النص المفهرس

صفحات 541-560

فَوْسُورَة التَّفْسَةُ الْجَاتُور
٥٤١
سُورَةُ المُمَتَحَنَةِ (١)
(١) ٦٥٥٩
(ز)
[المجادلة: ٢٢]
تفسير الآية:
أَوْلِيَآءَ
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُؤَّكُمْ
٧٦٤٤ -
تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾(٦٥٦١) يعني: الصّحيفة، ﴿ وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَهُمْ مِّنَ الْحَقِّ﴾ يعني:
القرآن، ﴿يُخْجُونَ الرَّسُولَ﴾ مِن مكة ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ قد أُخرِجوا مِن دياركم، يعني: من مكة
﴿أَنْ تُؤْمِنُواْ﴾ يعني: بأنْ آمنتم ﴿يِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَحْتُمْ جِهَدًا فِى سَبِيلِى وَأَبْتِغَاءَ
فلا تُلقُوا إليهم بالمودّة، ﴿ُِّرُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾ يعني: بالصّحيفة فيها
٦٥٦٢
النّصيحة، ﴿وَأَنَاْ أَعْلَمُ ٦٥٦٣) بِمَآ أَخْفَيْتُمْ﴾ يعني: بما أَسْررتم في أنفسكم مِن المودّة
مَرْضَاتِ﴾
٦٥٥٩] ذَكَرَ ابنُ جرير (٥٥٩/٢٢)، وابنُ عطية (٢٧٦/٨)، وابنُ تيمية (٢٨٣/٦)، وابنُ
كثير (٥٠٦/١٣) أنّ سبب نزول هذه الآية: قصة حاطِب بن أبي بَلْتَعة.
وقال ابنُ تيمية (٢٨٤/٦): ((هذه القصة مما اتفق أهل العلم على صحّتها، وهي متواترة
عندهم، معروفة عند علماء التفسير، وعلماء الحديث، وعلماء المغازي والسِّير والتواريخ،
وعلماء الفقه، وغير هؤلاء، وكان علي نظّه يحدِّث بهذا الحديث في خلافته بعد الفتنة،
وروى ذلك عنه كاتبُه عبد الله بن أبي رافع ليُبيّن [لهم] أنّ السابقين مغفور لهم، ولو جرى
منهم ما جرى)).
٦٥٦٠] قال ابنُ عطية (٢٧٦/٨): ((العدُوّ: اسم يقع للجمع والمفرد، والمراد به هاهنا:
كفار قريش)).
٦٥٦١] قال ابنُ جرير (٥٥٧/٢٢): ((دخول الباء في قوله: ﴿بِالْمَوَدَّةِ﴾ وسقوطها سواء، نظير
قول القائل: أريد بأن تذهب، وأريد أن تذهب. سواء، وكقوله: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ
بِظُلْمِ﴾ [الحج: ٢٥] والمعنى: ومن يرد فيه إلحادًا بظلم)).
وبنحوه قال ابنُ عطية (٢٧٧/٨).
[٦٥٦٢] قال ابنُ عطية (٢٧٨/٨): ((قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُمْ﴾ شرط، جوابه متقدم في معنى ما
قبله، وجاز ذلك لِما لم يظهر عمل الشرط، والتقدير: إن كنتم خرجتم جهادًا في سبيلي،
وابتغاء مرضاتي؛ فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء)).
وبنحوه قال ابنُ جرير (٥٥٨/٢٢).
[٦٥٦٣] قال ابنُ عطية (٢٧٨/٨): ((قوله تعالى: ﴿أَعْلَمُ﴾ يحتمل أن يكون: أَفْعَل، ويحتمل ==
(١) تفسير مقاتل بن سليمان ٢٩٧/٤ - ٢٩٩.

سُورَةُ المُسْتَحِنَّةِ (١)
: ٥٤٢ ٠
فَوْسُ عَبْ التَّفْسِيَةُ المَاتُور
والولاية، ﴿وَمَآ أَعْلَئْتُمْ﴾ لهم من الولاية، ﴿وَمَنْ يَفْعَلَهُ مِنْكُمْ﴾ يعني: ومَن يُسرّ بالمودّة
إلى الكفار ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ﴾ يقول: فقد أخطا قَصْد طريق الهُدى(١). (ز)
٤ آثار متعلقة بالآية:
٧٦٤٤٣ - عن عمر بن الخطاب - من طريق ابن عباس - قال: كَتب حاطِب بن أبي
بَلْتَعة إلى المشركين بكتاب، فجيء به إلى النبيِّ وَّةِ، فقال: ((يا حاطِب، ما دعاك إلى
ما صنعتَ؟)). قال: يا رسول الله، كان أهلي فيهم، فخَشيتُ أن يَصرِموا عليهم.
فقلتُ: أكتب كتابًا لا يضرّ الله ورسوله. فقلتُ: أَضرب عُنُقه، يا رسول الله؟ فقد
كفر. فقال: ((وما يدريك - يا ابن الخطاب - أن يكون اللهُ اطّلع على أهل هذه
العصابة مِن أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرتُ لكم)) (٢). (١٤ /٤٠٥)
٧٦٤٤٤ - عن جابر - من طريق أبي الزّبير -: أنّ حاطِب بن أبي بَلْتَعة كَتب إلى أهل
مكةٍ يَذْكُر أَنَّ النِبِيَّ وَّهِ أراد غَزوهم، فدُلَّ النبيُّ وََّ على المرأة التي معها الكتاب،
فأرسل إليها، فأُخذ كتابها من رأسها، فقال: ((يا حَاطِب، أفعلتَ؟)). قال: نعم، أمَا
إني لم أفعل غِشَّا لرسول الله وَّه ولا نِفاقًا، قد علمتُ أنّ الله مُظهِرٌ رسولَه ومُتِمٍّ له،
غير أني كنتُ غريبًا بين ظهرانيهم، وكانت والدتي معهم، فأردتُ أنْ أَتّخذ بها
عندهم. فقال له عمر: ألا أضربُ رأس هذا؟ قال: ((أتقتل رجلًا مِن أهل بدر؟! وما
يدريك لعلّ الله قد اطّلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم))(٣). (١٤ / ٤٠٨)
== أنْ يكون فِعْلًا؛ لأنك تقول: علمت بكذا. فتدخل الباء)).
(١) تفسير مقاتل بن سليمان ٢٩٩/٤.
(٢) أخرجه البزار (١٩٧)، والحاكم ٤/ ٨٧ (٦٩٦٦)، من طريق عكرمة بن عمار، عن أبي زميل، عن ابن
عباس، عن عمر بن الخطاب به.
قال الحاكم: ((هذا حديث صحيح، على شرط مسلم، ولم يخرجاه هكذا، إنما اتفقا على حديث عبد الله بن
أبي رافع ◌َُله، عن علي: بعثني رسول الله وَّه وأبا مَرثد والزبير إلى روضة خَاخ. بغير هذا اللفظ)). ووافقه
الذهبي في التلخيص. وقال الهيثمي في المجمع ٣٠٣/٩ - ٣٠٤ (١٥٦٦٢): ((رواه أبو يعلى في الكبير،
والبزار، والطبراني في الأوسط باختصار، ورجالهم رجال الصحيح)). وقال البوصيري في إتحاف الخيرة
المهرة ٢٦٧/٧ (٦٨٢٣): ((سند صحيح)). وقال ابن حجر في المطالب العالية ٣٥١/١٥ (٣٧٥٦): ((إسناده
صحيح)).
(٣) أخرجه أحمد ٩١/٢٣ (١٤٧٧٤)، وابن حبان ١٢١/١١ - ١٢٢ (٤٧٩٧)، من طريق الليث بن سعد،
عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله به.
قال ابن كثير في البداية والنهاية ٥٢٤/٦: ((تفرد بهذا الحديث من هذا الوجه الإمام أحمد، وإسناده على =

فَوْسُورَة التَّقْسِيَةُ المَاتُور
٥ ٥٤٣ :
سُورَةُ الْمُمَتَحَنَّةِ (١)
٧٦٤٤٥ - عن جابر: أنّ عبدًا لِحاطِب بن أبي بَلْتَعة جاء إلى رسول الله وَّ ليشتكي
حاطِبًا، فقال: يا رسول الله، ليَدخُلَنّ حاطِبٌ النارَ. فقال رسول الله وَلَه: ((كذبتَ،
لا يدخلها؛ فإنه قد شهد بدرًا والحُدَيبية)) (١). (١٤ / ٤٠٨)
٧٦٤٤٦ - عن عبد الله بن عباس - من طريق أبي صالح - قال: أَقبلتْ سارة مولاة
أبي عمرو بن صيفيّ بن هاشم بن عبد منافٍ من مكة إلى المدينة المنورة،
ورسول الله وَل﴿ يَتجهّز لفتح مكة، فلمّا رآها رسول الله وَله قال: ((ما لِكِ، يا سارة؟
أُمسلمةٌ جئتٍ؟)) قالت: لا. قال: ((أفمُهاجِرةٌ جئتٍ؟)) قالت: لا. قال: ((فما
حاجتك؟)). قالت: كنتم الأصل والموالي والعشيرة، وقد ذهب موالِيَّ، وقد احتجتُ
حاجة شديدةً، فَقدمتُ عليكم لتكسُوني، وتُنفقوا عَلَيّ، وتَحملوني. فقال النبي ◌ِّ:
(فأين أنتِ من شباب أهل مكة)) - وكانت امرأة مُغنّية نَائحة -، فقالت: يا محمد، ما
طلب أحدٌ منهم شيئًا منذ كانت وقعة بدر. قال: فحثّ عليها رسول الله وَله بني
عبد المُطّلب وبني هاشم، فكَسَوها، وأعطوها نفقة، وحملوها، فلما أرادت الخروج
إلى مكة أتاها حاطِب بن أبي بَلْتَعة - رجل من أهل اليمن، حَليف للزّبير بن العوام -،
فجعل لها جُعلًا على أن تُبلغ كتابه. إلى آخر الحديث (٢) ٦٥٦٤]. (ز)
﴿إِن يَثْقَفُوَكُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَاءَ وَيَبْسُطُوَاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَنَهُم بِالسُّوْءِ وَوَدُواْ لَوْ تَكْفُرُونَ
٧٦٤٤٧ - قال مقاتل بن سليمان: ثم أخبر المؤمنين بعداوة كفار مكة إياهم، فقال:
[٦٥٦٤] قال ابنُ كثير (٥١١/١٣): ((قال تعالى: ﴿لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ
اُلْمُؤْمِنِنَّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ الَِّ فِى شَىْءٍ إِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَنَّةٌ وَيُعَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَةٌ﴾
[آل عمران: ٢٨]، ولهذا قَبِلَ رسول الله وَّ عُذْرَ حَاطِب، لما ذَكر أنه إنما فعل ذلك مصانعة
لقريش لأجل ما كان له عندهم من الأموال والأولاد)).
= شرط مسلم)). وقال الهيثمي في المجمع ٣٠٣/٩ (١٥٦٦٠): ((رجال أحمد رجال الصحيح)). وقال
البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة ٢٦٧/٧ - ٢٦٨ (٦٨٢٤): ((سند صحيح)).
(١) أخرجه مسلم ١٩٤٢/٤ (٢٤٩٥)، والثعلبي ٩/ ٢٩٢.
(٢) أخرجه الهذيل بن حبيب - كما في مقاتل بن سليمان ٢٩٩/٤ - ٣٠٠ -، من طريق الكلبي، عن أبي
صالح، عن ابن عباس به.
إسناده ضعيف جدًّا. وينظر: مقدمة الموسوعة.

سُورَةُ المُمَتَحَنَّةِ (٣ - ٤)
& ٥٤٤ %=
مُوَسُوعَة التَّقَسَّةُ الْخَاشُور
﴿إِن يَتْقَفُوكُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَاءَ﴾ يقول: إن يَظهروا عليكم وأنتم على دينكم الإسلام
مُفارقين لهم، ﴿وَيَبْسُطُوَاْ إِلَيْكُمْ أَبْدِيَهُمْ﴾ بالقتْل، ﴿وَأَلْسِنَهُم بِالسُّوءِ﴾ يعني: الشَّتم، ﴿وَوَدُواْ
لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ إن ظهروا عليكم، يعني: أن تَرجعوا إلى دينهم (١). (ز)
٣
﴿لَنْ تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَئُكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
٧٦٤٤٨ - قال مقاتل بن سليمان: فإن فعلتم ذلك ﴿لَن تَنَفَعَكُمْ﴾ يعني: لا تغني عنكم
﴿أَرْحَامُّكُمْ﴾ يعني: أقرباءكم، ﴿وَلَا أَوْلَئُكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ بالعدل، ﴿وَاللَّهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ به(٢). (ز)
﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَّةُ حَسَنَةٌ فِىَّ إِنَزَهِيمَ وَلَّذِينَ مَعَهُ: إِذْ قَالُوْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاؤُاْ مِنَكُمْ وَمِمَّا
تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَوَةُ وَالْبَغْضَآءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾
نزول الآية :
٧٦٤٤٩ - قال علي بن أبي طالب: لَمّا أنزل الله رَ خَبَرًا عن إبراهيم عليَّلِ قال
لأبيه: ﴿سَلَمُّ عَلَيَكْ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِىّ﴾ [مريم: ٤٧] سمعتُ رجلًا يستغفر لوالديه وهما
مشركان، فقلت له: تستغفر لهما وهما مشركان؟! فقال: أوَلَم يستغفر إبراهيمُ لأبيه؟!
فأتيت النبيَّ وَّهِ، فذكرت ذلك له؛ فأنزل الله رَّ: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ فِىّ
إِبَرَهِيمَ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَهِيَمَ لِأَبِهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾(٣). (ز)
تفسير الآية:
٧٦٤٥٠ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ فِىَ إِنََّهِيمَ وَاُلَّذِيْنَ مَعَهُ﴾
من المؤمنين؛ ﴿إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَؤُأْ مِنكُمْ وَمِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ من الآلهة،
(١﴾ يعني: وظهر ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَوَةُ
٦٥٦٥
يقول: تبرّأنا منكم
٦٥٦٥
قال ابنُ عطية (٨/ ٢٨٠): «قوله: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ أي: كذبناكم في أقوالكم، ولم نؤمن ==
(١) تفسير مقاتل بن سليمان ٣٠٠/٤.
(٣) تفسير البغوي ٤/ ١٠١.
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان ٤/ ٣٠٠.

فَوْسُبَةُ التَّقْسِي المَاتُور
سُورَةُ الْمُمَتَحَنَّةِ (٤)
& ٥٤٥ %=
وَالْبَغْضَآءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ يعني: تُصدّقوا بالله وحده(١). (ز)
٧٦٤٥١ - عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم - من طريق ابن وهب - في قول الله ريج :
﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ ٦٥٦٦] حَسَنَةٌ فِىِّ إِبْرَاهِيمَ وَاُلَّذِيْنَ مَعَهُ﴾، قال: الذين معه:
(٢)٦٥٦٧]
الأنبياء (٢) ٦٥٦٧]. (ز)
﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَهِيَمَ لِأَبِيِهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ
◌َبََّا عَلَيْكَ تَوَّنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ
٤
٧٦٤٥٢ - عن عبد الله بن عباس - من طريق مجاهد - في قول الله: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبَهِيمَ
لِأَبِهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾: نُهوا أن يتأسّوا باستغفار إبراهيم لأبيه (٣). (١٤ / ٤١٠)
٧٦٤٥٣ - عن مجاهد بن جبر - من طريق ابن أبي نجيح - ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرِهِيَمَ لِأَبِهِ﴾،
قال: نُهوا أن يتأسّوا باستغفار إبراهيم لأبيه، فيستغفروا للمشركين (٤). (٤٠٩/١٤)
== بشيء منها. ونظير هذا قوله ظلّل« حكاية عن قول الله رَجَ: ((فهو مُؤمِن بي، کافِرٌ بالكوكب))).
٦٥٦٦] قال ابنُ عطية (٢٧٩/٨): ((هذه الأسوة مقيّدة في التبرّي مِن الإشراك، وهو مُطَّرد في
كلِّ ملَّة، وفي نبيّنا وَّ أُسوة حسنة على الإطلاق؛ لأنها في العقائد، وفي أحكام الشرع
كلّها)).
[٦٥٦٧] اختُلِف في المراد بقوله تعالى: ﴿وَأَِّينَ مَعَهُ﴾ على قولين: الأول: أنهم أتباع الخليل
إبراهيم الذين آمنوا معه. وهذا قول مقاتل. والثاني: أنهم الأنبياء الذين كانوا في
عصره ◌ُلَّلاَّ وقريبًا من عصره. وهذا قول ابن زيد.
وذَهَبَ ابنُ كثير (٥١٣/١٣) إلى القول الأول. ولم يذكر مستندًا .
وذَهَبَ ابنُ جرير (٥٦٦/٢٢) إلى القول الثاني استنادًا إلى أثر ابن زيد.
وهو ما رجَّحَه ابنُ عطية أيضًا استنادًا إلى السُّنَّة، والتاريخ، فقال (٢٧٩/٨): ((وهذا القول
أرجح؛ لأنه لم يُروَ أنّ إبراهيم كان له أتباع مؤمنون في مكافحته نمروذ، وفي البخاري أنه
قال لسارة حين رحل بها إلى الشام مهاجرًا من بلد النمرود: ما على الأرض مَن يعبد الله
غيري وغيرك)).
(١) تفسير مقاتل بن سليمان ٤/ ٣٠٠.
(٢) أخرجه ابن جرير ٢٢ / ٥٦٦.
(٣) أخرجه الحاكم ٢/ ٤٨٥. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
(٤) تفسير مجاهد ص ٦٥٥، وأخرجه ابن جرير ٢٢/ ٥٦٧. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.

سُورَةُ المُمَتَحْنَةِ (٥)
٥٤٦ ٥
مُؤْسُورَبْ التَّفْسَِّةُ الْجَاتُوز
٧٦٤٥٤ - عن مجاهد بن جبر - من طريق مُطرِّف الحارثيّ - ﴿أُسْوَةُ حَسَنَةٌ فِىِّ إِبَهِيمَ﴾
إلى قوله: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾، يقول: في كلّ أمْره أُسوة، إلا الاستغفار لأبيه (١). (ز)
٧٦٤٥٥ - عن قتادة بن دعامة - من طريق سعيد - قال: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرِهِيَمَ لِأَبِهِ
لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ قال: يقول: فلا تأَسَّوْا في ذلك؛ فإنها كانت موعدة وعدها
إيّاه(٢). (١٤ / ٤٠٩)
٧٦٤٥٦ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَهِيَمَ لِأَبِهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾، يقول الله:
تَبَرّؤوا مِن كفار قومكم؛ فقد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم ومَن معه مِن
المؤمنين في البراءة مِن قومهم، وليس لكم أسوة حسنة في الاستغفار للمشركين،
يقول إبراهيم: لَأَستغفرنّ لك، وإنما كانت موعدة وعدها أبو إبراهيم إيّاه أنه يؤمن،
فلمّا تبيّن له عند موته أنه عدوٌّ لله تبرّأ منه حين مات على الشّرك، وحُجب عنه
الاستغفار، ثم قال إبراهيم: ﴿وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَىْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ نَوَّنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا
وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾(٣). (ز)
٧٦٤٥٧ - عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم - من طريق ابن وهب - في قول الله ريات :
﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبَهِيَمَ لِأَبِهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾، قال:
يقول: ليس لكم في هذا أُسوة(٤). (ز)
﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ وَأَغْفِرْ لَنَا رَبَّنَاْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
قراءات:
٧٦٤٥٨ - في قراءة عبد الله بن مسعود: (إِنَّكَ أَنتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)(٥). (ز)
تفسير الآية:
٧٦٤٥٩ - عن عبد الله بن عباس - من طريق عطية - في قوله: ﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ
(١) أخرجه ابن جرير ٢٢ / ٥٦٧.
(٢) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٢٨٧ من طريق معمر، وابن جرير ٢٢/ ٥٦٨ بنحوه، ومن طريق معمر أيضًا.
وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
(٣) تفسير مقاتل بن سليمان ٤/ ٣٠٠ - ٣٠١.
(٥) تفسير مقاتل بن سليمان ٣٠٠/٤ - ٣٠١.
وهي قراءة شاذة.
(٤) أخرجه ابن جرير ٢٢ / ٥٦٨.

فَوْسُونَبِ التَّقْسِيَة المَاتُور
سُورَةُ الْمُسَتَحْنَةِ (٥)
٥ ٥٤٧
كَفَرُواْ﴾، يقول: لا تُسلّطهم علينا فيَفتِنونا (٦٥٦٨٢١. (١٤ / ٤١٠)
٧٦٤٦٠ - عن عبد الله بن عباس - من طريق مجاهد - قوله: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ
كَفَرُواْ﴾: لا تُعذِّبنا بأيديهم، ولا بعذاب مِن عندك، فيقولون: لو كان هؤلاء على
الحقِّ ما أصابهم هذا (٢). (١٤/ ٤١٠)
٧٦٤٦١ - عن مجاهد بن جبر - من طريق ابن أبي نجيح - في قوله: ﴿رَبَّا لَا تَجْعَلْنَا
فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، قال: لا تُعذّبنا بأيديهم، ولا بعذابٍ مِن عندك؛ فيقولوا: لو كان
هؤلاء على حقّ ما أصابهم هذا(٣). (١٤ / ٤٠٩)
٧٦٤٦٢ - عن قتادة بن دعامة - من طريق سعيد - قال: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ
كَفَرُواْ﴾، يقول: لا تُظْهِرْهم علينا؛ فيُفتَنوا بذلك، يَرون أنهم إنما ظهروا أنهم أولى
بالحقّ مِنّا (٤) ٦٥٦٩. (١٤ / ٤٠٩)
٧٦٤٦٣ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ تُقتِّر علينا بالرّزق،
وتَبسط لهم في الرّزق، فنحتاج إليهم؛ فيكون ذلك فِتنة لنا، ﴿وَأَغْفِرْ لَنَا رَبٌَّ إِنَّكَ أَنْتَ
اٌلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ... ، نظيرها في آخر المائدة(٥)(٦). (ز)
عَلَّقَ ابنُ عطية (٢٨١/٨) على قول ابن عباس، فقال: ((كأنه قال: لا تجعلنا
٦٥٦٨
مفتونين. فعبّر عن ذلك بالمصدر)). ثم رَجَّحَ هذا القول، وانتقد قول قتادة استنادًا للدلالة
العقلية، والنظير، فقال: ((وهذا أرجح الأقوال؛ لأنّهم إنما دَعوا لأنفسهم، وعلى منحى
قتادة إنما دَعوا للكفار. أما إن مقصدهم إنما هو أن يندفع عنهم ظهور الكفار الذي بسببه
فُتِن الكفار، فجاء في المعنى تحليق بليغ، ونحوه قول النبي ◌َّ: ((بئس الميت سعد))
ليهود؛ لأنهم يقولون: لو كان محمد نبيًّا لم يمت صاحبه)).
[٦٥٦٩ ذهب ابنُ جرير (٢٢/ ٥٦٩) - مستندًا إلى أقوال السلف - إلى مثل ما ذهب إليه قتادة
في تفسير قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾.
(١) أخرجه ابن جرير ٢٢/ ٥٦٩ بنحوه، وابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٤٧ - وعزاه السيوطي إلى ابن
المنذر .
(٢) أخرجه الحاكم ٢/ ٤٨٥. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
(٣) تفسير مجاهد ص ٦٥٥، وأخرجه عبد بن حميد - كما في التغليق ٣٣٨/٤، والفتح ٦٣٣/٨ -، وابن
جرير ٢٢ /٥٦٩.
(٤) أخرجه ابن جرير ٥٦٩/٢٢. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
(٥) يشير إلى قوله تعالى: ﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإَِهُمْ عِبَادٌُّ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ اُلْعَزِبِزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨].
(٦) تفسير مقاتل بن سليمان ٣٠٠/٤ - ٣٠١.

سُورَةُ المُمْتَحَنَةِ (٦ - ٧)
٥ ٥٤٨ %
مُؤْسُوعَة التَّفْسِيَةُ المَاتُور
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيِهِمْ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرِ
وَمَن يَنَوَّلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ
٧٦٤٦٤ - عن عبد الله بن عباس - من طريق سعيد بن جُبَير - ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيِهِمْ أُسْوَةٌ
حَسَنَةٌ﴾، قال: في صُنع إبراهيم كلّه، إلا في الاستغفار لأبيه، لا يُستَغفر له وهو
مشرك (١). (١٤ / ٤١٠)
٧٦٤٦٥ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِهِمْ﴾ يعني: في إبراهيم والذين معه
﴿أُسَوَةُ حَسَنَةٌ﴾ في الاقتداء بهم ﴿لَّمَن كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾ يقول: لِمَن كان
يخشى الله، ويخشى البعث الذي فيه جزاء الأعمال، ﴿وَمَن يَنَوَلَّ﴾ يقول: ومَن يُعْرِض
عن الحقّ ﴿فَإِنَّ اللَّ هُوَ الْغَنِىُّ﴾ عن عباده، ﴿الْحَيِّدُ﴾ في سلطانه عنه خلْقه(٢). (ز)
٧
﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
نزول الآية :
٧٦٤٦٦ - عن أبي هريرة - من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن - قال: أول مَن قاتَل
أهلَ الرّدة على إقامة دين الله أبو سُفيان بن حرب، وفيه نَزَلَتْ هذه الآية: ﴿عَسَى اللَّهُ
أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً ﴾(٣). (٤١١/١٤)
٧٦٤٦٧ - عن عبد الله بن عباس، ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِّنْهُم
قَوَدَّةٌ﴾، قال: نَزَلَتْ في تزويج النبيِّ وَّ ابنتَهِ أُمّ حَبيبة(٤). (١٤/ ٤١١)
٧٦٤٦٨ - عن محمد بن شهاب الزُّهريّ - من طريق عقيل -: أنّ رسول الله وَل
استعمل أبا سُفيان بن حرب على بعض اليمن، فلما قُبض رسول الله وَّ أَقبل فَلَقِيَ
ذا الخِمَار(٥) مُرتدًّا، فقاتَله، فكان أول مَن قاتَل في الرّدة وجاهد عن الدّين. قال ابن
شهاب: وهو فيمن أنزل الله فيه: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ اٌلَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُمْ
(١) أخرجه الحاكم ٢/ ٤٨٥. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم.
(٣) عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان ٣٠١/٤.
(٤) عزاه السيوطي إلى ابن مردويه. والمراد في الأثر: أبو سفيان بن حرب.
(٥) ذا الخمار: هو الأسود العنسي، واسمه عجلة بن كعب، وكان يقال له: ذو الخمار - بالخاء المعجمة -
لأنه كان يخمر وجهه. وقيل: هو اسم شيطانه. فتح الباري ٩٣/٨.

فَوْسُبَة التَّفْسَةُ الْحَانُون
: ٥٤٩ %=
سُورَةُ الْمُمَتَحَنَّةِ (٧)
قَوَدَّةٌ﴾(١). (١٤ / ٤١٠)
٧٦٤٦٩ - عن مقاتل [بن حيان]، في قوله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ
مِنْهُمْ قَوَدَّةً﴾، قال: نَزَلَتْ في أبي سُفيان، تَزوّج النبيُّ ◌َّ ابنتَهِ أُمّ حَبيبة، فكانت هذه
مودّة بينه وبينه(٢). (١٤ / ٤١١)
٧٦٤٧٠ - قال مقاتل بن سليمان: وذلك أنّ الله تعالى حين أَخبَر المؤمنين بعداوة
كفار مكة والبراءة منهم، وذَكر لهم فِعْل إبراهيم والذين معه في البَراءة مِن قومهم؛
فلما أَخبَر ذلك عادوا أقرباءهم وأرحامهم، وأظهروا لهم العداوة، وعلِم الله شِدّة
وجْد المؤمنين في ذلك؛ فأنزل الله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم
◌ِنْهُمْ قَوَدَّةٌ﴾ ... (٣)٦٥٧٩]. (ز)
تفسير الآية:
٧٦٤٧١ - عن عبد الله بن عباس - من طريق الكلبي، عن أبي صالح - في قوله:
﴿عَسَى اَللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَدَيْتُمْ مِنْهُم مَّوَّةً﴾، قال: كانت المودّةُ التي جعل اللهُ
بينهم تزويجَ النبيِّ وَّرَ أَمَّ حبيبة بنت أبي سفيان؛ فصارت أم المؤمنين، وصار معاوية
٦٥٧١]. (١٤ / ٤١١)
خال المؤمنين
٧٦٤٧٢ - عن مجاهد - من طريق سفيان بن عُبِينة - في قول الله - تبارك وتعالى -:
﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُمْ قَوَدَّةً﴾، قال: مصاهرة النبي ◌َّ إلى أبي
٦٥٧٠] قَالَ ابن عطية (٨/ ٢٨١ - ٢٨٢): ((رُوي أن هذه الآيات لما نَزَلَتْ، وأزمع المؤمنون
امتثال أمرها، وصَرم حبال الكفرة، وإظهار عداوتهم؛ لحقهم تأسّفٌ على قراباتهم، وهم
مَن أن لم يؤمنوا ولم يهتدوا حتى يكون بينهم الود والتواصل، فنَزلت: ﴿عَسَى اللَّهُ﴾ الآية
مُؤنسةً في ذلك ومُرَجِّيةً أن يقع موقع ذلك بإسلامهم في الفتح، وصار الجميع إخوانًا)).
٦٥٧١] عَلَّقَ ابن عطية (٨/ ٢٨٢) على هذا الأثر بقوله: ((لا يصح ذلك عن ابن عباس إلا أن
يسوقه مثالًا، وإن كان متقدمًا لهذه الآية؛ لأنه استمر بعد الفتح كسائر ما نشأ من
المودّات)).
(١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ١١٥/٨ -.
(٣) تفسير مقاتل بن سليمان ٣٠١/٤ - ٣٠٢.
(٢) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
(٤) أخرجه ابن عدي ٢١٢٩/٦، والبيهقي ٤٥٩/٣، وابن عساكر ٢٠٧/٣. وعزاه السيوطي إلى عبد بن
حميد، وابن المنذر، وابن مردويه.

سُورَةُ الْمُمَتَحَنَّةِ (٨)
فَوْسُوعَة التَّفْسِيَةُ الْخَاتُور
سُفيان بن حرب(١). (ز)
٧٦٤٧٣ - عن قتادة بن دعامة - من طريق سعيد - قوله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ يَتْنَكُمْ وَبَيْنَ
الَّذِينَ عَدَيْتُمْ مِنْهُمْ قَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيْرٌ﴾ على ذلك، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ يغفر الذنوب الكثيرة،
(٢)
رحيم بعباده(٢). (ز)
٧٦٤٧٤ - قال مقاتل بن سليمان : ... ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُم
مَوَدَّةٌ﴾ فلمّا أسلم أهل مكة خَالطهم المسلمون، وناكحوهم، وتزوّج النبيُّ وََّ أُمَّ
حبيبة بنتِ أبي سفيان، فهذه المودّة التي ذكر الله تعالى. يقول الله تعالى لنبيّه وَليه:
وَاللَّهُ قَدِيرٌ﴾ على المودّة، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ لذنوب كفار مكة لِمَن تاب منهم وأسلم،
﴿رَحِيمٌ﴾ بهم بعد الإسلام (٣)٦٥٧٢). (ز)
٧٦٤٧٥ - عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم - من طريق ابن وهب - في قوله: ﴿عَسَى
اَللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُمْ قَوَدَّةٌ﴾، قال: هؤلاء المشركون قد فَعل، قد
أَدخَلهم في السِّلم وجعل بينهم مودّة حين كان الإسلام حين الفتح(٤). (ز)
﴿لَا يَنْهَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَئِلُوكُمْ فِ اَلِيْنِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَزِكُمْ أَنْ تَبَرُوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمَّ
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
نزول الآية:
٧٦٤٧٦ - قال عبد الله بن عباس: ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾
٦٥٧٢] انتَقَدَ ابنُ عطية، وابنُ كثير هذا القول استنادًا إلى التاريخ، فقال ابنُ عطية (٨/
٢٨٢): ((مَن ذَكَر أنّ هذه المودة تزويج النبي ◌َّ أُمّ حبيبة بنت أبي سفيان، وأنها كانت بعد
الفتح، فقد أخطأ؛ لأن النبي ◌َ ◌ّ تزوّجها وقت هجرة الحبشة، وهذه الآيات نَزَلَتْ سنة
ثمانٍ من الهجرة)) .
وقال ابنُ كثير (٢١٦/١٣) تعليقًا على أثر مقاتل هذا: ((وفي هذا الذي قاله مقاتل نظر؛ فإنّ
رسول الله وَ﴿ تزوّج بأَمّ حبيبة بنت أبي سفيان قبل الفتح، وأبو سُفيان إنما أسلم ليلة الفتح
بلا خلاف)). ثم بَيَّنَ أنَّ أثر الزُّهريّ - السابق - أحسن منه.
(١) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٤٤٥/٢٣ - ٤٤٦.
(٢) أخرجه ابن جرير ٢٢/ ٥٧١.
(٤) أخرجه ابن جرير ٢٢/ ٥٧٠.
(٣) تفسير مقاتل بن سليمان ٣٠١/٤ - ٣٠٢.

مُؤْسُعَة التَّقْسَِّةُ المَاتُور
سُورَةُ المُمَتَحَنَّةِ (٨)
نَزَلَتْ في خُزاعة، كانوا قد صالَحوا النبيَّ وَّ على أن لا يُقاتلوه ولا يُعِينوا عليه
أحدًا، فرخّص الله في بِرِّهم(١). (ز)
٧٦٤٧٧ - عن أسماء بنت أبي بكر - من طريق عُروة - قالتْ: أَتْني أُمّي راغبة، وهي
مُشركة في عهْد قريش إذا عاهدوا رسول الله وَّه، فسألتُ رسول الله وَلَّ: أَأَصِلُها؟
فأنزل الله: ﴿لَا يَنَهَنَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَِلُوكُمْ فِ اٌلِيْنِ﴾. فقال: ((نعم، صِلي
أُمّكِ))(٢). (١٤ / ٤١٢)
٧٦٤٧٨ - عن عبد الله بن الزّبير - من طريق عامر - قال: قَدمتْ قُتَيْلة ابنة عبد العُزّى
على ابنتها أسماء بنت أبي بكر بهدايا؛ ضِباب، وأَقِطِ، وسمْن، وهي مُشركة، فأبتْ
أسماءُ أن تَقبل هدّيتها، أو تُدخلها بيتها، حتى أرسلتْ إلى عائشة: أن سَلِي عن هذا
رسول الله وَّه. فسأَلتْه؛ فأنزل الله: ﴿لَا يَنْهَكُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ فِ اُلِدِينِ﴾ إلى
آخر الآية. فأمَرها أن تَقبل هديّتها، وتُدخلها بيتها(٣). (١٤ /٤١٢)
٧٦٤٧٩ - قال مُرّة الهَمداني =
٧٦٤٨٠ - وعطية بن سعد العَوفيّ: ﴿لَا يَنْهَنَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ فِ اُلِدِينِ﴾ نَزَلَتْ
في قوم مِن بني هاشم، منهم العبّاس بن عبد المطلب(٤). (ز)
٧٦٤٨١ - قال الحسن البصري: وكان هذا قبل أن يُؤمَر بقتال المشركين كافّة، كان
المسلمون قبل أن يؤمر بقتالهم استشاروا النبيَّ في قرابتهم مِن المشركين أن يصِلوهم
ويبرّوهم؛ فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمَّ﴾(٥). (ز)
٧٦٤٨٢ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿لَا يَنْهَنَكُمُ اللَّهُ﴾ نَزَلَتْ في خُزاعة؛ منهم هلال بن
(١) أورده الثعلبي ٩/ ٢٩٤، والبغوي في تفسيره ٨ / ٩٥ واللفظ له.
(٢) أخرجه البخاري ١٦٤/٣ (٢٦٢٠)، ١٠٣/٤ (٣١٨٣)، ٤/٨ (٥٩٧٨، ٥٩٧٩)، ومسلم ٢/ ٦٩٦
(١٠٠٣) كلاهما بنحوه.
(٣) أخرجه أحمد ٣٧/٢٦ (١٦١١١)، وابن جرير ٥٧٢/٢٢ - ٥٧٣، من طريق مصعب بن ثابت، عن
عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه به .
وأخرجه الحاكم ٢/ ٥٢٧ (٣٨٠٤)، من طريق مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن جدّه به.
قال الحاكم: ((هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه)). ووافقه الذهبي في التلخيص. وقال الهيثمي في
المجمع ١٥٢/٤ (٦٧٥٠): ((فيه مصعب بن ثابت؛ ضعّفه أحمد وغيره، ووثّقه ابن حبان)). وقال في ٧/
١٢٣ (١١٤١١): ((فيه مصعب بن ثابت، وثّقه ابن حبان، وضعّفه جماعة، وبقية رجاله رجال الصحيح)).
(٤) تفسير الثعلبي ٩/ ٢٩٤.
(٥) ذكره يحيى بن سلام - كما في تفسير ابن أبي زمنين ٤ /٣٧٨ -.

سُورَةُ الْمُسْتَحَنَّةِ (٨)
٥٥٢
مُؤَسُوعَةُ التَّفْسِي الْخَاتُور
عُويمر، وبني خُزيمة، وبني مُدْلِج؛ منهم سُراقة بن مالك، وعبد يزيد بن عبد مَناة،
والحارث بن عبد مَناة(١). (ز)
تفسير الآية:
٧٦٤٨٣ - عن مجاهد بن جبر - من طريق بن أبي نجيح - في قوله: ﴿لَا يَنْهَنَكُمُ اللَّهُ
عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَِلُوكُمْ فِ الدِّينِ﴾، قال: أن تستغفروا لهم، وتَبَرّوهم، وتُقسطوا إليهم، هم
الذين آمنوا بمكة ولم يُهاجِروا(٢). (١٤ / ٤١٣)
٧٦٤٨٤ - قال مقاتل بن سليمان: ثم رخّص في صِلة الذين لم يُناصبوا الحرب
للمسلمين، ولم يُظاهروا عليهم المشركين، فذلك قوله: ﴿لَا يَنَهَنَكُمُ اللَّهُ﴾ عن صِلة
الذين لم يُقاتلوكم في الدّينِ ولم يخرجوكم من مكة من دياركم ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ يقول:
أن تَصِلوهم، ﴿وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمَّ﴾ بالعدل، يعني: تُوفوا إليهم بعهدهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
اٌلْمُقْسِطِينَ﴾ الذين يعدلون بين الناس ... (٣). (ز)
النسخ في الآية:
٧٦٤٨٥ - عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قال الله رَى: ﴿فَإِن
تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدَ ثُمُوهُمٍّ وَلَا نَنَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيَّا وَلَا نَصِيرًا (﴿﴿ إِلَّا الَّذِينَ
يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّتَقُّ﴾ الآية [النساء: ٨٩ - ٩٠]، وقال: ﴿لَا يَنْهَنَكُمُ اللَّهُ عَنِ
الَّذِينَ لَمْ يُقَئِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَزِكُمْ﴾ الآية، ثم نسخ هؤلاء الآيات،
فأنزل الله: ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِ إِلَى الَّذِينَ عَهَدْتُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِذَا اُنْسَلَخَ
اُلْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ١ - ٥]، وأنزل: ﴿وَقَئِلُواْ
الْمُشْرِكِينَ كَفَّةً كَمَا يُقَتِلُونَكُمْ كَافَّةٌ﴾ [التوبة: ٣٦]، قال: ﴿وَإِنْ جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ
فَاجْنَحْ لَا﴾ [الأنفال: ٦١]، ثم نَسخ ذلك هذه الآية: ﴿قَئِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا
بِلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحُرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اَللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٢٩](٤). (ز)
٧٦٤٨٦ - عن عكرمة مولى ابن عباس =
(١) تفسير مقاتل بن سليمان ٣٠٢/٤.
(٢) تفسير مجاهد ص ٦٥٥، وأخرجه ابن جرير ٢٢/ ٥٧٢. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
(٣) تفسير مقاتل بن سليمان ٣٠٢/٤.
(٤) أخرجه أبو إسحاق الفزاري في سيره ص٢٨٩.

مُؤْسُورَةُ التَّقَسَّةُ المَاتُور
سُورَةُ المُسَتَحَنَّةِ (٨)
: ٥٥٣ %
٧٦٤٨٧ - والحسن البصري - من طريق يزيد - قالا: قال: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ
وَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدَ ثُمُوهُمٌّ وَلَا نَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًَّا وَلَا نَصِيرًا ﴿ إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ
بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِِّثَقُّ﴾ إلى قوله: ﴿وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا﴾ [النساء: ٩.
٩١]، وقال في الممتحنة: ﴿لَا يَنْهَنَكُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ فِ اٌلِيْنِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُ مِّن
◌ِيَِّكُمْ أَنْ تَبَرُوهُمْ وَتُقْسِطُوْ إِلَيْهِمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُفْسِطِينَ﴾، وقال فيها: ﴿إِنَّمَا يَنْهَكُمُ اللَّهُ عَنِ
الَّذِينَ قَتَلُوكُمْ فِ اُلِيْنِ وَأَخْرَجُكُم مِّن دِيَرِكُمْ﴾ إلى: ﴿فَأُوْلِكَ هُمْ الَّلِمُونَ﴾، فنسخ هؤلاء
الآيات الأربعة في شأن المشركين، فقال: ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَهَدْتُم مِّنَ
الْمُشْرِكِينَ ﴾ فَسِيحُواْ فِىِ الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَأَعْلَمُوْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِى اللَّهِ وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِى
اُلْكَفِرِينَ﴾ [التوبة: ١ - ٢](١). (ز)
٧٦٤٨٨ - عن قتادة بن دعامة - من طريق معمر -: ﴿لَا يَنَهَنَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَئِلُوكُمْ
فِي الدِّينِ﴾ نَسَخَتْها: ﴿فَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥](٢). (١٤ / ٤١٢)
٧٦٤٨٩ - قال محمد بن شهاب الزُّهريّ: قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَنَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ
يُقَِلُوكُمْ فِ اٌلِيْنِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَزِكُمْ أَن تَبَرُوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَهِمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُفْسِطِينَ ﴿ إِنََّا
يَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَلُوكُمْ فِ اٌلِّينِ وَأَخْرَجُرُكُم مِّن دِيَرِكُمْ وَظَهَرُواْ عَلَى إِخْرَاِكُمْ أَنْ تَوَلَّوَّهُمْ وَمَن
يَنَوَُّمْ فَأُوْلَكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٨ -٩] نُسختْ، فقال تعالى: ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ
وَرَسُولِ إِلَى الَّذِينَ عَهَدْتُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ فَسِيحُواْ فِى الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَأَعْلَمُوْ أَنَّكُمْ غَيْرُ
مُعْجِى اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْرِى الْكَفِرِينَ﴾ [التوبة: ١ - ٢]، فجعل لهم أجلًا أربعة أشهر يَسيحون
في الأرض، ﴿فَإِذَا اُنْسَلَخَ اٌلْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَأَحْصُرُوهُمْ
وَأَقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ فَخَلُواْ سَبِيلَهُمَّ إِنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥]، وقال رَّ: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ أُسْتَجَارَكَ فَأَجِرُهُ حَتَّى يَسْمَعَ
كَمَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦](٣). (ز)
٧٦٤٩٠ - عن زيد بن أسلم - من طريق القاسم - أنه قال: قال في سورة النساء
[٩٠]: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّبِثَقُّ أَوْ جَاءُوَكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ
يُقَئِلُكُمْ أَوْ يُقَئِلُواْ قَوْمَّهُمَّ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَسَلَّطَّهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَلُوَّكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَِّلُوكُمْ
وَأَلْقَوْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾، وقال: ﴿سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ
(١) أخرجه ابن جرير ٢٩٨/٧.
(٢) أخرجه عبد الرزاق ٢٨٧/٢، وابن جرير ٥٧٤/٢٢. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وأبي داود.
(٣) الناسخ والمنسوخ للزهري ص٢٤ - ٢٦.

سُورَةُ الْمُمَتَحَنَّةِ (٨)
٥ ٥٥٤ %=
مُؤَسُوعَة التَّفْسِيَةُ الْخَاتُوز
يَأَمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّواْ إِلَى الْفِتْنَةِ أُزَكِسُواْ فِيَهَّا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُ السَّلَمَ
وَيَكُفُواْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَأَقْنُلُوهُمْ حَيْثُ تَقِفْتُمُوهُمَّ وَأُوْلَّكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا
مُّبِينًا﴾ [النساء: ٩١]، وقال في سورة الممتحنة: ﴿لَا يَنْهَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ فِي
اُلِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَزِكُمْ أَن تَبُوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُفْسِطِينَ﴾، ثم قال فيها:
﴿إِنَّا يَنْهَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَلُوكُمْ فِ اٌلِيْنِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَرِكُمْ وَظَهَرُواْ عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَوْهُمَّ
وَمَن يَنَوَّمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾، فنَسخ هؤلاء الآيات في شأن المشركين، فقال:
﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِ إِلَى الَّذِينَ عَهَدْتُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ فَسِيحُواْ فِىِ الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ
وَأَعْلَمُوَأْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِرِى اَللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْرِى الْكَفِرِينَ﴾ [التوبة: ١ - ٢]، فجَعل لهم أجلاً
أربعة أشهر يَسيحون فيها، وأَبطل ما كان قبل ذلك، ثم قال في الآية التي تليها :
﴿فَإِذَا اُنْسَلَخَ الْأَشَّهُرُ الْحُرُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَأَحْصُرُوهُمْ وَأَفْعُدُواْ لَهُمْ
كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥]، ثم نسخ واستثنى: ﴿فَإِنِ تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَوَأْ الزَّكَوَةَ
فَخَلُواْ سَبِيلَهُمَّ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥]، وقال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ
فَأَجِرُهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦](١). (ز)
٧٦٤٩١ - عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم - من طريق ابن وهب - في قوله تعالى:
﴿لَا يَنْهَنَكُمُ اللَّهُ﴾ الآية، فقال: هذا قد نُسخ، نَسَخه القتال، أُمروا أن يَرجعوا إليهم
بالسيوف، ويُجاهدوهم بها، يضربونهم، وضرب الله لهم أَجل أربعة أشهر؛ إمّا
. (ز)
(٢) ٦٥٧٣]
المُذابحة، وإمّا الإسلام
٦٥٧٣] اختُلِف في الذين عُنُوا بهذه الآية، واختُلِف أيضًا في نسخها، على أقوال لخَّصَهَا ابنُ
عطية (٢٨٢/٨ بتصرف)، فقال: ((اختلف الناس في هؤلاء الذين لم يُنْهَ عنهم أن يُبَرُّوا مَن
هم؟ فقال مجاهد: هم المؤمنون من أهل مكة الذين آمنوا ولم يُهاجروا، وكانوا لذلك في
رتبة سُوء لترْكهم فرض الهجرة. وقال آخرون: أراد المؤمنين التاركين للهجرة كانوا من أهل
مكة ومن غيرها. وقال الحسن، وأبو صالح: أراد خُزاعة، وبني الحارث بن كعب، وقبائل
من العرب كفار، إلا أنهم كانوا مُظاهرين للنبي وَّ مُحبّين فيه وفي ظهوره، ومنهم كنانة،
وبنو الحارث بن عبد مناة، ومُزينة. وقال قوم: أراد مِن كفار قريش مَن لم يُقاتل، ولا
أَخرج، ولا أَظهر سوءًا. وعلى هذين القولين فالآية منسوخة بالقتال. وقال عبد الله بن
الزبير: أراد النساء، والصبيان مِن الكفرة. وقال: إن الآية نَزَلَتْ بسبب أُمّ أسماء حين ==
(١) أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع - تفسير القرآن ٣/ ٧٠ - ٧٢ (١٥٨).
(٢) أخرجه ابن جرير ٢٢/ ٥٧٣.

فَوَسُوعَة التَّقَنِي المَاتُور
& ٥٥٥ %=
سُورَةُ الْمُمَتَحَنَّةِ (٩)
﴿إِنَّا يَتْهَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَلُوكُمْ فِ اُلِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَرِكُمْ وَظَهَرُواْ عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمَّ
وَمَنْ يَنَوَُّمْ فَأُوْلَكَ هُمُ الَّلِمُونَ
٩
٧٦٤٩٢ - عن مجاهد بن جبر - من طريق ابن أبي نجيح - في قوله: ﴿إِنََّا يَنْهَكُمُ اللَّهُ
عَنِ الَّذِينَ قَتَلُوكُمْ فِ الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِّن دِيَرِكُمْ﴾، قال: كفار أهل مكة(١). (١٤ / ٤١٣)
٧٦٤٩٣ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿إِنََّا يَتْهَكُمُ اللَّهُ﴾ عن صِلة ﴿الَّذِينَ قَلُوَّكُمْ فِ الدِّينِ
وَأَخْرَجُرُكُم مِّن دِيَرِكُمْ﴾ يعني: كفار مكة أَخرَجوا النبيَّ ◌َّه وأصحابه مِن مكة كراهية
الإسلام، ﴿وَظَهَرُواْ﴾ يقول: وعاوَنوا المشركين على إخراجكم؛ ﴿أَن تَوَلَّوْهُمَّ﴾ بأن
تُوالوهم، ﴿وَمَن يَنَوَلَّمْ﴾ منكم ﴿فَأُوْلَكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٢) ٦٥٧٤]. (ز)
== استأذنت النبي ◌َّ في بِرّها وصِلتها فأذن لها. وقال أبو جعفر ابن النحاس، والثعلبي: أراد
المستضعفين مِن المؤمنين الذين لم يستطيعوا الهجرة. وهذا قول ضعيف. وقال مُرَّة
الهمداني، وعطية العَوفيّ: نَزَلَتْ في قوم من بني هاشم، منهم العبّاس ◌َُّه. وقال قتادة:
نسخَتْها: ﴿فَأَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدِتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥])).
وذَهَبَ ابنُ جرير (٥٧٤/٢٢) إلى العموم في الآية، وانتقد القول بالنسخ فيها - استنادًا إلى
عموم لفظ الآية، وأقوال السلف -، فقال: ((أولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ مَن قال:
عُني بذلك: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين مِن جميع أصناف الملل
والأديان أن تبرُّوهم وتَصِلوهم، وتُقْسِطوا إليهم. إنّ الله رَ عمَّ بقوله: ﴿ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ فِي
اُلِدِينِ وَلَ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَزِّكُمْ﴾ جميع مَن كان ذلك صفته، فلم يَخْصُص به بعضًا دون بعض)).
ثم قال: ((ولا معنى لقول مَن قال: ذلك منسوخ. لأنّ برَّ المؤمنِ مِن أهل الحرب ممن بينه
وبينه قرابة نسب، أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولا نسب غيرُ محرَّم، ولا مَنهي عنه، إذا لم
يكن في ذلك دلالة له أو لأهل الحرب على عورةٍ لأهل الإسلام، أو تقويةٌ لهم بكُراعٍ أو
سلاح. وقد بيَّن صحةَ ما قلنا في ذلك الخبرُ الذي ذكرناه عن ابن الزبير في قصة أسماء
وأمّها)).
[٦٥٧٤] قال ابنُ عطية (٢٨٣/٨): ((الذين قاتلوا في الدّين وأَخْرَجوا: هم مَرَدة قريش)).
وقال ابنُ القيم (١٤٩/٣): ((الله سبحانه لمّا نهى في أول السورة عن اتخاذ المسلمين
الكفار أولياء، وقطع المودة بينهم وبينهم؛ تَوهَّم بعضُهم أنّ برَّهم والإحسان إليهم من ==
(١) تفسير مجاهد ص ٦٥٥، وأخرجه ابن جرير ٥٧٥/٢٢. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان ٣٠٢/٤.

سُورَةُ المُسْتَحَنَّةِ (١٠)
مَوَسُوعَة التَّفْسِيَةُ الْخَاتُور
﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَثُ مُهَجِرَتِ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنِنٌّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ
مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَ هُمْ يَحِلُونَ لَهُنٍّ وَءَاتُهُم مَّا أَنَفَقُواْ وَلَا جُنَاحَ
عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا ءَانَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَافِ وَسْئَلُواْ مَآ أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُواْ مَآ
أَنْفَقُواْ ذَلِكُمْ حُكُمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْتَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
١٠
نزول الآية :
٧٦٤٩٤ - عن عبد الله بن عباس، قال: خرج سُهيل بن عمرو، فقال رجل من
أصحابه: يا رسول الله، أَلسْنا على حقّ، وهم على باطل؟ قال: ((بلى)). قال: فما
لنا مَن أَسلم منهم رُدّ إليهم، ومَن اتّبعهم منا نردُّه إليهم؟ قال: ((أمّا مَن أَسلم منهم
فعَرف الله منه الصِّدق أنجاه، ومَن رجع منّا سلّم الله منه)). قال: ونزلتْ سورةُ
الممتحنة بعد ذلك الصُّلح، وكانت مَن أَسلم مِن نسائهم فسُئلت: ما أخرجكِ؟ فإنْ
كانتْ خَرجتْ فرارًا مِن زوجها ورغبةً عنه رُدّت، وإن كانتْ خَرجتْ رغبةً في الإسلام
أُمسِكتْ، ورُدّ على زوجها مثل ما أَنفق(١). (٤٢٠/١٤)
٧٦٤٩٥ - عن عبد الله بن عباس - من طريق الكلبي، عن أبي صالح - في قوله
تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَثُ مُهَجِرَتٍ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ﴾، قال: نَزَلَتْ في
سُبَيعة بنت الحارث يوم الحُدَيبية، حلّتْ مُهاجِرة، وزوجها اسمه: مسافر بن
أسلم(٢) . (ز)
٧٦٤٩٦ - عن المِسْوَر بن مَخْرَمة =
٧٦٤٩٧ - ومروان بن الحكم: أنّ رسول الله وَّهَ لَمّا عاهد كفار قريش يوم الحُدَيبية جاءه
نساءٌ مؤمنات، فأنزل الله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَتٍ﴾ حتى بلغ:
== الموالاة والمودّة، فبَيَّن الله سبحانه أنّ ذلك ليس مِن الموالاة المنهي عنها، وأنه لم يَنْهَ عن
ذلك، بل هو من الإحسان الذي يحبّه ويرضاه، وكتبه على كلّ شيء، وإنما المنهيّ عنه
تَوّي الكفار، والإلقاء إليهم بالمودّة)).
(١) عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
(٢) أخرجه الفاكهي في أخبار مكة ٤٢/٥ (٢٨٦٥)، من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس به.
إسناده ضعيف جدًّا. وينظر: مقدمة الموسوعة.

فَوْسُعَبْ التَّفْسِيَةُ الْحَاتُور
٥٥٧ :
سُورَةُ الْمُتَحَنَّةِ (١٠)
﴿وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ اَلْكَوَافِ﴾، فطلّق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشّرك(١). (١٤/ ٤١٣)
٧٦٤٩٨ - عن المِسْوَر بن مَخْرَمة =
٧٦٤٩٩ - ومروان بن الحكم، قالا: لَمّا كاتَب رسولُ اللهِ وَ سُهيلَ بن عمرو على
قضية المدة يوم الحُدَيبية؛ كان مما اشترط سُهيل: أن لا يأتيك منّا أحد ٦٥٧٥]، وإن
كان على دينك، إلا رَددْتَه إلينا. فَرَدّ رسول الله ◌َّه أبا جَندل بن سُهيل، ولم يأتِ
رسولَ الله ◌َ﴿ أحدٌ من الرجال إلا ردّه في تلك المُدّة وإن كان مسلمًا، ثم جاء
المؤمنات مُهاجرات، وكانت أُمّ كُلثوم بنت عُقبة بن أبي مُعَيط ممن خرج إلى
رسول الله وَّه وهي عَاتِقٌ(٢)، فجاء أهلُها يسألون رسول الله وَّل أن يرجِعها إليهم،
حتى أنزل الله في المؤمنات ما أَنزل (٣). (١٤ / ٤١٣)
٧٦٥٠٠ - عن عبد الله بن أبي أحمد، قال: هاجرتْ أُمُّ كُلثوم بنت عُقبة بن أبي مُعَيط
في الهُدنة، فخرج أخواها عُمارة والوليد حتى قَدما على رسول الله وَّ، وكلّماه في
أُمّ كُلثوم أن يردّها إليهما، فنَقض الله العهد بينه وبين المشركين خاصة في النساء،
ومَنعهنّ أن يُرددْن إلى المشركين، وأنزل الله آية الامتحان (٤). (١٤ / ٤١٤)
٧٦٥٠١ - عن عكرمة مولى ابن عباس، قال: خَرجت امرأةٌ مُهاجِرة إلى المدينة،
فقيل لها: ما أَخرجكِ؟ بُغضِّ لزوجكِ أمْ أردتِ الله ورسوله؟ قالت: بل الله ورسوله.
فأنزل الله: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾، فإن تَزوّجها رجلٌ من
المسلمين فلتَرُدّ إلى زوجها الأول ما أَنفق عليها (٥). (٤١٦/١٤)
عَلَّقَ ابنُ كثير (٥٢٠/١٣) على هذه الرواية بقوله: ((على هذه الرواية تكون هذه الآية
٦٥٧٥
مخصّصة للسُّنَّة، وهذا من أحسن أمثلة ذلك. وعلى طريقة بعض السلف ناسخة، فإنَّ الله وَت
أمر عباده المؤمنين إذا جاءهم النساء مُهاجرات أن يَمتَحِنوهن، فإنْ علموهنّ مؤمنات فلا
يرجعوهنّ إلى الكفار، لا هُنّ حِلٌّ لهم ولا هم يَحلّون لهنّ)).
(١) أخرجه البخاري ٣/ ١٩٣ - ١٩٧ (٢٧٣١) مطولًا، وابن جرير ٥٨٣/٢٢.
(٢) العاتق: الشابة أول ما تُدْرِكُ. وقيل: هي التي لم تَبِنْ من والديها ولم تُزَوَّج، وقد أدركت وشَبَّت.
النهاية (عتق).
(٣) أخرجه البخاري ١٨٨/٣ - ١٨٩ (٢٧١١، ٢٧١٢)، ١٢٦/٥ - ١٢٧ (٤١٨٠، ٤١٨١).
(٤) أخرجه الطبراني - كما في مجمع الزوائد ١٣٢/٧ -. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
وقال الهيثمي: ((فيه عبد العزيز بن عمران، وهو ضعيف)).
(٥) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.

سُورَةُ الْمُمَتَحَنَةِ (١٠)
مُؤْسُوعَة التَّفْسِيُ المَاتُور
٧٦٥٠٢ - عن محمد بن شهاب الزُّهريّ - من طريق معمر - قال: كان المشركون قد
شَرطوا على رسول الله وَّه يوم الحُدَيبية أنّ مَن جاء مِن قِبلنا وإن كان على دينك
رددْتَه إلينا، ومَن جاءنا مِن قِبلك لم نَردُدْه إليك. فكان يَردّ إليهم مَن جاء مِن قِبلهم
يَدخل في دينه، فلما جاءتْ أُمّ كُلثوم بنت عُقبة بن أبي معيط مُهاجِرةً جاء أخواها
يُريدان أن يُخرجاها ويَردّاها إليهم. فَأَنزِل الله: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَتُ
مُهَجِرَتٍ﴾ الآية إلى قوله: ﴿وَلْيَسْئَلُواْ مَآ أَنْفَقُواْ﴾(١). (١٤ /٤١٥)
٧٦٥٠٣ - عن يَزيد بن أبي حبيب - من طريق ابن لَهيعة - أنه بلَغه: أنه نَزَلَت: ﴿يَأَيُها
الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَثُ مُهَجِرَتٍ﴾ الآيةَ في امرأة أبي حَسّان بن الدّحداحة،
وهي أُميمة بنت بشر امرأة من بني عمرو بن عوف، وأنّ سهل بن حُنَيف تَزوّجها حين
فَرّت إلى رسول الله وَّه، فولدتْ له عبد الله بن سهل(٢). (١٤ / ٤٢١)
٧٦٥٠٤ - عن مقاتل [بن حيان]، قال: كان بين رسول الله وَ ل وبين أهل مكة عهدٌ،
شُرط في أن يُردّ النساء، فجاءت امرأة تُسمّى: سعيدة، وكانت تحت صيفيّ بن
الرّاهب، وهو مُشرك مِن أهل مكة، وطلبوا ردّها؛ فأنزل الله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا
جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَثُ مُهَجِرَتٍ﴾ الآية (٣). (١٤ / ٤٢١)
٧٦٥٠٥ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَتٍ﴾
وذلك أنّ النبي ◌َّهِ صالَح أهل مكة يوم الحُدَيبية، وكُتب بينه وبينهم كتابًا، فكان في
الكتاب أنّ مَن لَحِق أهل مكة من المسلمين فهو لهم، ومَن لَحق منهم بالنبي ◌ََّ ردّه
عليهم، وجاءت امرأةٌ إلى النبي ◌َّ اسمها: سُبَيعة بنت الحارث الأَسلمية - في
المُوادعة -، وكانت تحت صيفيّ بن الرّاهب مِن كفار مكة، فجاء زوجها يَطلبها،
فقال للنبي وَلّ: رُدّها علينا، فإنّ بيننا وبينك شرطًا. فقال النبي ◌َّ: ((إنما كان
الشّرط في الرجال، ولم يكن في النساء)). فأنزل الله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ
اُلْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَتٍ﴾ ... فتزوّجها عمر بن الخطاب، ويُقال: تزوّجها أبو السّنابل بن
بَعكك بن السّباق بن عبد الدّار بن قُصي ... (٤). (ز)
(١) أخرجه عبد الرزاق ٢٨٨/٢ بنحوه، وابن سعد ٢٣١/٨.
(٢) أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع - تفسير القرآن ١٨/٢ - ١٩ (٢٩)، وابن أبي حاتم - كما في الفتح
٣٤٨/٥ _٠
(٣) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم. وينظر: الفتح ٣٤٨/٥.
(٤) تفسير مقاتل بن سليمان ٣٠٣/٤.

فَوْسُوعَة التَّفْسِيَةُ المَاتُور
سُورَةُ المُمَتَحْنَةِ (١٠)
=
& ٥٥٩ %=
٧٦٥٠٦ - عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم - من طريق ابن وهب - في قوله: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَثُ مُهَجِرَتٍ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ﴾ الآية كلّها، قال: لَمّا هادَن
رسولُ الله ◌َّ المشركين كان في الشّرط الذي شُرط: أن تردّ إلينا مَن أتاك مِنّا، ونردّ
إليك مَن أتانا منكم، فقال النبيُّ وَّر: ((مَن أتانا منكم فنردّه إليكم، ومَن أتاكم منّا
فاختار الكفر على الإيمان فلا حاجة لنا فيهم)). وقال: فأبى الله ذلك في النساء، ولم
يَأْبَه للرجال. فقال الله رَى: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَتٍ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ﴾ إلى قوله:
﴿وَنُوهُم مَّا أَنَفَقُواْ﴾ أزواجهنّ(١). (ز)
٧٦٥٠٧ - عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم - من طريق ابن وهب -: كانت المرأة
من المشركين إذا غَضِبتْ على زوجها، وكان بينه وبينها كلام؛ قالت: واللهِ،
لَأُهاجرنّ إلى محمد نَّه وأصحابه. فقال الله رَى: ﴿إِذَا جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَتٍ
فَأَمْتَحِنُهُنَّ﴾ (٢)٦٥٧٦]. (ز)
٧٦٥٠٨ - عن الواقدي - من طريق أبي رجاء - قال: فَخَرت أُمّ كُلثوم بنت عُقبة بن
أبي مُعَيط بآيات نَزَلَتْ فيها، قالت: فكنتُ أول مَن هاجر إلى المدينة، فلما قدمتُ
قدِم أخي الوليد علَيّ، فَسخِ الله العقدَ بين النبيِّ وَّ وبين المشركين في شأني،
ونَزَلَتْ: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾، ثم أَنكحني النبيُّ نَّهَ زِيدَ بن حارثة، فقلتُ:
أَتُزوّجني بمولاكَ؟! فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْرًّا أَنْ
يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمَّ﴾ [الأحزاب: ٣٦]. ثم قُتل زيد، فأرسل إِلَيَّ الزّبير: احبسي
عليّ نفسك. قلتُ: نعم. فَنَزَلَتْ: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ، مِنْ خِطْبَةِ الْنِسَاءِ﴾.
(٦٥٧٦] قال ابنُ عطية (٢٨٣/٨) تعليقًا على هذه الآية: ((نَزَلَتْ إثر صُلح الحُدَيبية، وذلك أنّ
الصُّلح تضمّن أن يَردّ المؤمنون إلى الكفار كلَّ من جاء مسلمًا مِن رجل وامرأة، فنقض الله
تعالى من ذلك أمر النساء بهذه الآية، وحكم أنّ المُهاجِرة لا تُردّ إلى الكفار، بل تبقى
تستبرئ وتتزوّج ويُعطى زوجها الكافر الصداق الذي أَنفق، وأمر أيضًا المؤمنين بطلب
صداق مَن فرَّت امرأتُه مِن المؤمنين، وحكم تعالى بهذا في النازلة وسمّاهم: مؤمنات قبل
أن يتيقّن ذلك؛ إذ هو ظاهر أمرهن)).
وبنحوه قال ابنُ جرير (٥٧٨/٢٢)، وقال ابنُ تيمية (٢٩٢/٦)، وقال ابنُ القيم (٣/
١٥٠).
(١) أخرجه ابن جرير ٥٨١/٢٢.
(٢) أخرجه ابن جرير ٥٧٨/٢٢.

سُورَةُ الْمُتَحَنَةِ (١٠)
/٢ ٥٦٠
فَوْسُكَبُ التَّفْسِيُ المَاتُور
[البقرة: ٢٣٥](١). (١٤ / ٤١٤)
تفسير الآية:
﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَثُ مُهَجِرَتِ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنِنّ
فَإِنْ عَلْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَ هُمَ يَحِلُونَ لَهُنَّ﴾
٧٦٥٠٩ - عن عبد الله بن عباس - من طريق أبي نصر الأَسدي - في قوله: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَتٍ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ﴾، أنه كان سُئل: كيف كان النبيُّ وَلـ
يَمتَحِن النساء؟ قال: كانت المرأة إذا جاءت النبيَّ وَّ حلّفها عمرُ بالله: ما خرجتِ
رغبةً بأرض عن أرض، وباللهِ، ما خرجتِ من بُغض زوج، وباللهِ، ما خرجتٍ
التماس دنيا، وباللهِ، ما خرجتِ إلا حُبًّا لله ورسوله(٢). (١٤ / ٤٢٢)
٧٦٥١٠ - عن عبد الله بن عباس - من طريق عطية العوفي - في قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَتٍ﴾ إلى قوله: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، قال: كان امتحانهنّ أن
يشهدن: أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا عبده ورسوله، فإذا علِموا أنّ ذلك حقٌّ منهن
لم يَرجعوهنّ إلى الكفار، وأُعطي بَعْلُها في الكفار الذين عَقد لهم رسول الله وَه
صَداقهُ الذي أَصدَقها، وأَحلّهنّ للمؤمنين إذا أتُوهنّ أجورهنّ، ونهى المؤمنين أن
يَدَعُو المُهاجِرات مِن أجل نسائهم في الكفار، وكانت مِحنة النساء أنّ رسول الله وَيه
أَمر عمر بن الخطاب فقال: ((قل لهنّ: إنّ رسول الله وَّه بايَعكنّ على أن لا تُشركنَ
بالله شيئًا)). وكانت هند بنت عتبة بن ربيعة - التي شقّت بطن حمزة - متنكّرة في
النساء، فقالت: إني إنْ أتكلّم يعرفني، وإنْ عَرفني قَتلني. وإنما تنكّرتْ فرَقًا مِن
رسول الله وَّ، فسكتَ النّسوة التي مع هند، وأبيْن أن يتكلّمنَ، فقالت هند وهي
مُتَنكِّرة: كيف يَقبل مِن النساء شيئًا لم يَقْبله مِن الرجال؟ فنظر إليها رسول الله وَّل،
وقال لعمر: ((قل لهنّ: ولا يَسرقنَ)). قالت هند: واللهِ، إني لَأصيب مِن أبي سفيان
(١) عزاه السيوطي إلى ابن دريد في أماليه.
(٢) أخرجه الحارث بن أبي أسامة (٧٢١ - بغية)، والبزار (٢٢٧٢ - كشف)، وابن جرير ٥٧٥/٢٢ - ٥٧٦،
وابن أبي حاتم - كما في الفتح ٦٣٧/٨ -. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن مردويه. وذكر أن هذا
اللفظ لابن المنذر.
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٢٣/٧: ((رواه البزار، وفيه قيس بن الربيع، وثّقه شعبة والثوري، وضعفه
غيرهما، وبقية رجاله ثقات)). وحسّن السيوطي إسناده.