَّهِ وَ﴾
لعنة ﴿المَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ يعني: والعالمين كلهم، ﴿خَلِينَ فِيهَا﴾ في اللعنة،
(١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١٢٥/١.
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٢٨٨.
(٣) الهِمْيَان: كيس يجعل فيه النفقة، ويشد على الوسط. المصباح المنير (همن).
(٤) عزاه السيوطي إلى المحاملي في أماليه، وهو في الإصابة ٢٣٩/٤.

سُوْدَةُ الْ عِنْرَانَ (٨٩ - ٩٠)
٥ ٣٤٨ :
فَوْسُوكَة التَّفْسِيُ المَاتُور
مقيمين فيها، ﴿لَا يُخَفَفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظُرُونَ﴾ يعني: لا يُناظِر بهم
العذاب(١). (ز)
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
١٨٩
١٣٦٣٤ - عن عبد الله بن عباس - من طريق عطاء - في قوله: ﴿كَيْفَ يَهْدِى اللَّهُ قَوْمًا
كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَنِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: ثم استثنى، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ
تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(٢). (ز)
١٣٦٣٥ - عن مكحول الدمشقي، نحو ذلك. غير أنَّه قال: ثم تلافاهم الله برحمته،
فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ﴾(٣). (ز)
١٣٦٣٦ - عن قتادة بن دِعامة - من طريق شَيْبَان النحوي - قوله: ﴿وَأَصْلَحُواْ﴾، قال:
أصلحوا ما بينهم وبين الله ورسوله (٤). (ز)
١٣٦٣٧ - عن مقاتل بن حيان - من طريق بُكَيْر بن معروف - قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رَّحِيمُ﴾: يغفر لهم ما كان في شركهم إذا أسلموا(٥). (ز)
١٣٦٣٨ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ﴾ فلا يُعَذَّبون ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ يعني:
من بعد الكفر، ﴿وَأَصْلَحُواْ﴾ في العمل فيما بقي، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لكفره، ﴿رَّحِيمٌ﴾
به فيما بقي (٦). (ز)
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَنِهِمْ ثُمَّ أَزْدَادُواْ كُفْرَا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّالُونَ
٩٠
نزول الآية:
١٣٦٣٩ - عن عبد الله بن عباس: أنَّ قومًا أسلموا، ثم ارتَدُّوا، ثم أسلموا، ثم
(١) تفسير مقاتل بن سليمان ٢٨٩/١.
تقدمت الآثار في معنى الآيتين عند تفسير نظيرها من سورة البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَانُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ
لَغَنَةُ اللَّهِ وَالْمَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴿٨ خَلِينَ فِيهَّا لَا يُحَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُظَرُونَ﴾ [البقرة: ١٦١ - ١٦٢]
وقد أحال إليها ابن جرير ٥٦٢/٥، بينما كررها ابن أبي حاتم هنا كعادته.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٢/ ٧٠١، وابن المنذر ٢٨٠/١ من طريق ابن جريج، وعثمان بن عطاء.
(٣) علَّقه ابن أبي حاتم ٢/ ٧٠١.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٢/ ٧٠١.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٢/ ٧٠١.
(٦) تفسير مقاتل بن سليمان ٢٨٩/١.

فَوْسُبَة التَّفْسِيَةُ المَاتُور
٥ ٣٤٩ :
سُورَةُ آلْعِشْرَانَ (٩٠)
ارتدوا، فأرسلوا إلى قومهم يسألون لهم، فذكروا ذلك لرسول الله وَلو؛ فنزلت هذه
الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيَمَنِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا﴾ الآية (١). (٦٥٨/٣)
١٣٦٤٠ - عن مجاهد بن جبر: نزلت في الكفار كلهم، أشركوا بعد إقرارهم بأن الله
(٢)
خالقهم (٢). (ز)
١٣٦٤١ - عن أبي العالية الرياحي - من طريق داود بن أبي هند - في الآية، قال:
إنَّها نزلت في اليهود والنصارى، كفروا بعد إيمانهم، ثم ازدادوا كفرًا بذنوب
أذنبوها، ثم ذهبوا يتوبون من تلك الذنوب في كفرهم، ولو كانوا على الهدى قبلت
توبتهم، ولكنهم على ضلالة (٣). (٦٥٨/٣)
١٣٦٤٢ - عن الحسن البصري =
١٣٦٤٣ - وقتادة بن دعامة =
١٣٦٤٤ - وعطاء الخراساني: نزلت هذه الآية في اليهود، كفروا بعيسى ◌َالَّاء
والإنجيل بعد إيمانهم بأنبيائهم وكتبهم، ثم ازدادوا كفرًا بكفرهم بمحمد وَلة.
والقرآن (٤). (ز)
١٣٦٤٥ - قال مقاتل بن سليمان : ... بلغ أمر الحارث(٥) الأحد عشر الذين بمكة،
فقالوا: نقيم بمكة ما أقمنا، ونتربص بمحمد الموت، فإذا أردنا المدينة فسينزل فينا
ما نزل في الحارث، ويقبل منا ما يقبل منه. فأنزل الله رغمان فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ
بَعْدَ إِيَمَنِهِمْ ثُمَّ أَزْدَادُواْ كُفْرًا لَّنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾(٦)[١٣٨٣]. (ز)
١٢٨٣] قال ابنُ عطية (٢٨٠/٢ - ٢٨١): ((وتحتمل الآية عندي أن تكون إشارة إلى قوم
بأعيانهم من المرتدين ختم الله عليهم بالكفر، وجعل ذلك جزاءً لجريمتهم ونكايتهم ==
(١) أخرجه البزار - كما ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٧٢ -.
قال ابن كثير في تفسيره ٧٢/٢: ((إسناده جيد)). وقال ابن حجر في العُجاب في بيان الأسباب ٧٠٩/٢ بعد
ذكره لهذه الرواية: ((والبَزَّار كان يحدث من حفظه فيهم، والمحفوظ ما رواه ابن جرير ومن وافقه)). وقال
السيوطي: ((هذا خطأ من البزار)).
(٢) تفسير البغوي ٦٥/٣، وتفسير الثعلبي ١٠٨/٣.
(٣) أخرجه ابن جرير ٥٦٥/٥، وابن المنذر ٢٨٢/١، وابن أبي حاتم ٧٠١/٢ - ٧٠٢.
(٤) تفسير الثعلبي ١٠٣/٣، وتفسير البغوي ٦٤/٣، ٦٥ دون عطاء الخراساني.
(٥) أي: الحارث بن سويد بن الصامت، ينظر قول مقاتل في نزول الآيات السابقة.
(٦) تفسير مقاتل بن سليمان ٢٨٩/١.

سُورَةُ الْغَيْرَانَ (٩٠)
: ٣٥٠ %
فَوْسُوعَة التَّفْسَةُ المَاتُور
تفسير الآية:
١٣٦٤٦ - قال عبد الله بن عباس: لن تقبل توبتهم ما أقاموا على كفرهم(١). (ز)
١٣٦٤٧ - عن أبي العالية الرياحي - من طريق داود بن أبي هند - في قوله: ﴿لَّن
تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾، قال: تابوا من الذنوب، ولم يتوبوا من الأصل(٢) ١٢٨٤). (٦٥٩/٣)
١٣٦٤٨ - عن مجاهد بن جبر - من طريق ابن جريج - في قوله: ﴿ثُمَّ أَزْدَادُواْ كُفْرَا﴾،
. (٦٥٩/٣)
قال: تَمُّوا على كفرهم(٣) (١٢٨٥]
== في الدين، وهم الذين أشار إليهم بقوله: ﴿كَيْفَ يَهْدِى اَللَّهُ قَوْمًا﴾ فأخبر عنهم أنهم لا تكون
لهم توبة فيتصور قبولها، فتجيء الآية بمنزلة قول الشاعر:
على لاحبٍ لا يُهتدى بمناره
أي: قد جعلهم الله من سخطه في حيز من لا تقبل له توبة إذ ليست لهم، فهم لا محالة يموتون
على الكفر، ولذلك بيَّن حكم الذين يموتون كفارًا بعقب الآية، فبانت منزلة هؤلاء، فكأنَّه
أخبر عن هؤلاء المعينين أنهم يموتون كفارًا، ثم أخبر الناس عن حكم من يموت كافرًا)).
(١٢٨٤] رجَّح ابنُ جرير (٥٦٧/٥ - ٥٦٨) هذا القول الذي قال به أبو العالية من طريق
داود بن أبي هند مستندًا إلى السياق، فقال: ((لأن الآيات قبلها وبعدها فيهم نزلت، فَأَوْلَى
أن تكون هي في معنى ما قبلها وبعدها؛ إذ كانت في سياق واحد)».
ورجَّح أنَّ معنى ازديادهم الكفر: ما أصابوا في كفرهم من المعاصي، مستندًا إلى القرآن؛
لأن الله قال: ﴿لَّنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾، فكان معلومًا أنه معنيٍّ به: لن تقبل توبتهم مما ازدادوا
من الكفر على كفرهم بعد إيمانهم، لا من كفرهم؛ لأن الله - تعالى ذكره - وعد أن يقبل
التوبة من عباده، ولما كان الكفر بعد الإيمان أحد تلك الذنوب التي وعد قبول التوبة منها
علم أن المعنى الذي لا تقبل التوبة منه غير المعنى الذي يقبل التوبة منه، والذي لا يقبل
منه التوبة هو الازدياد على الكفر بعد الكفر، لا يقبل الله توبة صاحبه ما أقام على كفره،
فأما إن تاب فإن الله - كما وصف به نفسه - غفور رحيم)).
وعلَّق ابنُ عطية (٢٨٠/٢) على هذا القول بقوله: ((وعلى هذا الترتيب يدخل في الآية
المرتدون اللاحقون بقريش وغيرهم)) .
١٢٨٥ ذكر ابنُ عطية (٢/ ٢٨٠) أن اليهود والمرتدين يدخلون في هذا القول الذي قاله مجاهد.
(١) تفسير الثعلبي ١٠٩/٣.
(٢) أخرجه ابن جرير ٥٦٦/٥، وابن المنذر ٢٨٣/١، وابن أبي حاتم ٧٠٢/٢. وعزاه السيوطي إلى عَبد بن
حُمَید.
(٣) أخرجه ابن جرير ٥٦٦/٥. وعزاه السيوطي إلى عَبد بن حُمَيد. وفي تفسير البغوي ٦٥/٣، =

فَوْسُبعَة التَّفْسِيةُ المَاتُور
سُورَةُ آلْ عِشْرَانَ (٩٠)
& ٣٥١ %=
١٣٦٤٩ - عن مجاهد بن جبر: لن تقبل توبتهم بعد الموت إذا ماتوا على
الكفر(١). (ز)
١٣٦٥٠ - عن عكرمة مولى ابن عباس - من طريق ابن جريج - قوله: ﴿ثُمَّ أَزْدَادُواْ
كُفْرًا﴾، قال: تَمُّوا على كفرهم . =
١٣٦٥١ - قال ابن جريج: ﴿لَّنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾، يقول: إيمانهم أول مرة لن
[١٨]. (ز)
ينفعهم
١٣٦٥٢ - عن الحسن البصري - من طريق عَبَّاد بن منصور - في الآية، قال: اليهود
والنصارى لن تقبل توبتهم عند الموت(٣). (٦٥٨/٣)
١٣٦٥٣ - عن الحسن البصري: كلما نزلت عليهم آية كفروا بها، فازدادوا كفرًا(٤). (ز)
١٣٦٥٤ - عن قتادة بن دِعامة - من طريق سعيد - في الآية، قال: هم اليهود كفروا
بالإنجيل وعيسى، ثم ازدادوا كفرًا بمحمد رَّ والقرآن(٥)١٢٨٢). (٦٥٨/٣)
١٣٦٥٥ - عن إسماعيل السُّدِّيّ - من طريق أسباط - في قوله: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾.
قال: فماتوا وهم كفار، ﴿لَّنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ قال: فعند موته إذا تاب لم تقبل
(٦) ١٢٨٨
توبته (٦) (١٢٨٨. (٣ /٦٥٩)
١٢٨٦ انتقد ابن جرير (٥٦٩/٥) هذا القول مستندًا لمخالفته ظاهر الآية، فقال: ((لأن الله رَجَ
لم يصف القوم بإيمان كان منهم بعد كفر، ثم كفر بعد إيمان، بل إنما وصفهم بكفر بعد
إيمان، فلم يتقدم ذلك الإيمان كفر كان للإيمان لهم توبة منه، فيكون تأويل ذلك على ما
تأوله قائل ذلك، وتأويل القرآن على ما كان موجودًا في ظاهر التلاوة - إذا لم تكن حجة
تدل على باطن خاص - أَوْلَى من غيره، وإن أمكن توجيهه إلى غيره)).
١٢٨٧ انتقد ابنُ عطية (٢/ ٢٨٠) هذا القول الذي قال به الحسن وقتادة مستندًا إلى دلالة
عقلية، فقال: ((وفي هذا القول اضطراب؛ لأن الذي كفر بعيسى بعد الإيمان بموسى ليس
بالذي كفر بمحمد ◌َّلّ، فالآية على هذا التأويل تخلط الأسلاف بالمخاطَبين)).
١٢٨٨ انتقد ابن جرير (٥٦٨/٥ - ٥٦٩) قول السدي مستندًا إلى القرآن، والإجماع، فقال : ==
= وتفسير الثعلبي ١٠٨/٣: أي: أقاموا على كفرهم حتى هلكوا عليه.
(٢) أخرجه ابن جرير ٥ /٥٦٦.
(١) تفسير الثعلبي ١٠٩/٣.
(٣) أخرجه ابن جرير ٥/ ٥٦٤.
(٤) تفسير الثعلبي ١٠٨/٣، وتفسير البغوي ٦٥/٣.
(٥) أخرجه ابن جرير ٥٦٤/٥، وابن أبي حاتم ٧٠١/٢. وعزاه السيوطي إلى عَبد بن حُمَيد.
(٦) أخرجه ابن جرير ٥٦٧/٥، وابن أبي حاتم ٧٠١/٢ مختصرًا.

سُورَةُ الْ عَشْرَانَ (٩١)
٥ ٣٥٢ :-
فَوْسُوعَةُ التَّفْسِيَةُ المَاتُور
١٣٦٥٦ - عن مجاهد بن جبر، نحو ذلك(١). (ز)
١٣٦٥٧ - عن قتادة بن دعامة - من طريق معمر - في قوله: ﴿ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا﴾،
قال: ازدادوا كفرًا حتى حضرهم الموت، فلم تقبل توبتهم حين حضرهم
الموت (٢). (ز)
١٣٦٥٨ - عن عطاء الخراساني - من طريق معمر - =
١٣٦٥٩ - والحسن البصري، مثل ذلك(٣). (ز)
١٣٦٦٠ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَنِهِمْ ثُمَّ أَزْدَادُواْ كُفْرَا﴾.
قالوا: نقيم بمكة كفارًا، فإذا أردنا المدينة فسينزل فينا كما نزل في الحارث، ﴿لَّن
تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّالُونَ﴾(٤). (ز)
١٣٦٦١ - قال عبد الملك ابن جريج، ﴿لَّنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾، يقول: إيمانهم أول مرة
لن ينفعهم(٥). (ز)
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ اُفْتَدَى
بِدَّةٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّصِرِينَ
٩١
نزول الآية :
١٣٦٦٢ - عن محمد بن السائب الكلبي: نزلت في أحد عشر، أصحاب الحارث بن
== ((التوبة من العبد غير كائنة إلا في حال حياته، فأما بعد مماته فلا توبة، وقد وعد الله رجات
عباده قَبول التوبة منهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم، ولا خلاف بين جميع الحجة في
أنَّ كافرًا لو أسلم قبل خروج نفسه بطرفة عين أنَّ حكمه حكم المسلمين في الصلاة عليه
والموارثة وسائر الأحكام غيرهما، فكان معلومًا بذلك أن توبته في تلك الحال لو كانت
غير مقبولة، لم ينتقل حكمه من حكم الكفار إلى حكم أهل الإسلام، ولا منزلة بين الموت
والحياة يجوز أن يقال: لا يقبل الله فيها توبة الكافر، فإذا صح أنها في حال حياته مقبولة،
ولا سبيل بعد الممات إليها، بطل قول الذي زعم أنها غير مقبولة عند حضور الأجل)).
(١) علَّقه ابن أبي حاتم ٢/ ٧٠١.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١٢٥/١ - ١٢٦، وابن جرير ٥٦٤/٥، وابن أبي حاتم ٧٠٢/٢.
(٤) تفسير مقاتل بن سليمان ٢٨٩/١.
(٣) علَّقه ابن أبي حاتم ٢/ ٧٠٢.
(٥) علَّقه ابن جرير ٥ /٥٦٧.

فَوَسُوعَة التَّفْسِيةُ المَاتُور
: ٣٥٣ %
سُورَةُ آلْ عَثْرَانَ (٩١)
سويد، لَمَّا رجع الحارث قالوا: نقيم بمكة على الكفر ما بدا لنا، فمتى ما أردنا
الرجعة رجعنا، فينزل فينا ما نزل في الحارث. فلما فتح رسول الله وَّ مكة دخل في
الإسلام من دخل منهم، فقُبِلَتْ توبته؛ فنزل فيمن مات منهم كافرًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ
وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ الآية(١). (ز)
تفسير الآية:
١٣٦٦٣ - عن أنس، عن النبي وَلّ، قال: ((يُجَاء بالكافر يوم القيامة، فيقال له:
أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبًا، أكنت مفتديًا به؟ فيقول: نعم. فيقال: لقد
سُئِلْت ما هو أيسر من ذلك، فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَانُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾))
الآية (٢). (٦٥٩/٣)
١٣٦٦٤ - عن عَبَّاد بن منصور، قال: سألتُ الحسن البصري عن قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾. قال: هو كل
كافر(٣). (٦٥٩/٣)
١٣٦٦٥ - قال مقاتل بن سليمان: ثم أخبرهم عنهم وعن الكفار وما لهم في الآخرة،
فقال رَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَانُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ فيود أحدهم أن يكون له ملء الأرض
ذهبًا، يقدر على أن يفتدي به نفسه من العذاب لافتدى به، ﴿فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم
مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ اُفْتَدَى بِّهِ﴾﴾ ما قُبِلَ منه، ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وله عذاب
[وجيع](٤)، نظيرها في المائدة(٥)، ﴿وَمَا لَهُم مِّن نَِّرِينَ﴾ يعني: من مانعين يمنعونهم
(٦) ١٢٨٩
من العذاب
. (ز)
١٢٨٩ ذكر ابن عطية (٢٨١/٢ - ٢٨٢) أنه اختلف في قوله: ﴿وَلَوِ افْتَدَى﴾ على أقوال:
الأول: أنها متعلقة بمحذوف في آخر الكلام دل عليه دخول الواو، كما دخلت في قوله : ==
(١) تفسير البغوي ٦٥/٣، وتفسير الثعلبي ١٠٩/٣.
(٢) أخرجه ابن جرير ٥٧١/٥، وهو في البخاري ١١٢/٨ (٦٥٣٨)، ومسلم ٢١٦١/٤ (٢٨٠٥) دون ذكر الآية.
(٣) أخرجه ابن جرير ٥٧١/٥، وابن أبي حاتم ٧٠٢/٢.
(٤) في مطبوعة المصدر: وجميع .
(٥) يشير إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ، مَعَهُ، لِيَفْتَدُواْ بِهِ، مِنْ
عَذَابٍ يَوْمِ اٌلْقِيَمَةِ مَا نُقُبِّلَ مِنْهُمِّ وَلَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٦].
(٦) تفسير مقاتل بن سليمان ٢٨٩/١.

سُورَةُ آلْ عَثْرَانَ (٩٢)
٣٥٤ %=
مُؤْسُورَة التَّفْسِي المَاتُور
آثار متعلقة بالآية:
١٣٦٦٦ - عن يونس بن بكير، قال: سمعت أبا جعفر [المنصور] - يعني: الخليفة -
يخطب يوم الجمعة، فقال: الحمد لله الذي جعلنا من أهل دينه الذين يقبل منهم
مَثاقِيلِ الذَرِّ، ولا يقبل مِمَّن خالفهم ملء الأرض ذهبًا ولو افتدى به (١). (ز)
﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَّ وَمَا نُنفِقُوْ مِن شَىْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِهِ عَلِيمٌ
نزول الآية :
١٣٦٦٧ - عن أنس بن مالك، قال: كان أبو طلحة أكثرَ أنصاريٍّ بالمدينة نخلًا،
وكان أحبّ أمواله إليه بَيرَحاء(٢)، وكانت مستقبلة المسجد، وكان النبي ◌ِّ يدخلها
ويشرب مِن ماء فيها طيب، فلما نزلت: ﴿لَن نَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قال أبو
طلحة: يا رسول الله، إن الله يقول: ﴿لَنْ تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وإن أحب
أموالي إلي بَيْرَحَاء، وإنها صدقة لله؛ أرجو برها وذُخْرَها عند الله، فضعها - يا
رسول الله - حيث أراك الله. فقال رسول الله وَل: ((بَخ، ذاك مال رابح، ذلك مال
رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين)). فقال أبو طلحة:
أفعل، يا رسول الله. فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه(٣). (٣/ ٦٦٠)
== ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ اُلْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] لمتروك من الكلام، تقديره: وليكون من الموقنين أريناه
ملكوت السماوات والأرض. ونسبه ابن عطية لابن جرير، وانتقده بقوله: ((وفي هذا التمثيل
نظر، فتأمله)). الثاني: أن المعنى: لن يقبل من أحدهم إنفاقه وتقرباته في الدنيا ولو أنفق ملء
الأرض ذهبًا ولو افتدى أيضًا به في الآخرة لم يقبل منه، قال: فأعلم الله أنه لا يثيبهم على
أعمالهم من الخير، ولا يقبل منهم الافتداء من العذاب. وعلَّق عليه، بقوله: ((وهذا قول
حسن)). الثالث: أن الواو زائدة، وانتقده بقوله: ((وهذا قول مردود)). ثم ساق احتمالًا آخر،
فقال: ((ويحتمل أن يكون المعنى نفي القبول جملة على كل الوجوه، ثم خص من تلك
الوجوه أليقها وأحراها بالقبول، كما تقول: أنا لا أفعل لك كذا بوجه، ولو رغبت إليّ)).
(١) أخرجه ابن المنذر ٢٨٣/١.
(٢) بيرحاء - بفتح الباء وكسرها، وبفتح الراء وضمها، والمد فيهما، وبفتحهما والقصر -: اسم مال
وموضع بالمدينة. لسان العرب (برح).
(٣) أخرجه البخاري ١١٩/٢ (١٤٦١)، ١٠٢/٣ (٢٣١٨)، ٨/٤ (٢٧٥٨)، ١١/٤ (٢٧٦٩)، ٣٧/٦ =

فَوْسُورَة التَّفْسِسَةُ الْحَاتُوز
سُورَةُ الْغَيْرَانَ (٩٢)
& ٣٥٥ %=
١٣٦٦٨ - عن أنس بن مالك، قال: لَمَّا نزلت هذه الآية: ﴿لَن ثَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ
مِمَا تُحِبُّونَ﴾ قال أبو طلحة: يا رسول الله، إن الله يسألنا مِن أموالنا، أشهد أني قد
جعلت أرضي بريحا لله. فقال رسول الله وَّير: ((اجعلها في قرابتك)). فجعلها في
حسان بن ثابت، وأُبي بن كعب(١). (٦٦١/٣)
١٣٦٦٩ - عن أنس بن مالك، قال: لَمَّا نزلت هذه الآية: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ
مِمَا تُحِبُّونَ﴾، أو هذه الآية: ﴿مَنِ ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اللَّهَ فَرْضًا حَسَنًا﴾ [الحديد: ١١] قال أبو
طلحة: يا رسول الله، حائطي الذي بكذا وكذا صدقة، ولو استطعت أن أُسِرَّه لم
أُعلنه. فقال رسول الله وَّ: ((اجعله في فقراء أهلك))(٢). (٣/ ٦٦١)
١٣٦٧٠ - عن عبد الله بن عمر - من طريق مجاهد - أنَّه لَمَّا نزلت: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرّ
حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَ﴾ دعا بجارية له، فأعتقها(٣). (٦٦٥/٣)
١٣٦٧١ - قال شهر بن حَوْشَب: لَمَّا نزلت: ﴿لَن نَنَالُواْ الْبِرَّ﴾ قالت امرأة لجارية لها
لا تملك غيرها: أأعتقك وتقيمين معي، غير أنّي لا أشترط عليك ذلك؟ فقالت:
نعم. فلمّا أعتقتها ذهبت وتركتها، فأتت النبي وَّ، فأخبرته بذلك، فقال النبي وَليّ:
((دعيها؛ فقد حجبتك من النار، وإذا سمعتٍ بشيء قد جاءني فأتني، حتى أعطيك
عوضها))(٤). (ز)
١٣٦٧٢ - عن محمد بن المنكدر - من طريق عمرو بن دينار - قال: لَمَّا نزلت هذه
الآية: ﴿لَن ◌َنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ جاء زيد بن حارثة بفرس له يقال لها:
سَبل، لم يكن له مال أحب إليه منها، فقال: هي صدقة. فقبلها رسول الله وَّه
وحمل عليها ابنه أسامة، فرأى رسول الله وَّر ذلك في وجه زيد، فقال: ((إنَّ الله قد
= (٤٥٥٤)، ٧ /١٠٩ (٥٦١١)، ومسلم ٢/ ٦٩٣ (٩٩٨).
(١) أخرجه مسلم ٦٩٤/٢ (٩٩٨).
(٢) أخرجه الترمذي ٢٤٩/٥ - ٢٥٠ (٣٢٤٢)، وأحمد ١٩١/١٩ (١٢١٤٤)، ١٧٩/٢٠ (١٢٧٨١)،
٢٩٥/٢١ (١٣٧٦٧).
قال الترمذي: ((هذا حديث حسن صحيح)). وصححه ابن خزيمة ١٧٦/٤ - ١٧٧ (٢٤٥٨).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في الزهد ٣٤٨/١، وابن المنذر ٢٨٨/١ (٦٩٥)، من طريق إبراهيم بن المهاجر،
عن مجاهد، عن ابن عمر به.
وفي سنده إبراهيم بن المهاجر، قال عنه ابن حجر في تقريب التهذيب (٢٥٤): ((صدوق لين الحفظ)).
(٤) أورده الثعلبي ٣/ ١١٠.
=

سُورَةُ آلْ غَيْرَانَ (٩٢)
٣٥٦ %
مَوْسُورَة التَّفْسِيَةُ الْجَاتُور
قبلها منك))(١). (٦٦٢/٣)
١٣٦٧٣ - عن عمرو بن دينار، مثله(٢). (٦٦٢/٣)
١٣٦٧٤ - عن أيوب [السِّخْتِياني] وغيره - من طريق معمر - أنَّها حين نزلت: ﴿لَن
ثَنَالُواْ الْبِرَّ﴾ الآيَةَ؛ جاء زيد بن حارثة بفرس له كان يُحِبُّها، فقال: يا رسول الله، هذه
في سبيل الله. فحمل عليها رسول الله ﴿ه أسامة بن زيد، فكأنَّ زيدًا وجد في نفسه،
فلما رأى ذلك منه النبي وَّه قال: ((أما إن الله قد قبلها))(٣). (٣/ ٦٦٣)
١٣٦٧٥ - عن ثابت بن الحجاج، قالٍ: بلغني: أنَّه لَمَّا نزلت هذه الآية: ﴿لَن تَنَالُواْ
الْبِّ حَتَّى تُنفِقُوْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قال زيد: اللَّهُمَّ، إنَّك تعلم أنَّه ليس لي مال أحب إلي مِن
فرسي هذه. فتصدق بها على المساكين، فأقاموها تباع، وكانت تعجبه، فسأل
النبي ◌َّه، فنهاه أن يشتريها (٤). (٦٦٣/٣)
تفسير الآية :
﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّ﴾
١٣٦٧٦ - عن عبد الله بن مسعود - من طريق أبي عبيدة - في قوله: ﴿لَن نَنَالُواْ الْبِرَّ﴾،
قال: الجنة(٥). (٦٦٦/٣)
(١) أخرجه سعيد بن منصور في التفسير من سننه ١٠٦٥/٣ (٥٠٧)، وابن المنذر ٢٨٦/١ (٦٩١) واللفظ
له، وابن أبي حاتم ٧٠٤/٣ (٣٨١٤).
قال الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف ١٩٣/١ - ١٩٤ (٢٠٢): ((مرسل)). وقال المناوي في الفتح
السماوي ٣٧٢/١ (٢٧١): ((أخرجه ابن المنذر مرسلًا، وابن جرير عن عمرو بن دينار مرسلًا، وعن أيوب
السختياني مُعْضَلًا، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره، والطبري من طريقه، ومن رواية عمرو بن دينار، قال
الحافظ ابن حجر: ورجاله ثقات)).
(٢) أخرجه ابن جرير ٥٧٦/٥ - ٥٧٧.
قال المناوي في الفتح السماوي ٣٧٢/١ (٢٧١): ((أخرجه ابن المنذر مرسلًا، وابن جرير عن عمرو بن
دينار مرسلًا، وعن أيوب السختياني معضلًا، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره، والطبري من طريقه، ومن
رواية عمرو بن دينار، قال الحافظ ابن حجر: ورجاله ثقات)).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٤٠٢/١ (٤٢٨)، وابن جرير ٥/ ٥٧٧.
قال الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف ١٩٤/١ : (( ... ورواه عبد الرزاق في تفسيره، أخبرنا معمر، عن
أيوب وغيره: أنه لما نزلت: ﴿لَن نَنَالُواْ الْبِرَّ﴾ ... جاء زيد بن حارثة بفرس له وكان يحبها .... فذكره إلى
آخره. ومن طريق عبد الرزاق رواه الطبري بهذا الإسناد أيضًا، وهو معضل)).
(٤) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ١٩/ ٣٦٧، عن ثابت بن الحجاج به مرسلًا.
(٥) أخرجه ابن المنذر ٢٨٤/١، وابن أبي حاتم ٧٠٣/٣.

فَوْسُبَة التَّفْسِيرُ المَاتُور
سُورَةُ الْ غَيْرَانَ (٩٢)
: ٣٥٧ :
١٣٦٧٧ - عن مسروق بن الأجدع - من طريق ابن إسحاق -، مثله(١). (٣/ ٦٦٦)
١٣٦٧٨ - عن عمرو بن ميمون - من طريق أبي إسحاق - =
١٣٦٧٩ - وإسماعيل السُّدِّيّ - من طريق أسباط -، مثله(٢). (٣/ ٦٦٦)
١٣٦٨٠ - عن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ﴾، يعني: الجنّة(٣)١٣٩٠]. (ز)
١٣٦٨١ - عن مجاهد بن جبر - من طريق ابن أبي نجيح - قوله: ﴿اَلْبِرَّ﴾، قال: ما
ثبت في القلوب من طاعة الله (٤). (ز)
١٣٦٨٢ - عن مجاهد بن جبر، في قوله: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّ﴾، يعني: الجنّةِ(٥). (ز)
١٣٦٨٣ - عن الحسن البصري، في قوله: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ﴾: لن يكونوا أبرارًا(٦). (ز)
١٣٦٨٤ - عن عطاء: لن تنالوا شرف الدين والتقوى حتى تتصدقوا وأنتم أصحّاء
أشحّاء، تأملون العيش وتخشون الفقر (٧). (ز)
١٣٦٨٥ - عن عطية العوفي، في قوله: ﴿لَن نَنَالُواْ الْبِرَّ﴾، يعني: الطاعة(٨). (ز)
١٣٦٨٦ - عن أبي رَوْق، في قوله: ﴿لَن نَنَالُواْ الْبَرَّ﴾، يعني: الخير (٩). (ز)
١٣٦٨٧ - قال مقاتل بن سليمان: قوله سبحانه: ﴿لَن نَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ﴾، يقول:
لن تستكملوا التقوى حتى تنفقوا في الصدقة(١٠). (ز)
١٣٦٨٨ - عن مقاتل بن حيان - من طريق بُكَيْر بن معروف - في قوله: ﴿لَن نَنَالُواْ
١٢٩٠] لم يذكر ابنُ جرير (٥٧٣/٥) غير القول بأن البر: الجنة. وأورد أثر ابن ميمون
والسدي، وذكر أن من قال بأن البر الجنة فذلك لأن برَّ الرب بعبده في الآخرة وإكرامه إياه
بإدخاله الجنة .
ووجَّه ابن عطية (٢٨٢/٢) تفسير البر بالجنة بقوله: ((وهذا تفسير بالمعنى، وإنما الخاص
باللفظة أنه ما يفعله البر من أفاعيل الخير، فتحتمل الآية أن يريد: لن تنالوا بر الله تعالى
بكم، أي: رحمته ولطفه، ويحتمل أن يريد: لن تنالوا درجة الكمال من فعل البر حتى
تكونوا أبرارًا إلا بالإنفاق المنضاف إلى سائر أعمالكم)).
(١) أخرجه ابن المنذر ٢٨٤/١.
(٢) أخرجه ابن جرير ٥٧٣/٥. وعلَّقه ابن أبي حاتم ٧٠٣/٣، وابن المنذر ٢٨٤/١ عن عمرو بن ميمون.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٧٠٣/٣.
(٣) تفسير الثعلبي ١٠٩/٣، وتفسير البغوي ٦٦/٣.
(٥) تفسير الثعلبي ١٠٩/٣، وتفسير البغوي ٦٦/٣. (٦) تفسير الثعلبي ١٠٩/٣، وتفسير البغوي ٦٦/٣.
(٧) تفسير الثعلبي ٣/ ١١٠، وتفسير البغوي ٦٦/٣ مختصرًا.
(٨) تفسير الثعلبي ١٠٩/٣.
(١٠) تفسير مقاتل بن سليمان ٢٩٠/١.
(٩) تفسير الثعلبي ١٠٩/٣.

سُورَةُ الْغَيْرَانَ (٩٢)
٥ ٣٥٨ %
فَوْسُكَبِ التَّفْسَِّةُ المَاتُور
اَلْبِرَّ﴾، قال: التقوى (١). (ز)
﴿حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُونَ وَمَا نُنفِقُواْ مِنْ شَىْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ، عَلِيمٌ
١٣٦٨٩ - عن عبد الله بن عباس - من طريق الضحاك - قال: أراد بهذه الآية الزكاة،
يعني: حتى تخرجوا زكاة أموالكم(٢). (ز)
١٣٦٩٠ - عن الحسن البصري - من طريق عباد - قوله: ﴿لَن نَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا
تُحِبُّونَ﴾، قال: من المال(٣). (ز)
١٣٦٩١ - قال الحسن البصري: كل شيء أنفقه المسلم من ماله يبتغي به وجه الله
تعالى فإنّه من الذي عنى الله سبحانه بقوله: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾،
حتى التمرة(٤). (ز)
١٣٦٩٢ - قال الحسن البصري، في قوله: ﴿لَن نَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَ﴾،
يعني: الزكاة الواجبة (٥). (ز)
١٣٦٩٣ - عن قتادة بن دعامة - من طريق سعيد - في الآية، قال: لن تنالوا بِرَّ ربكم
حتى تنفقوا مما يعجبكم، ومما تَهْوَون من أموالكم، ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِء
عَلِيمٌ﴾ يقول: محفوظ ذلك لكم، الله به عليم شاكر له (٦). (٣/ ٦٦٦)
١٣٦٩٤ - قال مقاتل بن سليمان: قوله سبحانه: ﴿لَن نَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ﴾ يقول: لن
تستكملوا التقوى حتى تنفقوا في الصدقة ﴿مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ من الأموال، ﴿وَمَا نُنفِقُواْ مِنْ
شَىْءٍ﴾ يعني: من صدقة، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ، عَلِيمٌ﴾ يعني: عالم به، يعني: بنِيَّاتِكم(٧). (ز)
النسخ في الآية:
١٣٦٩٥ - عن مجاهد بن جبر =
١٣٦٩٦ - ومحمد بن السائب الكلبي: هذه الآية منسوخة، نسختها آية الزكاة (٨). (ز)
(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٧٠٣/٣.
(٣) أخرجه ابن جرير ٥٧٤/٥.
(٢) تفسير الثعلبي ١١٠/٣، وتفسير البغوي ٦٦/٣.
(٤) تفسير الثعلبي ٣/ ١١٠، وتفسير البغوي ٦٦/٣.
(٥) ذكره يحيى بن سلام - كما في تفسير ابن أبي زَمَنين ٣٠٢/١ -.
(٦) أَخرجه ابن جرير ٥٧٣/٥ - ٥٧٤، وابن المنذر ٢٨٩/١. وعزاه السيوطي إلى عَبد بن حُمَيد.
(٧) تفسير مقاتل بن سليمان ٢٩٠/١.
(٨) تفسير الثعلبي ٣/ ١١٠، وتفسير البغوي ٦٦/٣.

فَوْسُوَة التَّفْسِيرُ الْحَانُور
٥ ٣٥٩ :
سُورَةُ الْغَيْرَانَ (٩٢)
آثار متعلقة بالآية:
١٣٦٩٧ - عن عائشة، قالت: أَتِي رسول الله وَّهِ بضَبٍّ، فلم يأكله، ولم يَنْهَ عنه،
قلت: يا رسول الله، أفلا نطعمه المساكين؟ قال: ((لا تطعموهم مما لا
تأكلون))(١). (٦٦٥/٣)
١٣٦٩٨ - عن عمر بن الخطاب - من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد - أنَّه كتب
إلى أبي موسى الأشعري أن يبتاع له جارية من سَبْي جَلُولاء(٢)، فدعا بها عمر،
فقال: إن الله يقول: ﴿لَن نَنَالُواْ الْبِّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. فأعتقها عمر. قال: وهي
مثل قوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ، مِسْكِينًا﴾ [الإنسان: ٨]، ومثل قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى
أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ ◌ِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩](٣). (٦٦٢/٣)
١٣٦٩٩ - عن ميمون بن مهران: أنَّ رجلاً سأل أبا ذر: أي الأعمال أفضل؟ قال:
الصلاة عماد الإسلام، والجهاد سَنَام العمل، والصدقة شيء عجيب. فقال: يا أبا
ذر، لقد تركت شيئًا هو أوثق عملي في نفسي، لا أراك ذكرته. قال: ما هو؟ قال:
الصيام. فقال: قربة، وليس هنا. وتلا هذه الآية: ﴿لَن نَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا
تُحِبُّونَ﴾ (٤) ١٢٩١. (٦٦٣/٣)
١٣٧٠٠ - عن رجل من بني سليم، قال: جاورت أبا ذر بالرَّبَذَة(٥)، وله فيها قطيع
إبل، له فيها راع ضعيف، فقلت: يا أبا ذر، ألا أكون لك صاحبًا؛ أَكْنُف
١٢٩١] قال ابن عطية (٢٨٣/٢ - ٢٨٤): ((وإذا تأملت جميع الطاعات وجدتها إنفاقًا مما
يحب الإنسان؛ إما من ماله، وإما من صحته، وإما من دَعَتِه وترفهه، وهذه كلها
محبوبات))، وساق هذا الأثر.
(١) أخرجه أحمد ٢٥٦/٤١ (٢٤٧٣٦)، ٣٩٩/٤١ - ٤٠٠ (٢٤٩١٧)، ٤٥/٤٢ (٢٥١١٠)، من طريق
حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة به.
قال شعبة: ((ليس يذكر هذا عن إبراهيم إلا حماد)). انظر: العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية عبد الله
٤٣/٣. وقال البيهقي السنن الكبرى ٣٢٥/٩: ((تفرد به حماد بن أبى سليمان موصولًا)). وقال الهيثمي
في المجمع ٣٧/٤ (٦٠٦١): ((رواه أحمد، وأبو يعلى، ورجالهما رجال الصحيح)). وقال الألباني في
الصحيحة ٥٥٢/٥ (٢٤٢٦): ((الإسناد حسن)).
(٢) جَلُولاء: قرية ببغداد. القاموس المحيط (جلل).
(٣) أخرجه ابن جرير ٥٧٤/٥ - ٥٧٥، وابن المنذر ١/ ٢٨٧. وعزاه السيوطي إلى عَبد بن حُمَيد.
(٤) أخرجه ابن جرير ٥٧٦/٥.
(٥) الرَّبَذَة: قرية قرب المدينة، وبها دفن أبو ذر الغفاري. لسان العرب (ربذ).

سُورَةُ آلْ عَثْرَانَ (٩٢)
٥ ٣٦٠ %
فَوْسُكَة التَّفْسِيرُ الْحَاتُورُ
رَاعِيَك(١)، وأقتبس منك بعض ما عندك، لعل الله أن ينفعني به؟ فقال أبو ذر: إن
صاحبي من أطاعني، فإما أنت مطيعي فأنت لي صاحب، وإلا فلا. قلت: ما الذي
تسألني فيه الطاعة؟ قال: لا أدعوك بشيء من مالي إلا توخيت أفضله. قال: فلبثت معه
ما شاء الله، ثم ذكر له في الماء حاجة، فقال: اثْتِي ببعير من الإبل، فتصفحت الإبل،
فإذا أفضلها فحلها ذَلُول، فهممت بأخذه، ثم ذكرت حاجتهم إليه، فتركته، وأخذت
ناقة ليس في الإبل بعد الفحل أفضل منها، فجئت بها، فحانت منه نظرة. فقال: يا أخا
بني سليم، خُنتَني. فلما فهمتها منه خَلَّيْت سبيل الناقة، ورجعت إلى الإبل، فأخذت
الفحل، فجئت به، فقال لجلسائه: مَن رجلان يحتسبان عملهما؟ قال رجلان: نحن.
قال: أما لا فَأَنيخَاهُ(٢)، ثم اعْقِلاه، ثم انحراه، ثم عدوا بيوت الماء فجَزِّثُوا لحمه على
عددهم، واجعلوا بيت أبي ذر بيتًا منها. ففعلوا، فلما فَرَّق اللحم دعاني، فقال: ما
أدري، أحفظت وصيتي فظهرت بها، أم نسيت فأعذرك؟ قلت: ما نسيت وصيتك،
ولكن لما تصفحت الإبل وجدت فحلها أفضلها، فهممت بأخذه، فذكرت حاجتكم
إليه، فتركته. فقال: ما تركته إلا لحاجتي إليه. قلت: ما تركته إلا لذلك. قال: أفلا
أخبرك بيوم حاجتي؟! إنَّ يوم حاجتي يوم أوضع في حفرتي، فذلك يوم حاجتي، إن في
المال ثلاثة شركاء: القدر لا ينتظر أن يذهب بخيرها أو شرها، والوارث ينتظر متى
تضع رأسك ثم يستفيئها وأنت ذميم، وأنت الثالث، فإن استطعت أن لا تكونن أعجز
الثلاثة فلا تكونن، مع أنَّ الله يقول: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَ﴾، وإن هذا
الجمل كان مما أُحب من مالي، فأحببت أن أقدمه لنفسي(٣). (٣/ ٦٦٣ - ٦٦٥)
١٣٧٠١ - عن عبد الله بن عمر، قال: حضرتني هذه الآية: ﴿لَن نَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ
مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، فذكرت ما أعطاني الله، فلم أجد شيئًا أحب إلي من مَرْجَانة، جارية لي
رومية، فقلت: هي حرة لوجه الله، فلو أني أعود في شيء جعلته لله لنكحتها،
فأنكحها نافعًا (٤) ١٢٩٢). (٣ / ٦٦٢)
علّق ابن عطية (٢٨٣/٢) على فعل الصحابة وتصدقهم بقوله: ((فهذا كله حمل للآية ==
١٢٩٢
(١) أي: أُعِينه وأكون إلى جانبه. لسان العرب (كنف). (٢) الإناخة: الإبراك. لسان العرب (نخخ).
(٣) عزاه السيوطي إلى عَبد بن حُمَيد. وأخرجه ابن المنذر ٢٨٦/١ مختصرًا، وكذلك أبو نعيم في حلية
الأولياء ١/ ١٦٣ مختصرًا عن رجل من بني سليم، يقال له: عبد الله بن سيدان.
(٤) أخرجه البزار في كشف الأستار (٢١٩٤). وعزاه السيوطي إلى عَبد بن حُمَيد.