النص المفهرس

صفحات 41-60

مُؤْسُوعَةُ التَّفْسِيُ المَاتُوز
٤١ :
=
سُورَةُ البَقَرَة (١٢٦)
في حدود الحرم:
٣٨٢٢ - عن محمد بن الأسود بن خلف، عن أبيه: أنَّ النبي وَ أَمَرَه أن يُجَدِّد
أنصاب الحرم(١). (١ / ٦٤٢)
٣٨٢٣ - عن ابن عباس، قال: أَوَّل من نَصَب أنصاب الحرم إبراهيمُ عَّلاَ، يُرِيه ذلك
جبريلُ عَلَّلها، فلما كان يوم الفتح بعث رسول الله وَّ تميمَ بن أسد الخزاعي، فجدد
ما رَثَّ منها(٢). (١/ ٦٤١)
٣٨٢٤ - عن حسين بن القاسم، قال: سمعت بعض أهل العلم يقول: إِنَّه لَمَّا خاف
آدمُ على نفسه من الشيطان استعاذ بالله، فأرسل اللهُ ملائكته حَفُّوا بمكة من كل
جانب، ووقفوا حواليها، قال: فحَرَّم الله الحرمَ من حيث كانت الملائكة وقفت.
قال: ولَمَّا قال إبراهيم ظلَّلا: ربنا، أَرِنا مناسكنا. نزل إليه جبريل، فذهب به، فأراه
المناسك، ووقفه على حدود الحرم، فكان إبراهيم يَرْضِمُ (٣) الحجارة، وينصب
الأَعْلام، ويَحْثِي عليها التراب، وكان جبريل يقفه على الحدود. قال: وسمعتُ أن
== لحرمتها، وإظهاره ذلك بعد الدُّنُور، وكلُّ مقال من هذين الإخبارين حَسَنٌ في مقامه، عظم
الحرمة ثاني يوم الفتح على المؤمنين بإسناد التحريم إلى الله تعالى، وذكر إبراهيم عند
تحريمه المدينة مثالًا لنفسه، ولا محالة أن تحريم المدينة هو أيضًا من قِبَلِ الله تعالى، ومن
نافذ قضائه وسابق علمه)).
(١) أخرجه البزار كما في كشف الأستار ٤٢/٢ (١١٦٠)، والطبراني في الكبير ٢٨٠/١ (٨١٦).
قال ابن القطان الفاسي في بيان الوهم والإيهام ٢٩١/٤: ((وما مثله صحح؛ فإن الأسود بن خلف لا يعرف
روى عنه إلا ابنه محمد، وابنه محمد لا يعرف حاله، وإنما روى عنه عبدالله بن عثمان بن خثيم ... )). وقال
الذهبي في ميزان الاعتدال ٧٣/٦: ((محمد بن أسود بن خلف، عن أبيه: أن النبي ◌َّ أمره أن يجدد
أنصاب الحرم. لا يُعْرَف هو ولا أبوه، تفرد عنه عبدالله بن عثمان بن خثيم)). وقال الهيثمي في المجمع ٣/
٢٩٧ (٥٧٦٧): ((وفيه محمد بن الأسود، وفيه جهالة)).
(٢) أخرجه ابن سعد ١٠٤/٢، والأزرقي في أخبار مكة ١٢٧/٢ واللفظ له.
وفي إسناد الأزرقي إبراهيم بن محمد بن أبى يحيى، وهو متروك، قال عنه الذهبي في الميزان ١/ ١٨٣ :
((عن أحمد بن حنبل، قال: تركوا حديثه، قدري معتزلي، يروي أحاديث ليس لها أصل. وقال البخاري:
تركه ابن المبارك والناس. وقال البخاري أيضًا: كان يرى القدر، وكان جهميًّا. وروى عبد الله بن أحمد،
عن أبيه، قال: قدري جهمي، كل بلاء فيه، ترك الناس حديثه)). وتنظر ترجمته أيضًا في: تهذيب الكمال
١٨٤/٢.
(٣) الرَّضْمُ، ويُحَرَّك: صخور عِظام يُرْضَمُ بعضُها فوق بعضٍ فِي الأَبْنِيَةِ. القاموس (رضم).

سُورَةُ الْبَقَرَّة (١٢٦)
٥ ٤٢ :=
مُوَسُوعَة التَّقَسَةُ الْمَانُور
غَنَم إسماعيل كانت ترعى في الحرم، ولا تجاوزه، ولا تخرج منه، فإذا بلغت منتهاه
من ناحية من نواحيه رجعت صَابَّة (١) في الحرم(٢). (١/ ٦٤٠)
﴿وَأَرْزُقْ أَهْلَهُ، مِنَ الثَّمَرَتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِّ﴾
٣٨٢٥ - عن عبد الله بن عباس - من طريق علي بن أبي طلحة - قوله: ﴿مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم
بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِ﴾، يعني: مَن وَحَّد الله، وآمن باليوم الآخر(٣). (ز)
٣٨٢٦ - قال محمد بن السائب الكلبي: يُحْمَل إليه من الآفاق (٤). (ز)
٣٨٢٧ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿وَأَرْزُقْ أَهْلَهُ﴾ مِن المقيمين بمكة من الثمرات؛ ﴿مَنْ
ءَامَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ﴾ يعني: مَن صَدَّق منهم بالله واليوم الآخر، وصَدَّق بالله أَنَّه واحد لا
شريك له، وصَدَّق بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال، فأَمَّا مكة فجعلها الله أمنًا، وأمَّا
الرزق فإنَّ إبراهيم اختص بمسائلته الرزق للمؤمنين(٥). (ز)
٤ آثار متعلقة بالآية:
٣٨٢٨ - عن محمد بن المُنكَدِر، عن النبيِ وَّ، قال: ((لَمَّا وضع الله الحرمَ نَقَلَ له
الطائفَ من الشام))(٦). (٦٥٢/١)
٣٨٢٩ - قال مجاهد بن جبر: وُجِد عند المقام كتابٌ فيه: إنَّ الله ذو بَكَّة، صنعتُها
يوم خلقتُ الشمس والقمر، وحَرَّمتُها يوم خلقتُ السماوات والأرض، وحَفَفْتُها بسبعة
أملاك حنفاء، يأتيها رزقها من ثلاثة سُبُل، مُبَارَك لها في اللحم والماء(٧). (ز)
٣٨٣٠ - عن محمد ابن شهاب الزهري - من طريق عبد الرحمن بن علي بن نافع بن
جبير - قال: إنَّ الله نَقَل قرية من قرى الشام، فوضعها بالطائف؛ لدعوة
إبراهيم ◌ِلَّا(٨). (٦٥٢/١)
(١) صَابَّة: هابطة أو منحدرة. لسان العرب (صبب).
(٢) أخرجه الأزرقي في تاريخ مكة ٣٥٧/١ - ٣٥٨.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٢٣٠/١.
(٤) ذكره يحيى بن سلام - كما في تفسير ابن أبي زمنين ١/ ١٧٧ -.
(٥) تفسير مقاتل بن سليمان ١٣٨/١.
(٦) أخرجه الأزرقي في أخبار مكة ١/ ٧٧ مرسلًا .
(٧) تفسير البغوي ١٤٩/١.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٢٣٠، والأزرقي في تاريخ مكة ٤١/١.

مَوْسُعَة التَّفْسِيُ المَاتُور
٥ ٤٣ :
سُورَةُ البَقَرَّة (١٢٦)
٣٨٣١ - عن محمد بن مسلم الطّائِفِي - من طريق هشام بن عبيد الله - قال: بَلَغَنِي:
أَنَّه لَمَّا دعا إبراهيم للحرم: ﴿وَأَرْزُقْ أَهْلَهُ، مِنَ الثَّمَرَتِ﴾؛ نقل الله الطائف من
فلسطين(١). (١/ ٦٥٢)
﴿قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾.
قراءات الآية، وتفسيرها:
٣٨٣٢ - قال أبي بن كعب - من طريق أبي العالية - في قوله: ﴿وَمَن كَفَرَ﴾: إنَّ هذا
من قول الرب جلَّ وعلا، قال: ﴿وَمَن كَفَرَ فَأُمَّتِّعُهُ، قَلِيلًا﴾ . =
٣٨٣٣ - وقال عبد الله بن عباس: هذا من قول إبراهيم يسأل ربَّه: أنَّ مَن كفر
(فَأَمْتِعْهُ قَلِيلًا)(٢) ٥٠٦]. (٦٥٣/١)
٥٠٦] اختلف أهل التأويل في قوله تعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَأُمَتَعُهُ، قَلِيلًا﴾ مَنْ قائله؟ وما وجه
قراءته؟ على قولين: أحدهما: قائل هذا القول ربُّنا - تعالى ذِكْرُه -، وقرأ قائلو هذه المقالة
ذلك: ﴿فَأُمْتِعُهُ﴾ بتشديد التاء ورفع العين. والآخر: قائل ذلك إبراهيم عليّل على وجه
الدعاء، وقرأ قائلو هذه المقالة ذلك: (فَأَمْتِعْهُ) بتخفيف التاء وسكون العين، على الدّعاء.
ورجَّحَ ابنُ جرير (٢/ ٥٤٦) القولَ الأولَ، وهو قول أُبَيِّ بن كعب وقراءته، ومجاهد من
طريق سفيان بن عيينة، ورجَّحَ قراءتَه لاستفاضة النقل بتصويب تلك القراءة. وانتَقَدَ القراءةَ
الثانية لشذوذها، فقال: ((والصواب من القراءة في ذلك عندنا والتأويل ما قاله أُبي بن كعب
وقراءته؛ لقيام الحجة بالنقل المستفيض وراثةً بتصويب ذلك، وشذوذ ما خالفه من القراءة.
وغير جائز الاعتراض بمن كان جائزًا عليه في نقله الخطأ والسهو على مَن كان ذلك غير
جائز عليه في نقْله. وإذا كان ذلك كذلك فتأويل الآية: قال الله: يا إبراهيم، قد أجبتُ
دعوتك، ورزقتُ مؤمني أهل هذا البلد من الثمرات وكفارهم متاعًا لهم إلى بلوغ آجالهم،
ثم أضطرّ كفارهم بعد ذلك إلى عذاب النار)).
(١) أخرجه ابن جرير ٢/ ٥٤٤، ٥٤٦، وابن أبي حاتم ٢٣٠/١.
(٢) أخرجه ابن جرير ٥٤٥/٢ - ٥٤٦، وابن أبي حاتم ٢٣٠/١. قال السيوطي: كان ابن عباس يقرأ:
(فَأَمْتِعْه) بلفظ الأمر. فلذلك قال: هو من قول إبراهيم.
وقراءة ابن عباس شاذة، وقراءة العشرة: ﴿فَأَمَتِّعُهُ﴾ ما عدا ابن عامر؛ فإنه قرأ (فَأَمْتِعْهُ) بالتخفيف. انظر:
المحتسب ١٠٤/١، والنشر ٢٢٣/٢.
=

سُورَةُ الْبَقَرَة (١٢٦)
٥ ٤٤ %
مُؤَسُكَةُ التَّقَسَّةُ المَاتُور
٣٨٣٤ - عن عبد الله بن عباس - من طريق سعيد بن جبير - في قوله: ﴿مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم
بِلَّهِ وَالْيَوْمِ الْأَخِرِّ﴾، قال: كان إبراهيم احْتَجَرَها على المؤمنين دون الناس؛ فأنزل الله:
وَمَن كَفَرَ أيضًا، فأنا أرزقهم كما أرزق المؤمنين، أخلق خلقًا لأرزقهم؟ أُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا
ثُمَّ أَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابِ النَّارِ. ثم قرأ ابن عباس: ﴿كُلُّ نُمِّدُّ هَؤُلَاءٍ وَهَؤُلَاءٍ﴾ الآية
[الإسراء: ٢٠](١). (١ / ٦٥٣)
٣٨٣٥ - عن سعيد بن جبير =
٣٨٣٦ - وعكرمة مولى ابن عباس =
٣٨٣٧ - ومجاهد بن جبر - من طريق خُصَيْف - ﴿فَأُمَتِّعُهُ، قَلِيلًا﴾، قال: ارزقه
قليلًا(٢). (ز)
٣٨٣٨ - عن مجاهد بن جبر، في قوله ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ، مِنَ الثَّمَرَتِ مَنْ ءَامَنَ﴾، قال: اسْتَرْزَق
إبراهيم لِمَن آمن بالله وباليوم الآخر. قال الله: ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ فأنا أرزقه(٣). (٦٥٣/١)
٣٨٣٩ - عن مجاهد بن جبر - من طريق ليث - (وَمَن كَفَرَ فَأَمْتِعْهُ قَلِيلًا)، يقول: ومَن
كفر فارزقه أيضًا، (ثُمَّ اضْطَرَّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ)(٤). (ز)
٣٨٤٠ - عن ابن أبي نَجِيح، قال: سمعت عكرمة، قال: قال الله: ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ أيضًا
فإني أرزقه من الدنيا حين اسْتَرْزَق إبراهيم لمن آمن . =
٣٨٤١ - قال ابن أبي نجيح: سمعت هذا من عكرمة، ثم عرضته على مجاهد، فلم
ينكره(٥). (ز)
== وانتَقَدَها ابنُ كثير (٧٦/٢) أيضًا؛ لشذوذها، ومخالفتها السياق، فقال: ((هي قراءة شاذة
مخالفة للقراء السبعة، وتركيب السياق يأبى معناها - والله أعلم -؛ فإن الضمير في ﴿قَالَ﴾
راجع إلى الله تعالى في قراءة الجمهور، والسياق يقتضيه، وعلى هذه القراءة الشاذة يكون
الضمير في ﴿قَالَ﴾ عائدًا على إبراهيم، وهذا خلاف نظم الكلام)).
(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٢٢٩/١ - ٢٣٠، والطبراني (١٢٤٠٢)، وابن مردويه - كما في تفسير ابن كثير
٢٥٣/١ -٠
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٢٣١/١ (١٢٢٦).
(٣) عزاه السيوطي إلى سفيان بن عيينة.
(٤) أخرجه ابن جرير ٢/ ٥٤٦.
و(ثُمَّ اضْطَرَّهُ) بهمزة وصل وراء مفتوحة قراءة شاذة، تروى أيضًا عن ابن عباس، والأعمش، وقراءة
العشرة: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ﴾ بقطع الهمزة، وضم الراء. انظر: مختصر ابن خالويه ص١٥، والمحتسب ١/ ١٠٤.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٢٣٠/١ (١٢٢٥).

فَوْسُبَة التَّقَسِيرُ الْمَانُوز
سُورَةُ الْبَقَرَّة (١٢٦)
: ٤٥ %=
٣٨٤٢ - عن محمد بن كعب القُرَظِيّ - من طريق موسى بن عُبَيْدَة الرَّبَذِي - قال: دعا
إبراهيمُ للمؤمنين، وترك الكفارَ لَمْ يدعُ لهم بشيء، فقال الله تعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ.
قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِّ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾(١). (٦٥٢/١)
٣٨٤٣ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَّتِّعُهُ﴾، أي: قال الله رَجَّى: والذين
كفروا أرزقهم أيضًا مع الذين آمنوا، ولكنها لهم متعة من الدنيا قليلًا(٢). (ز)
٣٨٤٤ - قال محمد بن إسحاق - من طريق سلمة -: لَمَّا قال إبراهيم: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا
بَلَدًا ءَاِنًا وَأَرْزُقْ أَهْلَهُ، مِنَ الثَّمَرَتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِ﴾، وعَزَل الدعوة عمَّن
أبى اللهُ أن يجعل له الولاية انقطاعًا إلى الله ومحبته، وفراقًا لمن خالف أمره، وإن
كانوا من ذريته، حين عرف أنه كائن منهم ظالم لا ينال عهده، بخبره عن ذلك حين
أخبره؛ فقال الله: ﴿وَمَن كَفَرَ﴾، فإني أرزق البَرَّ والفاجر ﴿فَأُمَّتِّعُهُ، قَلِيلًا﴾﴾(٣). (ز)
﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّرِّ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
٣٨٤٥ - عن ابن أبي نَحِيح، في قوله: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِّ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾،
قال: ثُمَّ مصير الكافر إلى النار. قال ابن أبي نجيح: سمعته من عكرمة =
٣٨٤٦ - فعرضته على مجاهد، فلم ينكره (٤). (ز)
٣٨٤٧ - قال الحسن البصري: لَمَّا قال إبراهيم: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا ءَامِنَا وَأَزْزُقْ أَهْلَهُ,
مِنَ الثَّمَرَتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِلَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ قال الله تعالى: إنِّي مُجِيبُك، وأجعله بلدًا
آمنًا لمن ﴿ءَامَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْأَخِرِ﴾: يوم القيامة، ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ فإني أمتعه ﴿قَلِيلًا﴾،
وأرزقه من الثمرات، وأجعله آمنًا في البلد، وذلك إلى قليل، يعني: إلى خروج
محمد، وذلك أنَّ الله رَّ كَرَّم محمدًا أن يخرجهم من الحرم؛ وهو المسجد الحرام،
قال: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ﴾ عند الموت ﴿إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾(٥). (ز)
٣٨٤٨ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ﴾ أُلْجِتُّه إن مات على كفره ﴿إِلَى عَذَابٍ
النَّارِّ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾(٦). (ز)
(١) أخرجه الأزرقي ١/ ٤٠ - ٤١.
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان ١٣٨/١.
(٣) أخرجه ابن جرير ٢/ ٥٤٥.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٢٣١/١ (١٢٢٧).
(٥) ذكره يحيى بن سلام - كما في تفسير ابن أبي زمنين ١/ ١٧٧ -.
(٦) تفسير مقاتل بن سليمان ١٣٨/١.

سُورَةُ الْبَقَرة (١٢٧)
٤٦ %
فَوَسُوعَة التَّفْسِي المَاتُور
﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾
٣٨٤٩ - عن عبد الله بن عباس - من طريق سعيد بن جبير - في قوله: ﴿يَرْفَعُ إِبْرَاهِمُ
اُلْقَوَاعِدَ﴾، قال: القواعد التي كانت قواعد البيت قبل ذلك(١). (١/ ٦٦١)
٣٨٥٠ - عن عبد الله بن عباس - من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك - قال: القواعد:
أساسُ البيت(٢). (٦٥٣/١)
٣٨٥١ - عن قتادة بن دِعامة - من طريق مَعْمَر - في قوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَهِمُ الْقَوَاعِدَ
مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ﴾، قال: التي كانت قواعد البيت قبل ذلك(٣). (ز)
٣٨٥٢ - قال الكلبي: أساسه(٤). (ز)
٣٨٥٣ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ﴾،
يعني: أساس البيت الحرام الذي كان رُفِع ليالي الطوفان على عهد نوح(٥). (ز)
٣٨٥٤ - عن مَعْمَر، قال: إنَّ سفينة نوح طافت بالبيت سبعًا، حتى إذا أغرق اللهُ قوم
نوح رفعه، وبقي أساسه، فَبَوَّأَه الله لإبراهيم، فبناه بعد ذلك، وذلك قوله تعالى:
﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ﴾، واستودع الركنَ أبا قبيس، حتى إذا
كان بناء إبراهيم نادى أبو قبيس إبراهيم، فقال: يا إبراهيم، هذا الركن. فجاء،
فحفر عنه، فجعله في البيت حين بناه إبراهيم ظلََّ(٦). (١ / ٦٧٦)
﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ﴾
٣٨٥٥ _ عن علي، عن النبي ◌ُّ، في قوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾
الآية، قال: ((جاءت سحابة على تَرْبِيع (٧) البيت، لها رأس يتكلم: ارتفاعُ البيت على
(١) أخرجه عبد الرزاق ٥٨/١ - ٥٩، وابن جرير ٢/ ٥٥٠، وابن أبي حاتم ٢٣١/١. وعزاه السيوطي إلى
ابن المنذر.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٢٣١/١، ولفظه فيه: الأساس: أساس البيت.
(٣) أخرجه الأزرقي في تاريخ مكة ١١٠/١ (٦٥).
(٤) تفسير الثعلبي ١/ ٢٧٥.
(٦) عزاه السيوطي للجندي.
(٥) تفسير مقاتل بن سليمان ١٣٨/١.
(٧) ربَّع الشيءَ: صَيَّرَهُ على شكلٍ ذي أَربع، وهو التَّرْبِيعُ. لسان العرب (ربع).

سُورَةُ البَقَرَّة (١٢٧)
مُؤْسُورَة التَّفْسَةُ الْجَاتُور
٤٧ .
=
تربيعي. فرفعاه على تَرْبِيعِها))(١). (١ / ٦٥٩)
٣٨٥٦ - عن علي بن أبي طالب - من طريق خالد بن عَرْعَرَة -: أنَّ رجلًا قال له:
ألا تخبرني عن البيت، أهو أول بيت وضع في الأرض؟ قال: لا، ولكنه أول بيت
وضع للناس فيه البركة والهدى ومقام إبراهيم، ومن دخله كان آمنًا. ثم حدَّث: أن
إبراهيم لَمَّا أُمِر ببناء البيت ضاق به ذرعًا، فلم يدرِ كيف يبنيه، فأرسل الله إليه
السكينة؛ وهي ريح خَجُوج(٢)، ولها رأسان، فتَطَوَّقَت له على موضع البيت
كالحَجَفَةِ(٣)، وأُمِر إبراهيم أن يبني حيث تستقر السكينة، فبنى إبراهيم، فلما بلغ
موضع الحَجَر قال لإسماعيل: اذهب فالْتَمِسْ لي حَجَرًا أضعه ههنا. فذهب إسماعيل
يطوف في الجبال، فنزل جبريل بالحجر، فوضعه، فجاء إسماعيل، فقال: مِن أين
هذا الحَجَر؟ قال: جاء به مَن لم يَتَّكِل على بنائي ولا بنائك. فلبث ما شاء الله أن
يلبث، ثم انهدم، فبنته العمالقة، ثم انهدم، فبنته جُرْهم، ثم انهدم، فبنته قريش،
فلما أرادوا أن يضعوا الحَجَر تشاحُّوا في وضعه، فقالوا: أولُّ من يخرج من هذا
الباب فهو يضعه. فخرج رسول الله وَله من قِبَل باب بني شَيْبَة، فَأَمَر بثوب، فُبُسِط،
فَأَخَذَ الحَجَر فوضعه في وسطه، وأمر مِن كل فخذ من أفخاذ قريش رجلًا يأخذ
بناحية الثوب، فرفعوه، فأخذه رسول الله وَ ل بيده، فوضعه في موضعه (٤). (٦٥٩/١)
٣٨٥٧ - عن عبد الله بن عباس =
(١) أورده الدَّيْلَمي في الفردوس ٤٠٣/٤ (٧١٧١).
وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢١٣ (٦٨٥٠) من طريق أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي
موقوفًا، قال: نزلت سحابة من السماء على الكعبة، فيها رأس، فنادى الرأس: ابنوا على خيالي. قال:
فوضعت الكعبة على تربيع الرأس .
ومع روايته موقوفًا فقد يكون له حكم الرفع، لكن في إسناده الحارث، وهو ابن عبد الله الأعور الهمداني
الكوفي، قال ابن حجر في التقريب (١٠٢٩): ((كذّبه الشعبي في رأيه، ورُمِي بالرفض، وفي حديثه ضعف)).
وقد رواه عنه أبو إسحاق السبيعي، وفي روايته عنه مقال، قال شعبة: ((لم يسمع أبو إسحاق من الحارث إلا
أربعة أحاديث)). ينظر كل ذلك في ترجمته في: تهذيب الكمال للمزي ٢٤٤/٥.
(٢) ريح خجوج: شديدة المرور في غير استواء. النهاية ٢/ ١١.
(٣) الحَجَفَةُ: الترس. النهاية ٣٤٥/١.
(٤) أخرجه الحاكم ٦٢٩/١ (١٦٨٤)، ٣٢١/٢ (٣١٥٤)، وابن جرير ٥٦١/٣، وابن أبي حاتم ٧١٠/٣
(٣٨٣٩).
قال الحاكم ٢٣١/٢: ((هذا حديث صحيح، على شرط مسلم، ولم يُخَرِّجاه)). وقال الذهبي في التلخيص:
((على شرط مسلم)). وقال البوصيري في إتحاف الخيرة ٦/٢: ((مدار حديث علي بن أبي طالب على خالد بن
عَرْعَرَة، وهو مجهول)).

سُورَةُ الْبَقَرَة (١٢٧)
فَوَسُوعَة التَّفْسَةُ الْخَاتُور
٣٨٥٨ - والحسن البصري، نحوه مختصرًا (١). (ز)
٣٨٥٩ - عن علي بن أبي طالب - من طريق بِشْر بن عاصم، عن [أبي محمد]
سعيد بن المُسَيّب - قال: أقبل إبراهيم من أَرْمِينْيَةَ ومعه السكينة تَدُلَّه على موضع
البيت، كما تتبوأ العنكبوتُ بيتها، فحَفَر من تحت السَّكِينَة، فأبدى عن قواعد البيت
ما يحرك القاعدة منها دون ثلاثين رجلاً. قلت: يا أبا محمد، فإن الله يقول:
﴿وَإِذْ يَرَفَعُ إِبْرَهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾؟ قال: كان ذلك بعدُ(٢). (١/ ٦٦١)
٣٨٦٠ - عن عبد الله بن عباس - من طريق سعيد بن جبير - ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَهِمُ الْقَوَاعِدَ
مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ﴾، قال: قاما يرفعان القواعد من البيت، ويقولان: ﴿رَبَّنَا نَقَبَّلْ مِنًَّ
إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. قال: وإسماعيل يحمل الحجارة على رقبته، والشيخ
يبني(٣). (ز)
٣٨٦١ - عن سعيد بن جبير: أَنَّه قال: سَلُوني، يا معشر الشباب، فإنِّي قد أوشكت
أن أذهب من بين أَظْهُرِكم. فأكثرَ الناس مسألته، فقال له رجل: أصلحك الله،
أرأيت المقام؟ أهو كما نتحدث؟ قال: وماذا كنتَ تتحدثُ؟ قال: كنا نقول: إن
إبراهيم حين جاء عَرَضت عليه امرأةٌ إسماعيلَ النزولَ، فأبى أن ينزل، فجاءت بهذا
الحجر. فقال: ليس كذلك. فقال سعيد بن جبير: قال ابن عباس: إنَّ أول ما اتخذ
النساءُ المَنَاطِقِ(٤) من قِبَل أُمِّ إسماعيل، اتخذت مِنطَقًا لِتُعَفِّيَ أثرها على سارة، ثم
جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي تُرضعه حتى وضعهما عند البيت، عند دَوْحَة
فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما
هنالك، ووضع عندهما جِرابًا فيه تمر، وسِقاء فيه ماء، ثم قَفَّى إبراهيمُ مُنطلقًا،
فتبعته أمُّ إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس
(١) تفسير البغوي ٢/ ٧٠.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٩٠٩٨)، والأزرقي ٢٩/١، وابن جرير ٥٥٥/٢، وابن المنذر ١/
٢٩٨، وابن أبي حاتم ٢٣٢/١، والحاكم ٢٦٧/٢. وعزاه السيوطي إلى سعيد بن منصور، وعبد بن
حميد، وابن المنذر. وعند عبد الرزاق بلفظ: فَرَفَعُوا عن أحجار؛ الحجرُ يُطِيقُهُ - أو قال: لا يُطِيقُهُ -
ثلاثونَ رجلًا .
(٣) أخرجه ابن جرير ٢/ ٥٥٧.
(٤) المناطق: جمع المنطق، والنطاق، وهو أن تلبس المرأة ثوبها، ثم تشد وسطها، وترفع وسط ثوبها،
وترسله على الأسفل عند معاناة الأشغال؛ لئلا تعثر في ذيلها. النهاية ٧٥/٥.

مُوَسُوعَةُ التَّقْسِيُ المَاتُور
سُورَةُ الْبَقَرَّة (١٢٧)
ـ: ٤٩ %
فيه إنس ولا شيء؟! فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها، قالت له: الله
أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذَا لا يُضَيِّعنا. ثم رَجَعَتْ، فانطلق إبراهيم، حتى إذا
كان عند الثَِّيَّة حيث لا يرونه؛ استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات، ورفع
يديه، قال: ﴿رَبَّنَآ إِلَّىِّ أَسْكُنْتُ مِن ذُرِيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْنِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ
الصَّلَوةَ فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِىّ إِلَيْهِمْ وَأَرْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾
[إبراهيم: ٣٧]. وجَعَلَت أمُّ إسماعيل تُرْضِعُ إسماعيل، وتشرب من ذلك الماء، حتى
إذا نفِد ما في السِّقَاء عَطِشَت، وعَطِش ابنُها، وجعلت تنظر إليه يَتَلَوَّى - أو قال:
يَتَبَّط -، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها،
فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا، فهبطت من
الصفا، حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف دِرْعِها، ثم سعت سَعْيَ الإنسان المجهود
حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة، فقامت عليها، ونظرت هل ترى أحدًا،
ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس: قال النبي ◌ّ: ((فلذلك سعى الناسُ
بينهما)). فلَمَّا أشرفت على المَرْوَة سمعت صوتًا، فقالت: صوْ. تريد نفسها، ثم
تسمَّعت، فسمعت أيضًا، فقالت: قد أَسْمَعْتَ إن كان عندك غَوَاتٌ. فإذا هي بالمَلَك
عند موضع زمزم، فبحث بعَقِبه - أو قال: بجناحه - حتى ظهر الماء، فجعلت
تُحَوِّضُه، وتقول بيدها هكذا، وجعلت تَغْرِف من الماء في سِقائها، وهي تفور بعد ما
تَغْرِف، قال ابن عباس: قال النبي ◌َّه: ((يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم - أو
قال: لو لم تَغْرِف من الماء - لكانت زمزمُ عَيْنًا مَعِينًا)). فشَرِبَت، وأرضعت ولدها،
فقال لها الملك: لا تخافي الضَّيْعَة؛ فإنَّ ههنا بيتًا لله رَّّ يبنيه هذا الغلام وأبوه،
وإنَّ الله لا يُضَيِّع أهلَه. وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرَّابِية، تأتيه السيول، فتأخذ
عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتى مَرَّت بهم رُفْقَةٌ من جُرْهُم، أو أهل بيت
من جُرْهُم، مقبلين من طريق كَدَاء، فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرًا عَائِفًا(١)،
فقالوا : إنَّ هذا الطائر لَيَدُور على الماء، لَعَهْدُنا بهذا الوادي وما فيه ماء! فأرسلوا
جَرِيًّا (٢) أو جَرِيَّيْن، فإذا هم بالماء، فرجعوا، فأخبروهم بالماء، فأقبلوا، قال: وأم
إسماعيل عند الماء. فقالوا: أتأذنين لنا أن نَنزِل عندك؟ قالت: نعم، ولكن لا حَقَّ
٠
(١) عائفًا: حائمًا عليه ليجد فرصة فيشرب. النهاية ٣٣٠/٣.
(٢) الجريّ: الرسول. النهاية ٢٦٤/١.

سُورَةُ البَقَرَّة (١٢٧)
فَوْسُكَبْ التَّفْسَِّةُ المَاتُون
لكم في الماء. قالوا: نعم. قال ابن عباس: قال النبيِ وَلّ: ((فَأَلْفَى ذلك أم
إسماعيل، وهي تحب الأنس)). فنزلوا، وأرسلوا إلى أهليهم، فنزلوا معهم، حتى إذا
كان بها أهل أبيات منهم، وشبَّ الغلام، وتعلم العربية منهم، وأنفَسَهم(١)، وأعجبهم
حين شَبَّ، فلمَّا أدرك زَوَّجوه امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم بعدما
تزوج إسماعيل يطالع تَرِكَتَه، فلم يجد إسماعيل، فسأل زوجته عنه، فقالت: خرج
يبتغي لنا. ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بِشَرِّ، نحن في ضيق وشدة.
وشكت إليه، قال: إذا جاء زوجُك فاقرئي عليه السلام، وقولي له: يُغَيِّرِ عَتَبَة بابه.
فلما جاء إسماعيل؛ كأنه آنس شيئًا، فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم، جاءنا
شيخ كذا وكذا، فسألنا عنك، فأخبرته، وسألني كيف عيشنا، فأخبرته أنَّا في جَهْد
وشدة. قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام،
ويقول: غيِّر عَتَبة بابك. قال: ذاك أبي، وأمرني أن أفارقك، فالحقي بأهلك.
فطَلَّقها، وتزوج منهم أخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعد ذلك،
فلم يجده، فدخل على امرأته، فسألها عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا. قال: كيف
أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسعة. وأثنت على الله،
فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم. قال: فما شرابكم؟ فقالت: الماء. فقال: اللهم،
بارك لهم في اللحم والماء. قال النبي ◌َّ: ((ولم يكن لهم يومئذ حَبُّ، ولو كان لهم
حَبٌّ لَدَعًا لهم فيه)). قال: فهما لا يخلو عليهما أحدٌ بغير مكة إلَّا لم يوافقاه. قال:
فإذا جاء زُوجُك فاقرئي عليه السلام، ومُرِيه يُثَبِّت عَتَبة بابه. فلما جاء إسماعيل قال:
هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة - وأثنت عليه -، فسألني
عنك، فأخبرته، وسألني كيف عيشنا، فأخبرته أنَّا بخير. قال: أمّا أوصاك بشيء؟
قالت: نعم، هو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تُثَبِّت عتبة بابِك. قال: ذاك أبي،
وأنت العتبة، وأمرني أن أُمْسِكَك. ثم لبث عنهم ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك
وإسماعيلُ يَبْرِي نَبْلًا تحت دَوْحَةٍ قَرِيبًا من زمزم، فلمَّا رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع
الولد بالوالد، والوالد بالولد، ثم قال: يا إسماعيل، إنَّ الله أمرني بأمر. قال:
فاصنع ما أمرك. قال: وتُعِينُنِي؟ قال: وأُعِينُك. قال: فإنَّ الله أمرني أن أبني ههنا
بيتًا، وأشار إلى أَكَمَةُ(٢) مرتفعةٍ على ما حولها، قال: فعند ذلك رفع القواعد من
(١) أي: صار مرغوبًا فيه. النهاية ٥ /٩٥.
(٢) الأكم: أشراف الأرض كالروابي، وقيل: ما اجتمع من الحجارة بمكان واحد. اللسان (أكم).

سُورَةُ الْبَقَّرَة (١٢٧)
مُؤْسُورَة التَّفْسِيرُ المَاتُور
البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء
بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما
يقولان: ﴿رَبَّا نَقَبَّلْ مِنًَّ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. قال مَعْمَر: وسمعت رجلًا يقول:
كان إبراهيم يأتيهم على البُراق. قال مَعْمَر: وسمعت رجلًا يذكر: أنهما حين التقيا
بَكَيَا حتى أجابَتْهما الطير(١). (١/ ٦٥٤)
٣٨٦٢ - عن أبي جَهْم ابن حذيفة بن غانم - من طريق أبي بكر بن سليمان بن أبي
حثمة - قال: أوحى الله رَّك إلى إبراهيم يأمره بالمسير إلى بلده الحرام، فركب
إبراهيم البُرَاقِ، وجعل إسماعيل أمامه، وهو ابن ستين، وهاجر خلفه، ومعه
جبريل نعَلَّ يَدُلَّه على موضع البيت، حتى قدم به مكة، فأنزل إسماعيلَ وأمَّه إلى
جانب البيت، ثم انصرف إبراهيم إلى الشام، ثم أوحى الله إلى إبراهيم أن يبنيَ
البيت وهو يومئذ ابن مائة سنة، وإسماعيل يومئذ ابن ثلاثين سنة، فبناه معه، وتوفي
إسماعيل بعد أبيه، فدُفِن داخل الحِجْر مما يلي الكعبة مع أمه هاجر، ووَلِي نَابِت بن
إسماعيل البَيْتَ بعد أبيه مع أخواله جُرْهُم(٢). (١/ ٦٥٨)
٣٨٦٣ - عن عُبِيد بن عُمَير الليثي - من طريق عمر بن عبد الله بن عروة - قال:
بَلَغَنِي: أنَّ إبراهيم وإسماعيل هما رَفَعَا قواعد البيت(٣). (ز)
٣٨٦٤ - عن ابن إسحاق، قال: حَدَّثني عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، وغيره من
أهل العلم: أنَّ اللّه لَمَّا بَوَّأَ إبراهيم مكان البيت خرج إليه من الشام، وخرج معه
بإسماعيل وأمه هاجر، وإسماعيل طفل صغير يرضع، وحُمِلُوا - فيما حَدَّثَنِي - على
البراق، ومعه جبريل يَدُلَّه على موضع البيت ومعالم الحرم، فخرج وخرج معه جبريل،
فقال: كان لا يَمُرُّ بقرية إلا قال: أبهذه أمرتُ، يا جبريل؟ فيقول جبريل: امْضِهْ! حتى
قدم به مكة، وهي إذ ذاك عِضَاهُ سَلَم وَسَمُرِ(٤)، وبها أناس يُقال لهم: العماليق، خارج
مكة وما حولها، والبيت يومئذ ربوة حمراء مدَرَة، فقال إبراهيم لجبريل: أههنا أمرت
أن أضعهما؟ قال: نعم. فعمد بهما إلى موضع الحجر، فأنزلهما فيه، وأمر هاجر أمَّ
إسماعيل أن تتخذ فيه عريشًا، فقال: ﴿رَبَّنَآ إِنَّ أَسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعِ عِنْدَ
(١) أخرجه البخاري ٤/ ١٤٢ (٣٣٦٤).
(٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات ١/ ٥٠، ٥٢.
(٣) أخرجه ابن جرير ٢/ ٥٥٨.
(٤) العِضَاه: الشجر الذي له شوك، والسَلَم والسُمُر ضربان منه؛ يختلفان في حجم الورق وطول الشوك.
لسان العرب (عضض) (سلم) (سمر).

سُورَةُ الْبَقَرَة (١٢٧)
٥ ٥٢ :
فَوَسُوعَة التَّقْسِيُ المَاتُور
بَيْئِكَ الْمُحَرَّم﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧](١). (ز)
٣٨٦٥ - عن إسماعيل السدي - من طريق أَسْبَاط - ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ أَنْ
طَهِرَا بَيْتِىَ لِلطَّبِفِينَ﴾، قال: فانطلق إبراهيم حتى أتى مكة، فقام هو وإسماعيل، وأخذا
المَعَاوِل، لا يدريان أين البيت، فبعث الله ريحًا يقال لها: ريح الخَجُوج، لها
جناحان ورأس في صورة حية، فكَنَسَتْ لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت
الأول، واتَّبَعَاها بالمعاوِل يَحْفِران، حتى وضعا الأساس، فذلك حين يقول: ﴿وَإِذْ
بَوَّأْنَا لِإِبْرَهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦]. فَلَمَّا بَنَيَا القواعد فَبَلَغَا مكان الرُّكْن قال
إبراهيم لإسماعيل: يا بُنَيَّ، اطلب لي حجرًا حسنًا أضعه ههنا. قال: يا أبت، إني
كسلان تَعِبٌّ. قال: عَلَيَّ بذلك. فانطلق، فطلب له حجرًا، فجاءه بحجر فلم برضه،
فقال: ائتني بحجر أحسن من هذا. فانطلق يطلب له حجرًا، وجاءه جبريل بالحجر
الأسود من الهند، وكان أبيض، ياقوتة بيضاء مثل الثَّغَامَةِ، [فقال]: يا أبت، من
جاءك بهذا؟ فقال: مَن جاء به هو أنشط منك! فبنياه(٢)٥٠٢]. (ز)
٣٨٦٦ - عن قتادة بن دِعامة - من طريق سعيد - في قوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِنْرَهِمُ الْقَوَاعِدَ
مِنَ الْبَيْتِ﴾، قال: ذُكِرَ لنا: أنَّه بناه من خمسة أَجْبُل: من طور سِينا، وطور زَيْتًا،
ولبنان، والجُودِيّ، وحراء. وذُكِرَ لنا: أنَّ قواعده من حراء(٣). (١/ ٦٩١)
٣٨٦٧ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِنْرَهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ﴾،
يعني: أساس البيت الحرام الذي كان رُفِع ليالي الطوفان على عهد نوح، فبناه
إبراهيم وإسماعيل على ذلك الأصل، وأعانهم الله رَّى بسبعة أملاك على البناء: مَلَك
إبراهيم، وملك إسماعيل، وملك هاجر، والملك الموكل بالبيت، وملك الشمس،
وملك القمر، وملك آخر (٤). (ز)
٣٨٦٨ - عن محمد بن إسحاق - من طريق سلمة -: ويزعمون - والله أعلم - أنَّ مَلَكًا
من الملائكة أتى هاجر أم إسماعيل - حين أنزلهما إبراهيم مكة، قبل أن يرفع إبراهيم
٥٠٧] علَّقَ ابن كثير (٨٤/٢) على أثر السُّدِّيِّ بقوله: ((في هذا السياق ما يدل على أن قواعد
البيت كانت مبنية قبل إبراهيم، وإنما هُدِي إبراهيم إليها، وبُوِّىَّ لها)).
(١) أخرجه ابن جرير ٢/ ٥٥٤.
(٢) أخرجه ابن جرير ٢/ ٥٥٨، وابن أبي حاتم ٢٣٢/١.
(٣) أخرجه الأزرقي في فضائل مكة ٣٠/١.
(٤) تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ١٣٨.

سُورَةُ الْبَقَة (١٢٧)
مُؤَسُوعَة التَّفْسِيةُ المَاتُون
٤ ٥٣
وإسماعيل القواعد من البيت -، فأشار لها إلى البيت وهو ربوة حمراء مَدَرَةٌ، فقال
لها: هذا أول بيت وضع للناس، وهو بيت الله العتيق، واعلمي أن إبراهيم
وإسماعيل هما يرفعانه. فالله أعلم(١). (ز)
: آثار متعلقة بالآية:
آثار في بناء البيت وقواعده قَبْل إبراهيم ـ
٣٨٦٩ - عن أنس بن مالك: أنَّ رسول الله وَّ قال: ((كان موضع البيت في زمن
آدم ◌َلِّ شِبْرًا أو أكثر؛ عَلَمًّا، فكانت الملائكة تحج إليه قبل آدم، ثم حَجَّ آدم
فاستقبلته الملائكة، قالوا: يا آدم، من أين جئت؟ قال: حججتُ البيت. فقالوا: قد
حَجَّتْه الملائكة قبلك بألفي عام)) (٢). (٦٨١/١)
٣٨٧٠ - عن ابن عمرو، قال: قال رسول الله وَله: ((بعث الله جبريل إلى آدم وحواء،
فقال لهما: ابنيا لي بيتًا. فخَطَّ لهما جبريل، فجعل آدم يحفر، وحواء تنقل، حتى
أجابه الماء، نُودِي من تحته: حسبك، يا آدم. فلَمَّا بنياه أوحى الله إليه أن يطوف به،
وقيل له: أنت أول الناس، وهذا أول بيت. ثم تناسخت القرون حتى حجَّه نوح، ثم
تناسخت القرون حتى رَفَع إبراهيمُ القواعد منه))(٣). (٦٧٠/١)
٣٨٧١ - عن أبي هريرة - من طريق نافع مولى آل الزبير، وسعيد الْمَقْبُرِي - قال: إنَّ
الكعبة خُلِقت قبل الأرض بألفي سنة، وهي قرار الأرض. قال: إنما كانت خَشَفَةً أَوْ
حَشَفَةً(٤) على الماء، عليها مَلَكان من الملائكة يُسَبِّحان الليل والنهار ألفي سنة، فلَمَّا
أراد الله أن يخلق الأرض دَحَاها منها، فجعلها في وسَط الأرض(٥). (٦٧١/٣)
(١) أخرجه ابن جرير ٢/ ٥٥٤.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٢٦٧/٧ (٣٥٩٥٩)، والبيهقي في السنن الكبرى ١٧٦/٥، من طريق سعيد بن
ميسرة، عن أنس به .
في إسناده سعيد بن ميسرة، ضعيف ويروي المناكير، تنظر ترجمته في: المغني ٢٦٦/١، وميزان الاعتدال
٢٣٣/٣. وقد ضعّف الذهبي الحديثَ في المهذّب (٨٢١٧) فقال: ((سعيد ضعيف)).
(٣) أخرجه البيهقي في الدلائل ٢/ ٤٥، وابن عساكر في تاريخه ٧/ ٤٢٧.
قال البيهقي ٤٤/٢: ((تفرد به ابن لهيعة هكذا مرفوعًا)). وقال ابن كثير في السيرة ٢٧٢/١: ((وهو ضعيف،
ووَقْفُه على عبد الله بن عمرو أقوى وأثبت)). وقال الألباني في الضعيفة ٢٣١/٣ (١١٠٦): ((منكر)).
(٤) الحشفة: صخرة رخوة حولها سهل من الأرض. ينظر: التاج (حشف)، ويروى بالخاء والحاء. ينظر:
النهاية ٣٣/٢ - ٣٤.
(٥) أخرجه ابن المنذر ٢٩٤/١.

سُورَةُ البَقَرَّة (١٢٧)
مُوَسُوعَة التَّفْسَةُ الْحَانُور
٣٨٧٢ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص - من طريق مجاهد - قال: خَلَق الله البيتَ
قبل الأرض بأَلْفَي سنة، وكان - إذ كان عرشه على الماء - زَبْدَةً(١) بيضاء، وكانت
الأرض تحته كأنها حَشَفَةٌ، فدُحيت الأرض من تحته(٢). (٦٧١/٣)
٣٨٧٣ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص - من طريق أبي قِلَابة - قال: لَمَّا أهبط الله
آدم من الجنة قال: إني مُهْبِطٌ معك بيتًا يُطاف حوله كما يُطَاف حول عرشي، ويُصَلَّى
عنده كما يُصَلَّى عند عرشي. فلَمَّا كان زمنُ الطوفان رفعه الله إليه، فكانت الأنبياء
يَحُجُّونه ولا يعلمون مكانه، حتى بَوََّه الله بعدُ لإبراهيم وأعلمه مكانه، فبناه من
خمسة أجبل: حراء، ولبنان، وتَبِيرٍ، وجبل الطور، وجبل الخَمْر؛ وهو جبل ببيت
المقدس(٣). (١ / ٦٦٢)
٣٨٧٤ - عن عبد الله بن عباس - من طريق مجاهد - قال: كان البيت من ياقوتة
حمراء، ويقولون: من زُمُرُّدَة خضراء (٤). (٦٧٣/١)
٣٨٧٥ - عن عبد الله بن عباس، قال: كان البيتُ على أربعة أركان في الماء قبل أن
يخلق السموات والأرض، فدُحِيَت الأرض من تحته(٥). (١ / ٦٦٥)
٣٨٧٦ - عن عبد الله بن عباس - من طريق عكرمة - قال: وُضِع البيت على أركان
الماء، على أربعة أركان قبل أن تُخْلَق الدنيا بألفي عام، ثم دُحِيَت الأرض من تحت
البيت(٦). (١ / ٦٦٢)
٣٨٧٧ - عن عبد الله بن عباس - من طريق عطاء - قال: لَمَّا كان العرشُ على الماء
قبل أن يخلق الله السموات والأرض بعث الله تعالى ريحًا هَفَّافَةً، فصَفَقَت الريحُ
الماء، فأبرزت عن خَشَفَةٍ في موضع البيت كأنها قُبَّة، فدحا الله تعالى الأرض من
تحتها، فمَادَتِ ثُمَّ مَادَت، فَأَوْتَدَها الله بالجبال، فكان أول جبل وضع فيه أبو قُبَيْسٍ؛
فلذلك سُمِّيت: أم القرى(٧). (٦٦٥/١)
(١) زبدة: من الزبد - بالفتح -، وهو ما يعلو الماء أو اللبن ونحوهما من الرغوة. ينظر: لسان العرب
(زيد) .
(٢) أخرجه ابن جرير ٥٩١/٥، وابن المنذر ٢٩٤/١، والبيهقي في الشُّعَب (٣٩٨٣). وعزاه السيوطي إلى
الطبراني .
(٣) أخرجه ابن جرير ٢ / ٥٥٠، والطبراني - كما في المجمع ٢٨٨/٣ -. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
(٥) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٢٢٥/٢.
(٦) أخرجه ابن جرير ٢/ ٥٥٣، وأبو الشيخ في العَظَمة (٩٠١).
(٧) عزاه السيوطي إلى الأزرقي.

مُؤَسُوعَةُ التَّقْسِيُ المَاتُور
٥
سُورَةِ البَقَرّة (١٢٧)
٣٨٧٨ - عن عطاء بن أبي رباح =
٣٨٧٩ - وعمرو بن دينار - من طريق ابن جُرَيْج -، نحو ذلك(١). (ز)
٣٨٨٠ - عن ابن عباس، قال: لَمَّا أهبط الله آدَمَ إلى الأرض من الجنة كان رأسه في
السماء، ورجلاه في الأرض، وهو مثل الفُلكِ من رِعْدَته، فطَأُطَأَّ اللهُ منه إلى ستين
ذراعًا، فقال: يا رب، ما لي لا أسمع أصوات الملائكة، ولا حسَّهم؟ قال:
خطيئتك، يا آدم، ولكن اذهب فابنٍ لي بيتًا، فطُفْ به، واذكرني حوله كنحو ما رأيت
الملائكة تصنع حول عرشي. فأقبل آدمُ يتَخَطَّى، فَطُوِيَت له الأرض، وقَبَضَ الله له
المَفَاوِز، فصارت كلُّ مَفَازَةٍ يمر بها خطوة، وقَبَضَ اللهُ ما كان فيها من مَخَاض أو
بحر، فجعله له خطوة، ولم يَقَع قدمه في شيء من الأرض إلا صار عمرانًا وبركة،
حتى انتهى إلى مكة، فبنى البيت الحرام، وإنَّ جبريل ظلِِّرُ ضرب بجناحه الأرض،
فأبرز عن أُسِّ ثابت على الأرض السابعة، فقذفت فيه الملائكةُ الصخر، ما يُطِيق
الصخرةَ منها ثلاثون رجلًا، وإِنَّه بناه من خمسة أجبل؛ من لبنان، وطور زَيتَا، وطور
سينا، والجودي، وحراء، حتى استوى على وجه الأرض، فكان أول مَن أسس
البيت وصلى فيه وطاف آدم ظلَّلا، حتى بعث الله الطوفان، وكان غضبًا ورجسًا،
فحيثما انتهى الطوفان ذهب ريح آدم ◌َلَّلا، ولم يقرب الطوفانُ أرض السند والهند،
فَدَرَس موضعَ البيت في الطوفان، حتى بعث الله إبراهيم وإسماعيل ظلَّها، فرفعا
قواعده وأَعْلَامَه، ثم بَنَتْهُ قريشٌ بعد ذلك، وهو بحذاء البيت المعمور، لو سقط ما
سقط إلا عليه(٢). (١ / ٦٧٢)
٣٨٨١ - عن كعب الأحبار - من طريق سعيد بن المسيب - قال: كان البيت غُثَاء
على الماء قبل أن يخلق الله السموات والأرض بأربعين سنة، ومنه دُحِيت
الأرض(٣). (١ / ٦٦٥، ١٠ / ٤٦٢)
٣٨٨٢ - عن عطاء: أنَّ عمر بن الخطاب سأل كعبًا، فقال: أَخْبِرْني عن هذا البيت،
ما كان أمره؟ فقال: إنَّ هذا البيت أنزله الله من السماء ياقوتة مُجَوَّفة مع آدم. فقال:
يا آدم، إنَّ هذا بيتي؛ فطُفْ حوله وصَلِّ حوله كما رأيت ملائكتي تطوف حول عرشي
(١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٩٠٨٩)، وابن جرير ٥٥٣/٢.
(٢) أخرجه الأزرقي في فضائل مكة ٦/١ - ٧، وأبو الشيخ (١٠٢١)، وابن عساكر ٧/ ٤٢٠ - ٤٢١.
(٣) أخرجه الأزرقي في تاريخ مكة ٣/١، وابن جرير ٥٥٥/٢، وابن أبي حاتم ٢٣٢/١. وأخرجه إسحاق
البستي في تفسيره ص ٣٥٠ من قول سعيد بن المسيب.

سُوْدَةُ البَقَرَّة (١٢٧)
مُؤْسُوعَة التَّفْسِيرُ الْمَانُون
وتصلي. ونزلت معه الملائكة، فرفعوا قواعده من حجارة، ثم وضع البيت على
القواعد، فلَمَّا أغرق الله قوم نوح رفعه الله إلى السماء، وبَقِيَت قواعده(١). (٦٨٣/١)
٣٨٨٣ - عن علي بن الحسين - من طريق محمد بن علي بن الحسين -: أنَّ رجلًا
سأله: ما بَدْءُ هذا الطواف بهذا البيت؟ لِمَ كان؟ وأنَّى كان؟ وحيث كان؟ فقال: أمَّا
بَدْءُ هذا الطواف بهذا البيت فإنَّ الله تعالى قال للملائكة: ﴿إِنَّ جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ
خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]. فقالت: أيْ رب، أخليفة من غيرنا ممن يُفْسِد فيها، ويَسْفِك
الدماء، ويتحاسدون، ويتباغضون، ويتباغون؟ أيْ رب، اجعل ذلك الخليفة مِنَّا؛
فنحن لا نُفْسِد فيها، ولا نَسْفِك الدماء، ولا نتباغض، ولا نَتَحَاسَد، ولا نَتَبَاغَى،
ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، ونطيعك ولا نعصيك. قال الله تعالى: ﴿إِنّ أَعْلَمُ
مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]. قال: فظنت الملائكة أنَّ ما قالوا رَدٌّ على ربهم رَنَ، وأنَّه
قد غضب عليهم من قولهم؛ فلاذُوا بالعرش، ورفعوا رؤوسهم، وأشاروا بالأصابع
يَتَضَرَّعون ويبكون؛ إشفاقًا لغضبه، فطافوا بالعرش ثلاث ساعات، فنظر الله إليهم،
فنزلت الرحمة عليهم، فوضع الله سبحانه تحت العرش بيتًا على أربع أساطين من
زَبَرْجَدٍ، وغَشَّاهُن بياقوتة حمراء، وسَمَّى البيت: الضُرَاح، ثم قال الله للملائكة:
طوفوا بهذا البيت، ودعوا العرش. فطافت الملائكة بالبيت، وتركوا العرش، فصار
أهون عليهم، وهو البيت المعمور الذي ذكره الله، يدخله كل يوم وليلة سبعون ألف
ملك لا يعودون فيه أبدًا؛ ثم إنَّ الله تعالى بعث ملائكته، فقال: ابنوا لي بيتًا في
الأرض بمثاله وقدره. فأمر الله سبحانه مَن في الأرض مِنْ خلقه أن يطوفوا بهذا
البيت، كما تطوف أهلُ السماء بالبيت المَعْمُور(٢). (٦٦٦/١)
٣٨٨٤ - عن عروة بن الزبير - من طريق ابن إسحاق، عَمَّن لا يُتَّهم - قال: بلغني:
أنَّ البيت وُضِع لآَدِم ◌َلَّا يطوف به، ويعبد الله عنده، وأنَّ نوحًا قد حَجَّه وجاءه
وعظّمه قبل الغَرَق، فلمَّا أصاب الأرض من الغرق حين أهلك الله قوم نوح أصاب
البيت ما أصاب الأرض من الغرق، فكان ربوة حمراء معروف مكانها، فبعث الله
هودًا إلى عاد، فتشاغل بأمر قومه حتى هلك، ولم يَحُجَّه، ثم بعث الله صالحًا إلى
ثمود، فتشاغل حتى هلك، ولم يَحُجَّه، ثم بَوَّأه الله لإبراهيم عَلَِّّ، فحَجَّه، وعُلِّم
مناسكه، ودعا إلى زيارته، ثم لم يبعث الله نبيًّا بعد إبراهيم إلا حَجَّه(٣). (١/ ٦٧٦)
(١) أخرجه الأزرقي ١/ ١٠، والبيهقي (٣٩٩٠) واللفظ له.
(٢) أخرجه الأزرقي في فضائل مكة ٤/١ - ٥.
(٣) أخرجه الأزرقي في فضائل مكة ٣٨/١.

مُؤْسُوَةُ التَّفْسِيرُ المَاتُور
سُورَةُ البَقَرَة (١٢٧)
٣٨٨٥ - عن أبي قلابة - من طريق أيوب - قال: قال الله لآدم: إني مُهْبِطٌ معك بيتي
يُطَاف حوله كما يُطَاف حول عرشي، ويُصلَّى عنده كما يُصلَّى عند عرشي، فلم يزل
حتى كان زمن الطوفان، فَرُفِع، حتى بُوِّىَ لإبراهيم مكانه، فبناه من خمسة أجبل:
من حراء، وتَبِيْر، ولبنان، والطور، والجبل الأحمر(١). (١/ ٦٧٦)
٣٨٨٦ - عن مجاهد بن جبر - من طريق هشام - قال: خلق الله موضع البيت
الحرام من قبل أن يخلق شيئًا من الأرض بألفي سنة، وأركانه في الأرض
السابعة (٢). (١ / ٦٦٢)
٣٨٨٧ - عن مجاهد بن جبر - من طريق حميد بن قيس - قال: كان موضعُ البيت
على الماء قبل أن يخلق الله السماوات والأرض، مثل الزَّبَدَة البيضاء، ومن تحته
دُحِيَت الأرض(٣). (ز)
٣٨٨٨ - عن مجاهد بن جبر - من طريق ابن جُرَيْج - قال: بَلَغَنِي: أنَّه لَمَّا خلق الله
السموات والأرض كان أول شيء وضعه فيها البيت الحرام، وهو يومئذ ياقوتة حمراء
جوفاء لها بابان؛ أحدهما شرقيٍّ، والآخر غربيٍّ، فجعله مستقبل البيت المعمور،
فلمَّا كان زمن الغرق رُفِع في دِيبَاجَتَيْن، فهو فيهما إلى يوم القيامة، واستودع اللهُ
الركنَ أبا قبيس . =
٣٨٨٩ - قال: وقال ابن عباس: كان ذهَبًا، فرُفع زمان الغرق . =
٣٨٩٠ - قال ابن جُرَيْج: قال جويبر: كان بمكة البيت المعمور، فَرُفِع زمن الغرق،
فهو في السماء(٤). (١ / ٦٧٥)
٣٨٩١ - عن عطاء بن أبي رباح - من طريق ابن جُرَيْج - قال: قال آدم: أيْ ربِّ، ما
لي لا أسمع أصوات الملائكة؟ قال: لِخَطِيئتك، ولكن اهْبِط إلى الأرض، فابنٍ لي
بيتًا، ثم احْفُفْ به كما رأيت الملائكة تَحُفُّ ببيتي الذي في السماء، فزَعم الناس أنه
بناه من خمسة أجبل؛ من حراء، ولبنان، وطور زَيتَا، وطور سينا، والجُودِيّ، فكان
(١) أخرجه الأزرقي في فضائل مكة ٣٠/١.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٩٠٩٧)، وابن جرير ٢/ ٥٥٥ من طريق حميد، وابن أبي حاتم ٢٣١/١ من طريق
ليث بلفظ: القواعد في الأرض السابعة، والأزرقي في فضائل مكة ٤/١. وعزاه السيوطي إلى الجندي.
(٣) أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع - تفسير القرآن ٢/ ٨٢ (١٥٤)، وابن جرير ٢/ ٥٥٢. وعزا السيوطي
٦٦٦/١ نحو آخره إلى عبد بن حميد.
(٤) أخرجه الأزرقي في فضائل مكة ١٩/١.

سُورَةُ البَقَة (١٢٧)
فَوَسُوعَة التَّقْسَِّةُ الْخَاتُور
٥ ٥٨ % =
(١)٥٠٨
. (٦٦١/١)
هذا بناء آدم حتى بناه إبراهيم بعده
٣٨٩٢ - عن عطاء بن أبي رباح - من طريق هارون بن عنترة - قال: وَجَدُوا بمكة
حجرًا مكتوبًا فيه: إنِّي أنا الله ذو بَكَّة، بنيته يوم صُغْتُ الشمس والقمر، وحَفَفْتُه
بسبعة أملاك حنفاء(٢). (ز)
٣٨٩٣ - عن عطاء بن أبي رباح، قال: لَمَّا بنى ابنُ الزبير الكعبةَ أَمَر العُمَّال أن
يَبْلُغُوا في الأرض، فَبَلَغُوا صَخْرًا أَمْثَال الإِبِلِ الخَلِفِ(٣)، قال: زِيدُوا، فاحفروا.
فلما زادوا بَلَغُوا هَوَاءً من نارٍ يَلْقَاهم، فقال: ما لكم؟ قالوا: لسنا نستطيع أن نزيد؛
رأينا أمرًا عظيمًا. فقال لهم: ابنوا عليه. قال عطاء: يَرَوْن أنَّ ذلك الصخر مما بَنَى
آدمُ فََّ(٤). (١ / ٦٧٣)
٣٨٩٤ - عن وَهْب بن مُنَبِّه - من طريق عبد الصمد بن مَعْقِل ـ قال: لَمَّا تاب الله
على آدم أَمَرَه أن يسير إلى مكة، فطَوَى له المَفَاوِز والأرض، فصار كل مَفَازَة يَمُرُّ
بها خَطْوَة، وقَبَضَ له ما كان فيها من مَخَاضٍ أو بَحْر، فجعله له خطوة، فلم يضع
قدمه في شيء من الأرض إلا صار عمرانًا وبركة حتى انتهى إلى مكة، وكان قبل
ذلك قد اشْتَدَّ بكاؤه وحزنه لِمَا كان به من عِظَم المصيبة، حتى إن كانت الملائكةُ
لَتَبْكِي لِبُكائه، وتحزَنُ لحزنه، فعَزَّاه الله بخيمة من خيام الجنة، وضعها له بمكة في
موضع الكعبة قبل أن تكون الكعبة، وتلك الخيمة ياقوتة حمراء من يواقيت الجنة،
فيها ثلاثةُ قناديل من ذهب، فيها نور يَلْتَهِب من نور الجنة، ونزل معها يومئذ الرُّكْن،
وهو يومئذٍ ياقوتةٌ بيضاء من رَبَضِ الجنة، وكان كُرْسِيًّا لآدم يجلس عليه، فلما صار
آدم بمكة حرسه الله، وحرس له تلك الخيمة بالملائكة، كانوا يحرسونها، ويَذُودُون
عنها سكان الأرض، وساكنها يومئذ الجن والشياطين، ولا ينبغي لهم أن ينظروا إلى
شيء من الجنة؛ لأنَّه مَن نَظَر إلى شيء من الجنة وَجَبَت له، والأرض يومئذ طاهرة
علَّقَ ابن كثير (٨٤/٢) على أثر عطاء هذا بقوله: ((هذا صحيح إلى عطاء، ولكن في
٥٠٨
بعضه نكارة)» .
(١) أخرجه عبد الرزاق (٩٠٩٢)، وابن جرير ٥٤٩/٢. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر والجندي.
(٢) أخرجه ابن جرير ٢/ ٥٥٣.
(٣) الخلف جمع خلفة وهي: الناقة الحامل. لسان العرب (خلف).
(٤) أخرجه الأزرقي في فضائل مكة ١/ ١١.

فَوَسُوعَة التَّفْسَةُ المَاتُّور
سُورَةُ البَقَرَة (١٢٧)
نَقِيَّة طيبة لم تُنَجَّس، ولم يسفك فيها الدم، ولم يعمل فيها بالخطايا، فلذلك
جعلها الله مسكن الملائكة، وجعلهم فيها كما كانوا في السماء، يُسَبِّحون الليل
والنهار لا يفترون، وكان وقوفهم على أعلام الحرم صفًّا واحدًا مستديرين بالحرم
كله، الحِلُّ من خلفهم، والحرم كله من أمامهم، ولا يجوزهم جني ولا شيطان،
ومن أجل مقام الملائكة حُرِّم الحرم حتى اليوم، ووضعت أعلامه حيث كان مقام
الملائكة، وحرم الله على حواء دخول الحرم والنظر إلى خيمة آدم من أجل خطيئتها
التي أخطأت في الجنة، فلم تنظر إلى شيء من ذلك حتى قُبِضَت، وإنَّ آدم إذا أراد
لقاءها ليلة ليُلِمَّ بها للولد خَرَج من الحرم كله حتى يلقاها، فلم تزل خيمة آدم مكانها
حتى قبض الله آدم، ورفعها إليه، وبنى بنو آدم من بعدها مكانها بيتًا بالطين
والحجارة، فلم يزل معمورًا يعمرونه ومَن بعدهم، حتى كان زمن نوح، فنسَفه
الغرق، وخفِي مكانه، فلمَّا بعث الله إبراهيم خليله طلب الأساس الأول الذي وضع
بنو آدم في موضع الخيمة، فلم يزل يحفِر حتى وصل إلى القواعد التي وضع بنو آدم
في موضع الخيمة، فلَمَّا وَصَل إليها ظَلَّل اللهُ له مكان البيت بغَمَامة، فكانت حِفَاف
البيت(١) الأول، ثم لم تزل راكدة على حِفَافِه تُظِلُّ إبراهيم، وتَهْدِيه مكان القواعد،
حتى رفع القواعد قامةً، ثم انكشفت الغَمامة، فذلك قوله رَّى: ﴿وَإِذْ بَوَأْنَا ◌ِبْزَهِيمَ
مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦] للغَمامة التي ركدت على الحِفَافِ لتَهْدِيَه مكان القواعد،
فلم يزل يحمد الله مُذْ رفعه الله معمورًا. قال وَهْب بن مُنَبِّه: وقرأت في كتاب من
كُتُبِ الأُوَلِ ذُكِرَ فيه أمرُ الكعبةِ، فوجد فيه: أن ليس من مَلَك بعثه الله إلى الأرض
إلا أَمَرَه بزيارة البيت، فيَنقَضُّ من عند العرش مُحْرِمًا مُلَبِّيًا حتى يستلم الحجر، ثم
يطوف سبعًا بالبيت، ويصلي في جوفه ركعتين، ثم يصعد(٢). (١/ ٦٦٨)
٣٨٩٥ - عن قتادة بن دعامة - من طريق سعيد - قال: ذُكِر لنا: أنَّ الحرم حرمٌ بحياله
إلى العرش. وذُكِر لنا: أنَّ البيت هبط مع آدم حين هبط، قال الله له: أُهْبِطُ معك بيتي،
يُطاف حوله كما يُطاف حول عرشي. فطاف حوله آدم ومَن كان بعده من المؤمنين،
حتى إذا كان زمان الطوفان - حين أغرق الله قوم نوح - رفعه وطَهَّرَه، فلم تُصِبْه عقوبة
أهل الأرض، فتتبع منه إبراهيم أثرًا، فبناه على أساس قديم كان قبله(٣). (٦٦٣/١)
(١) حفاف البيت: أي: مُحْدِقَة به، وحفافا الجبل: جانباه. النهاية ١/ ٤٠٨.
(٢) أخرجه الأزرقي في فضائل مكة ٧/١ - ٨، وابن المنذر ٢٩٥/١ - ٢٩٧.
(٣) أخرجه ابن جرير ٥٣٨/٢.

سُورَةُ الْبَقَرَّة (١٢٧)
فَوَسُبعَة التَّفْسِيرُ الْمَانُور
٣٨٩٦ - عن أَبَان [بن أبي عياش] - من طريق مَعْمَر -: أنَّ البيت أُهْبِط ياقوتة
واحدة، أو دُرَّة واحدة، حتى إذا أغرق اللهُ قومَ نوح رفعه، وبقي أساسه، فبوأه الله
الإبراهيم، فبناه بعد ذلك(١) (٥٠٩]. (١ / ٦٧٣)
آثار في بناء إبراهيم الكعبة:
٣٨٩٧ - عن عائشة، أنَّ رسول الله وَ له قال: ((ألم تري إلى قومك حين بنوا الكعبة
اقْتَصَرُوا عن قواعد إبراهيم؟)). فقلت: يا رسول الله، أَلَا تَرُدُّها على قواعد إبراهيم؟
قال: (لولا حِدْثَان قومك بالكفر)). فقال ابن عمر: ما أرى رسول الله وَله ترك استلام
الركنين اللذين يليان الحجر إلَّا أن البيت لم يُتَمَّم على قواعد إبراهيم(٢). (٧٠٧/١)
٣٨٩٨ - عن علي بن أبي طالب - من طريق سعيد بن المسيب - قال: أقبل إبراهيمُ
والمَلَكُ والسكينةُ والصُّرَدُ(٣) دليلًا حتى تَبَوَّأ البيتَ كما تَبَوَّأت العنكبوتُ بيتها، فحفر ما
برز عن أُسِّها أمثال خَلِفِ الإبل، لا يُحَرِّك الصخرةَ إلا ثلاثون رجلًا، ثم قال الله
لإبراهيم: قُمْ، فابنٍ لي بيتًا. قال: يا رب، وأين؟ قال: سَنُرِيك. فبعث الله سحابة
فيها رَأْسٌ يُكَلِّم إبراهيم، فقال: يا إبراهيم، إن ربك يأمرك أن تَخُطَّ قَدْرَ هذه السحابة.
فجعل ينظر إليها، ويأخذ قدرها، فقال له الرأس: أقَدْ فَعَلْتَ؟ قال: نعم. قال:
فارتفعت السحابة، فأُبرز عن أُسِّ ثابت من الأرض، فبناه إبراهيم ظلََّ(٤). (١ / ٦٩١)
علَّقَ ابن كثير (٦٩/٢ - ٧٠ بتصرف) على مرويات بناء الكعبة بقوله: ((وقد اختلف
٥٠٩
الناس في أول من بنى الكعبة؛ فقيل: الملائكة قبل آدم. وروي هذا عن أبي جعفر الباقر
محمد بن علي بن الحسين، ذكره القرطبي وحكى لفظه، وفيه غرابة. وقيل: آدم ظلَّلاَ. رواه
عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء وسعيد بن المسيب وغيرهم، وهذا غريب أيضًا.
وروي عن ابن عباس، وكعب الأحبار، وقتادة، وعن وهب بن منبه: أنَّ أول من بناه
شيث ظلّ. وغالب مَن يذكر هذا إنما يأخذه من كتب أهل الكتاب، وهي مما لا يُصَدَّق
ولا يُكَذَّب ولا يُعْتَمَد عليها بمجردها، وأما إذا صح حديث في ذلك فعلى الرأس والعين)).
(١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٩٠٩٦)، وابن جرير ٥٥٢/٢، والأزرقي في فضائل مكة ١/ ١٠
مختصرًا، وأورده السيوطي من روايته.
(٢) أخرجه البخاري ١٦٤/٢ (١٥٨٣)، ١٤٦/٤ (٣٣٦٨)، ٢٠/٦ (٤٤٨٤)، ومسلم ٩٦٩/٢ (١٣٣٣)،
٩٧٢/٢ (١٣٣٣).
(٣) الصرد: طائر ضخم الرأس والمنقار له ريش عظيم نصفه أبيض ونصفه أسود. النهاية ٢١/٣.
(٤) أخرجه الأزرقي في فضائل مكة ١/ ٢٧.