النص المفهرس
صفحات 201-220
سُورَةُ البَقَرَّة (٢٩) مُؤْسُبعَة التَّفْسِيَةُ الْحَانُور ٥ ٢٠١ . ﴿تْ وَاُلْقَلَمِ﴾ [القلم: ١]، والحوتُ في الماء، والماءُ على ظهر صَفَاةٍ، والصَّفاة على ظهر ملك، والملكُ على صخرة، والصخرةُ في الريح، وهي الصخرةُ التي ذكرها لقمان، ليست في السماء ولا في الأرض، فتحرك الحوت، فاضطرَب، فتزلزلت الأرض، فأرسى عليها الجبالَ، فقرّت، فالجبال تفخر على الأرض، فذلك قوله: ﴿وَأَلْقَى فِىِ الْأَرْضِ رَوَاسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥]. وخلق الجبال فيها، وأقوات أهلها، وشجرها، وما ينبغي لها في يومين؛ في الثلاثاء والأربعاء، وذلك قوله: ﴿أَبِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِلَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ﴾ إلى قوله: ﴿وَبَرَكَ فِيهَا﴾ [فصلت: ٩ - ١٠]، يقول: أنبت شجرها، ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا﴾ يقول: أقواتها لأهلها، ﴿فِيّ أَرْبَعَةِ أَيَّامِ سَوَآءَ لِلسَّآيِلِينَ﴾ يقول: من سأل فهكذا الأمر، ﴿ثُمَّ أَسْتَوَىَ إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١]، وكان ذلك الدخانُ من تَنَفُّسِ الماء حين تَنَفَّس، فجعلها سماءً واحدة، ثم فتقها، فجعلها سبع سموات في يومين؛ في الخميس والجمعة، وإنما سُمِّي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السموات والأرض، ﴿وَأَوْحَى فِى كُلِّ سَمَاءِ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢] قال: خلق في كل سماء خَلْقَها؛ من الملائكة، والخلق الذي فيها من البحار، وجبال البَرَد، ومما لا يُعلم، ثم زَيَّن السماء الدنيا بالكواكب، فجعلها زينةً وحِفْظًا من الشياطين. فلمَّا فرغ من خلق ما أحبَّ استوى على العرش، فذلك حين يقول: ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةِ أَيَّامِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، يقول: ﴿كَانَنَا رَتْقًا فَفَنَقْنَهُمَّا﴾ [الأنبياء: ٣٠](١). (١ /٢٣٢) ١٠٨٣ - عن إسماعيل السُّدِّيّ - من طريق أسباط -، مثله(٢). (ز) ١٠٨٤ - عن عبد الله بن عباس - من طريق علي بن أبي طلحة - في قوله - حيث ذكر خلق الأرض قبل السماء، ثم ذكر السماء قبل الأرض، وذلك أن الله خَلَق الأرض بأقواتها من غير أن يدحوها قبل السماء -: ﴿ثُمَّ أُسْتَوَىّ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّنهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾، ثم دحا الأرض بعد ذلك، فذلك قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَنْهَا﴾ [النازعات: ٣٠](٣). (ز) ١٠٨٥ - عن عبد الله بن عباس - من طريق الكلبي، عن أبي صالح - في قوله: ﴿فَسَوَّئُهُنَّ﴾، يعني: خلق سبع سموات. قال: أجرى النار على الماء، فَبَخَرَ البحر، فصعد في الهواء، فجعل السموات منه (٤). (٢٣٢/١) (١) أخرجه ابن جرير ١/ ٤٦٢، وابن أبي حاتم ٧٤/١ موقوفًا على السدي، والبيهقي في الأسماء والصفات (٨٠٧). وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٧٤. (٤) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٨٧٢). (٣) أخرجه ابن جرير ١ / ٤٦٤. سُورَةُ الْبَقَرَة (٢٩) مَوْسُوعَة التَّفْسِيَةُ المَاتُور ٢٠٢ . ١٠٨٦ - عن أبي العالية - من طريق الربيع بن أنس - في قوله: ﴿فَسَوَّهُنَ﴾، قال: سوَّى خَلْقَهُنَّ(١). (٢٣٢/١) ١٠٨٧ - عن مجاهد - من طريق ابن أبي نَجِيح - في قوله: ﴿ثُمَّ اُسْتَوَىّ إِلَى السَّمَآءِ فَسَوَّهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾، يقول: خلق سبع سموات بعضهن فوق بعض، وسبع أرضين بعضهن تحت بعض (٢). (٢٣٠/١) ١٠٨٨ - عن قتادة - من طريق مَعْمَر - في قوله: ﴿فَسَوَّهُنَّ سَبْعَ سَمَوَتٍ﴾، قال: بعضهن فوق بعض، بين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام(٣). (٢٤٠/١) ١٠٨٩ - عن الربيع بن أنس - من طريق أبي جعفر - ﴿فَسَوَّهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ يقول : سوَّى خلقهن، ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾(٤). (ز) ١٠٩٠ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَسَوَّنهُنَّ﴾ يعني: فخَلَقَهُنَّ ﴿سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾، فهذا أعظمُ مِن خَلْق الإنسان، وذلك قوله سبحانه: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ (٥) ١٢٨] خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] . (ز) ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ٢٩ ١٠٩١ - عن عبد الله بن عباس - من طريق علي بن أبي طلحة - قال: العالِمُ الذي قد كَمُل في عِلْمِه (٦)١٢٩. (ز) ١٢٨] نقل ابن عطية (١٦٣/١) في معنى ﴿فَسَوَّهُنَّ﴾ قولًا غير ما ذُكِر، فقال: ((وقيل: سوَّى سطوحها بالإملاس)). ١٢٩] قال ابن جرير (٤٦٦/١): ((وقوله: ﴿عَلِيمٌ﴾ بمعنى: عالم)). مُستندًا لأثرِ ابن عباس، ولم يذكر غيرَه. (١) أخرجه البخاري ٢٦٩٨/٦، وابن جرير - كما في التغليق ٣٤٤/٥، والفتح ٤٠٥/٣ -، وابن أبي حاتم ١/ ٧٥. وعَلَّقه البيهقي في الأسماء والصفات (عقب ٨٧٢). وهو في تفسير الطبري ١/ ٤٥٨ من قول الربيع. (٢) أخرجه ابن جرير ٤٦٣/١، وابن أبي حاتم ١/ ٧٥، وأبو الشيخ (٨٨٥). وعزاه السيوطي إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد. (٣) أخرجه عبد الرزاق ١/ ٤٢، وابن جرير ٤٦٤/١، وابن أبي حاتم ١/ ٧٥. (٤) أخرجه ابن جرير ١/ ٤٥٨. (٦) أخرجه ابن جرير ١ / ٤٦٦. (٥) تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٩٦. مَوْسُكَبْ التَّفْسَِّةُ المَاتُور سُورَةُ الْبَقَرَة (٢٩) ٥ ٢٠٣ %= ١٠٩٢ - عن سعيد بن جبير - من طريق عطاء بن دينار - في قول الله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾، يعني: من أعمالكم عليم(١). (ز) ١٠٩٣ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ﴾ من الخلق ﴿عَلِيمٌ﴾ بالبعث وغيره(٢). (ز) آثار متعلقة بالآية: ١٠٩٤ - عن أبي هريرة، قال: أخذ رسول الله وَ له بيدي، فقال: ((خلق الله رَّ التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم ظلَّ بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل))(٣). (٢٣٣/١) ١٠٩٥ - عن عبد الله بن مسعود، قال: إنَّ أَعْدَل آية في القرآن آخرُها اسمٌ من أسماء الله (٤). (١/ ٢٤٠) ١٠٩٦ - عن حَبَّةَ العُرَنِيّ، قال: سمعت عليًّا ذات يوم يحلِفُ: والذي خلق السماء من دخان وماء(٥). (١/ ٢٣٩) ١٠٩٧ - عن عبد الله بن سَلام - من طريق سعيد بن أبي سعيد - أنَّه قال: إنَّ الله بدأ الخلق يوم الأحد، فخلق الأرضين في الأحد والاثنين، وخلق الأقوات والرَّواسِي في الثلاثاء والأربعاء، وخلق السموات في الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة، فخلق فيها آدم على عجل؛ فتلك الساعة التي تقوم فيها الساعة (٦). (ز) ١٠٩٨ - عن عبد الله بن عمرو، قال: لَمَّا أراد الله أن يخلق الأشياء - إذ كان عرشه على الماء، وإذ لا أرض ولا سماء - خَلَق الريح، فسَلَّطها على الماء، حتى (١) أخرجه ابن أبي حاتم ٧٥/١ (٣١٢). (٢) تفسير مقاتل بن سليمان ١ / ٩٦. (٣) أخرجه مسلم ٢١٤٩/٤ (٢٧٨٩)، وابن جرير ٣٢٨/١٢ - ٣٢٩، ٣٨٣/٢٠ - ٣٨٤، وابن أبي حاتم ٧٤/١ (٣٠٤) . (٤) عزاه السيوطي إلى ابن الضريس. (٦) أخرجه ابن جرير ١ / ٤٦٤. (٥) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم. سُورَةُ البَقَرّة (٢٩) ٤ ٢٠٤ فَوْسُوعَة التَّفْسِيَةُ المَاتُور اضطربت أمواجُه، وأثار ركامه، فأخرج من الماء دخانًا وطينًا وزَبَدًا، فأمر الدُّخان فعلا وسما ونما، فخلق منه السموات، وخلق من الطين الأرضين، وخلق من الزَّبَد الجبال(١). (٢٣٣/١) ١٠٩٩ - قال محمد بن إسحاق - من طريق سَلَمة بن الفَضْل -: كان أوَّل ما خلق الله تبارك وتعالى النُّور والظُّلْمَة، ثم ميَّز بينهما، فجعل الظُّلْمَة ليلًا أسود مُظْلِمًا، وجعل النور نهارا مُضِيئًا مُبْصِرًا، ثم سَمَك السموات السبع من دخان، يقال - والله أعلم -: من دخان الماء، حتى استقللن، ولم يُحْبَكْنَ، وقد أَغْطَش في السماء الدنيا ليلَها، وأخرج ضُحاها، فجرى فيها الليلُ والنهارُ، وليس فيها شمس ولا قمر ولا نجوم، ثم دَحى الأرض فأرساها بالجبال، وقدَّر فيها الأقوات، وبثّ فيها ما أراد من الخَلْق، ففَرَغ من الأرض وما قَدَّر فيها من أقواتِها في أربعة أيام، ثم استوى إلى السماء وهي دخان - كما قال - فحَبَكَهُنَّ، وجعل في السماء الدنيا شمسَها وقمرَها ونجومَها، وأوحى في كل سماء أمرها، فأكمل خَلْقَهُنَّ في يومين، ففرغ من خلق السموات والأرض في ستة أيام، ثم استوى في اليوم السابع فوق سماواته، ثم قال السماوات والأرض: ﴿أَثْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١] لِمَا أردتُ بكما، فاطمَئِنَّا عليه طوعًا أو كرهًا. ﴿قَالَتَآ أَنَّيْنَا طَبِعِينَ﴾ (٢)١٣٠. (ز) اختار ابنُ جرير (١/ ٤٦١) أنَّ المعنى المراد بالسماء في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَىّ إِلَ ١٣٠ السَّمَآءِ﴾: معنى الجمع. وانتَقَد قولَ من قال: إن السماء وإن كانت سماء فوق سماء، فهي في التأويل واحدة. مُسْتَدِلًا بأثرِ ابن اسحاق، ثُمَّ أَعْقَبَه بقوله: ((وإنما استشهدنا لقولنا الذي قلنا في ذلك بقول ابن إسحاق؛ لأنه أوضح بيانًا عن خبر السموات أنهن كُنَّ سبعًا من دخان قبل استواء ربنا إليها بتسويتها من غيره، وأحسنُ شرحًا لما أردنا الاستدلال به من أنَّ معنى السماء التي قال الله فيها: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ بمعنى الجمع على ما وصفنا، وأنه إنما قال - جَلَّ ثناؤه -: ﴿فَسَوَّنهُنَّ﴾ إذ كانت السماء بمعنى الجمع على ما بَيّنَا)). (١) أخرجه عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب الرد على الجهمية ص ١٢. (٢) أخرجه ابن جرير ١ / ٤٦٠. مُوسُعَبْ التَّفْسِيَةُ الْحَانُوز ٥ ٢٠٥ % سُورَةُ البَقَرة (٣٠) ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَبِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ الآيات سياقات القصة كاملة: ١١٠٠ - عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي ◌َّ - من طريق السُّدِّيّ، عن مُرَّة الهمداني - = (٢٤٤/١) ١١٠١ - وعبد الله بن عباس - من طريق السُّدِّيّ، عن أبي مالك وأبي صالح -: لَمَّا فَرَغَ اللهُ مِن خَلْق ما أحبَّ استوى على العرش، فجعل إبليسُ على مُلْك سماء الدنيا، وكان من قبيلةٍ من الملائكة يقال لهم: الجن؛ وإنما سموا الجِنَّ لأنهم خُزَّان الجنة، وكان إبليس مع مُلْكِه خازِنًا، فوقع في صدره كِبْر، وقال: ما أعطاني الله هذا إلا المزيد(١) لي على الملائكة، فلما وقع ذلك الكِبْرُ في نفسه اطَّلَع الله على ذلك منه، فقال الله للملائكة: ﴿إِنّ جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. قالوا: ربَّنا، وما يكون ذلك الخليفة؟ قال: يكون له ذريةٌ، يُفْسِدون في الأرض، ويَتَحاسَدُون، ويقتل بعضهم بعضًا. قالوا: ربنا، أتجعل فيها من يفسد فيها، ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟! قال: إني أعلم ما لا تعلمون. يعني: من شأن إبليس. فبعث جبريلَ نَّ إلى الأرض؛ ليأتيه بطين منها، فقالت الأرض: إنِّي أعوذ بالله منك أن تنقص مني، أو تُشِينَنِي. فرجع، ولم يأخذ، وقال: ربِّ، إنها عاذتْ بك؛ فأعذتُها . فبعث الله ميكائيل، فعادت منه، فأعاذها، فرجع، فقال كما قال جبريل، فبعث ملك الموت، فعاذت منه، فقال: وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره. فأخذ من وجه الأرض، وخلط، فلم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء؛ فلذلك خرج بنو آدم مختلفين، فصعد به، فبلَّ التراب حتى عاد طينًا لازِبًا - واللازِب: هو الذي يلتزق بعضه ببعض -، ثم تُرِك حتى أَنتَن وتَغَيَّر، وذلك حين يقول: ﴿مِّنْ حَمٍَ مَّسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]، قال: مُنتِن. ثم قال للملائكة: ﴿إِنِّ خَلِقٌ بَشَرًا مِّنِ طِينٍ ﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ, وَنَفَحْتُ فِيهِ مِن رُوحِى فَقَعُواْ لَهُ، سَجِدِينَ﴾ [ص: ٧١، ٧٢]، فخلقه الله بيديه لكيلا يتكبر إبليس عليه؛ ليقول له: تتكبّر عما عَمِلْتُ بَيَدَيَّ ولم أتكبر أنا عنه؟ فخلقه بشرًا، فكان جسدًا من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة، فمَرَّت به (١) قال ابن جرير ٤٨٦/١: ((هكذا قال موسى بن هارون [شيخ ابن جرير]، وقد حدثني به غيره، وقال: لمزية لي)). سُورَةُ البَقَرة (٣٠) = ٢٠٦ % فَوْسُعَبْ التَّفْسِيَةُ الْمَانُون الملائكة، ففزعوا منه لَمَّا رَأَوْه، وكان أشدهم منه فَزَعًا إبليس، فكان يَمُرُّ فيضربه، فيُصَوِّت الجسدُ كما يُصَوَّتِ الفَخَّارُ، وتكون له صَلْصَلَة، فذلك حين يقول: ﴿مِن صَلْصَلِ كَالْفَخَارِ﴾ [الرحمن: ١٤]، ويقول: لأمر ما خُلِقْتَ. ودخل من فِيه، فخرج من دُبُرِه، فقال للملائكة: لا ترهبوا من هذا، فإن ربكم صَمَد، وهذا أَجْوَف، لئن سُلِّطتَ عليه لأُهْلِكَنَّه. فلما بلغ الحينُ الذي يريد الله - جل ثناؤه - أن ينفخ فيه الروح، قال للملائكة: إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له. فلما نفخ فيه الروح، فدخل الروح في رأسه عَطَس، فقالت له الملائكة: قل: الحمد لله. فقال: الحمد لله. فقال له الله: رحمك ربك. فلما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام، فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه عَجْلان إلى ثمار الجنة، فذلك حين يقول: ﴿خُلِقَ الْإِنَنُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]. ﴿فَسَجَدَ الْمَلَتِكَةُ كُلُهُمْ أَجْمَعُونَ ﴿ إِلَّ إِبْلِسَ أَ أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣٠ - ٣١]، أي: استكبر، وكان من الكافرين. قال الله له: ما منعك أن تسجد إذ أمرتك لما خَلَقْتُ بَيَدَيَّ؟ قال: أنا خير منه، لم أكن لأسجد لبشر خلقته من طين. قال الله له: اخرج منها ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ﴾ يعني: ما ينبغي لك ﴿أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَأَخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣]. والصَّغار هو الذُّلُّ. قال: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ اُلْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، ثم عَرَض الخلق على الملائكة، فقال: ﴿أَنُّْونِ بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءٍ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ أنَّ بني آدمِ يُفْسِدون في الأرض، ويسفكون الدماء. فقالوا له: ﴿سُبْحَنَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَّأَ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. قال الله: ﴿يَقَدَمُ أَنْبِشْهُم بِأَسْمَابِهِمٌّ فَلَمَّا أَنْبَأَهُم بِأَسْمَيِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنَّ أَغْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا نُبْدُونَ وَمَا كُتُمْ تَكْتُهُونَ﴾. قال: قولهم: ﴿أَتَّجَعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾، فهذا الذي أبدوا، وأعلم ما كنتم تكتمون، يعني: ما أَسَرَّ إبليسُ في نفسه من الكِبْرَ(١)[٣]. (ز) ١٣١] قال ابن جرير (٤٧٩/١ - ٤٨٠) مُبَيِّنًا تأويل الآية على هذه الرواية: ((تأويل الآية على هذه الرواية: إني جاعل في الأرض خليفةً منّي، يخلفني في الحكم بين خلقي، وذلك الخليفة هو آدمُ، ومن قام مقامه في طاعة الله والحكم بالعدل بين خلقه، وأمَّا الإفساد وسفك الدماء بغير حقها فمن غير خلفائه)). (١) أخرجه ابن جرير ١/ ٤٨٧ - ٤٨٨، وابن عساكر ٣٧٧/٧. وأورده السيوطي دون ذكر ابن عباس إلى قوله: من شأن إبليس . == سُورَةُ البَدَرة (٣٠) مَوْسُعَبْ التَّفْسِيرُ الْمَانُور ٥ ٢٠٧ ١١٠٢ - عن عبد الله بن عباس - من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك - قال: كان إبليس مِنْ حَيٍّ من أحياء الملائكة، يقال لهم: الجن، خُلِقوا من نار السَّمُوم من بين الملائكة، قال: وكان اسمه: الحارث. قال: وكان خازِنًا من خُزَّان الجنة. قال: وخُلِقَت الملائكة كلهم من نورٍ غير هذا الحي. قال: وخُلِقَت الجِنُّ الذين ذُكِروا في القرآن من مارج من نار - وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا أُلهِبَت -. قال: == ثم انتَقَد ابنُ جرير (٤٨٩/١ - ٤٩١ بتصرف) هذا الخبر بدلالةِ العقلِ بقوله: ((هذا إذا تَدَبَّرَه ذو الفَهْم عَلِم أنَّ أوله يُفسِد آخرَه، وأنَّ آخرَه يُبْطِل معنى أولِّه؛ وذلك أن الله - جل ثناؤه - إن كان أخبر الملائكة أن ذرية الخليفة الذي يجعله في الأرض تفسد فيها، فقالت الملائكة لربها: ﴿أَتَجَعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾؛ فلا وجه لتوبيخها على أن أخبرت عمَّن أخبرها اللهُ عنه أنه يفسد في الأرض، فيجوز أن يقال لها فيما طُوِي عنها من العلوم: أخبرونا بالذي قد طوى الله عنكم علمه، كما قد أخبرتمونا بالذي قد أَطْلَعَكُم الله عليه. بل ذلك خَلْفٌ من التأويل، ودعوى على الله ما لا يجوز أن يكون له صفة، وأخشى أن يكون بعض نقلة هذا الخبر هو الذي غلط على مَن رواه عنه من الصحابة، وأن يكون التأويل منهم كان على ذلك: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين فيما ظننتم أنكم أدركتموه من العلم بخبري إيَّاكم أن بني آدم يُفسدون في الأرض، ويسفكون الدماء، حتى استجزتم أن تقولوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء. فيكون التوبيخُ حينئذ واقعًا على ما ظَنُّوا أنهم قد أدركوا بقول الله لهم: إنه يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء. لا على إخبارهم بما أخبرهم الله به أنه كائن؛ وذلك أنَّ الله - جل ثناؤه - وإن كان أخبرهم عما يكون من بعض ذرية خليفته في الأرض ما يكون منه فيها من الفساد وسفك الدماء، فقد كان طوى عنهم الخبر عَمَّا يكون من كثير منهم بما يكون من طاعتهم ربهم، وإصلاحهم في أرضه، وحقن الدماء، ورفعه منزلتهم، وكرامتهم عليه، فلم يخبرهم بذلك. فقالت الملائكة: ﴿أَتَجَعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾ على ظَنِّ منها - على تأويل هذين الخبرين اللذين ذكرت وظاهرهما - أنَّ جميع ذرية الخليفة الذي يجعله في الأرض يُفسِدون فيها، ويسفكون فيها الدماء. فقال الله لهم: ﴿أَنْبُّونِ بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءٍ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ أنَّكم تعلمون أن جميع بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء، على ما ظننتم في أنفسكم. إنكارًا منه - جل ثناؤه - لقيلهم ما قالوا من ذلك على الجميع والعموم، وهو من صفة خاصِّ ذرية الخليفة منهم)) . وعلَّقَ ابن كثير (٢٣٠/١) على هذه الرواية بقوله: «هذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور في تفسير السُّدِّي، ويقع فيه إسرائيليات كثيرة، فلعل بعضها مُدْرَج ليس من كلام الصحابة، أو أنهم أخذوه من بعض الكتب المتقدمة)). سُورَةُ البَقرة (٣٠) مُؤْسُوبَةُ التَّفْسِيَةُ المَاتُون ٥ ٢٠٨ % وخُلِق الإنسان من طين، فأول من سكن الأرضَ الجنُّ، فأفسدوا فيها، وسفكوا الدماء، وقتل بعضهم بعضًا. قال: فبعث الله إليهم إبليسَ في جُندٍ من الملائكة - وهم هذا الحي الذين يقال لهم: الجن -، فقتلهم إبليسُ ومن معه، حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال، فلمَّا فعل إبليس ذلك اغْتَرَّ في نفسه، وقال: قد صنعتُ شيئًا لم يصنعه أحد. قال: فاطّلع اللهُ على ذلك مِن قلبه، ولم تَطَّلِع عليه الملائكةُ الذين كانوا معه؛ فقال الله للملائكة الذين معه: ﴿إِنِّ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾. فقالت الملائكة مجيبين له: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ اُلْدِّمَاءَ﴾، كما أفسدت الجنُّ، وسفكت الدماء، وإنما بعثتنا عليهم لذلك. فقال: ﴿إِنِّّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾. يقول: إني قد اطَّلَعْتُ مِن قَلْب إبليس على ما لم تَطَّلِعوا عليه من كِبْره واغْتِرَاره. قال: ثم أمر بتربة آدم فرُفِعَت، فخلق الله آدم من طين لازِب - واللازب: اللَّزِج الطيِّب - من حَمَأْ مَسْنُون مُنتِن. قال: وإنما كان حَمَأَ مسنونًا بعد التراب. قال: فخلق منه آدم ◌َلَّمَ بيده. قال: فمكث أربعين ليلة جسدًا مُلْقَى، فكان إبليس يأتيه، فيضربه برجله، فيُصَلْصِل - أي: فيُصَوِّت .. قال: فهو قول الله - تعالى ذِكْرُه ـ: ﴿مِن صَلْصَلِ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: ١٤]. يقول: كالشيء المنفوخ الذي ليس بمُصْمَت. قال: ثم يدخل في فِيه، ويَحْرُج من دُبُرِهِ، ويدخل منِ دُبُره، ويَخْرُج مِن فيه. ثم يقول: لَسْتَ شيئًا للصَّلْصَلَة، ولشيء ما خُلِقت! لَئِن سُلِّطتُّ عليك لأُهْلِكَنَّك، ولئن سُلِّطتَّ عَليَّ لأَعْصِيَنَّك. قال: فلمَّا نفخ الله فيه من روحه، أتت النفخة من قِبل رأسه، فجعل لا يجري شيء منها في جسده إلا صار لحمًا ودَمًا، فلما انتهت النفخة إلى سُرَّتِه نظر إلى جسده، فأعجبه ما رأى من حُسْنه، فذهب لينهض فلم يَقْدِر، فهو قول الله: ﴿وَكَانَ الْإِنسَنُ عَجُلًا﴾ [الإسراء: ١١]. قال: ضَجِرًا، لا صبر له على سراء ولا ضراء. قال: فلمَّا تَمَّت النفخة في جسده عَطَس، فقال: الحمد لله رب العالمين. بإلهام الله له. فقال الله له: يرحمك الله، يا آدم. قال: ثم قال الله للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة دون الملائكة الذين في السموات: اسجدوا لآدم. فسجدوا كلهم أجمعون، إلا إبليس أبى واستكبر، لِمَا كان حدَّث به نفسَه من كِبْرِهِ واغْتِرَاره، فقال: لا أسجد له، وأنا خير منه، وأكبر سِنًّا، وأقوى خَلْقًا، خلقتني من نار وخلقته من طين. يقول: إنَّ النار أقوى من الطين. قال: فلَمَّا أبى إبليسُ أن يسجد أَبْلَسَه الله، أي: آيَسَه من الخيرِ كُلِّه، وجعله شيطانًا رجيمًا؛ عقوبة لمعصيته. ثُمَّ عَلَّم آدم الأسماء كلها، وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس: إنسان، ودابة، فَوَسُوعَة التَّفْسِيرُ الْمَاتُور : ٢٠٩ %= سُورَةُ البَقَرَة (٣٠) وأرض، وسهل، وبحر، وجبل، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها. ثم عرض هذه الأسماء على أولئك الملائكة - يعني: الملائكة الذين كانوا مع إبليس الذين خُلِقوا من نار السَّموم -، وقال لهم: ﴿ أَنْتُونِ بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾ يقول: أخبروني بأسماء هؤلاء، ﴿إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾: إن كنتم تعلمون لِمَ أجعل في الأرض خليفة. قال: فَلَمَّا علمت الملائكةُ مؤاخذة الله عليهم فيما تكلموا به من علم الغيب الذي لا يعلمه غيره، الذي ليس لهم به علم، قالوا: ﴿سُبْحَنَكَ﴾ تنزيهًا لله من أن يكون أحد يعلم الغيب غيره، تُبّنا إليك، ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ تَبَرِّيًا منهم من علم الغيب ﴿إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ كما علمتَ آدم. فقال: ﴿يَدَمُ أَنْبِئْهُم ◌ِأَسْمَاءِمٌ﴾ يقول: أَخْبِرْهم بأسمائهم، ﴿فَمَّا أَنْبَهُمْ بِأَسْمَاءِهِمْ﴾ يقول: أخبرهم بأسمائهم، ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ﴾ أيها الملائكة خاصة: ﴿إِنَّ أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ولا يعلمه غيري، ﴿وَأَعْلَمُ مَا نُبْدُونَ﴾ يقول: ما تظهرون، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْثُمُونَ﴾ يقول: أعلم السر كما أعلم العلانية، يعني: ما كَتَم إبليسُ في نفسه من الكِبْر والاغْتِرار (١)١٣٢]. (٢٤١/١) ١٣٢ عَلَّقَ ابن جرير (٤٨٥/١ - ٤٨٦) على هذه الرواية بقوله: ((وهذه الرواية عن ابن عباس تُنبِئ عن أنَّ قول الله - جل ثناؤه -: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَتِكَةِ إِنِ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِفَةٌ﴾ خِطابٌ من الله - جل ثناؤه - لخاصٍّ من الملائكة دون الجميع، وأنَّ الذين قيل لهم ذلك من الملائكة كانوا قبيلة إبليس خاصة، وأنَّ الله إنَّما خَصَّهم بقيل ذلك امتحانًا منه لهم وابتلاء؛ لِيُعَرِّفهم قصورَ علمهم، وفضل كثير مِمَّن هو أضعف خلقًا منهم من خلقه عليهم، وأنَّ كرامته لا تنال بقُوى الأبدان وشِدَّة الأجسام، كما ظنه إبليس عدو الله، ومصرح بأن قيلهم لربهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾ كانت هفوة منهم، ورجمًا بالغيب، وأنَّ الله - جل ثناؤه - أَظْلَعَهم على مكروهِ ما نطقوا به من ذلك، ووَقَفَهم عليه، حتى تابوا وأنابوا إليه مما قالوا ونطقوا من رجم الغيب بالظنون، وتَبَرَّءُوا إليه أن يعلم الغيب غيره، وأظهر لهم من إبليس ما كان منطويًا عليه من الكبر الذي قد كان عنهم مُسْتَحْفِيًا)). وبَيَّنَ (١ / ٥٠٠) أيضًا أنَّ الرواية تحتمل ورود قول الملائكة: ((على وجه الاستعلام منهم لربهم، لا على وجه الإيجاب أنّ ذلك كائن كذلك، فيكون ذلك منها إخبارًا عما لم تَطَّلِع عليه من علم الغيب)). وانتَقَد ابنُ كثير (٣٥٥/١) هذا الأثر بقوله: ((هذا سياق غريب، وفيه أشياء فيها نظر يطول مناقشتها)). (١) أخرجه ابن جرير ٤٨٢/١ - ٤٨٥. وأورده السيوطي إلى قوله: وجعله شيطانًا رجيمًا عقوبة لمعصيته. وعزاه إلى عبد بن حميد. سُورَةُ البَقرة (٣٠) & ٢١٠ %= مَوَسُوعَة التَّفْسِيَةُ الْمَانُور ١١٠٣ - عن الحسن البصري - من طريق جرير بن حازم، ومبارك، وأبي بكر - = ١١٠٤ - وقتادة - من طريق أبي بكر - قالا: قال الله لملائكته: ﴿إِنِّ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. قال لهم: إني فاعل. فَعَرَّضُوا برأيهم، فعلَّمَهم عِلْمًا، وطوى عنهم عِلْمًا عَلِمَه لا يعلمونه، فقالوا بالعلم الذي علَّمهم: ﴿أَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفُِ اُلْدِّمَآءَ﴾. وقد كانت الملائكةُ عَلِمَتْ من علم الله أنه لا ذنب أعظم عند الله من سفك الدماء، ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِسُ لَكِّ قَالَ إِنَّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾. فلما أخذ في خلق آدم همست الملائكة فيما بينها، فقالوا: ليخلق ربُّنا ما شاء أن يخلق، فلن يخلق خلقًا إلا كنا أعلم منه، وأكرم عليه منه. فلمَّا خلقه، ونفخ فيه من روحه، أمرهم أن يسجدوا له لِمَا قالوا، ففضَّله عليهم، فعلموا أنهم ليسوا بخير منه، فقالوا : إن لم نكن خيرًا منه فنحن أعلم منه؛ لأنَّا كُنَّا قبله، وخُلِقَت الأمم قبله، فلما أُعْجِبوا بعلمهم ابتُلُوا، ﴿وَعَلَّمَ ءَدَمَ اُلْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَئِكَةِ فَقَالَ أَنَِّثُونِى بِأَسْمَآءِ هَؤُلَاءٍ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ أَنِّي لا أخلق خلقًا إلا كنتم أعلم منه، فأخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قال: فَفَزِع القوم إلى التوبة - وإليها يفزَع كلُّ مؤمن -، ﴿ قَالَ يَقَدَمُ أَنْبِئْهُم فقالوا: ﴿سُبْحَنَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ بِأَسْمَاءِهِمِّ فَلَمَّ أَنْبَهُم بِأَسْمَاءِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنَّ أَغْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا نُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ لقولهم: ليخلق ربنا ما شاء، فلن يخلق خلقًا أكرم عليه مِنَّا، ولا أعلم مِنَّا. قال: علَّمه اسمَ كل شيء، هذه الخيل، وهذه البغال، والإبل، والجن، والوحش، وجعل يسمي كل شيء باسمه، وعرضت عليه أمة أمة: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنَّ أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا نُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْنُمُونَ﴾. قال: أمَّا ما أَبْدَوا فقولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾. وأما ما كتموا فقول بعضهم لبعض: نحن خير منه، وأعلم (١). (ز) ١١٠٥ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَبِكَةِ إِ جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾ وذلك أن الله رَّ خلق الملائكة والجن قبل خلق الشياطين والإنس، وهو آدم ظلَّلاَ، فجعلهم سُكَّانَ الأرض، وجعل الملائكة سُكَّانَ السماوات، فوقع في الجن الفتنُ والحسدُ؛ فاقتتلوا، فبعث الله جُندًا من أهل سماء الدنيا - يُقال لهم: الجن، إبليس عدو الله منهم، خُلِقوا جميعًا من نار، وهم خُزَّان الجنة، رأسهم إبليس -، فهبطوا (١) أخرجه ابن جرير ١/ ٤٩٢. سُورَةُ الْبَقَرة (٣٠) فَوَسُعَزْ التَّفْسِيرُ المَاتُور =& ٢١١ = إلى الأرض، فلم يُكَلَّفوا من العبادة في الأرض ما كُلِّفوا في السماء، فأحبوا القيام في الأرض، فأوحى الله رَك إليهم: ﴿إِنِّ جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ سواكم، ورافعكم إِلَيَّ. فكَرِهوا ذلك؛ لأنهم كانوا أهون الملائكة أعمالًا. ﴿قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا﴾ يقول: أتجعل في الأرض ﴿مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ يعني: مَن يعمل فيها بالمعاصي، ﴿وَيَسْفِكُ اُلْدِّمَاءَ﴾ بغير حق كفعل الجن، ﴿وَنَحْنُ نُسَبِحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكٌ﴾ يقول: نحن نذكرك بأمرك. كقوله سبحانه: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ ﴾ [الرعد: ١٣] يعني: يذكره بأمره. ﴿وَنُقَدِّسُ لَكٌ﴾ ونُصَلِّي لك، ونُعَظّم أمرك. قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ إنَّ فِي علمي أنَّكم سكان السماء، ويكون آدم وذريته سكان الأرض، ويكون منهم من يسبح بحمدي ويعبدني. فخلق آدم ظلّل من طين أحمر وأبيض، من السَّبَخَةِ(١) والعَذْبَةِ؛ فَمِن ثَمَّ نسلُه أبيض وأحمر وأسود، مؤمن وكافر. فحَسَد إبليسُ تلك الصورة، فقال للملائكة الذين هم معه: أرأيتم هذا الذي لم تَرَوْا شيئًا من الخلق على خِلْقَته، إِن فُصِّل عَلَيَّ ماذا تصنعون؟ قالوا: نسمع ونطيع لأمر الله. وأَسَرَّ عدوُّ الله إبليسُ في نفسه: لَئِن فُضِّل آدمُ عليه لا يطيعه، ولَيَسْتَفِزَّنَّه. فتُرِك آدمُ طينًا أربعين سنة مُصَوَّرًا، فجعل إبليس يدخل من دُبُرِه ويخرج من فِيهِ، ويقول: أنا نار وهذا طين أجوف، والنار تغلب الطين، ولأَغْلِبَنَّه. فذلك قوله رَى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِيْلِسُ ظَنَّهُ فَأَتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ اُلْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٢٠]، يعني: قوله يومئذ: لأغلبنه. وقوله: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ﴾ يعني: لأَحْتَوِيَنَّ على ﴿ذُرِّيَّنَهُ، إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢]. فقال للرُّوح: ادخلي هذا الجَسَد. فقالت: أَيْ ربِّ، أين تُدْخِلُنِي هذا الجسد المظلم؟! فقال الله - تبارك وتعالى -: ادخُلِيه كُرْهًا. فدخلته كُرْهًا، وهي لا تخرج منه إِلَّا كُرْهَا. ثُمَّ نُفِخ فيه الروحُ من قِبَل رأسه، فترددت الرُّوحُ فيه حتَّى بَلَغَت نِصْفَ جسده موضع السُّرَّة، فعَجَّل للقعود، فذلك قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنسَنُ عَجُلًا﴾ [الإسراء: ١١]. فَجَعَلَتِ الرُّوحُ تَتَرَدَّدُ فيه، حتَّى بلغت أصابع الرِّجْلَيْن، فأرادت أن تخرج منها فلم تَجِد منفذًا، فرجعت إلى الرأس، فخرجت من المِنْخَرَيْنِ، فعطس عند ذلك لخروجها من مِنْخَرَيْهِ، فقال: الحمد لله. فكان أول كلامه، فرد ربُّه رَمّى: يرحمك الله، لهذا خلقتك، تُسَبِّح بحمدي، وتُقَدِّس لي. فسبقت رحمتُه لآدم ◌َِّ. ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ اٌلْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، ثُمّ إن الله تبارك وتعالى حشر الطير، والدوابَّ، وهوام (١) السبخة: الأرض المالحة. لسان العرب (سبخ). سُورَةُ الْبَقَرة (٣٠) ٥ ٢١٢ °= مُؤْسُورَةُ التَّفْسِيرُ الْمَانُور الأرض كلها، فعلم آدم ظلَّلاَ أسماءَها، فقال: يا آدم، هذا فرس، وهذا بغل، وهذا حمار. حتى سَمَّى له كلَّ دابة، وكل طير باسمه، ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَئِكَةِ﴾ ثُمَّ عرض أهل تلك الأسماء على الملائكة الذين هم في الأرض، ﴿فَقَالَ أَنْتُونِ﴾ يعني: أخبِروني ﴿بِأَسْمَآءِ هَؤُلاءِ﴾ يعني: دواب الأرض كلها، ﴿إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ بأنِّي جاعلٌ في الأرض مَن يُفسِد فيها ويَسْفِك الدماء. ﴿قَالُواْ﴾ قالت الملائكة: ﴿سُبْحَنَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنََّ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. قال الله رَّ لهم: كيف تَدَّعُون العلمَ فيما لَمْ يُخْلق بعدُ، وَلَم تَرَوْه، وأنتم لا تعلمون مَن تَرَوْن. قال الله رَّت لآدم: يا آدم، ﴿أَنْبِئْهُم بِأَسْمَاءِهِمْ﴾. يقول: أخبر الملائكة بأسماء دواب الأرض والطير كلها. ففعل، قال الله رَى: ﴿فَلَمَّا أَنْبَهُمْ بِأَسْمَاءِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنَّ أَعْلَمُ غَيْبَ﴾ ما يكون في ﴿ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا نُبْدُونَ﴾ يعني: ما أظهرت الملائكةُ لإبليس من السمع والطاعة للرَّبِّ، ﴿وَ﴾ أعلم ﴿مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ يعني: إبليس وحده؛ ما كان أَسَرَّ إبليسُ في نفسه من المعصية لله رَّ في السجود لآدم (١). (ز) ١١٠٦ - عن محمد بن إسحاق - من طريق سَلَمَة بن الفَضْل - قال: لَمَّا أراد اللهُ أن يخلق آدم بقدرته ليبتليه ويبتلي به، لعلمه بما في ملائكته وجميع خلقه - وكان أوَّل بلاء ابتُلِيَت به الملائكة مِمَّا لها فيه ما تحب وما تكره؛ للبلاء والتمحيص لِمَا فيهم مِمَّا لم يعلموا، وأحاط به علمُ الله منهم -؛ جمع الملائكة من سكان السموات والأرض، ثم قال: ﴿إِنَّ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. يقول: ساكنًا وعامِرًا ليسكنها ويعمُرَها، خلقًا ليس منكم. ثم أخبرهم بعلمه فيهم، فقال: يفسدون في الأرض، ويسفكون الدماء، ويعملون بالمعاصي. فقالوا جميعًا: ﴿أَتَّجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكٌ﴾، لا نعصي، ولا نأتي شيئًا كرهته؟ ﴿قَالَ إِنَّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ أي: فيكم ومنكم - ولم يُبْدِها لهم - من المعصية، والفساد، وسفك الدماء، وإتيان ما أَكْرَه منهم، مما يكون في الأرض مما ذكرتُ في بني آدم. قال الله لمحمد وَّ: ﴿مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍ بِلْمَلَا الْأَغَى إِذْ يَخْنَصِمُونَ ﴿ إِن يُوحَى إِلَىَّ إِلَّ أَمَّ أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَقَعُواْ لَهُ سَجِدِينَ﴾ [ص: ٦٩ - ٧٢]. فذكر لنبيه وَلـ الذي كان من ذِكْرِهِ آدَمَ وَّ حين أراد خلقه، ومراجعة الملائكة إيَّاه فيما ذكر لهم منه. فلَمَّا عَزَم الله - تعالى ذِكْرُه - على خلق آدم قال للملائكة: ﴿إِنّ خَلِقٌ بَشَرًا مِّن (١) تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٩٦ - ٩٧. مُؤْسُورَةُ التَّقْسِيُ المَاتُور سُورَةُ البَقَرّة (٣٠) ٥ ٢١٣ ٥ صَلْصَلٍ مِّنْ حَمَلٍ مَّسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٨] بيديه تكرمة له، وتعظيمًا لأمره، وتشريفًا له؛ حفظت الملائكة عهده، ووعَوْا قوله، وأجمعوا لطاعته، إلا ما كان من عدو الله إبليس، فإنَّه صمت على ما كان في نفسه من الحسد، والبغي، والتكبر، والمعصية. وخلق الله آدم من أَدَمَةَ (١) الأرض، من طين لازب من حمٍ مسنون، بيديه تكرمة له، وتعظيمًا لأمره، وتشريفًا له على سائر خلقه. قال ابن إسحاق: فيُقال - والله أعلم -: خلق الله آدم، ثم وضعه ينظر إليه أربعين عامًا قبل أن ينفخ فيه الروح، حتى عاد صلصالًا كالفخار، ولم تمسه نار. قال: فيُقال - والله أعلم -: إنه لَمَّا انتهى الروح إلى رأسه عطس، فقال: الحمد لله. فقال له ربه: يرحمك ربك. ووقع الملائكة حين استوى سجودًا له؛ حفظًا لعهد الله الذي عهد إليهم، وطاعة لأمره الذي أمرهم به، وقام عدو الله إبليس من بينهم، فلم يسجد مُكابرًا مُتَعَظِّمًا، بغيًا وحسدًا، فقال له: ﴿وَإِلِسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ﴾ إلى ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٧٥ - ٨٥]. قال: فلمَّا فرغ الله من إبليس ومعاتبته، وأبى إلا المعصية؛ أوقع عليه اللعنة، وأخرجه من الجنة. ثم أقبل على آدم، وقد علمه الأسماء كلها، فقال: ﴿يَقَدَمُ أَنْبِشْهُم بِأَسْمَِهِمَّ فَلَمَّ أَنْبَهُم بِأَسْمَاءِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنَّ أَغَمُ غَيْبَ السَّمَوَتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا نُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. ﴿قَالُواْ سُبْحَنَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَّأَ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ أي: إنما أجبناك فيما علَّمْتَنا، فأما ما لم تُعَلِّمْنا فأنت أعلم به. فكان ما سمَّى آدمُ من شيء كان اسمَه الذي هو عليه إلى يوم القيامة (٢). (ز) تفسير الآيات: ﴿وَإِذْ قَالَ﴾ ١١٠٧ - عن أبي مالك غَزْوَان الغِفَارِيّ - من طريق السُّدِّيّ - قال: ما كان في القرآن ﴿إِذْ﴾ فقد كان(٣). (١ / ٢٤٠) ١١٠٨ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿وَإِذْ﴾، يعني: وقد (٤). (ز) (١) أدمة الأرض: باطنها، وقيل: ظاهرها. لسان العرب (أدم). (٢) أخرجه ابن جرير ٤٩٦/١. (٤) تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٩٦. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم ١ / ٧٥. سُورَةُ الْبَقَرَّة (٣٠) ٢١٤ %= مَوَسُوعَة التَّفْسِسَةُ الْحَاتُور ﴿وَ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَبِكَةِ﴾ ١١٠٩ - عن قتادة - من طريق سعيد - قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَبِكَةِ إِ جَاعِلٌ فِى اُلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، فاستشار الملائكةَ في خلق آدم (١). (ز) ١١١٠ - عن السدي - من طريق أسباط - في قوله تعالى: ﴿جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾، قال: فاستشار الملائكة في خلق آدم(٣٣٢٢). (ز) ﴿إِنَّ جَاعِلٌ﴾ ١١١١ - عن الحسن البصري - من طريق جرير بن حازم، ومبارك، وأبي بكر الهُذَلِي - في قوله: ﴿إِنِّ جَاعِلٌ﴾، قال: فاعل (٣). (٢٤٠/١) ١١١٢ - عن قتادة - من طريق أبي بكر الهُذَلِيّ - قال: ﴿إِنِّ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾، قال لهم: إني فاعل (٤)[٣]. (ز) ١١١٣ - عن أبي رَوْق عطية بن الحارث الهمداني - من طريق بِشْرِ بن عُمَارة - قال: كل شيء في القرآن ((جعل)) فهو: خلق (٥)١٣٥]. (٢٤٠/١) ١٣٣ وجَّه ابن كثير (٣٣٨/١ -٣٣٩) عبارة ((استشار)) في قول السدي وقتادة إلى معنى: الإخبار. وانتَقَد ما سوى ذلك، فقال: ((وهذه العبارة إن لم ترجع إلى معنى الإخبار ففيها تساهل)). [١٣٤] قال ابنُ جرير (٤٧٦/١) مرجّحًا هذا القول: ((والصواب في تأويل قوله: ﴿إِنِّ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾: إني مُسْتَخْلِفٌ في الأرض خليفةً، ومُصَيِّرٌ فيها خَلَفًا. وذلك أشبه بتأويل قول الحسن وقتادة)). وعلَّقَ ابنُ كثير (٣٣٨/١) على قول قتادة قائلًا: ((وهذا معناه أنه أخبرهم بذلك)). ١٣٥] قال ابن عطية (١٦٥/١): ((و﴿جَاعِلٌ﴾ في هذه الآية بمعنى: خالق. ذكره ابن جرير == (١) أخرجه ابن جرير ١/ ٤٩١. وعلّقه ابن أبي حاتم ١/ ٧٦. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٧٦. (٣) أخرجه ابن جرير ١/ ٤٧٥، وابن أبي حاتم ١/ ٧٦ من طريق مبارك بن فضالة، كما أخرجه ابن جرير ١/ ٤٩٢ مُطَوَّلًا عن الحسن وقتادة، وقد تقدم. (٤) أخرجه ابن جرير ١/ ٤٧٥. (٥) أخرجه ابن جرير ١/ ٤٧٥. وعزاه السيوطي إليه من قول الضحاك. قال الشيخ شاكر في تحقيقه لتفسير = مُوَسُوعَة التَّفْسِيُ المَاتُور ٠ ٢١٥ . سُورَةُ البَقَرَة (٣٠) ﴿إِنِّ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ﴾ ١١١٤ - عن ابن سابط، أنَّ النبيِ وَلّ قال: ((دُحِيَت الأرض من مكة، وكانت الملائكة تطوف بالبيت، فهي أول من طاف به، وهي الأرض التي قال الله: ﴿إِنّ جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. وكان النبيُّ إذا هلك قومُه، ونجا هو والصالحون؛ أتاها هو ومن معه، فيعبدون الله بها حَتَّى يموتوا فيها، وإنَّ قبر نوح، وهود، وشعيب، وصالح بين زمزم وبين الركن والمقام» (١)١٣٦). (٢٤٦/١) ١١١٥ - عن عبد الله بن عباس - من طريق سالم بن أبي حفصة، عن رجل - قال: إنَّ الله أخرج آدم من الجنة قبل أن يخلقه. ثم قرأ: ﴿إِنِّ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾ (٢) ١٣٧]. (١ / ٢٤١) ١١١٦ - عن خالد الحذاء، قال: سألتُ الحسن، فقلتُ: يا أبا سعيد، آدمُ للسماء خُلِق أم الأرض؟ قال: أَمَا تقرأ القرآن: ﴿إِّ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾؟ لا، بل للأرض خُلِق(٣). (ز) == عن أبي رَوْق، ويقضي بذلك تعديها إلى مفعول واحد)). ١٣٦ انتقد ابن كثير (٣٣٩/١) هذا الأثر بقوله: ((وفيه مُدْرَج، وهو أن المراد بالأرض: مكة، والله أعلم، فإن الظاهر أن المراد بالأرض أعم من ذلك)). ١٣٧] قال ابن تيمية (١/ ١٩٠ - ١٩١ بتصرف): ((دَلَّت هذه الآية على أنه يعلم أنَّ آدم يخرج من الجنة؛ فإنه لولا خروجه من الجنة لم يَصِرْ خليفة في الأرض، ولهذا قال مَن قال مَن السلف: إنه قَدَّر خروجه من الجنة قبل أن يأمره بدخولها)». = ابن جرير ١ / ٤٤٨ معللا ذلك: ((وأبو روق يكثر رواية التفسير عن الضحاك، فلعل ذِكْر الضحاك سقط من الناسخين في بعض نسخ الطبري)). لكن السيوطي في الإتقان (ط: مجمع الملك فهد) ٩٩٩/١ عزا هذا الأثر إلى ابن جرير من قول أبي روق. (١) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٧٤/ ٩٠ مختصرًا، وابن جرير ٤٧٦/١ واللفظ له، وابن أبي حاتم ١ / ٧٦ (٣١٧) مختصرًا . قال ابن كثير في تفسيره ١/ ٢١٧: ((وهذا مرسل، وفي سنده ضعف)). (٢) أخرجه سفيان الثوري ص٤٣، وابن أبي حاتم ٧٦/١، وابن عساكر ٧/ ٤٥٢ كلاهما من طريقه. وعزاه السيوطي إلى عبد الرزاق، ووكيع، وعبد بن حميد، وابن المنذر. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٧٦/١ (٣١٨). سُورَةُ البَقَرة (٣٠) =& ٢١٦ %= فَوْسُكَةُ التَّفْسِيَةُ الْجَاتُور ﴿إِنِّ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾ ١١١٧ - عن عبد الله بن عباس - من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك - قال: أوَّل من سكن الأرضَ الجنُّ، فأفسدوا فيها، وسفكوا فيها الدماء، وقتل بعضهم بعضًا. قال: فبعث الله إليهم إبليسَ في جند من الملائكة، فقتلهم إبليسُ ومن معه، حتى ألحقهم بجزائر البحور، وأطراف الجبال، ثم خلق آدم، فأسكنه إياها، فلذلك قال: ﴿إِنّ جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾(١). (ز) ١١١٨ - عن الحسن البصري، في الآية، أي: خلفاء يخلف بعضهم بعضًا(٢)(١٣٨]. (ز) ١١١٩ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَبِكَةِ إِنَّ جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾، وذلك أنَّ الله وَّن خلق الملائكة والجن قبل خلق الشياطين والإنس - وَهُوَ آدَم ◌َّلامُ -، فجعلهم سُكَّانَ الأرض، وجعل الملائكة سكان السماوات، فوقع في الجن الفتنُ والحسدُ؛ فاقتتلوا، فبعث الله جُندًا مِن أهل سماء الدنيا - يُقال لهم: الجن، إبليس عدو الله منهم، خُلِقوا جميعًا من نار، وهم خُزَّان الجنة، رأسهم إبليس -، فهبطوا إلى الأرض، فلم يُكَلَّفُوا من العبادة فِي الأرض ما كُلِّفُوا في السماء، فأحبوا القيام في الأرض، فأوحى الله رَت إليهم: ﴿إِنِّ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ سواكم، ورافعكم إليَّ. فكرهوا ذلك؛ لأنهم كانوا أهونَ الملائكةِ أعمالًاً(٣). (ز) ١١٢٠ - عن محمد بن إسحاق - من طريق سَلَمة - ﴿جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، يقول: ساكِنًا وعامِرًا يسكنها ويعمرها، ليس خَلْقًا منكم(٤)١٣٩]. (ز) ١٣٨ نقل ابن عطية (١٦٥/١، ١٦٦) عن الحسن قوله: ((إنما سمى الله بني آدم: خليفة؛ لأن كل قرن منهم يخلف الذي قبله، الجيل بعد الجيل)). ثم علَّق عليه بقوله: ((ففي هذا القول يحتمل أن تكون بمعنى: خالفة، وبمعنى: مخلوفة)). ونقل عن ابن مسعود قوله: ((إنما معناه: خليفة مني في الحكم بين عبادي بالحق وبأوامري)). ثم وجّهه بقوله: ((يعني بذلك: آدم ◌ُلِّ، ومَن قام مقامه بعده من ذريته)). ١٣٩ ذهب ابنُ جرير (٤٧٧/١)، وابنُ عطية (١٦٥/١) إلى أنَّ ﴿خَلِيفَةً﴾ بمعنى: مَن == (١) أخرجه ابن جرير ١ / ٤٧٧. (٢) علّقه ابن جرير ١ / ٤٧٩. (٣) تفسير مقاتل بن سليمان ١ / ٩٦ - ٩٧. (٤) أخرجه ابن جرير ١/ ٤٧٧، ٤٩٦، وابن أبي حاتم ١/ ٧٦. مُؤَسُكَة التَّفْسِيرُ الْمَاتُوز سُورَةُ الْبَقَرة (٣٠) ٢١٧٥ :- ١١٢١ - عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم - من طريق ابن وهب - قال: قال الله للملائكة: إنِّي أُريدُ أن أخلق في الأرض خَلْقًا، وأجعل فيها خليفة. وليس لله يومئذ خَلْقٌ إلا الملائكة، والأرض ليس فيها خَلْق(١). (ز) ﴿قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ ١١٢٢ - عن أنس، قال: قال رسول الله وَله: ((إنَّ أوَّلَ من ◌َبَّى الملائكةُ، قال الله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفُِ الدِّمَاءَ﴾. قال: فَرَادُّوه، فأعرض عنهم، فطافوا بالعرش ست سنين يقولون: لبيك لبيك اعتذارًا إليك، لبيك لبيك نستغفرك ونتوب إليك))(٢). (٢٤٦/١) ١١٢٣ - عن عبد الله بن عمر، أنَّه سمع رسول الله وَّه يقول: ((إنَّ آدم لَمَّا أهبطه الله إلى الأرض قالت الملائكة: أَيْ رَبّ، ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفُِ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكِّ﴾. قال: ﴿إِنَّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾. قالوا: ربنا، نحن أطوعُ لك من بني آدم. قال الله للملائكة: هَلُمُّوا مَلَكَيْن من الملائكة حتى نُهْبِطهما إلى الأرض، فننظر كيف يعملان؟ فقالوا: ربنا، هاروت وماروت(٣) ... )) (٤). (١١/ ٢٤٩) == يخلف. قال ابن جرير: ((والخليفة: الفَعِيلَة، من قولك: خَلَف فلانٌ فلانًا في هذا الأمر، إذا قام مقامه فيه بعده. كما قال - جل ثناؤه -: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَكُمْ خَلَيْفَ فِىِ الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [يونس: ١٤]، يعني بذلك: أنَّه أبدلكم في الأرض منهم، فجعلكم خلفاء بعدهم، ومن ذلك قيل للسلطان الأعظم: خليفة؛ لأنه خلف الذي كان قبله، فقام بالأمر مقامه، فكان منه خلفًا)). وانتَقَد ابنُ جرير أثرَ ابن إسحاق هذا بقوله: ((وليس الذي قال ابنُ إسحاق في معنى الخليفة بتأويلها، وإن كان الله - تعالى ذِكْرُه - إنَّما أخبر ملائكته أنه جاعل في الأرض خليفة يسكنها، ولكن معناها ما وصفت قبلُ)). (١) أخرجه ابن جرير ١/ ٤٧٩. (٢) أخرجه الأصبهاني في الترغيب والترهيب ١/ ٤٤٠ (٧٧٦) من طريق ابن أبي الدنيا. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي الدنيا في كتاب التوبة . وفي إسناده جهالة، فقد رواه فضيل بن يونس، عن شيخ من أهل البصرة، عن أنس. (٣) ينظر تتمة الأثر عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَرُوتَ وَمَرُوتَّ﴾. (٤) أخرجه أحمد ٣١٧/١٠ - ٣١٨ (٦١٧٨)، وابن حبان ٦٣/١٤ - ٦٤ (٦١٨٦)، والحاكم ٦٥٠/٤ (٨٧٩٦). = سُورَةُ البَقَرَّة (٣٠) : ٢١٨ : مُؤْسُونَبِ التَّفْسَةُ المَاتُوز ١١٢٤ - عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي وَّ﴾ - من طريق السدي، عن مُرَّة الهمداني - = (٢٤٥/١) ١١٢٥ - وعبد الله بن عباس - من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح -: لَمَّا فرغ الله من خلق ما أحبَّ؛ اسْتَوَى على العرش، فجعل إبليسَ على مُلْك سماء الدنيا، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم: الجن. وإنما سُمُّوا الجِنَّ لأنهم خزانُ الجنة، وكان إبليس مع مُلْكِه خازِنًا، فوقع في صدره كِبْر، وقال: ما أعطاني الله هذا إلا لمزيد (١) لي على الملائكة. فلما وقع ذلك الكِيْر في نفسه؛ اطَّلَع الله على ذلك منه، فقال الله للملائكة: ﴿إِنَّ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. قالوا: ربَّنا، وما يكون ذلك الخليفة؟ قال: يكون له ذرية، يفسدون في الأرض، ويتحاسدون، ويقتل بعضهم بعضًا. قالوا: ربنا، ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾(٢). (ز) ١١٢٦ - عن عبد الله بن عباس - من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك - قال: كان إبليس من حَيٍّ من أحياء الملائكة يقال لهم: الجن، خُلِقوا من نار السموم من بين الملائكة. قال: وكان اسمه الحارث. قال: وكان خازنًا من خُزَّان الجنة. قال: وخُلِقَت الملائكة كلهم من نورٍ غير هذا الحي. قال: وخلقت الجن الذين ذكروا في = وفيه يحيى بن سلمة، قال الحاكم: ((هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وترك حديث يحيى بن سلمة عن أبيه من المحالات التي يردها العقل؛ فإنه لا خلاف أنه من أهل الصنعة، فلا ينكر لأبيه أن يخصه بأحاديث يتفرد بها عنه)). وقال الذهبي في التلخيص: ((قال النسائي: متروك)). وقال ابن أبي حاتم في العلل ٦٤٠/٤ - ٦٤١: ((قال أبي: هذا حديث منكر)). وقال البزار في مسنده ١٢/ ٢٤٨ (٥٩٩٦): ((وهذا الحديث رواه غير موسى بن جبير، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا. وموسى بن جبير ليس به بأس، وإنما أتى رفعُ هذا الحديث عندي من زهير بن محمد؛ لأنه لم يكن بالحافظ، على أنه قد روى عنه: عبد الرحمن بن مهدي، وابن وهب، وأبو عامر وغيرهم)). وقال ابن كثير في تفسيره ٣٥٣/١: ((وهذا حديث غريب من هذا الوجه، ورجاله كلهم ثقات من رجال الصحيحين، إلا موسى بن جبير هذا)). وقال المنذري في الترغيب والترهيب ١٧٩/٣ - ١٨٠ (٣٥٧٥): ((قد قيل: إن الصحيح وَقْفُه على كَعْب)). وقال ابن حجر في القول المسدد ص٣٩: ((له طرق كثيرة، جمعتها في جزء مفرد، يكاد يكون الواقف عليه أن يقطع بوقوع هذه القصة؛ لكثرة الطرق الواردة فيها، وقوة مخارج أكثرها)). وقال الهيثمي في المجمع ٦٨/٥ (٨١٧٥)، ٦/ ٣١٣ - ٣١٤ (١٠٨٣٢): ((رجاله رجال الصحيح، خلا موسى بن جبير، وهو ثقة)). وقال الهيتميُّ في الزواجر عن اقتراف الكبائر ٢٥٢/٢ - ٢٥٣: ((وقيل: الصحيح وقفه على كعب، عن ابن عمر)). وقال الألباني في الضعيفة ٣١٤/١ - ٣١٥ (١٧٠): ((باطل مرفوعًا)). (١) قال ابن جرير ٤٨٦/١: ((هكذا قال موسى بن هارون [شيخ ابن جرير]، وقد حدثني به غيره، وقال: لمزية لي)). (٢) أخرجه ابن جرير ٤٨٧/١ - ٤٨٨، وابن عساكر ٣٧٧/٧. سُورَةُ البَقَرَّة (٣٠) مُؤْسُبَة التَّفْسِيرُ الْحَانُور : ٢١٩ %= القرآن من مارج من نار - وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا أُلْهِبَت -. قال: وخُلِق الإنسان من طين، فأول من سكن الأرضَ الجنُّ، فأفسدوا فيها، وسفكوا الدماء، وقتل بعضهم بعضًا. قال: فبعث الله إليهم إبليسَ في جُندٍ من الملائكة - وهم هذا الحي الذين يقال لهم: الجن -، فقتلهم إبليس ومَن معه، حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال، فلما فعل إبليس ذلك اغْتَرَّ في نفسه، وقال: قد صنعت شيئًا لم يصنعْه أحد. قال: فاطّلع الله على ذلك من قلبه، ولم تطّلع عليه الملائكة الذين كانوا معه، فقال الله للملائكة الذين معه: ﴿إِّ جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾ . فقالت الملائكة مجيبين له: ﴿أَتَّجُعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾، كما أفسدت الجن، وسفكت الدماء، وإنما بعثتنا عليهم لذلك(١). (ز) ١١٢٧ - عن عبد الله بن عباس - من طريق مجاهد - قال: لقد أخرج الله آدمَ من الجنة قبل أن يدخلها؛ قال الله: ﴿إِنَّ جَاعِلٌ فِ الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾. وقد كان فيها قبل أن يُخْلَق بألفي عام الجِنُّ؛ بنو الجان، فأفسدوا في الأرض، وسفكوا الدماء، فلَمَّا أفسدوا في الأرض بعث عليهم جنودًا من الملائكة، فضربوهم، حتى ألحقوهم بجزائر البحور، فلما قال الله: ﴿إِنّ جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَنَّجَعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الْدِّمَآءَ﴾، كما فعل أولئك الجان. فقال الله: ﴿إِنّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾(٢). (٢٤١/١) ١١٢٨ - وعن عبد الله بن عمرو - من طريق مجاهد -، مثله(٣). (٢٤١/١) ١١٢٩ - عن عبد الله بن عباس - من طريق السدي، عَمَّن حدثه - في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَبِكَةِ﴾ الآية، قال: إنَّ الله قال للملائكة: إنِّي خالقٌ بشرًا، وإنهم يتحاسدون، فيقتل بعضهم بعضًا، ويفسدون في الأرض. فلذلك قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾(٤). (٢٤٥/١) ١١٣٠ - عن عبد الله بن عباس، قال: إيَّاكم والرَّأْيَ؛ فإن الله تعالى رد الرَّأْيَ على الملائكة، وذلك أن الله تعالى قال: ﴿إِنِّ جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. قالت الملائكة: (١) أخرجه ابن جرير ١/ ٤٨٢ - ٤٨٥. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد. (٢) أخرجه الحاكم ٢٦١/٢. وقال: ((هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخَرِّجاه)). ووافقه الذهبي. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٧٧ (٣٢١). (٤) أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٧٧. سُورَةُ الْبَقَرّة (٣٠) مَوَسُوعَة التَّفْسِيرُ الْمَانُون ٥ ٢٢٠ ﴿أَتَّجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾. قال: ﴿إِنِّيّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾(١). (٢٤٦/١) ١١٣١ - عن قتادة - من طريق سعيد -: ﴿أَتَجَعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ وقد علِمَت الملائكة من عِلْم الله أنَّه لا شيء أكره إلى الله من سفك الدماء والفساد في الأرض، ﴿وَحْنُ نُسَبِحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكِّ قَالَ إِنَّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾. فكان في علم الله - جَلَّ ثناؤه - أنَّه سيكون من ذلك الخليفة أنبياء، ورسل، وقوم صالحون، وساكنو الجنة . = ١١٣٢ - قال قتادة: وذُكِر لنا أنَّ ابن عباس كان يقول: إنَّ الله لَمَّا أخذ في خلق آدم قالت الملائكة: ما الله خالقٌ خَلْقًا أكرم عليه مِنَّا، ولا أعلم مِنَّا. فابْتُلُوا بخلق آدم، وكل خَلْقِ مُبْتَلَّى، كما ابتُلِيَت السموات والأرض بالطاعة، فقال الله: ﴿أَثْنِيَا طَوَّعًا أَوْ كَرْهَا قَالَتَآ أَنْيْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: ١١](٢) ١٤٠). (ز) ١١٣٣ - عن أبي العالية - من طريق الربيع بن أنس - قال: إنَّ الله خلق الملائكة يوم الأربعاء، وخلق الجن يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة، فكَفَر قوم من الجن، فكانت الملائكة تهبط إليهم في الأرض فتقاتلهم، فكانت الدماء، وكان الفساد في الأرض، فمن ثَمَّ قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾(٣). (٢٤٣/١) ١١٣٤ - عن مجاهد - من طريق ابنه عبد الوهاب - قال: كان إبليس على سُلْطان سماء الدنيا وسُلْطان الأرض، وكان [مكتوبًا] في الرفيع الأعلى عند الله أنه سيجعل في الأرض خليفة، وأنه سيكون دمًا و[أحداثًا]، فوجد ذلك إبليس، فقرأه أو أبصره دون الملائكة، فلمَّا ذكر أمرَ آدم للملائكة أخبر إبليسُ الملائكةَ أنَّ هذا الخليفة الذي يكون ستسجد له الملائكة، وأسَرَّ إبليس في نفسه أن لن يسجد له، وأخبر الملائكةَ عَلَّقَ ابنُ جرير (٤٩٢/١) على قول قتادة هذا بقوله: ((وهذا الخبر عن قتادة يدل على ١٤٠ أن قتادة كان يرى أن الملائكة قالت ما قالت على غير يقين علم تَقَدَّم منها بأنَّ ذلك كائن، ولكن على الرأي منها والظنّ، وأن الله - جَلَّ ثناؤه - أنكر ذلكَ من قِيلِها، وردّ عليها ما رأت بقوله: ﴿إِنَّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ من أنه يكون من ذرية ذلك الخليفة الأنبياء، والرسل، والمجتهد في طاعة الله)). (١) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن بطة في أماليه. (٢) أخرجه ابن جرير ١/ ٤٩١، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٣٩٩/٧ من طريق شَيْبَان. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٧٧، وهو عند ابن جرير وأبي الشيخ من قول الربيع، كما سيأتي.