النص المفهرس

صفحات 481-500

فَوْسُكَبُ التَّفْسَةُ الْحَاتُور
سُورَةُ الْبَقَرَة (٧٥)
٥ ٤٨١ %=
﴿أَفَنَظَمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ﴾ يعني: طائفة من بني إسرائيل ﴿يَسْمَعُونَ
كَلَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾(١). (ز)
٢٥٠٩ - عن محمد بن إسحاق - من طريق سلمة - في قوله: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ
كَلَمَ اُللَّهِ﴾ الآية، قال: ليس قوله: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَمَ اللَّهِ﴾ يسمعون التوراة، كلهم قد
سمعها، ولكنهم الذين سألوا موسى رؤية ربهم فأخذتهم الصاعقة فيها(٢). (ز)
٢٥١٠ - عن محمد بن إسحاق - من طريق سلمة - قال: بلغني عن بعض أهل العلم
أنهم قالوا لموسى: يا موسى، قد حِيل بيننا وبين رؤية الله رَ، فَأَسْمِعْنا كلامه حين
يكلمك. فطلب ذلك موسى إلى ربه، فقال: نعم، فمرهم فليتطهروا، وليطهروا
ثيابهم، ويصوموا. ففعلوا، ثم خرج بهم حتى أتى الطور، فلما غشيهم الغمام أمرهم
موسى غُلَّ فوقعوا سجودًا، وكلمه ربه، فسمعوا كلامه، يأمرهم وينهاهم، حتى
عَقلوا ما سمعوا. ثم انصرف بهم إلى بني إسرائيل، فلما جاءوهم حرَّف فريق منهم
ما أمرهم به، وقالوا حين قال موسى لبني إسرائيل: إن الله قد أمركم بكذا وكذا،
قال ذلك الفريق الذي ذكرهم الله: إنما قال كذا وكذا. خلافًا لما قال الله رَجَّى لهم،
فهم الذين عنى الله لرسوله محمد ◌َ﴾(٣). (ز)
٢٥١١ - قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم - من طريق ابن وَهْب - في قوله:
﴿يَسْمَعُونَ كَلَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾، قال: التوراة التي أنزلها عليهم يحرفونها،
يجعلون الحلال فيها حرامًا، والحرام فيها حلالًا، والحق فيها باطلًا، والباطل فيها
حقًّا، إذا جاءهم الْمُحِقُّ برشوة أخرجوا له كتاب الله، وإذا جاءهم الْمُبْطِل برِشوة
أخرجوا له ذلك الكتاب، فهو فيه مُحِقٌّ، وإن جاء أحد يسألهم شيئًا ليس فيه حق
ولا رشوة ولا شيء أمروه بالحق. فقال لهم: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ
نَتْلُونَ الْكِنَبَّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤] (٤)(٣٢). (ز)
٣٢١ اختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَمَ اللَّهِ﴾؛ فقال بعضهم:
التوراة. وقال آخرون: بل سمعوا كلام الله مباشرة كما سمعه موسى عليّلها.
وقد رجَّح ابنُ جرير (١٤٢/٢) القول الثاني، وهو قول ابن عباس، والربيع بن أنس، وابن
(١) تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٨٩.
(٣) أخرجه ابن جرير ٢/ ١٤٢، وابن أبي حاتم ١٤٨/١.
(٤) أخرجه ابن جرير ١٤١/٢.
(٢) أخرجه ابن جرير ٢/ ١٤٢.

سُورَةُ البَقَرَّة (٧٥)
٥ ٤٨٢
مَوْسُوَة التَّفْسِي المَاتُور
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ
٧٥)
٢٥١٢ - عن إسماعيل السُّدِّيِّ - من طريق أَسْبَاط - قال: وأما ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
فيعلمون أنهم قد أذنبوا(١). (ز)
٢٥١٣ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنهم حَرَّفوا الكلام(٢). (ز)
إسحاق، مستندًا إلى ظاهر التلاوة، والأخبار الإسرائيليّة، والدلالة العقلية، وعلَّل ذلك
بقوله: ((وذلك أنَّ الله إنما أخبر أنَّ التحريف كان من فريق منهم كانوا يسمعون كلام الله،
استعظامًا من الله لِمَا كانوا يأتون من البهتان، بعد توكيد الحجة عليهم والبرهان، وإيذانًا
منه - تعالى ذِكْرُه - عبادَه المؤمنين قطْعَ أطماعهم من إيمان بقايا نسلهم بما أتاهم به محمد
من الحق والنور والهدى، فقال لهم: كيف تطمعون في تصديق هؤلاء اليهود إياكم، وإنما
تخبرونهم عن غَيْبٍ لم يشاهدوه ولم يعاينوه، وقد كان بعضهم يسمع من الله كلامه وأمره
ونهيه ثم يبدله ويحرفه ويجحده؟! فهؤلاء الذين بين أظهركم من بقايا نسلهم أحرى أن
يجحدوا ما أتيتموهم به من الحق - وهم لا يسمعونه من الله، وإنما يسمعونه منكم - من
أوائلهم الذين باشروا كلام الله من الله - جل ثناؤه -، ثم حرَّفوه من بعد ما عقلوه وعلموه
متعمدين التحريف)) .
وانتقد ابنُ عطية (٢٥٩/١ - ٢٦٠) هذا القول مستندًا إلى دلالة عقلية، فقال: ((وفي هذا
القول ضعف، ومَن قال: إن السبعين سمعوا ما سمع موسى فقد أخطأ، وأذهب فضيلة
موسى ◌َلَّلا واختصاصه بالتكليم)).
وانتقد ابنُ جرير (١٤٣/٢) مستندًا إلى دلالة عقلية القول الأول، وهو قول أبي العالية،
ومجاهد، وقتادة، والسدي، وابن زيد، وعلَّل ذلك أنه لو كان تأويل الآية: يسمعون
التوراة. لم يكن لقوله: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَمَ اللَّهِ﴾ معنى مفهوم؛ لأن ذلك قد سمعه المحرف
منهم وغير المحرف، فخصوص المحرف منهم بأنَّه كان يسمع كلام الله لا معنى له، وإنما
المراد الإخبار عن خَاصِّ من اليهود كانوا أعطوا من مباشرتهم سماع كلام الله ما لم يُعْطَّه
أحدٌ غير الأنبياء والرسل، ثم بَدَّلوا وحَرَّفوا ما سمعوا من ذلك.
وما انتقده ابنُ جرير قبِلَه ابنُ كثير (١/ ٤٦١)؛ لكون الحجة التي استند إليها ابن جرير غير
لازمة، فقال: ((وهذا الذي ذكره السدي أعم مما ذكره ابن عباس وابن إسحاق، وإن كان قد
اختاره ابن جرير لظاهر السياق، فإنه ليس يلزم من سماع كلام الله أن يكون منه كما سمعه
(١) أخرجه ابن أبي حاتم ١٤٩/١.
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٨٩.

فَوْسُوعَة التَّفْسِيَةُ المَاتُور
٥ ٤٨٣ %=
سُورَةُ الْبَقَرَة (٧٦)
﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُوْ قَالُواْ ءَامَنَا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ
قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُوكُمْ بِهِ، عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلَا نَعْقِلُونَ
نزول الآية :
٢٥١٤ - عن عبد الله بن عباس - من طريق ابن إسحاق بسنده - في قوله: ﴿وَإِذَا لَقُواْ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُواْ ءَامَنًا﴾ أي: بصاحبكم رسول الله، ولكنه إليكم خاصة، ﴿وَإِذَا خَلَا
بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُواْ﴾: لا تُحَدِّثوا العرب بهذا، فإنكم قد كنتم تستفتحون به عليهم،
فكان منهم. فأنزل الله: ﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُواْ ءَامَنَا وَإِذَا خَلَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُواْ
أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ، عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾(١). (٤٢٨/١)
٢٥١٥ - عن عِكْرِمة مولى ابن عباس - من طريق الحَكَم بن أَبَان -: أنَّ امرأة من
اليهود أصابت فاحشة، فجاؤوا إلى النبي وَّل يبتغون منه الحكم رجاء الرخصة، فدعا
رسول الله ◌َّ عالِمَهم، وهو ابن صُورِيًا، فقال له: ((احكم)). قال: فجبِّهُوه
- والتَّجْبِيَة: يحملونه على حمار، ويجعلون وجهه إلى ذَنَب الحمار -. فقال له
رسول اللهِ وَّ: ((أبِحُكْم الله حَكَمْتَ؟)). قال: لا، ولكن نساءنا كُنَّ حِسانًا، فأسرع
فيهنَّ رجالُنا، فغَيَّرنا الحكم. وفيه أُنزلت: ﴿وَإِذَا خَلَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ﴾ الآية. إنهم
غيَّروا الحكم منذ ستمائة سنة(٢). (٤٣٠/١)
٢٥١٦ - عن إسماعيل السُّدِّيِّ - من طريق أسباط - قال: نزلت هذه الآية في ناس من
اليهود، آمنوا ثم نافقوا، فكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عُذِّبوا به، فقال
بعضهم لبعض: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ من العذاب ليقولوا: نحن أحب
إلى الله منكم، وأكرم على الله منكم (٣)٣٢٢). (٤٣٠/١)
الكليم موسى بن عمران، وقد قال الله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرُهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ
اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] أي: مُبَلَّغًا إليه)). ثم ذكر الآثار عن قتادة، ومجاهد، وأبي العالية.
٣٢٢ وجَّه ابنُ عطية (١ / ٢٦١) تفسير السدي بقوله: ((و﴿فَتَحَ﴾ على هذا التأويل بمعنى: حكم)).
(١) أخرجه ابن جرير ٢/ ١٤٦، وابن أبي حاتم ٤٧/١ (١٣٤).
إسناده جيد. وينظر: مقدمة الموسوعة .
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ١٥٠ (٧٨٠) مرسلًا.
(٣) أخرجه ابن جرير ١٤٨/٢ - ١٤٩، وابن أبي حاتم ١/ ١٥٠.

سُورَةُ البَقَرَّة (٧٦)
٤ ٤٨٤ :
فَوْسُوعَة التَّفْسِيرُ الْمَاتُور
٢٥١٧ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُواْ ءَامَنَا﴾، وذلك أنَّ الرجل
المسلم كان يلقى من اليهود حليفَه أو أخاه من الرضاعة، فيسأله: أتجدون محمدًا
في كتابكم؟. فيقولون: نعم، إنَّ نبوة صاحبكم حق، وإنَّا نعرفه. فسمع كعب بن
الأشرف، وكعب بن أُسَيْد، ومالك بن الضَّيْف، وجُدَيّ بن أَخْطَب، فقالوا لليهود في
السِّرِّ: أتُحَدِّثُون أصحاب محمد وَّ بما فتح الله لكم؟! يعني: بما بين لكم في
التوراة من أمر محمد ﴿. فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُواْ
أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اَللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾(١). (ز)
تفسير الآية:
﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُواْ ءَامَنَا﴾.
٢٥١٨ - عن عبد الله بن عباس - من طريق العَوْفِيِّ - قوله: ﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُواْ
ءَامَنَا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اَللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾: وذلك أنَّ نفرًا من
اليهود كانوا إذا لقوا محمدًاً وَ ل ◌َه قالوا: آمنا. وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا:
أتحدثونهم بما فتح الله عليكم(٢). (ز)
٢٥١٩ - عن عبد الله بن عباس - من طريق ابن إسحاق بسنده - في قوله: ﴿وَإِذَا لَقُواْ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُواْ ءَامَنًا﴾، أي: بصاحبكم رسول الله، ولكنه إليكم خاصة (٣). (١/ ٤٢٨)
٢٥٢٠ - عن عبد الله بن عباس - من طريق الضحاك - في قوله: ﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ﴾ الآية، قال: يعني: المنافقين من اليهود كانوا إذا لَقُوا أصحاب محمد رَّ
قالوا: آمنا (٤). (١/ ٤٢٩)
٢٥٢١ - عن قتادة بن دعامة، في قوله: ﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُواْ ءَامَنَا﴾، قال:
هم اليهود، وكانوا إذا لَقُوا الذين آمنوا قالوا: آمنًا. فصَانَعُوهم بذلك؛ لِيَرْضَوْا
(٥)
عنهم (٥). (٤٣٠/١)
٢٥٢٢ - عن الربيع بن أنس - من طريق أبي جعفر - ﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُواْ
ءَامَنَّا﴾، قال: هم اليهود (٦). (ز)
(١) تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ١١٧.
(٣) أخرجه ابن جرير ١٤٥/٢.
(٢) أخرجه ابن جرير ١٤٥/٢.
(٤) أخرجه ابن جرير ١٤٥/٢ - ١٤٦.
(٥) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم ١٤٩/١.

سُورَةُ الْبَقَرَة (٧٦)
فَوْسُورَة التَّقَنَّةُ المَاتُور
٥ ٤٨٥ :
٢٥٢٣ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُواْ ءَامَنًا﴾، يعني: صدَّقنا
بمحمد رَّ؛ بأنَّه نبيٌ(١)[٣٢٣]
. (ز)
﴿وَ إِذَا خَلَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ
لِيُحَاجُوكُمْ بِهِ، عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلَا نَعْقِلُونَ
٧٦
٢٥٢٤ - عن عبد الله بن عباس - من طريق ابن إسحاق بسنده - في قوله: ﴿وَإِذَا لَقُواْ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُواْ ءَامَنَا وَإِذَا خَلَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ
لِيُحَآَجُوكُم بِهِ، عِندَ رَبِّكُمْ﴾، أي: تُقِرُّون بأنه نبيٌّ، وقد علمتم أنه قد أُخِذَ له الميثاق
عليكم بِاتِّبَاعه، وهو يخبرهم أنه النبي الذي كنا ننتظر ونجده في كتابنا، اجحدوه،
ولا تقروا لهم به. يقول الله: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا
يُعْلِنُونَ﴾(٢). (١ / ٤٢٨)
٢٥٢٥ - عن عبد الله بن عباس - من طريق أبي رَوْقٍ، عن الضحاك - في قوله: ﴿بِمَا
فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾، يعني: بما أمركم به. فيقول الآخرون: إنما نستهزئ بهم
ونضحك (٣). (١ / ٤٢٩)
٢٥٢٦ - عن أبي العالِيَة - من طريق الربيع بن أنس - في قوله: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ
اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾، أي: بما أنزل الله عليكم في كتابكم مِن نَعْت محمد ◌ََّ(٤). (ز)
٢٥٢٧ - عن مجاهد بن جبر - من طريق ابن جُرَيج، عن القاسم بن أبي بَزَّة - قال:
قام النبي ◌َّ﴿ يوم قُرَيْظَة تحت حصونهم، فقال: ((يا إخوان القردة والخنازير، ويا عبدة
الطاغوت)). فقالوا: مَن أخبر هذا محمدًا؟ ما خرج هذا إلا منكم، ﴿أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا
فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾: بما حكم الله للفتح؛ ليكون لهم حجة عليكم. قال ابن جُرَيج،
[٣٢٣ ذكر ابنُ عطية (١ / ٢٦٠) أنَّ معنى الآية: وهم أيضًا إذا لقوا يفعلون هذا، فكيف
يطمع في إيمانهم؟! ثم أورد احتمالًا آخر، فقال: ((ويحتمل أن يكون هذا الكلام مستأنفًا
مقطوعًا من معنى الطمع، فيه كشف سرائرهم)).
(١) تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ١١٧.
(٢) أخرجه ابن جرير ١٤٦/٢.
(٣) أخرجه ابن جرير ١٤٦/٢. وعزاه السيوطي إليه مختصرًا بلفظ: بما أكرمكم به.
(٤) أخرجه ابن جرير ١٤٧/٢، وابن أبي حاتم ١/ ١٥٠.

سُورَةُ البَقَرَّة (٧٦)
مُوَسُوعَة التَّفْسِيَةُ الْحَانُور
& ٤٨٦ :
عن مجاهد: هذا حين أرسل إليهم عليًّا فآذَوْا محمدًا وَ(١). (٤٢٩/١)
٢٥٢٨ - عن الحسن البصري - من طريق عَبَّاد بن منصور - قوله: ﴿قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا
فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُوكُم بِهِ، عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلَا نَعْقِلُونَ﴾، قال: هؤلاء اليهود، كانوا إذا
لقوا الذين آمنوا قالوا آمَنًا، وإذا خلا بعضهم إلى بعضهم قال بعضهم: لا تُحَدِّثوا
أصحاب محمد بما فتح الله عليكم مما في كتابكم ليحاجوكم به عند ربكم
فِيَخْصِمُونكم (٢). (ز)
٢٥٢٩ - عن قتادة بن دعامة - من طرق - في قوله: ﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُواْ
أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اَللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُوكُم بِهِ، عِندَ رَبِّكُمْ﴾، قال: نهى بعضهم بعضًا أن
يُحَدِّثوا بما فتح الله عليهم وبيَّن لهم في كتابه من أمر محمد عليه الصلاة والسلام،
ونعته، ونبوته، وقالوا: إنكم إذا فعلتم ذلك احتجُّوا عليكم بذلك عند ربكم، أفلا
تعقلون!(٣). (١/ ٤٣٠)
٢٥٣٠ - عن عطاء الخراساني - من طريق أبي شيبة - في قوله: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ
اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾، يقول: بما قضى لكم وعليكم(٤). (ز)
٢٥٣١ - قال محمد بن السائب الكَلْبِيِّ: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾: بما بَّن الله
لكم في كتابكم من أمر نبيهم، ثم لا تتبعونهم ولا تدخلون في دينهم؟! هذه حجة
لهم عليكم(٥). (ز)
٢٥٣٢ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿وَإِذَا خَلَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ
اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُوكُمْ﴾ يعني: ليخاصموكم ﴿بِهِ، عِندَ رَبِّكُمْ﴾ باعترافكم أنَّ محمدًاً وَّ
نبيٌّ ثم لا تتابعونه(٦). (ز)
٢٥٣٣ - وقال الواقدي: ﴿بِمَا فَتَحَ اَللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾: بما أنزل الله عليكم(٧). (ز)
(١) أخرجه ابن جرير ٢/ ١٤٨ مرسلًا، وبنحوه آدم بن أبي إياس - كما في تفسير مجاهد ص ٢٠٧ -، وابن
أبي حاتم ١/ ١٥٠ (٧٨٢) من طريق ابن أبي نَجِيح.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ١٥١.
(٣) أخرجه ابن جرير ٢/ ١٤٧ من طريق سعيد ومعمر وأبي جعفر مختصرًا. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ١٥١.
(٥) ذكره يحيى بن سلام - كما في تفسير ابن أبي زمنين ١٥٢/١ -. وفي تفسير الثعلبي ٢٢٢/١ بلفظ: بما
قضى الله عليكم في كتابكم أنّ محمّدًا حق، وقوله صدق.
(٦) تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ١١٧.
(٧) تفسير الثعلبي ٢٢٢/١، وتفسير البغوي ١١٣/١.

سُورَةُ الْبَقَرَة (٧٦)
فَوْسُوعَة التَّقْسِيُ المَاتُور
٥ ٤٨٧
٢٥٣٤ - قال الكسائي في قوله: ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾: بما بيّنه الله لكم من العلم
بصفة النبي محمد وَلة، ونعته(١). (ز)
٢٥٣٥ - عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم - من طريق ابن وَهْب - قال: قال
رسول الله وَله: ((لا يدخلن علينا قَصَبةَ المدينة(٢) إلا مؤمن)). فقال رؤساء اليهود:
اذهبوا فقولوا: آمنا، واكفروا إذا رجعتم إلينا. فكانوا يأتون المدينة بالبُكَر، ويرجعون
إليهم بعد العصر، وهو قوله: ﴿وَقَالَتِ ظَائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ ءَامِنُواْ بِلَّذِىّ أُنِلَ عَ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَأَكْفُرُوْ ءَاخِرَهُ﴾ [آل عمران: ٧٢]. وكانوا يقولون إذا دخلوا المدينة:
نحن مسلمون. ليعلموا خبر رسول الله وَل﴿ وأمره، فكان المؤمنون يظنون أنهم
مؤمنون، فيقولون لهم: أليس قد قال لكم في التوراة كذا وكذا؟ فيقولون: بلى. فإذا
رجعوا إلى قومهم قالوا: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ الآية (٣) ٢٤]. (١/
٣٢٤ نقل ابنُ جرير (١٤٩/١) اختلاف المفسرين في تأويل قوله تعالى: ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ
عَلَيْكُمْ﴾، ثم قال: ((وأصل الفتح في كلام العرب: النصر والقضاء والحكم، يُقال منه:
اللهم افتح بيني وبين فلان، أي: احكم بيني وبينه، ويقال للقاضي: الفتاح)).
ثُمَّ رجَّح (١٥٠/١ - ١٥١) مستندًا إلى السياق قولَ ابن عباس من طريق ابن إسحاق، وقول
أبي العالية، وقتادة الذي أفاد أن المعنى: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم من بعث محمد
إلى خلقه، ثم بين مستند ترجيحه، فقال: ((لأنَّ الله إنما قص في أول هذه الآية الخبر عن
قولهم لرسول الله ولأصحابه: آمنا بما جاء به محمد. فالذي هو أولى بآخرها أن يكون
نظيرَ الخبر عما ابتدئ به أولها، وإذا كان ذلك كذلك فالواجب أن يكون تلاومهم كان فيما
بينهم فيما كانوا أظهروه لرسول الله ولأصحابه من قولهم: آمنا بمحمد وبما جاء به. فكان
تلاومهم فيما بينهم إذا خلوا على ما كانوا يخبرونهم بما هو حجة للمسلمين عليهم عند
ربهم، وذلك أنهم كانوا يخبرونهم عن وجود نعت محمد في كتبهم، ويكفرون به، وكان
فتح الله الذي فتحه للمسلمين على اليهود وحكمه عليهم لهم في كتابهم أن يؤمنوا بمحمد
إذا بُعِثَ، فلما بُعِثَ كفروا به مع علمهم بنبوته)) .
وذكر ابنُ عطية (١ / ٢٦١) أنَّ قوله: ﴿عِندَ رَبِّكُمْ﴾ معناه: في الآخرة، ثم نقل قولين آخرين، فقال:
((وقيل: ﴿عِنْدَ﴾ بمعنى: في ربكم، أي: فيكونون أحق به. وقيل: المعنى: عند ذكر ربكم)).
(١) تفسير الثعلبي ١/ ٢٢٢، وتفسير البغوي ١/ ١١٣.
(٢) قصبة البلد: مدينته، وقيل: معظمه. وقصبة القرية: وسطها. لسان العرب (قصب).
(٣) أخرجه ابن جرير ١٤٩/٢ مع اختلاف عما هنا.

سُورَةُ الْبَقَرَّة (٧٦ - ٧٧)
٤٨٨ .
فَوْسُوعَة التَّفْسِيةِ المَاتُون
﴿أَفَلَا نَعْقِلُونَ
٧٦)
٢٥٣٦ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿أَفَلَا نَعْقِلُونَ﴾، يعني: أفلا ترون أن هذه حجة لهم
عليكم. فقال الله رَجَ: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ (١)٣٢٥]. (ز)
VV
﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ
٢٥٣٧ - عن أبي العالية - من طريق الربيع بن أنس - في قوله: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ
يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ﴾ يعني: ما أَسَرُّوا من كفرهم بمحمدٍ بِّ، وتكذيبهم به، وهم
يجدونه مكتوبًا عندهم، ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ حين قالوا للمؤمنين: آمَنَّا (٢). (٤٣١/١)
٢٥٣٨ - وعن الحسن البصري =
٢٥٣٩ - وقتادة بن دعامة =
٢٥٤٠ - والربيع بن أنس، نحو الشطر الثاني من ذلك(٣). (ز)
٢٥٤١ - عن الحسن البصري - من طريق عَبَّاد بن منصور - قال: قال الله: ﴿أَوَلَا
يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾، قال: وكان ما أسَرُّوا أنهم كانوا إذا تَوَلَّوا
عن أصحاب محمد، وخلا بعضهم إلى بعض؛ تَنَاهَوْا أن يخبر أحدهم منهم أصحاب
محمد بما فتح الله عليهم في كتابهم؛ خشية أن يحاجهم أصحاب محمد بما في
كتابهم عند ربهم ليخاصموهم(٤). (ز)
٢٥٤٢ - عن قتادة بن دعامة، في قوله: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا
يُعْلِنُونَ﴾، قال: ما يعلنون من أمرهم وكلامهم إذا لقوا الذين آمنوا، وما يُسِرُّون إذا
خلا بعضهم إلى بعض؛ من كفرهم بمحمد وَ ل*، وتكذيبهم به، وهم يجدونه مكتوبًا
ذكر ابنُ عطية (٢٦١/١) أنَّ قوله تعالى: ﴿أَفَلَا نَعْقِلُونَ﴾ قيل: هو من قول الأحبار
٣٢٥
للأتباع. وقيل: هو خطاب من الله للمؤمنين، أي: أفلا تعقلون أنَّ بني إسرائيل لا يؤمنون
وهم بهذه الأحوال.
(١) تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ١١٧.
(٢) أخرجه ابن جرير ٢/ ١٥٢، وابن أبي حاتم ١٥١/١.
(٣) علَّقه ابن أبي حاتم ١/ ١٥١.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ١٥١.

مَوَسُوعَة التَّفَسَةُ المَاتُوز
٤٨٩ %
سُورَةُ الْبَقَرَّة (٧٨)
عندهم(١). (١/ ٤٣٠)
٢٥٤٣ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ﴾ في [الخلاء]،
﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ فِي الملأ، فيقول بعضهم لبعض: أتحدثونهم بأمر محمد بَّ؟! أو لا
يعلمون حين قَالُوا: إنا نجد محمدًا فِي كتابنا، وإنَّا لَنعرفه(٢) ٣٢٦]. (ز)
٢٥٤٤ - عن أبي العالية - من طريق الربيع بن أنس - ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّتُونَ﴾، يعني: من
اليهود (٣). (ز)
٢٥٤٥ - عن الربيع بن أنس - من طريق أبي جعفر -، مثله (٤). (ز)
٢٥٤٦ - عن مجاهد بن جبر - من طريق ابن جُرَيْج - في قوله: ﴿وَمِنْهُمْ أُمُِّّونَ لَا
يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ﴾، قال: أُناس من يهود ... (٥). (٤٣٢/١)
٢٥٤٧ - عن الحسن البصري - من طريق عَبَّاد بن منصور - قوله: ﴿وَمِنْهُمْ أُمُِّّونَ لَا
يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ إِلَّ أَمَانِىَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾، قال: هؤلاء ناس من
اليهود .. (٦)٣٢٧]. (ز)
٣٢٦] قال ابنُ عطية (٢٦٢/١): ((والذي أسَرُّوه كفرُهم، والذي أعلنوه قولهم: آمنا. هذا في
سائر اليهود، والذي أسره الأحبار صفة محمد ◌َّل﴿ والمعرفة به، والذي أعلنوه الجحد به)).
ثم علَّق بقوله: ((ولفظ الآية يعم الجميع)).
٣٢٧ بَيَّن ابنُ جرير (١٥٢/٢ - ١٥٣) أنَّ الضمير عائد على اليهود، فقال: ((يعني بقوله -
جل ثناؤه : ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾: ومن هؤلاء اليهود الذين قص الله قصصهم في هذه الآيات،
وأيأس أصحاب رسول الله وَلّ من إيمانهم، فقال لهم: ﴿أَفَظَمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ
فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾)). ولم يذكر سوى هذا ==
(١) أخرجه ابن جرير ٢/ ١٥٢ من طريق سعيد مختصرًا. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد. وعلَّق ابن أبي
حاتم ١٥١/١ شطره الأول.
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ١١٧.
(٣) أخرجه ابن جرير ١٥٣/٢، وابن أبي حاتم ١/ ١٥٢.
(٤) أخرجه ابن جرير ١٥٣/٢، وابن أبي حاتم ١٥٢/١.
(٥) أخرجه ابن جرير ٢/ ١٥٧.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم ١٥٣/١.

سُورَةُ البَقَرة (٧٨)
٤٩٠ :
فَوْسُوعَة التَّفْسِيُ المَاتُور
﴿وَمِنْهُمْ أُمِّتُونَ﴾
٢٥٤٨ - عن عبد الله بن عباس - من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك - قال: الأُمّيُّون
قومٌ لم يُصَدِّقوا رسولًا أرسله الله، ولا كتابًا أنزله، فكتبوا كتابًا بأيديهم، ثم قالوا
لقوم سَفِلةٍ جُهّال: هذا من عند الله. وقال: قد أخبرهم أنهم يكتبون بأيديهم، ثم
سماهم أُمِّيِّين؛ لجحودهم كتب الله ورسله (١) (٣٢٨). (١/ ٤٣١)
٢٥٤٩ - عن إبراهيم النَّخَعِي - من طريق منصور - في قوله: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا
يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ﴾، قال: منهم مَن لا يُحْسِن أن يكتب(٢) ٣٢٩). (١ /٤٣٢)
== القول عن أبي العالية، والربيع، ومجاهد.
وكذا رجَّح ابنُ عطية (٢٦٢/١) القول بعوده على اليهود، فقال: ((وقول أبي العالية
ومجاهد وَجْهُ هذه الأقوال)».
ونقل أقوالًا أخرى: الأول: أنَّه قيل: المراد هنا بالأميين: قوم ذهب كتابهم لذنوب
ركبوها، فبقوا أميين. الثاني: أن المراد بالأميين في الآية: نصارى العرب. ونسبه لعكرمة،
والضحاك. الثالث: أنهم المجوس. وذكر أنه نقل عن علي بن أبي طالب. ثم علَّق بقوله:
على هذه الأقوال هو للكفار أجمعين)).
((والضمير في
٣٢٨ انتقد ابنُ جرير (٢/ ١٥٤) تفسير الأميين بأنهم مَن لم يصدقوا الله ورسوله مستندًا إلى
مخالفة ذلك التفسير للغة العرب، فقال: ((وهذا التأويل تأويلٌ على خلاف ما يُعرَف من
كلام العرب المستفيض بينهم، وذلك أنَّ الأُمّيَّ عند العرب: هو الذي لا يكتب)).
٣٢٩] قال ابنُ جرير (١٥٣/٢): ((يعني بالأميين: الذين لا يكتبون ولا يقرءون، ومنه قول
النبيِ وَّ: ((إنا ◌ُمَّة أُمِّيَّة، لا نكتب، ولا نحسب))، يقال منه: رجل أمي بيِّنُ الأمية)).
ثُمَّ رجَّح (٢/ ١٥٤) هذا المعنى مستندًا إلى موافقته للغة العرب، فقال: ((فإذا كان معنى
الأمي في كلام العرب ما وصفنا؛ فالذي هو أولى بتأويل الآية ما قاله النخعي من أنَّ معنى
قوله: ﴿وَمِنْهُمْ أُمُِّونَ﴾: ومنهم من لا يحسن أن يكتب)).
وكذا رجَّحه ابنُ كثير (٤٦٤/١)، وقال: ((وهو ظاهر في قوله تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ
إِلَّ أَمَانِىَّ﴾، أي: لا يدرون ما فيه، ولهذا في صفات النبي ◌َّ أنه أمي؛ لأنه لم يكن
يُحْسِن الكتابة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ نَتْلُوْ مِن قَبْلِهِ، مِنْ كِنَبٍ وَلَا تَّخُّهُ بِيَمِينِكٌَ إِذَا ==
(١) أخرجه ابن جرير ٢/ ١٥٣ - ١٥٤.
(٢) أخرجه ابن جرير ١٥٣/٢، وابن أبي حاتم ١/ ١٥٢.

مُؤْسُوعَة التَّفْسِيُ المَاتُور
سُورَةُ الْبَقَرَّة (٧٨)
٤٩١ ٥
٢٥٥٠ - قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم - من طريق ابن وَهْب - في قوله:
﴿وَمِنْهُمْ أُمِّنُونَ﴾، قال: أُمُِّّون لا يقرؤون الكتاب من اليهود(١). (ز)
إِلَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ﴾
٢٥٥١ - عن عبد الله بن عباس - من طريق ابن إسحاق بسنده - في قوله: ﴿وَمِنْهُمْ
== لَّأَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]، وقال - عليه الصلاة والسلام -: ((إنا أُمَّة أُمِّيَّة، لا نكتب،
ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا)) الحديث. أي: لا نفتقر في عباداتنا ومواقيتها إلى
كتاب ولا حساب، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِ الْأُمَِّنَ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢])).
وأما ابن تيمية (٢٤٩/١ - ٢٥٠) فقد ذكر معنيين لكلمة أُمِّيِّ، فقال: ((ويقال: الأُمِّيّ لمن
لا يقرأ ولا يكتب كتابًا، ثم يقال لمن ليس لهم كتاب منزل من الله يقرءونه وإن كان قد
يكتب ويقرأ ما لم ينزل، وبهذا المعنى كان العرب كلهم أميين؛ فإنه لم يكن عندهم كتاب
منزل من الله، قال الله تعالى: ﴿وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَالْأُمِّيِّينَ ءَأَسْلَمْتُمَّ﴾ [آل عمران: ٢٠]،
وقال: ﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِ الْأُمَّيِِّنَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾، وقد كان في العرب كثير ممن يكتب ويقرأ
المكتوب، وكلهم أميون، فلما نزل القرآن عليهم لم يبقوا أميين باعتبار أنهم لا يقرءون
كتابًا من حفظهم، بل هم يقرءون القرآن من حفظهم وأناجيلهم في صدورهم، لكن بقوا
أميين باعتبار أنهم لا يحتاجون إلى كتابة دينهم، بل قرآنهم محفوظ في قلوبهم، كما في
الحديث: ((وأنزلتُ عليك كتابًا لا يغسله الماء، تقرؤه نائمًا ويقظانَ)) ... وقوله: ﴿فَامِنُواْ بِاللَّهِ
وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾ [الأعراف: ١٥٨] هو أُمِّيِّ بهذا الاعتبار؛ لأنه لا يكتب، ولا يقرأ ما في
الكتب، لا باعتبار أنه لا يقرأ من حفظه، بل كان يحفظ القرآن أحسن حفظ)).
وبيَّن ابنُ جرير (١٥٤/٢) وجه التسمية بالأمي، فقال: ((وأرى أنه قيل للأمي: أمي - نسبةً
له بأنه لا يكتب - إلى أُمِّه؛ لأنَّ الكتابَ كان في الرجال دون النساء، فنسب من لا يكتب
ولا يخط من الرجال إلى أمه في جهله بالكتابة، دون أبيه)).
وزاد ابنُ عطية (٢٦٢/١) فقال: ((وإما لأنَّه بحالٍ ولدته أمه فيها لم ينتقل عنها. وقيل:
نسب إلى الأُمَّة، وهي القامة والخلقة، كأنه ليس له من الآدميين إلا ذلك. وقيل: نسب
إلى الأَمَة على سذاجتها قبل أن تعرف المعارف، فإنها لا تقرأ ولا تكتب)).
وأما ابنُ تيمية (٢٤٩/١) فرجَّح أنه نسبة إلى الأُمَّة، كما يقال عامي نسبة إلى العامة التي
لم تتميز عن العامة بما تمتاز به الخاصة، وكذلك هذا، لم يتميز عن الأمة بما يمتاز به
الخاصة من الكتابة والقراءة.
(١) أخرجه ابن جرير ٢/ ١٥٣.

سُورَةُ الْبَقَرّة (٧٨)
٤٩٢ ٥
مُؤْسُوعَة التَّفْسِيرُ الْمَاتُور
أُمّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ﴾، قال: لا يعلمون ولا يَدْرُون ما فيه (١). (٤٣٢/١)
٢٥٥٢ - عن أبي العالية - من طريق الربيع بن أنس - ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ﴾، قال:
لا يدرون ما فيه (٢). (ز)
٢٥٥٣ - عن الربيع بن أنس - من طريق أبي جعفر -، مثله(٣). (ز)
٢٥٥٤ - عن قتادة بن دعامة - من طريق مَعْمَر - في قوله: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ
الْكِنَبَ إِلَّ أَمَانِىَ﴾، قال: أمثال البهائم، لا يعلمون شيئًا(٤). (ز)
٢٥٥٥ - عن قتادة بن دعامة - من طريق سعيد - ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ﴾، قال: لا
يدرون ما فيه(٥). (ز)
٢٥٥٦ - قال محمد بن السَّائب الكَلْبِي: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ﴾ لا يحسنون قراءة
الكتاب، ولا كتابته(٦). (ز)
٢٥٥٧ - قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم - من طريق ابن وَهْب - في قوله: ﴿لَا
يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ﴾ لا يعلمون شيئًا، لا يقرؤون التوراة، ليست تُستظهر، إنما تُقرأ
هكذا، فإذا لم يكتب أحدهم لم يستطع أن يقرأ(٧). (ز)
﴿إِلَّ أَمَانِىَّ﴾﴾
٢٥٥٨ - عن عبد الله بن عباس - من طريق علي بن أبي طلحة - في قوله: ﴿إِلَّ
أَمَانِىَ﴾، قال: إلا أحاديث(٨). (١ / ٤٣٢)
٢٥٥٩ - عن عبد الله بن عباس - من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك - في قوله: ﴿إِلَّ
أَمَانِىَ﴾، قال: إلا قولًا يقولون بأفواههم كذبًا (٩)٣٣٠). (١/ ٤٣٢)
٣٣٠ قال ابنُ عطية (٢٦٣/١): ((وقال ابن جرير: تمنى الرجل: إذا حدَّث بحديث مُخْتَلَق ==
(١) أخرجه ابن جرير ١٥٥/٢، ١٦٢. وعزاه السيوطي إلى ابن إسحاق. ينظر: سيرة ابن هشام ١ / ٥٣٨.
(٢) أخرجه ابن جرير ١٥٥/٢، وابن أبي حاتم ١٥٢/١.
(٣) أخرجه ابن جرير ٢/ ١٥٣، وابن أبي حاتم ١/ ١٥٢.
(٤) أخرجه عبد الرزاق ١/ ٥٠، وابن جرير ١٥٤/٢.
(٥) أخرجه ابن جرير ٢/ ١٥٥. وعلّقه ابن أبي حاتم ١/ ١٥٢.
(٧) أخرجه ابن جرير ٢/ ١٥٥.
(٦) تفسير الثعلبي ٢٢٣/١.
(٨) أخرجه ابن جرير ٢/ ١٥٧، وابن أبي حاتم ١/ ١٥٢. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
(٩) أخرجه ابن جرير ١٥٦/٢.

فَوْسُوعَة التَّقْسِيُ المَاتُور
سُوْدَةُ الْبَقَرَة (٧٨)
٥ ٤٩٣ ٥
٢٥٦٠ - عن أبي العالية - من طريق الربيع بن أنس - ﴿إِلَّ أَمَانِىَ﴾، قال: يَتَمَنَّوْن
على الله ما ليس لهم(١). (ز)
٢٥٦١ - عن الربيع بن أنس - من طريق أبي جعفر -، مثله(٢). (ز)
٢٥٦٢ - عن مجاهد بن جبر - من طريق ابن أبي نَجِيح - في قوله: ﴿إِلَّ أَمَانِىَّ﴾،
قال: إلا كذبًا(٣). (١ / ٤٣٢)
٢٥٦٣ - عن مجاهد بن جبر - من طريق ابن جُرَيْج - في قوله: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا
يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ﴾، قال: ناس من يهود، لم يكونوا يعلمون من الكتاب شيئًا،
وكانوا يتكلمون بالظن بغير ما في كتاب الله، ويقولون: هو من الكتاب، أماني
يَتَمَنَّوْنَها (٤). (١ /٤٣٢)
٢٥٦٤ - عن الحسن البصري - من طريق عَبَّاد بن منصور - قوله: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا
يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ إِلَّ أَمَانِىَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾، قال: هؤلاء ناس من اليهود، لم
يكونوا يعلمون من الكتاب شيئًا كما قال الله، فكانوا يتكلمون بالظنون بغير ما في
كتاب الله، ويقولون: هو من الكتاب، أماني يتمنونها(٥). (ز)
٢٥٦٥ - عن قتادة بن دعامة - من طريق مَعْمَر - في قوله: ﴿إِلَّ أَمَانِىَ﴾، قال:
يتمنون على الله الباطل، وما ليس لهم(٦). (ز)
٢٥٦٦ - عن أبي رَوْق عطية بن الحارث الهمداني: ﴿إِلَّ أَمَانِىَ﴾، قال: تلاوةً
== كذب. وذكر أهل اللغة أنَّ العرب تقول: تمنى الرجل: إذا كذب واختلق الحديث، ومنه
قول عثمان رظُله: ما تعثّيتُ ولا تمنّيتُ منذ أسلمت. فمعنى الآية: أن منهم أميين لا
يعلمون الكتاب، إلا أنهم يسمعون من الأحبار أشياء مُخْتَلَقة يظنونها من الكتاب)).
(١) أخرجه ابن جرير ٢/ ١٥٧، وابن أبي حاتم ١/ ١٥٢.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ١٥٢.
(٣) تفسير مجاهد ص ٢٠٧، وأخرجه ابن جرير ١٥٦/٢، وابن أبي حاتم ١/ ١٥٢. وعزاه السيوطي إلى
عبد بن حميد.
(٤) أخرجه ابن جرير ٢/ ١٥٧.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم ١٥٣/١. وفي تفسير الثعلبي ٢٢٣/١، وتفسير البغوي ١١٥/١ عنه: هي من
التمني، وهي أمانيهم الباطلة التي تمنوها على الله وَجَّل، مثل قولهم: ﴿لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ
نَصَرَى﴾ [البقرة: ١١١]، وقولهم: ﴿لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةٌ﴾ [البقرة: ٨٠].
(٦) أخرجه عبد الرزاق ١/ ٥٠، وابن جرير ٢/ ١٥٧. وعلقه ابن أبي حاتم ١/ ١٥٢.

سُورَةُ البَقَرَة (٧٨)
& ٤٩٤ %
مَوْسُوبَة التَّقْسِيرُ الْمَاتُون
(١)٣٣١
وقراءة على ظهر القلب، ولا يقرؤونها فى الكتب
ـا. (ز)
٢٥٦٧ - قال محمد بن السائب الكلبي: ﴿إِلَّ أَمَانِىَ﴾ إلّا ما تحدّثهم بهم
علماؤهم(٢)٣٣٢). (ز)
٢٥٦٨ - عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم - من طريق ابن وَهْب - في قوله: ﴿إِلَّ
(٣)٣٣٣]. (ز)
أَمَانِىَّ﴾، قال: تَمَنَّوْا فقالوا: نحن من أهل الكتاب. وليسوا منهم (٣) ١٣٢
علَّق ابنُ عطية (٢٦٣/١) على هذا القول، فقال: ((وقال آخرون: هي من تَمَنَّى: إذا
٣٣١
تلا، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَّ إِذَا تَمَنَّىَ أَلْقَى الشَّيْطَنُ فِىِّ أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢]، ومنه قول
الشاعر :
تمنَّى كتاب اللَّه أول ليلة وآخره لاقى حمام المقادر
فمعنى الآية: أنهم لا يعلمون الكتاب إلا سماع شيء يتلى، لا علم لهم بصحته)).
٣٣٢ علَّق ابنُ تيمية (١ /٢٤٨ - ٢٤٩) على قول أبي روق وقول الكلبي بقوله: ((ففي هذا
القول - قول أبي روق - جعل الأماني التي هي التلاوة: تلاوة الأميين أنفسهم. وفي ذلك -
قول الكلبي - جعل الأماني: ما يسمعونه من تلاوة علمائهم. وكلا القولين حق، والآية
تعمهما؛ فإنه وَالَ قال: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ﴾، لم يقل: لا يقرءون ولا يسمعون. ثم
قال: ﴿إِلَّ أَمَانِىَّ﴾، وهذا استثناء منقطع، لكن يعلمون أماني؛ إما بقراءتهم لها، وإما
بسماعهم قراءة غيرهم. وإن جعل الاستثناء متصلًا كان التقدير: لا يعلمون الكتاب إلا علم
أماني، لا علم تلاوة فقط بلا فهم)) .
٣٣٣ أفادت الآثار اختلاف المفسرين في معنى ﴿أَمَانِىَ﴾ على ثلاثة أقوال: الأول:
الأكاذيب. الثاني: التشهي، وتمني ما ليس لهم. الثالث: التلاوة.
وقد رجَّح ابنُ جرير (١٥٧/٢ - ١٦٠) مستندًا إلى اللغة، والسّياق القول الأول، وهو قول
ابن عباس من طريق الضحاك، وقول مجاهد من طريق بن أبي نَجِيح، وانتَقَدَ القول الثاني
والثالث، وعلَّل ذلك بأن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ أفاد أنهم يتمنون ما يتمنون من
الأكاذيب ظنًّا منهم لا يقينًا، وذلك يدل على ضعف تفسير الأماني بالتشهي أو التلاوة؛
لأنه لو كان معنى ذلك: أنهم يتلونه، لم يكونوا ظانين؛ لأنه لا يقال لمن تلا كتابًا : هو
ظان لما يتلو، إلا أن يكون شاكًّا في نفس ما يتلوه، لا يدري أحق هو أم باطل، ولم يقع
من اليهود التالين للتوراة شك في كون التوراة من عند الله، وكذلك لو كان معناه:
يشتهونه، لم يكونوا ظانين؛ لأن المتشهي يتمنى ما حصل له العلم به، وما قد وجدت ==
(١) تفسير الثعلبي ٢٢٣/١.
(٣) أخرجه ابن جرير ٢/ ١٥٧.
(٢) تفسير الثعلبي ٢٢٣/١.

سُورَةُ الْبَقَرَة (٧٨)
فَوْسُوَكَة التَّفْسِيرُ الْمَانُور
٤٩٥ ٥
== عينه، فغيرُ جائز أن يقال: هو شاٌّ فيما هو به عالم؛ لأنَّ العلم والشكَّ معنيان متنافيان لا
يجتمعان، وكذلك فالمتشهي في حال تمنيه موجود تمنيه، فغير جائز أن يقال: هو يظن
تمنيه. ثم وجّه ابن جرير الاستثناء في قوله تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ إِلَّ أَمَانِىَ﴾ بأنه
استثناء منقطع؛ لكون الأماني من غير نوع الكتاب، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿مَا لَهُم بِهِ، مِنْ
عِلَّمٍ إِلَّا أُنْبَاعَ الَّنِ﴾ [النساء: ١٥٧]، والظن من العلم بمعزل، وبيَّن أن معنى الآية - بناءً على
كون الاستثناء منقطعًا - هو: ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب، لكن أماني، يعني: لكنهم
يتمنون .
ورجّح ابنُ تيمية (٢٥٢/١ - ٢٥٤) القول بأنها التلاوة، وانتَقَدَ القولين الآخرين مستندًا إلى
اللغة، والسّياق، فقال: ((وقوله: ﴿إِلَّ أَمَانِىِ﴾ أي: تِلاوة، فهم لا يعلمون فِقْهَ الكتاب،
إنما يقتصرون على ما يسمعونه يتلى عليهم، والأمانيُّ: جمع أمْنِيَّة، وهي: التلاوة، ومنه :
قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولِ وَلَا نَبِيٍ إِلَّ إِذَا تَمَنَّىَ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِىّ أُمْنِيَّتِهِ،
فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ ءَايَتِهِ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: ٥٢])). ثم
حكى القولين الآخرين، ثم قال: ((كلا القولين ضعيف، والصواب الأول؛ لأنه سبحانه
قال: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّنُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ إِلَّ أَمَانِىَ﴾، وهذا الاستثناء إما أن يكون متصلًا أو
منقطعًا، فإن كان متصلًا لم يجز استثناء الكذب ولا أماني القلب من الكتاب، وإن كان
منقطعًا فالاستثناء المنقطع إنما يكون فيما كان نظير المذكور، وشبيهًا له من بعض الوجوه،
فهو من جنسه الذي لم يذكر في اللفظ، ليس من جنس المذكور؛ ولهذا لا يصلح المنقطع
حيث يصلح الاستثناء المفرغ، وذلك كقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا اُلْمَوْتَ﴾ ثم قال: ﴿إِلَّا
اٌلْمَوْتَةَ الْأُولَىّ﴾ [الدخان: ٥٦]، فهذا منقطع؛ لأنه يحسن أن يقال: لا يذوقون إلا الموتة
الأولى، ... وقوله: ﴿مَا لَهُم بِهِ، مِنْ عِلْمٍ إِلَّا أَنْبَعَ الَّنَّ وَمَا قَلُوهُ يَقِيَنًا﴾ [النساء: ١٥٧] يصلح أن
يقال: وما لهم إلا اتباع الظن، فهنا لَمَّا قال: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ إِلَّ أَمَانِىَّ﴾ يحسن أن
يقال: لا يعلمونه إلا أماني، فإنهم يعلمونه تلاوة يقرءونها ويسمعونها، ولا يحسن أن
يقال: لا يعلمون إلا ما تتمناه قلوبهم، أو لا يعلمون إلا الكذب، فإنهم قد كانوا يعلمون
ما هو صدق أيضًا، فليس كل ما علموه من علمائهم كان كذبًا، بخلاف الذي لا يعقل
معنى الكتاب، فإنه لا يعلم إلا تلاوة. وأيضًا فهذه الأماني الباطلة التي تمنوها بقلوبهم
وقالوها بألسنتهم - كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ - قد اشتركوا فيها كلهم، فلا يخص
بالذم الأميون منهم، وليس لكونهم أميين مدخل في الذم بهذه، ولا لنفي العلم بالكتاب
مدخل في الذم بهذه، بل الذم بهذه مما يعلم أنها باطل أعظم من ذم من لا يعلم أنها
باطل؛ ولهذا لما ذم الله بها عَمَّم ولم يَخُصّ، فقال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن ==

سُورَةُ البَقَرة (٧٨)
٥ ٤٩٦ ٥
فَوْسُكَةُ التَّقْسِيرُ الْحَاتُور
﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ
٢٥٦٩ - عن عبد الله بن عباس - من طريق ابن إسحاق بسنده - في قوله: ﴿وَإِنْ هُمْ
إِلَّا يَظُنُّونَ﴾، قال: وهم يجحدون نبوَّتك بالظَّنِّ (١). (١/ ٤٣٢)
٢٥٧٠ - عن أبي العالية - من طريق الربيع بن أنس - ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُونَ﴾، قال:
يظنون الظنون بغير الحق (٢). (ز)
٢٥٧١ - عن الربيع بن أنس - من طريق أبي جعفر -، مثله(٣). (ز)
٢٥٧٢ - عن مجاهد بن جبر - من طريق ابن أبي نَجِيح - في قوله: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا
يَظُنُّونَ﴾، قال: إلا يكذبون (٤). (١ /٤٣٢)
٢٥٧٣ - عن قتادة بن دعامة - من طريق سعيد - ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾، قال: يظنون
الظنون بغير الحق (٥). (ز)
: آثار متعلقة بالآية:
٢٥٧٤ - عن منصور قال: سألت إبراهيم [النخعي] عن ذبائح نصارى العرب. قال:
== كَانَ هُودَّا أَوْ نَصَرَىُّ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ الآية [البقرة: ١١١]، وأيضًا فإنه قال: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا
يَظُنُّونَ﴾ فدل على أنه ذمهم على نفي العلم، وعلى أنه ليس معهم إلا الظن، وهذا حال
الجاهل بمعاني الكتاب، لا حال من يعلم أنه يكذب، فظهر أن هذا الصنف ليس هم الذين
يقولون بأفواههم الكذب والباطل، ولو أريد ذلك لقيل: لا يقولون إلا أماني، لم يقل: لا
يعلمون الكتاب إلا أماني، بل ذلك الصنف هم الذين يُحَرِّفون الكلم عن مواضعه، ويلوون
ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب، ويقولون هو من عند الله وما هو
من عند الله، ويكتبون الكتاب بأيديهم ليشتروا به ثمنا قليلاً، فهم يحرفون معاني الكتاب،
وهم يحرفون لفظه لمن لم يعرفه، ويكذبون في لفظهم وخطهم)).
(١) أخرجه ابن جرير ٢/ ١٥٥، ١٦٢. وعزاه السيوطي إلى ابن إسحاق. ينظر: سيرة ابن هشام ١ / ٥٣٨.
(٢) أخرجه ابن جرير ١٦٣/٢، وابن أبي حاتم ١/ ١٥٢.
(٣) أخرجه ابن جرير ١٦٣/٢، وابن أبي حاتم ١/ ١٥٢.
(٤) تفسير مجاهد ص٢٠٨، وأخرجه ابن جرير ٢/ ١٦٢، وابن أبي حاتم ١/ ١٥٢. وعزاه السيوطي إلى
عبد بن حميد.
(٥) أخرجه ابن جرير ٢/ ١٦٢. وعلَّقه ابن أبي حاتم ١ / ١٥٢.

سُورَةُ البَقَرَّة (٧٩)
ضَوْسُكَة التَّقْسِيةُ المَاتُور
٥ ٤٩٧
لا بأس. ثم قرأ: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ إِلَّ أَمَانِىَ﴾(١). (ز)
٢٥٧٥ - عن عطاء الخرساني، قال: لا بأس بذبائحهم، ألم تسمع الله يقول:
﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ﴾ الآية؟!(٢). (ز)
﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْنُبُونَ الْكِنَبَ بِأَيْدِبِهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلًا
فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَنَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾
نزول الآية :
٢٥٧٦ - عن عبد الله بن عباس - من طريق عبد الرحمن بن علقمة - في قوله: ﴿فَوَيْلٌ
لِلَّذِينَ يَكْثُبُونَ الْكِنَبَ بِأَيْدِبِهِمْ﴾، قال: نزلت في أهل الكتاب(٣). (٤٣٣/١)
٢٥٧٧ - عن عبد الله بن عباس - من طريق عكرمة - في قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْثُبُونَ
الْكِنَبَ﴾ الآية، قال: هم أحبار اليهود، وجدوا صفة النبي ◌َّ مكتوبة في التوراة؛
أَكْحَل (٤)، أَعْيَن(٥)، رَبْعَةَ (٦)، جَعْد الشعر، حسن الوجه، فلما وجدوه في التوراة
مَحَوه حسدًا وبَغْيًا، فأتاهم نفر من قريش فقالوا: تجدون في التوراة نبيًّا أُمِّيًّا؟
فقالوا: نعم، نجده طويلًا، أزرق، سَبْطَ الشعر. فأنكرت قريش، وقالوا: ليس هذا
مِنَّا(٧). (١ / ٤٣٥)
٢٥٧٨ - عن عبد الله بن عباس - من طريق الكَلْبِيِّ، عن أبي صالح - قال: إنهم
غَيَّروا صفة النبي ◌َّ في كتابهم، وجعلوه آدم سبطًا طويلًا، وكان رَبْعَة أسمر، وقالوا
لأصحابهم وأتباعهم: انظروا إلى صفة النبي ◌َّ الذي يُبْعَث في آخر الزمان، ليس
يشبه نعت هذا. وكانت للأحبار والعلماء مأكلة من سائر اليهود، فخافوا أن تذهب
(١) أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ١٥٢.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٧٥٧٢، ١٠٠٤٢، ١٢٧١٧).
(٣) أخرجه النسائي في الكبرى من طريق وكيع (١٠٩٩١). وعزاه السيوطي إلى وكيع، وابن المنذر.
(٤) الكَحَل: سواد في أشفار العين خلقة. لسان العرب (كحل).
(٥) الأعين: عظيم سواد العين في سَعَة. القاموس المحيط (عين).
(٦) رَبْعَة: لا بالطويل ولا بالقصير. لسان العرب (ربع).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم ١٥٤/١ (٨٠٥).
قَوَّاه الحافظ ابن حجر في العجاب ٢٧٢/١ (٢٤).

سُورَةُ الْبَقَرَة (٧٩)
مُؤَسُكَةُ التَّقْسِيَةُ الْخَاتُور
٥ ٤٩٨ %
مأكلتهم إن بيَّنوا الصفة، فمِن ثَمَّ غيروا(١). (ز)
٢٥٧٩ - عن أبي العالية - من طريق الربيع بن أنس - قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْثُبُونَ
اَلْكِنَبَ بِأَيْدِبِهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَّرُواْ بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، قال: عمدوا إلى
ما أنزل الله في كتابهم من نعت محمد وَّه، فحَرَّفوه عن مواضعه، يبتغون بذلك
عَرَضًا من عَرَض الدنيا، فقال الله: ﴿فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَنَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم ◌ِمَّا
يَكْسِبُونَ﴾، يعني: من الخطيئة(٢). (ز)
٢٥٨٠ - عن مجاهد بن جبر - من طريق ابن أبي نجيح -، قال: عمدوا إلى ما
أنزل الله رَّ في كتابه من نعت محمد بَّ، فحَرَّفوه عن مواضعه، يبتغون بذلك
عَرَضًا من عَرَض الدنيا، فقال الله رَى: ﴿فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَا كَنَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَا
يَكْسِبُونَ﴾، يعني: من الخطيئة(٣). (ز)
٢٥٨١ - قال أبو مالك [غزوان الغفاري]: نزلت هذه الآية في الكاتب الذي يكتب
الرسول الله وَّ فيغيِّر ما يُملَى عليه (٤).
٢٥٨٢ - عن قتادة بن دِعامة - من طريق مَعْمَر - في الآية، قال: كان ناس من بني
إسرائيل كتبوا كتابًا بأيديهم لِيَتَأَكَّلوا الناس، فقالوا: هذا من عند الله. وما هو من
عند الله(٥). (١ / ٤٣٧)
٢٥٨٣ - عن إسماعيل السُّدِّيِّ - من طريق أَسْبَاط - في الآية، قال: كان ناس من
اليهود يكتبون كتابًا من عندهم، ويبيعونه من العرب، ويحدثونهم أنَّه من عند الله،
فيأخذون ثمنًا قليلًا (٦) (٣٣٤). (١ / ٤٣٧)
٣٣٤ قال ابن عطية (٢٦٥/١): ((وتناسق هذه الآية على التي قبلها يُعْطِي أنَّ هذا الكَثْبَ
والتبديل إنما هو للأتباع الأميين الذين لا يعلمون إلا ما قرئ لهم)).
(١) أخرجه الواحدي في أسباب النزول (ت: ماهر الفحل) ص١١٨، ١٢٩.
إسناده ضعيف جدًّا. وينظر: مقدمة الموسوعة .
(٢) أخرجه ابن جرير ٢/ ١٦٧، ١٦٩، وابن أبي حاتم ١/ ١٥٥.
(٣) تفسير مجاهد ص٢٠٨.
(٤) تفسير الثعلبي ٢٢٥/١. وخبر الكاتب وارتداده رواه أحمد ٢٤٧/١٩ - ٢٤٨ (١٢٢١٥)، وابن حبان
١٩/٣ (٧٤٤) من حديث أنس، ولكن ليس فيه أنه سبب نزول الآية. ورواه أيضًا البخاري ٤/ ٢٠٢
(٣٦١٧)، ومسلم ٢١٤٥/٤ (٢٧٨١) عن أنس بن مالك ظُنه بنحوه دون ذكر الآيات.
(٥) أخرجه عبد الرزاق ١/ ٥٠، وابن جرير ٢/ ١٦٧، وابن أبي حاتم ١/ ١٥٤. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
(٦) أخرجه ابن جرير ٢/ ١٦٥، وابن أبي حاتم ١/ ١٥٤.

سُورَةُ الْبَقَرّة (٧٩)
مُؤْسُورَة التَّقْسِيرُ الْحَانُوز
& ٤٩٩ ٥
٢٥٨٤ - قال محمد بن السائب الكَلْبِيّ: هم أحبار اليهود وعلماؤهم، عَمدوا إلى
نعت النبي ◌َّ في كتابهم، فزادوا فيه ونقصوا، ثم أخرجوه لسَفلَتِهم، فقالوا: هذا
نعت النبي الذي يبعثه الله في آخر الزمان، ليس كنعت هذا الرجل. فإذا نظرت
السَّفِلَة إلى محمد بَّه لم يَرَوْا فيه النعت الذي في كتابهم الذي كتبت أحبارهم،
وكانت للأحبار مَأْكَلَة، فقال الله رَى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْنُبُونَ الْكِنَبَ بِأَيْدِهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ
هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، يعني: تلك الْمَأْكَلة ﴿فَوَيْلٌ لَّهُم﴾ في
الآخرة ﴿مِّمَّا كَنَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾(١). (ز)
٢٥٨٥ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْثُبُونَ الْكِنَبَ بِأَيْدِبِهِمْ﴾ سوى نعت
محمد وَلّ، وذلك أنَّ رؤوس اليهود بالمدينة مَحَوْا نعت محمد ◌َّ من التوراة،
وكتبوا سوى نعته، وقالوا لليهود سوى نعت محمد، ثم يقولون: هذا النعت من
عند الله. ﴿لِيَشْتَرُواْ بِهِ، ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾، يعني: عَرَضًا يسيرًا مما يعطيهم سَفَلَة
اليهود كل سنة من زروعهم وثمارهم، يقول: ﴿فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَنَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾
يعني: في التوراة من تغيير نعت محمد بَّه ﴿وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَا يَكْسِبُونَ﴾ من تلك
المآكل على التكذيب بمحمد نَّه، ولو تابعوا محمدًاً وَّ إذَا لَحُبِسَت عنهم تلك
المآكل(٢). (ز)
تفسير الآية:
﴿فَوَيٌْ﴾
٢٥٨٦ - عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله وَّل، قال: ((ويلٌّ وادٍ في جهنم،
يهوي فيه الكافر أربعين خريفًا قبل أن يبلغ قَعْرَه))(٣). (٤٣٣/١)
(١) ذكره يحيى بن سلام - كما في تفسير ابن أبي زمنين ١/ ١٥٢ -.
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان ١١٨/١.
(٣) أخرجه أحمد ٢٤٠/١٨ (١١٧١٢)، والترمذي ٣٨٣/٥ (٣٤٣٥)، وابن حبان ١٦/ ٥٠٨ (٧٤٦٧)،
والحاكم ٥٥١/٢ (٣٨٧٣)، ٦٣٩/٤ (٨٧٦٤)، وابن جرير ١٦٤/٢، وابن أبي حاتم ١٥٣/١ (٧٩٨) كلهم
من طريق دَرَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد.
وقال الترمذي: ((هذا حديث غريب، لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث ابن لهيعة)). ولكن ابن لهيعة لم ينفرد
به، بل قد تابعه عمرو بن الحارث عند ابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم، فالكلام ينحصر في =

سُورَةُ الْبَقَرَّة (٧٩)
٥٠٠ .
فَوْسُعَة التَّفْسِيرُ المَاتُون
٢٥٨٧ - عن عثمان بن عفان، عن رسول الله وَله: ﴿فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَنَبَتْ أَيْدِيهِمْ
وَيْلٌ لَّهُم مِّمَا يَكْسِبُونَ﴾، قال: ((الويل: جبل في النار، [وهو الذي أُنزل في اليهود؛
لأنهم حَرَّفوا التوراة، وزادوا فيها ما أَحَبُّوا، ومَحَوْا منها ما كانوا يكرهون، ومَحَوا اسم
محمد ◌َّ من التوراة، فلذلك غضب الله عليهم، فرفع بعض التوراة، فقال: ﴿فَوَيْلٌ
لَّهُم مِّمَّا كَنَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَا يَكْسِبُونَ﴾]))(١). (٤٣٣/١)
٢٥٨٨ - عن سعد بن أبي وَقَّاص، قال: قال رسول الله وَّله: ((إنَّ في النار حَجَرًا
يُقال له: ويل، يصعد عليه العُرفاء(٢)، وينزلون فيه)(٣). (١/ ٤٣٤)
٢٥٨٩ - عن عائشة، قالت: قال لي رسول الله وَّ: ((ويحك، يا عائشة)). فجَزِعْتُ
منها، فقال لي: ((يا حُمَيراء، إنَّ ويحك أو وَيْك رحمةٌ، فلا تجزعي منها، ولكن
اجزعي من الويل)) (٤). (١ / ٤٣٤)
٢٥٩٠ - عن عبد الله بن مسعود - من طريق وائل بن مَهَانَة - قال: ويلٌ وادٍ في
جهنم، يسيل فيه صَدِيدُ أهل النار(٥). (١/ ٤٣٤)
= رواية ((دَرَّاج عن أبي الهيثم)). قال ابن معين - كما في الكامل لابن عدي ١٠/٤ -: ((ما كان هكذا بهذا
الإسناد فليس به بأس)). وقال الحاكم: ((هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه)). وقال الذهبي في
التلخيص: ((صحيح)).
ولكن قال أحمد بن حنبل - كما في الكامل لابن عدي ١٠/٤ -: ((أحاديث دراج عن أبي الهيثم عن أبي
سعيد فيها ضعف)). وقال ابن كثير ٤٦٦/١ - ٤٦٧: ((لم ينفرد به ابن لهيعة كما ترى، ولكن الآفة ممن
بعده، وهذا الحديث بهذا الإسناد - مرفوعًا - منكر)).
(١) أخرجه ابن جرير ٢/ ١٦٤، ١٦٧. وما بين المعقوفين أورده ابن جرير في الموضع الثاني دون الأول،
وكذا نقله ابن كثير في تفسيره ١/ ٣١٢، والسيوطي في الدر.
قال ابن كثير: ((وهذا غريب أيضًا جِدًّا)). وقال ابن رجب في التخويف من النار ص١١٣: ((إسناده فيه
نظر)) .
(٢) العرفاء: جمع عريف، وهو النقيب، وهو دون الرئيس. لسان العرب مادة (عرف).
(٣) أخرجه البزار ٣٢٧/٣ (١١٢٣).
وقال الهيثمي في المجمع ٨٩/٣ (٤٤٨٠): ((وفيه جماعة لم أجد من ذكرهم)). وقال ابن رجب في التخويف
من النار ص١١٣: ((إسناد مجهول)). وقال الألباني في الضعيفة ١١٦/١١ (٥٠٧١): ((ضعيف)).
(٤) أخرجه الخَرَائِطِيُّ في مساوئ الأخلاق ص٣٩١ (٨٠٩)، والسلفي في الطُّيُورِيَّات ٤٧١/٢ (٤٠٨).
قال ابن حجر في الفتح ٥٥٣/١٠: ((أخرجه الخرائطي في مساوئ الأخلاق بسند واه)).
(٥) أخرجه الطبراني (٩١١٤)، والبيهقي في البعث (٥١٥). وعزاه السيوطي إلى سعيد بن منصور، وابن
المنذر .
قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٣٥/٧: ((وفيه يحيى الحِمَّاني، وهو ضعيف)).