النص المفهرس
صفحات 181-200
سُورَةُ الْبَقَرَة (٢٦)
فَوْسُونَبِ التَّقْسِيرُ المَاتُور
=& ١٨١ %=
إلى قوله: ﴿أُوْلَبِّكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾(١). (١ /٢٢٤)
٩٩٣ - عن إسماعيل السدي - من طريق أسباط -، مثله(٢). (ز)
٩٩٤ - عن عبد الله بن عباس - من طريق ابن جُرَيْج، عن عطاء - قال: إنَّ الله ذكر
آلهة المشركين، فقال: ﴿وَإِن يَسْلُهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا﴾ [الحج: ٧٣]. وذَكَر كيد الآلهة،
فجعله كبيت العنكبوت، فقالوا: أرأيتم حيث ذكر الله الذباب والعنكبوت فيما أُنزِل
من القرآن على محمد، أيَّ شيء كان يصنع بهذا؟! فأنزل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِيٌ
أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ الآية (٣). (٢٢٤/١)
٩٩٥ - قال الحسن، وقتادة، وعطاء، عن ابن عباس: لما ذكر الله رَجَك الذباب
والعنكبوت في كتابه وضرب للمشركين به المثل ضحكت اليهود، وقالوا: ما يشبه
هذا كلام الله. فأنزل الله هذه الآية(٤). (ز)
٩٩٦ - عن الحسن البصري، قال: لَمَّا نزلت: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ [الحج:
٧٣] قال المشركون: ما هذا من الأمثال فيُضْرَب - أو: ما يشبه هذا الأمثال -.
فأنزل الله: ﴿إِنَّ اللََّ لَا يَسْتَحِىَ أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾، لم يُرِد
البعوضة، إنما أراد المَثَل(٥). (٢٢٥/١)
٩٩٧ - عن قتادة - من طريق سعيد - قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِى أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا
بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾، أي: إن الله لا يستحيي من الحق أن يذكر منه شيئًا، فَلَّ منه أو
كَثُر. إنَّ الله - جَلَّ ذكرُه - حين ذكر في كتابه الذباب والعنكبوت قال أهل الضلالة:
ما أراد الله من ذِكْرِ هذا؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِيٍ أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً
فَمَا فَوْقَهَا﴾(٦). (ز)
(١) أخرجه ابن جرير ١/ ٤٢٣، والواحدي في أسباب النزول ص٢٣ عن ابن عباس من رواية أبي صالح.
قال ابن حجر في العُجاب في بيان الأسباب ٢٤٥/١ - ٢٤٦: ((الروايتان عن ابن عباس واهيتان)).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٦٨/١.
(٣) أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص٢٣ - ٢٤.
فيه عبد الغني بن سعيد، قال ابن حجر في العُجاب في بيان الأسباب ٢٤٥/١ - ٢٤٦: ((الروايتان عن ابن
عباس واهيتان)). وقال السيوطي في لباب النقول ص٨ - ٩: ((عبد الغني واهٍ جدًّا)).
(٤) علَّقه الواحدي في الوسيط ١/ ١٠٧.
(٥) علّق ابن أبي حاتم ٦٩/١ نحوه. وعزاه السيوطي إليه، ويبدو أن ابن أبي حاتم أسنده في تفسير سورة
الحج (وهو في القطعة المفقودة من تفسيره). كذلك علّق نحوه الواحدي في أسباب النزول ص١٢٥، وفيه:
ضحكت اليهود، وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله .
(٦) أخرجه ابن جرير ١/ ٤٢٤.
سُورَةُ الْبَقَرَّة (٢٦)
٥ ١٨٢
مُؤْسُورَةُ التَّفْسِيُ المَانُور
٩٩٨ - عن قتادة - من طريق مَعْمَر - قال: لَمَّا ذَكَر الله العنكبوت والذباب قال
المشركون - ولفظ ابن المنذر: قال أهل الكتاب -: ما بالُ العنكبوت والذباب
يُذْكَرَان؟! فأنزل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِى أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا
فَوْقَهَا﴾(١)[١٠][١١]. (١ / ٢٢٤)
٩٩٩ - عن إسماعيل بن أبي خالد، نحوه(٢). (ز)
١٠٠٠ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْىَ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾، وذلك
أَنَّ الله ◌َخَ ذَكَر العنكبوت والذباب في القرآن، فضَحِكَت اليهود، وقالت: ما يُشْبِهُ
هذا من الأمثال. فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْىَ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾(٣). (ز)
] ذكر ابنُ كثير في تفسيره (١/ ٣٢٤) أنَّ عبارة رواية سعيد أقرب؛ لأن عبارة رواية مَعْمَر
١١٠
فيها إشعار بأن الآية مكية، وليس كذلك.
١١١] رَجَّحَ ابن جرير (٤٢٤/١ - ٤٢٥ بتصرف) ما حكاه السدي في تفسيره عن ابن
مسعود، وعن ابن عباس - من طريق أبي صالح -، وعن ناس من الصحابة مِنْ أنَّ الآية
نزلت جوابًا لنكير الكفار والمنافقين ما ضُرِبَ لهم من الأمثال في سورة البقرة، وعَلَّل ابن
جرير ذلك بدلالة السياق، وأن «الله - جَلَّ ذِكْرُه - أخبر عبادَه أنَّه لا يستحيي أن يضرب
مثلًا ما بعوضة فما فوقها، عقيب أمثالٍ قد تقدمت في هذه السورة ضربها للمنافقين، دون
الأمثال التي ضربها في سائر السُّوَر غيرها. فلأن يكون هذا القول ... جوابًا لنكير الكفار
والمنافقين ما ضُرِب لهم من الأمثال في هذه السورة أَحَقُّ وأولى من أن يكون ذلك جوابًا
النكيرهم ما ضُرِب لهم من الأمثال في غيرها من السور)).
وارتضى ترجيحَه ابنُ كثير (٣٢٥/١) بقوله: ((وقد اختار ابن جرير ما حكاه السُّدي؛ لأنه
أمَسُّ بالسورة، وهو مناسب)).
وانتقد ابنُ جرير (١ /٤٢٥ - ٤٢٦) ما يمكن أن يَظُنَّه ظانٌّ من أنه إذا كانت هذه الآية نزلت
جوابًا لنكير الكفار والمنافقين ما ضُرِب لهم من الأمثال في هذه السورة، فالواجب أن
يكون ذلك في بقية الأمثال في غيرها من السور؛ لموافقتها لها في المعنى. وذكرَ أنَّ الأمر
بخلاف ما ظن؛ لكون الآية خبرًا منه - جَلَّ ذِكْرُه - أنه لا يستحي أن يضرب في الحق من ==
(١) أخرجه عبد الرزاق ١/ ٤١، وابن جرير ٤٢٤/١، وابن أبي حاتم ٦٩/١ (٢٧٣). وعلّق نحوه الواحدي
في أسباب النزول ص ١٢٥ وفيه: ضحكت اليهود، وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله. وعزاه السيوطي إلى
عبد بن حميد، وابن المنذر .
(٢) علّقه ابن أبي حاتم ٦٨/١ (عَقِب ٢٧٣).
(٣) تفسير مقاتل بن سليمان ١ / ٩٥.
فَوْسُوعَة التَّفْسِيُ المَاتُور
=& ١٨٣ %=
سُورَةُ الْبَقَرَّة (٢٦)
١٠٠١ - قال يحيى بن سلام: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِى أَن يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ الآية، وذلك
أنَّ الله لما ذكر في كتابه العنكبوت والنمل والذباب قال المشركون: ماذا أراد الله
بذكر هذا في كتابه؟! وليس يُقِرُّون أنَّ الله أنزله، ولكن يقولون للنبي وَّ: إن كنت
صادقًا فماذا أراد الله بهذا مَثَلًا. فأنزل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِى أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا
بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَاً﴾(١)[١١]. (ز)
تفسير الآية:
١٠٠٢ - عن أبي العالية - من طريق الرَّبيع بن أنس - في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيء
أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾: فإذا جاءت آجالهم وانقطعت مدتهم صاروا
كالبعوضة، تحيا ما جاعت، وتموت إذا رَوِيت. فكذلك هؤلاء الذين ضُرِب لهم هذا
المثل إذا امْتَلَؤُّوا من الدنيا رِيًّا أخذهم الله، فأهلكهم(٢). (ز)
١٠٠٣ - عن الربيع بن أنس - من طريق ابن أبي جعفر الرازي، عن أبيه - نحوه،
وزاد في آخره: فذلك قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوْنُواْ أَخَذْنَهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُم ◌ُّبْلِسُونَ﴾
[الأنعام: ٤٤](٣) . =
١٠٠٤ - وفي رواية أخرى - من طريق قُرَادٍ، عن أبي جعفر الرازي - قال: هذا مَثَل
ضربه الله للدنيا، إنَّ البعوضة تَحْيَا ما جاعت، فإذا سَمِنَت ماتت، وكذلك مَثَل هؤلاء
القوم الذين ضرب الله لهم هذا المَثَل في القرآن، إذا امْتَلَؤُوا من الدنيا رِيًّا أخذهم الله
عند ذلك. قال: ثم تلا ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِهِ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ﴾
(٤)١١٣]. (ز)
الآية [الأنعام: ٤٤]
== الأمثال صغيرها وكبيرها؛ ابتلاءً بذلك عباده؛ ليميز به أهلَ الإيمان والتصديق به من أهلِ
الضلال والكفر به، لا أنَّه - جَلَّ ذِكْرُه - قصد الخبر عن عين البعوضة أنه لا يستحي من
ضرب المثل بها، ولكن البعوضة لَمَّا كانت أضعف الخلق خَصَّها الله بالذِّكْرِ في القِلَّة.
١١٢ ونقل ابن عطية (١٥٣/١) عن ابن قتيبة أن الآية: ((إنما نزلت لأن الكفار أنكروا
ضرب المثل في غير هذه السورة بالذباب والعنكبوت)).
١١٣] انتَقَد ابنُ عطية (١٥٤/١) القول بأنَّ هذه الآية مَثَلٌ للدنيا، مُستندًا إلى السياق، فقال : ==
(١) تفسير ابن أبي زمنين ١/ ١٢٩.
(٣) أخرجه ابن جرير ٤٢٤/١.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٦٨/١ (٢٧٠).
(٤) أخرجه ابن جرير ٤٢٣/١.
سُورَةُ الْبَقَرَّة (٢٦)
٥ ١٨٤ %=
فَوْسُكَبِ التَّفْسَةُ المَاتُور
١٠٠٥ - عن مجاهد - من طريق ابن أبي نَجِيح ـ في قوله: ﴿مَثَلاَ مَّا بَعُوضَةً فَمَا
فَوْقَهَا﴾، يعني: الأمثال كلها؛ صغيرها وكبيرها (١). (ز)
١٠٠٦ - عن قتادة - من طريق سعيد - قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَخِيَ أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا
بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾، أي: إنَّ الله لا يستحيي مِن الحق أن يذكر منه شيئًا، فَلَّ منه أو
كَثُر(٢). (ز)
١٠٠٧ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِى أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾، يعني:
إنَّ الله رَّ لا يمنعه الحياء أن يَصِف للخلق مثلً ما؛ ﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾(٣). (ز)
﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَّأَ﴾.
١٠٠٨ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَ له: ((يا أيها الناس، لا تَغْتَرُّوا بالله؛
فإنَّ الله لو كان مُغْفِلًا شيئًا لأغفل البعوضة، والذَّرَّة، والخَرْدَلَة))(٤). (٢٢٥/١)
١٠٠٩ - عن عبد الله بن عباس: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾، يعني: الذباب، والعنكبوت(٥). (ز)
١٠١٠ - عن قتادة - من طريق مَعْمَر - قال: البعوضةُ أَضْعَفُ ما خلق الله(٦). (٢٢٥/١)
١٠١١ - عن ابن جُرَيْج - من طريق حَجَّاج - قال: خَصَّها الله بالذِّكْرِ في القِلَّةَ(١١٤]،
== ((وهذا ضعيف؛ يأباه رَصْف الكلام، واتِّسَاقُ المعنى)).
١١٤] رَجَّحَ ابن جرير (١/ ٤٣٠ بتصرف) أن يكون معنى ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ أي: فما هو أعظم
منها؛ لأنه ليس شيء أحقر ولا أصغر من البعوضة، مستندًا في ذلك إلى ما ورد عن قتادة
وابنِ جريج من أنَّ البعوضة أضعف ما خلق الله.
وأيّدَه ابن كثير (٣٢٦/١) مُستندًا إلى السّنّة، فقال: ((يؤيده ما رواه مسلم عن عائشة رضيإيّا،
أنَّ رسول الله وَلّ قال: ((ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها)). فأخبر أنه لا يَسْتَصْغِر شيئًا
يَضْرِب به مثلًا، ولو كان في الحقارة والصِّغَر كالبعوضة، كما لا يستنكف عن خلقها كذلك ==
(١) تفسير مجاهد ص١٩٨، وأخرجه ابن جرير ٤٢٥/١، وابن أبي حاتم ٦٨/١ (٢٧١).
(٣) تفسير مقاتل بن سليمان ١ / ٩٥.
(٢) أخرجه ابن جرير ١/ ٤٢٤.
(٤) أخرجه أبو الشيخ في العظمة ٥٣٣/٢ - ٥٣٤. وعلَّقه ابن أبي حاتم ٢٩٣٧/٩ (١٦٦٥٩). وأورده
الديلمي في الفردوس ٢٧٤/٥ (٨١٦٧)، ويحيى بن سلام ٣١٩/١.
قال الألباني في الضعيفة ٣٥٩/٣ (١٢١٤): ((ضعيف جدًّا)).
(٥) تفسير الثعلبي ١/ ١٧٢.
(٦) أخرجه ابن جرير ٤٢٦/١.
فَوْسُورَة التَّفْسِيرُ الْمَاتُوز
١٨٥ %=
سُورَةُ الْبَقَرَة (٢٦)
فأخبر أنه لا يستحيي أن يضرب أقلَّ الأمثال في الحقِّ، وأحقرها، وأعلاها إلى غير
نهاية في الارتفاع؛ جوابًا منه - جَلَّ ذِكْرُه - لِمَن أنكر من منافقي خلقه ما ضرب لهم
من المثل بموقد النار، والصَّيِّب من السماء على ما نعَتَهما به مِن نَعْتِهما (١). (ز)
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ زَّبِّهِمْ﴾
١٠١٢ - عن أبي العالية - من طريق الربيع بن أنس - في قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمَّ﴾، يعني: هذا المَثَل(٢). (١ /٢٢٥)
١٠١٣ - عن مجاهد - من طريق ابن أبي نَجِيح - في قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾، قال: يؤمن به المؤمنون، ويعلمون أنّه الحق من ربهم،
ويهديهم الله به (٣). (١ /٢٢٥)
١٠١٤ - عن الحسن البصري - من طريق عَبَّاد بن منصور - في قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمَّ﴾، أي: يعلمون أنهم ابْتُلُوا بذلك؛ ليعلم اللهُ من يَعْرِفُ أمرَه،
ويُصَدِّق قولَه، ويَسْتَيْقِنُ بما أنزل الله من كتابه أنَّه حق، وأنَّ ما قال كما قال (٤). (ز)
١٠١٥ - عن قتادة - من طريق سعيد - قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ
مِن زَّبِّهِمَّ﴾ أي: يعلمون أنه كلام الرحمن، وأنه الحق من الله، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ
فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾(٥). (٢٢٥/١)
== لا يستنكف من ضرب المثل بها)).
وانتَقَد ابنُ جرير (٤٣١/١) قولَ من جعل معنى ﴿فَمَا فَوْقَهَأَ﴾ أي: في الصغر والقِلَّة
والحقارة؛ لمخالفتِه تأويلَ أهلِ التأويل، فقال: ((وهذا قولٌ خلافُ تأويل أهل العلم الذين
تُرْتَضَى معرفتُهم بتأويل القرآن)).
وعلَّقَ ابن عطية (١٥٧/١) على القولين قائلًا: ((والكُلُّ مُحْتَمَل)).
(١) أخرجه ابن جرير ٤٢٦/١.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٦٩. وعزاه السيوطي إليه بلفظ الربيع التالي.
(٣) تفسير مجاهد ص١٩٨، وأخرجه ابن جرير ١/ ٤٣٢. وعلّق ابن أبي حاتم ٦٩/١ نحوه مختصرًا. وعزاه
السيوطي إلى عبد بن حميد.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٦٩/١.
(٥) أخرجه الدارمي (٥٣٢/٢)، وابن جرير ٤٣١/١، وابن أبي حاتم ٦٩/١ من طريق سعيد بن أبي
عروبة، وسعيد بن بشير. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
سُوْدَةُ البَقَرَّة (٢٦)
٠ ١٨٦ %
مُوسُعَة التَّفْسَِّة المَاتُور
١٠١٦ - عن الربيع بن أنس - من طريق أبي جعفر - في قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن زَبِّهِمَّ﴾، أي: أنَّ هذا المثل الحقُّ من ربهم، وأنَّه كلام الله،
ومِن عندِه(١)(118]. (ز)
١٠١٧ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ يعني: يُصَدِّقون بالقرآن
﴿فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ﴾ أي: هذا المثل هو ﴿الْحَقُّ مِن زَبِّهِمَّ﴾(٢). (ز)
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾
١٠١٨ - عن قتادة - من طريق سعيد -: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ في قلوبهم مرض
﴿فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾(٣). (ز)
١٠١٩ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بالقرآن، يعني: اليهود
﴿فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا﴾ الذي ذكر ﴿مَثَلًا﴾، إنما يقوله محمد من تلقاء نفسه،
وليس من الله. فأنزل الله رمَى: ﴿يُضِلُّ بِهِ، كَثِيرًا) الآية (٤). (ز)
١٠٢٠ - عن ابن جُرَيْج: ﴿فَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾، قال غير مجاهد:
قال ذلك الكافرون لَمَّا سمعوا ذِكْر العنكبوت والذباب وغير ذلك لِمَا ضربه مثلًا من
خلقه في كتابه، قالوا: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ أي: ذِكْر العنكبوت والذباب.
فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِى: أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾(٥). (ز)
﴿يُضِلُّ بِهِ، كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيرًا﴾
١٠٢١ - عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي ◌َّ - من طريق السدي،
عن مُرَّة الهمداني - = (٢٢٦/١)
١١٥ جمع ابن جرير (٤٣١/١ - ٤٣٢) بين قول الربيع بن أنس وقول قتادة، وقال مبيّنًا
معنى قوله تعالى: ﴿فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمَّ﴾: ((يعني: فيعرفون أن المثل الذي ضربه الله
لما ضربه له مثلًا مثلٌ)).
(١) أخرجه ابن جرير ١/ ٤٣١. وعلَّقه ابن أبي حاتم ٦٩/١.
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان ١ / ٩٥.
(٤) تفسير مقاتل بن سليمان ١ / ٩٥.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٦٩/١.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٧٠/١ (٢٨٠).
سُورَةُ البَقَرَة (٢٦)
مَوْسُورَة التَّفْسِيرُ المَاتُور
: ١٨٧ %=
١٠٢٢ - وعبد الله بن عباس - من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح - في
قوله: ﴿يُضِلُّ بِهِ، كَثِيرًا﴾ يعني: المنافقين، ﴿وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيرًا﴾ يعني:
المؤمنين، فيزيد هؤلاء ضلالاً إلى ضلالهم؛ لتكذيبهم بما قد عَلِمُوه حقًّا يقينًا من
المثل الذي ضربه الله لِمَا ضربه له، وأنه لِمَا ضربه له موافق، فذلك إضلال الله
إياهم به. ﴿وَيَهْدِى بِهِ ﴾ - يعني: بالمثل - كثيرًا من أهل الإيمان والتصديق،
فيزيدهم هدى إلى هداهم، وإيمانًا إلى إيمانهم؛ لتصديقهم بما قد علموه حقًّا يقينًا
أنه موافقٌ ما ضربه الله له مثلًا، وإقرارهم به، وذلك هداية الله لهم به(١). (ز)
١٠٢٣ - عن سعد بن أبي وقاص - من طريق ابنه مصعب - ﴿يُضِلُّ بِهِ، كَثِيرًا﴾،
يعني: الخوارج(٢). (ز)
١٠٢٤ - عن مجاهد - من طريق ابن أبي نَجِيح - في قوله: ﴿يُضِلُّ بِهِ، كَثِيرًا﴾،
يقول: يَعْرِفُه المؤمنون فيؤمنون به، ويعرفه الفاسقون فيكفرون به (٣). (٢٢٥/١)
١٠٢٥ - عن إسماعيل السدي - من طريق أسباط - قوله: ﴿وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيرًا﴾،
يعني: المؤمنين (٤). (ز)
١٠٢٦ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿يُضِلُّ بِهِ﴾ أي: يُضِلُّ الله بهذا المثل ﴿كَثِيرًا﴾
من الناس، يعني: اليهود، ﴿وَيَهْدِى بِهِ ﴾ أي: بهذا المثل ﴿كَثِيرًا﴾ من الناس،
(٥)١١٦
يعني : المؤمنين
ـا. (ز)
١١٦ رَجَّحَ ابنُ جرير (٤٣٢/١ - ٤٣٣ بتصرف) أن يكون قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ، كَثِيرًا
وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيراً﴾ خبرًا مُسْتَأْنَفًا من الله خَلَّةِ، مُسْتَنِدًا في ذلك إلى النظائر، وما ورد عن
السلف، فقال: ((وهذا خبر من الله - جل ثناؤه - مبتدأ، ومعنى الكلام: أنَّ الله يُضِلُّ بالمَثَل
الذي يضربه كثيرًا من أهل النفاق والكفر. وقد زعم بعضهم أنَّ ذلك خبرٌ عن المنافقين،
كأنهم قالوا: ماذا أراد الله بمَثَلٍ لا يعرفه كل أحد، يضل به هذا ويهدي به هذا. ثم
استؤنف الكلام والخبر عن الله، فقال الله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ: إِلَّ اُلْفَسِقِينَ﴾. وفيما في سورة
المدثر من قول الله: ﴿وَقُولَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضُ وَالْكَفِرُونَ مَاذَا أَرَدَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ
◌َشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ﴾ [٣١] ما يُنبِئ عن أنه في سورة البقرة كذلك مبتدأ)).
(١) أخرجه ابن جرير ٤٣٣/١. وعزاه السيوطي إليه مختصرًا دون ذكر ابن عباس.
(٣) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٧٠.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٧٠.
(٥) تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٩٥.
سُورَةُ البَقَرَة (٢٦)
٥ ١٨٨ %=
مَوَسُوعَة التَّفْسِي المَاتُور
﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَسِقِينَ
١٠٢٧ - عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي ◌َّ - من طريق السدي،
عن مرة الهمداني - = (٢٢٦/١)
١٠٢٨ - وعبد الله بن عباس - من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح - ﴿وَمَا
يُضِلُّ بِهِ: إِلَّا الْفَسِقِينَ﴾: هم المنافقون(١). (ز)
١٠٢٩ - عن عبد الله بن عباس - من طريق ابن جُرَيْج، عن مجاهد - في قوله: ﴿وَمَا
يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَسِقِينَ﴾، يقول: يعني: الكافرين(٢). (٢٢٦/١)
١٠٣٠ - عن أبي العالية - من طريق الربيع بن أنس - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ
مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلَا يُضِلُّ بِهِ، كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ: إِلَّا
اٌلْفَسِقِينَ﴾، قال: فهم أهل النفاق(٣). (ز)
١٠٣١ - وعن الربيع بن أنس - من طريق أبي جعفر -، مثله (٤). (ز)
١٠٣٢ - عن مجاهد - من طريق ابن أبي نجيح - في قوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ: إِلَّا
اُلْفَسِقِينَ﴾، يقول: يَعْرِفُه الفاسقون، ويكفرون به(٥). (٢٢٥/١)
١٠٣٣ - عن قتادة - من طريق سعيد - في قوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ: إِلَّا الْفَسِقِينَ﴾،
يقول: فسقوا؛ فَأَضَلَّهم الله بفسقهم(٦). (٢٢٦/١)
١٠٣٤ - عن إسماعيل السدي - من طريق أسباط - قوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ: إِلَّا
اُلْفَسِقِينَ﴾، قال: هم المنافقون (٧)١١٢]. (ز)
== وذكر ابن عطية (١٥٨/١) احتمالاً آخر، وهو: ((أن يكون قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِی بِهِ،
كَثِيراً﴾ إلى آخر الآية ردًّا من الله تعالى على قول الكفار: ﴿يُضِلُّ بِهِ، كَثِيرًا))).
١١٧] اختار ابنُ جرير (٤٣٤/١ - ٤٣٥) أن يكون المعنى: وما يضل الله خَال به إلا أهل ==
(١) أخرجه ابن جرير ٤٣٤/١. وعزاه السيوطي إليه دون ذكر ابن عباس.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٧٠. وعزاه السيوطي إليه بلفظ: يعرفه الكافرون؛ فيكفرون به.
(٤) أخرجه ابن جرير ١/ ٤٣٤، وابن أبي حاتم ١/ ٧٠.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٧٠.
(٥) تفسير مجاهد ص١٩٨. وعزا السيوطيُّ نحوه إلى عبد بن حميد.
(٦) أخرجه ابن جرير ٤٣٤/١، وابن أبي حاتم ١/ ٧٠. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٧٠.
سُورَةُ البَقَرَة (٢٧)
فَوَسُوعَة التَّقْنَسِيرُ الْجَاتُور
: ١٨٩ %
١٠٣٥ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ﴾ أي: بهذا المثل ﴿إِلَّ اُلْفَسِقِينَ﴾
يعني: اليهود. ثم أخبر فقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيثَقِهِ﴾(١). (ز)
﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيثَقِهِ ﴾
١٠٣٦ - عن سعد بن أبي وقاص - من طريق ابنه مصعب - قال: الحَرُورِيَّةُ هم الذين
ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، وكان يسميهم الفاسقين (٢)١١٨). (٢٢٦/١)
١٠٣٧ - عن أبي العالية - من طريق الربيع بن أنس - في قوله: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ
اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيثَقِهِ ﴾ إلى قوله: ﴿أُوْلَبِّكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾، قال: هي سِتُّ خِصال في
المنافقين، إذا كانت فيهم الظّهرَة على الناس أظهروا هذه الخصائص: إذا حَدَّثوا
كَذَبوا، وإذا وعدوا أَخْلَفُوا، وإذا انْتُمِنُوا خانوا، ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه،
وقطعوا ما أمر الله به أن يُوصَل، وأفسدوا في الأرض. وإذا كانت الظّهرَة عليهم
أظهروا الخصال: إذا حَدَّثْوا كَذَبُوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا انْتُمِنُوا خانوا(٣). (ز)
== الفسق من الكفار والمنافقين، فقال: «معنى قوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ: إِلَّا الْفَسِقِينَ﴾: وما
يُضِلُّ الله بالمَثَل الذي يضربه لأهل الضَّلال والنِّفاق إلا الخارجين عن طاعته، والتَّارِكين
اتّباع أمرِهِ، مِن أهل الكفر به من أهل الكتاب، وأهل الضَّلال من أهل النّفاق))، واستدل
على ذلك بما ورد عن السلف.
وَرَجَّحَ ابنُ تيمية (١ /١٧٨) أن يكون المعنى: كلُّ من ضل به فهو فاسق. فهو ذم لمن
يَضِلُّ به؛ فإنه يفسق بذلك، وإن لم يكن فاسقًا من قبل؛ مستدلا على ذلك بتأوّل سعد بن
أبي وقاصٍ لها في الخوارج، وسماهم فاسقين؛ لأنهم ضلوا بالقرآن.
١١٨] علَّقَ ابنُ كثير (٣٢٨/١) على قول سعد ظُّه بقوله: ((وهذا الإسناد إن صحَّ عن
سعد بن أبي وقاص رَؤُّه فهو تفسير على المعنى، لا أنَّ الآية أُرِيد منها التنصيص على
الخوارج الذين خرجوا على عليّ بالنهروان؛ فإن أولئك لم يكونوا حال نزول الآية، وإنما
هم داخلون بوصفهم فيها مع من دخل؛ لأنهم سُمُّوا خوارج لخروجهم عن طاعة الإمام
والقيام بشرائع الإسلام)).
(١) تفسير مقاتل بن سليمان ٩٥/١.
(٢) أخرجه البخاري (٤٧٢٨)، وابن جرير ٤٢٥/١٥، وابن أبي حاتم ٧١/١ - ٧٢.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٧١/١.
سُورَةُ البَقَرَة (٢٧)
مُؤَسُوعَة التَّفْسَةُ المَاتُور
١٠٣٨ - وعن الربيع بن أنس - من طريق أبي جعفر -، نحوه(١). (ز)
١٠٣٩ - عن قتادة - من طريق سعيد - في قوله: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ
مِيثَقِهِ ﴾، قال: إِيَّاكم ونقضَ هذا الميثاق، فإن الله قد كَرِهِ نقضَه، وأَوْعَد فيه، وقدَّم
فيه في آي من القرآن تقدمة ونصيحة وموعظة وحجة، ما نعلم اللهَ أَوْعَد في ذنب ما
أَوْعَد في نقض هذا الميثاق، فمَنْ أعطى عهد الله وميثاقه من ثمرة قلبه فلْيُوفِ
.(٢) . (٢٢٧/١)
به الله(٢)
١٠٤٠ - عن إسماعيل السدي - من طريق أسباط - ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ
مِيثَقِهِ،﴾، قال: هو ما عَهِد عليهم في القرآن، فأقَرُّوا به، ثم كفروا، فنَقَضُوه(٣). (ز)
١٠٤١ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَقِهِ﴾ فنقضوا
العهد الأول، ونقضوا ما أخذ عليهم في التوراة - أن يعبدوا الله، ولا يُشْرِكوا به
شيئًا، وأن يؤمنوا بالنبي وَّه ـ، وكفروا بعيسى وبمحمد منَّاها، وآمنوا ببعض
الأنبياء، وكفروا ببعض (٤). (ز)
١٠٤٢ - عن مقاتل بن حيان - من طريق بُكَيْر بن معروف - قوله: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾﴾
يعني: ميثاقه الأول الذي أخذ عليهم أن يعبدوه ولا يُشْرِكوا، ﴿مِنْ بَعْدٍ مِيثَقِهِ ﴾ في
التوراة أن يؤمنوا بمحمد بَّه، ويُصَدِّقُوه. فكفروا، ونَقَضُوا الميثاقَ الأول(٥)114]. (ز)
١٠٤٣ - عن يحيى بن سلَّام: ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِثَقِهِ﴾، قال: هو
الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم، وتفسيره في سورة الأعراف (٦)٢٠]. (ز)
علَّقَ ابنُ عطية (١٥٩/١) على قولٍ مشابهٍ لهذا، واستبعدَه لدلالة السّياق، بقوله:
١١٩
((فالآية على هذا في أهل الكتاب، وظاهر ما قبلُ وبعدُ أنَّها في جميع الكفارِ)).
١٢٠] رَجَّحَ ابنُ جرير (٤٣٨/١) بالسياق أن تكون هذه الآية نازلةً في كُفَّارِ أَحْبَارِ أهل
الكتاب، والمنافقين منهم، وأن يكون المراد بالعهد ما أخذه الله عليهم في التوراة من ==
(١) أخرجه ابن جرير ١/ ٤٣٩. وعلَّقه ابن أبي حاتم ١/ ٧١.
(٢) أخرجه ابن جرير ٤٣٩/١. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٧١. وعزا السيوطي آخره إلى ابن جرير من قول ابن مسعود وناس من
الصحابة .
(٤) تفسير مقاتل بن سليمان ١ / ٩٥.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٧١.
(٦) تفسير ابن أبي زمنين ١/ ١٣٠. وآخر كلامه يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ
ذُرِّيََّهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىّ أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَىُّ شَهِدْنَهُ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ﴾.
مُوَسُوعَة التَّفْسِيَةُ المَاتُور
سُورَةُ البَقَرَة (٢٧)
& ١٩١ .
آثار متعلقة بالآية:
١٠٤٤ - عن أنس، قال: خَطَبَنا رسول الله وَّه، فقال: ((ألا لا إيمان لمن لا أمانة
له، ولا دين لمن لا عهد له)) (١). (١/ ٢٢٧)
== العمل بما فيها، واتِّبَاع محمد رَّهَ إذا بُعِث، والتصديق به، ونقضهم ذلك: هو جحودهم به
بعد معرفتهم بحقيقته، وإنكارهم ذلك، وكتمانهم عِلْمَ ذلك الناسَ. ويدخل في أحكامهم
كلُّ مَنْ كان على مِثْلِ ما كانوا عليه من الضَّلال، فقال: ((وإنما قلت: إنه عنى بهذه الآيات
مَن قلتُ إنه عنى بها؛ لأن الآيات من ابتداء الآيات الخمس والست من سورة البقرة فيهم
نزلت إلى تمام قصصهم، وفي الآية التي بعد الخبر عن خلق آدم وبيانه في قوله: ﴿يَبَنِىّ
إِسْرَهِ يلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِىَ الَّتِى أَنْعَمْثُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىّ أُوْفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، وخطابِه إيّاهم
- جَلَّ ذكره - بالوفاء في ذلك خاصة دون سائر البشر؛ ما يَدُلُّ على أن قوله: ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ
عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَقِهِ ﴾ مقصودٌ به كفارُهم ومنافقوهم ومَن كان من أشياعهم من مشركي
عبدة الأوثان على ضلالهم. غير أنَّ الخطاب - وإن كان لمن وصفتُ من الفريقين - فداخل
في أحكامهم وفيما أوجب الله لهم من الوعيد والذم والتوبيخ كُلُّ من كان على سبيلهم
ومنهاجهم من جميع الخلق، وأصناف الأمم المخاطبين بالأمر والنهي)).
وحَسَّنَ ابنُ كثير (٣٢٩/١ - ٣٣٠) أن يكون عُنِي بهذه الآية جميعُ أهل الشرك والكفر
والنفاق، وأنَّ المراد بالعهد: هو ما وضعه الله لجميع الكُفَّار من الأدلة الدَّالَّة على ربوبيته،
وما احتج به لرسله من المعجزات. ونقضُهم إياه: تركُهم الإقرارَ بما ثبتت لهم صحتُه،
وتكذيبهم الرسل والكتب، مع علمهم أنَّ ما أتوا به حقٌّ .
ونقل ابن عطية (١٥٩/١) في معنى العهد أقوالًا أخرى، فقال: ((وقال آخرون: بل نصب
الأدلة على وحدانية الله بالسماوات والأرض وسائر الصنعة هو بمنزلة العهد. وقال آخرون:
بل هذا العهد هو الذي أخذه الله على عباده بواسطة رسله: أن يوحدوه، وأن لا يعبدوا
غيره ... وقال قتادة: هذه الآية هي فيمن كان آمن بالنبي { 84* ثم كفر به فنقض العهد)).
(١) أخرجه أحمد ٣٧٥/١٩ - ٣٧٦ (١٢٣٨٣)، ٣٢/٢٠ - ٣٣ (١٢٥٦٧)، ٤٢٣/٢٠ (١٣١٩٩)، ٢٣١/٢١
(١٣٦٣٧)، وابن حبان ٤٢٣/١ (١٩٤).
قال البزار في مسنده ٤٣٩/١٣ (٧١٩٦): ((وهذا الحديث لا نعلم أحدًا رواه عن النبي ◌ِ ◌ّ بهذا اللفظ إلا
أنسًا، ولا نعلم له طريقًا عن أنس إلا هذا الطريق، وأبو هلال قد روى عنه جماعة من أهل العلم، واحتملوا
حديثه، وإن كان غير حافظ)). وقال البغوي في شرح السنة ٧٤/١ - ٧٥ (٣٨): ((هذا حديث حسن)). وقال
الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة ٧٣/٥ - ٧٤ (١٦٩٩): ((كذا رواه مُؤَمّل، وخالفه حجاج، فرواه عن
حماد، عن ثابت وحميد ويونس، عن الحسن، عن النبي (وَّله مرسلًا. قال الدارقطني: والمرسل أصح)). وقال
الهيثمي في المجمع ٩٦/١ (٣٤١): ((وفيه أبو هلال، وَثَقَه ابنُ معين وغيره، وضَعَّفَه النسائيُّ وغيره)).
سُورَةُ الْبَقَرَّة (٢٧)
٥ ١٩٢ .
فَوْسُورَةُ التَّفْسَةُ الْحَانُون
١٠٤٥ - عن عائشة، قالت: قال رسول الله وَله: ((حُسْنُ العَهْد من الإيمان))(١). (٢٢٨/١)
﴿وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ﴾
١٠٤٦ - عن سعد بن أبي وقاص - من طريق ابنه مصعب - قال: الحَرُورِيَّةُ الذين
قال الله: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ﴾(٢). (ز)
١٠٤٧ - عن عبد الله بن عباس: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ﴾، يعني: ما
أمر الله به من الإيمان بالنبيين كلهم(٣). (ز)
١٠٤٨ - عن قتادة - من طريق سعيد - في قوله: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ: أَنْ
يُوصَلَ﴾، قال: الرَّحِم، والقَرابَة (٤). (٢٢٨/١)
١٠٤٩ - عن إسماعيل السُّدِّيّ - من طريق أسباط -: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ
يُوصَلَ﴾ من الأرحام(٥). (ز)
١٠٥٠ - قال مقاتل بن سليمان: نظيرها في الرعد [٢٥]: ﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ
بَعْدِ مِثَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ من إيمانٍ بِمحمدِ نَّهِ، ﴿وَيُفْسِدُونَ فِى
اْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ الَّعْنَةُ وَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾(٦). (ز)
١٠٥١ - عن مُقاتِل بن حَيَّان - من طريق بُكَيْر بن معروف - قوله: ﴿وَيَقْطَّعُونَ مَآ أَمَرَ
اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ﴾ في محمد بَّرَ، والنبيين والمرسلين من قبله، أن يؤمنوا جميعًا،
ولا يُفَرِّقوا بين أحد منهم(٧)[١٢]. (ز)
١٢١] رَجَّحَ ابن جرير (١/ ٤٤٠) بدلالة القرآن، والنّظائر أنَّ الذي رَغَب اللهُ في وَصْله، وذَمّ
على قطعه في هذه الآية: الرَّحِمُ، فقال: ((الذي رَغَّب اللهُ في وَصْله، وذمّ على قطعه في ==
(١) أخرجه الحاكم ٦٢/١ (٤٠).
قال الحاكم: ((هذا حديث صحيح، على شرط الشيخين؛ فقد اتفقا على الاحتجاج برواته في أحاديث
كثيرة، وليس له عِلَّة)). ولم يتعقبه الذهبي. وقال ابن حجر في الفتح ٤٣٦/١٠: ((وإسناده ضعيف)).
وصَحَّحه الألباني في الصحيحة ٤٢٤/١ (٢١٦).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٧٢.
(٣) ذكره يحيى بن سلام - كما في تفسير ابن أبي زمنين ١/ ١٣٠ -.
(٤) أخرجه ابن جرير ١/ ٤٤١. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٧٢.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٧٢.
(٦) تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٩٥.
فَوَسُوعَة التَّفْسَةُ المَاتُور
٥ ١٩٣ .
سُورَةُ البَقَرَة (٢٧)
﴿وَيُفْسِدُونَ فِىِ الْأَرْضِّ﴾.
١٠٥٢ - عن إسماعيل السُّدِّيّ - من طريق أسباط - في قوله: ﴿وَيُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ﴾،
قال: يعملون فيها بالمعصية(١). (٢٢٨/١)
١٠٥٣ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿وَيُفْسِدُونَ فِىِ الْأَرْضِّ﴾، يعني: ويعملون فيها
بالمعاصي (٢). (ز)
١٠٥٤ - عن مقاتل بن حيان - من طريق بُكَيْر بن معروف - في قوله: ﴿وَيُفْسِدُونَ فِىِ
اَلْأَرْضِ﴾، قال: أعمالهم السيئة التي يعملون بها في الأرض(٣). (ز)
﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ
١٠٥٥ - عن عبد الله بن عباس - من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك - قال: كُلُّ شيء
نسبه الله إلى غير أهل الإسلام من اسم - مثل: خاسِر، ومُسْرِف، وظالِم، وفاسِق -
فإنما يعني به: الكفر، وما نسبه إلى أهل الإسلام فإنما يعني به: الذَّنب (٤). (٢٢٨/١)
== هذه الآية: الرَّحِمُ، وقد بَيَّن ذلك في كتابه، فقال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُواْ
فِى الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢]).
ثُمَّ حَكَى (١ /٤٤١) القولَ بالعموم في المراد من القطع، بقوله: ((وقد تَأَوَّل بعضُهم ذلك
أنَّ الله ذَمَّهم بقطعهم رسول الله وََّ، والمؤمنين به، وأرحامَهم، واستشهد على ذلك بعموم
ظاهر الآية، وأَن لا دلالة على أنه مَعْنِيٌّ بها بعض ما أمر الله بوصله دون بعض. وهذا
مذهبٌ من تأويل الآية غيرُ بعيد من الصواب، ولكن الله - جَلَّ ثناؤه - قد ذكر المنافقين في
غير آية من كتابه، فوصفهم بقطع الأرحام. فهذه نظيرة تلك، غير أنها وإن كانت كذلك
فهي دالّةٌ على ذَمِّ اللهِ كُلَّ قاطع قطع ما أمر الله بوصله رَحِمًا كانت أو غيرها)).
وَرَجَّحَ ابنُ عطية (١٥٩/١ - ١٦٠ بتصرف) العمومَ في الآية، فقال: ((قال جمهور أهل
العلم: الإشارة في هذه الآية إلى دين الله، وعبادته في الأرض، وإقامة شرائعه، وحفظ
حدوده. وهذا هو الحقُّ، والرَّحِمُ جزءٌ من هذا)).
(١) أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٧٢.
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٩٥.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٧٢ (٢٩٧).
(٤) أخرجه ابن جرير ١ / ٤٤٢. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
سُورَةُ الْبَقَرَّة (٢٨)
=& ١٩٤ =
مُؤَسُوعَةُ التَّفْسِيرُ المَاتُور
١٠٥٦ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى
الْأَرْضِّ﴾ يعني: ويعملون فيها بالمعاصي، ﴿أُوْلَِّكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ في العقوبة،
يعني: اليهود(١). (ز)
١٠٥٧ - عن مقاتل بن حيان - من طريق بُكَيْر بن معروف - قوله: ﴿أُوْلَبِّكَ هُمُ
اَلْخَسِرُونَ﴾، يقول: هم أهل النار(٢). (١/ ٢٢٨)
﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَتًا فَأَحْيَكُمَّ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحِيْكُمْ
(٢٨)
ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
١٠٥٨ - عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي ◌َّ - من طريق السدي،
عن مُرَّة الهمداني - =
١٠٥٩ - وعبد الله بن عباس - من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح - في
قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَتًا فَأَحْيَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحِيكُمْ﴾، قال:
لم تكونوا شيئًا، فخلقكم، ثم يُمِيتكم، ثم يُحْيِيكم يوم القيامة (٣)١٣٢). (٢٢٨/١)
١٢٢] رَجَّحَ ابنُ جرير (٤٤٧/١)، وابنُ عطية (١٦١/١)، وابنُ كثير (٣٣٢/١) القولَ
بكونهما إحياءين وإماتتين .
قال ابنُ عطية: ((هو أَوْلَى هذه الأقوال؛ لأنه الذي لا محيد للكُفَّار عن الإقرار به في أول
ترتيبه، ثم إن قوله أولًا: ﴿كُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾، وإسناده آخرًا الإماتةَ إليه تبارك وتعالى؛ مِمَّا
يقوي ذلك القولَ))، وهو في هذا مُستنِدٌ إلى دلائل عقليّة.
وحكم ابنُ كثير عليه بالصحة مُستندًا لنظائرِه في القرآن، فقال: ((وهو كقوله تعالى: ﴿قُلِ
اللَّهُ يُحْيِيَكُمْ ثُمَّ يُمِنَّكُمْ ثُمَّ يَحْمَعَكُمْ إِلَى يَوْ اُلْقِيَمَةِ لَا رَيْبَ فِهِ﴾ [الجاثية: ٢٦]).
ووجَّهه ابنُ جرير (١/ ٤٤٧ - ٤٤٨ بتصرف) بقوله: ((فأمَّا وجه تأويل من تَأَوَّل قوله: ﴿كَيْفَ
تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَتًا فَأَحْيَكُمْ﴾ أي: لم تكونوا شيئًا؛ فإنه ذَهَب إلى نحو قول
العرب للشيء الدارس، والأمر الخامل الذكر: هذا شيء ميت، وهذا أمر ميت. يراد ==
(١) تفسير مقاتل بن سليمان ١ / ٩٥.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٧٢/١ (٢٩٩) من رواية محمد بن مزاحم، عن بكير، وأخرجه ٧٢/١ (٢٩٨) من
رواية الوليد عن بكير، بلفظ: في الآخرة. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
(٣) أخرجه ابن جرير ١/ ٤٤٣. وعزاه السيوطي إليه دون ذكر ابن عباس.
مَوْسُوعَة التَّفْسَِّةُ الْحَاتُور
ـ٤ ١٩٥ %=
سُورَةُ الْبَقَرَّة (٢٨)
١٠٦٠ - عن عبد الله بن مسعود - من طريق أبي الأَحْوَص - في قوله - جلَّ وعزَّ -:
﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَتًا فَأَحْيَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْبِيكُمْ﴾: هي مثلُ الآية
التي في أول المؤمن: ﴿رَبَّا أَمَتَّنَا أَثْنَيْنِ وَأَحْبَيْتَنَا أَثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١](١). (٢٣/١٣)
١٠٦١ - عن الضحاك =
١٠٦٢ - وعطاء، نحو ذلك(٢). (ز)
١٠٦٣ - عن عبد الله بن عباس - من طريق ابن جُرَيْج، عن عطاء الخراساني - في
قوله: ﴿وَكُنتُمْ أَمْوَتًا﴾ في أصلاب آبائكم، لم تكونوا شيئًا، حتى خلقكم، ثم
يميتكم موتة الحق، ثم يحييكم حين يبعثكم. قال: وهي مثل قوله: ﴿رَبَّ أَمَتَّنَا أَثْنَيْنِ
وَأَحْيَلْتَنَا أُقْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١](٣). (١/ ٢٢٩)
١٠٦٤ - وعن الحسن البصري، نحو ذلك(٤). (ز)
١٠٦٥ - عن عبد الله بن عباس - من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك - في قوله:
﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا أَثْنَيْنِ وَأَحْبَيْتَنَا أَثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١]، قال: كنتم ترابًا قبل أن يخلقكم؛ فهذه
== بوصفه بالموت: خمول ذكره، ودروس أثره من الناس. فكذلك تأويل قول من قال في
قوله: ﴿وَكُنتُمْ أَمْوَتًا﴾ لم تكونوا شيئًا، أي: كنتم خمولًا لا ذِكْرَ لكم، وذلك كان
موتكم فأحياكم، فجعلكم بشرًا أحياء، ثم يميتكم بقبض أرواحكم وإعادتكم، ثم يحييكم
بإعادة أجسامكم إلى هيئاتها، ونفخ الروح فيها))، ومُستندُهم في هذا لغةُ العربِ كما هو
ظاهر .
وقال ابنُ كثير (٣٣٢/١) مُستندًا إلى النظائرِ: ((عَبَّر عن الحال قبل الوجود بالموت؛ بجامع
ما يشتركان فيه من عدم الإحساس، كما قال في الأصنام: ﴿أَمْوَتُّ غَيْرُ أَحْيَاٍَّ﴾ [النحل:
٢١]، وقال: ﴿وَءَايَةٌ لَُّمُ الْأَرْضُ الْمَيْنَةُ أَحْبَيْنَهَا﴾ [يس: ٣٣])).
(١) أخرجه سفيان الثوري ص٤٣، وابن جرير ٤٤٣/١، ٢٩١/٢٠، وابن أبي حاتم ٧٣/١ كلاهما من
طريق سفيان بلفظ: في قوله: ﴿أَمَّنَا أَثْنَيْنِ وَأَحْبَيْتَنَا أَقْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١]، قال: هي كالتي في البقرة: ﴿كَيْفَ
تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَتًا فَأَحْيَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيَكُمْ﴾. وكذلك الطبراني في الكبير (٩٠٤٤،
٩٠٤٥)، والحاكم ٤٣٧/٢ من طريق أبي إسحاق، عن الأحوص به. وأورده السيوطي عند تفسير آية سورة
غافر، وعزاه إليهم، وإلى الفريابي، وعبد بن حميد.
(٢) علَّقه ابن أبي حاتم ٧٣/١.
(٣) أخرجه ابن جرير ١ / ٤٤٤ مُقتصِرًا على آخره، وابن أبي حاتم ١/ ٧٣. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
(٤) علَّقه ابن أبي حاتم ١/ ٧٣.
سُورَةُ البَقَرة (٢٨)
١٩٦ %=
فَوْسُورَة التَّفْسِيرُ الْجَاتُور
ميتة، ثم أحياكم فخلقكم؛ فهذه حياة، ثم يميتكم فترجعون إلى القبور؛ فهذه ميتة
أخرى، ثم يبعثكم يوم القيامة؛ فهذه حياة؛ فهما ميتتان وحياتان، فهو قوله: ﴿كَيْفَ
تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحِبِيكُمْ﴾(١). (٢٤/١٣)
١٠٦٦ - عن أبي العالية - من طريق الربيع بن أنس - في الآية، يقول: حين لم
يكونوا شيئًا، ثم أحياهم حين خلقهم، ثم أماتهم، ثم أحياهم يوم القيامة، ثم رجعوا
إليه بعد الحياة (٢). (٢٣٠/١)
١٠٦٧ - عن مجاهد - من طريق ابن جُرَيْج - في الآية، قال: لم تكونوا شيئًا حتى
خلقكم، ثم يميتكم الموتة الحق، ثم يحييكم. وقوله: ﴿رَبَّا أَمَتَّنَا أَثْنَيْنِ وَأَحْبَيْتَنَا
اُثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] مثلُها (٣). (٢٢٩/١)
١٠٦٨ - عن أبي صالح [باذام] - من طريق السدي - في الآية، قال: يميتكم، ثم
يحييكم في القبر، ثم يميتكم(٤)١٢٣). (٢٢٩/١)
١٠٦٩ - عن قتادة - من طريق سعيد - في الآية، قال: كانوا أمواتًا في أصلاب
آبائهم، فأحياهم الله فأخرجهم، ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها، ثم أحياهم للبعث
يوم القيامة؛ فهما حياتان ومَوْتتان (٥)١٢٤). (٢٢٩/١)
[١٢٣] وَجَّهَ ابنُ جرير (١ /٤٤٨) قولَ أبي صالح، فقال: ((وأمَّا وَجْهُ تأويل من تَأَوَّل ذلك:
أنَّه الإماتة التي هي خروج الروح من الجسد، فإنه ينبغي أن يكون ذهب بقوله: ﴿وَكُنتُمْ
أَمْوَتَا﴾ إلى أنَّه خطابٌ لأهل القبور بعد إحيائهم في قبورهم)). ثم انتقده بظاهرِ الآية
وسياقها، فقال: ((وذلك معنى بعيد؛ لأن التوبيخ هنالك إنما هو توبيخ على ما سلف وفرط
من إجرامهم، لا استعتاب واسترجاع. وقوله - جَلَّ ذِكْرُه -: ﴿كَيْفَ تَكْفُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ
أَمْوَاتًا﴾ توبيخ مستعتب عباده، وتأنيب مسترجع خلقه من المعاصي إلى الطاعة، ومن
الضلالة إلى الإنابة، ولا إنابة في القبور بعد الممات، ولا توبة فيها بعد الوفاة)).
وعلَّقَ ابنُ كثير (٣٣٢/١) على قول أبي صالح بقوله: ((وهذا غريب)).
١٢٤] علّقَ ابنُ جرير (٤٤٨/١) على قول قتادة، فقال: ((عنى بذلك: أنهم كانوا نُطَفًا لا ==
(١) أخرجه ابن جرير ١/ ٤٤٥، وابن أبي حاتم ٧٣/١. وأورده السيوطي عند تفسير آية سورة غافر، وعزاه
إلى ابن مردويه .
(٢) أخرجه ابن جرير ١/ ٤٤٤، وابن أبي حاتم ٧٣/١. (٣) أخرجه ابن جرير ١ / ٤٤٤.
(٤) أخرجه ابن جرير ١/ ٤٤٥. وعلّقه ابن أبي حاتم ٧٣/١. وعزاه السيوطي إلى وكيع.
(٥) أخرجه ابن جرير ٤٤٦/١. وعلَّقه ابن أبي حاتم ٧٣/١. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد . =
سُورَةُ البَقَرة (٢٨)
مُؤْسُورَةُ التَّفْسَِّةُ المَاتُور
٥ ١٩٧ .
١٠٧٠ - وعن إسماعيل السدي - من طريق أسباط -، نحو ذلك(١). (ز)
١٠٧١ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ بأنَّه واحد لا شريك له،
﴿وَكُنتُمْ أَمْوَتًا﴾ يعني: نُطَفًا، ﴿فَأَحْيَكُمْ﴾ يعني: فخلقكم، وذلك قوله سبحانه:
﴿يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [يونس: ٣١، والروم: ١٩]، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾
عند إحيائكم، ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ من بعد الموت يوم القيامة، ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْحَعُونَ﴾
فيجزيكم بأعمالكم. فأمَّا اليهود فعرفوا وسكتوا، وأما المشركون فقالوا: أئِذا كنا
ترابًا مَن يقدِر أن يبعثنا من بعد الموت؟! فأنزل الله رَى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا
فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾(٢). (ز)
١٠٧٢ - عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم - من طريق ابن وَهْب - في قول الله
تعالى: ﴿رَبَّا أَمَتَّنَا أَثْنَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا أُنْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١]، قال: خَلَقَهم من ظهْر آدم حين
أَخَذَ عليهم الميثاق. وقرأ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَادَمَ مِنِ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ﴾ حتى بلغ:
﴿أَوَ نَقُولُواْ إِنَّ أَشْرَكَ ءَآبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِيَّةً مِّنْ بَعْدِهِمْ أَفَهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ اُلْمُبْطِلُونَ﴾
[الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣]، قال: فكسَّبهم العقل، وأخذ عليهم الميثاق. قال: وانتزع
ضِلْعًا من أضلاع آدم القُصَيْرَى(٣)، فخلق منه حواء، ذكره عن النبي ◌َّ. قال:
وذلك قول الله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسِ وَحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا
وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءٌ﴾ [النساء: ١]، قال: بَثَّ منهما بعد ذلك في الأرحام خَلْقًا
كثيرًا. وقرأ: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ خَلْقَا مِّنْ بَعْدِ خَلْقِ﴾ [الزمر: ٦]، قال: خلقًا
بعد ذلك. قال: فلما أَخَذ عليهم الميثاق أماتهم، ثم خلقهم في الأرحام، ثم
أماتهم، ثم أحياهم يوم القيامة، فذلك قول الله: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا أَثْنَيْنِ وَأَحْبَيْتَنَا أَثْنَتَيْنِ
فَأَعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾ [غافر: ١١]. وقرأ قول الله: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّثَقًّا غَلِيظًا﴾ [النساء:
== أرواح فيها، فكانت بمعنى سائر الأشياء الموات التي لا أرواح فيها، وإحياؤُه إيَّاها - تعالى
ذكره - نفخُه الأرواحَ فيها، وإماتتُه إيَّاهم بعد ذلك قبضُه أرواحَهم، وإحياؤُه إيَّاهم بعد ذلك
نفخُ الأرواح في أجسامهم يومَ يُنفخ في الصور، ويُبْعَث الخلق للموعود)).
= وذكر يحيى بن سلام - كما في تفسير ابن أبي زمنين ١/ ١٣٠ - أنَّ في تفسير قتادة: ﴿فَأَحْيَكُمْ﴾ في
الأرحام، وفي الدنيا .
(١) أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٧٣.
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٩٥.
(٣) القُصَيْرى - مقصورة - أسفل الأضلاع أو آخر ضلعٍ في الجنب. القاموس المحيط (قصر).
سُورَةُ البَقَرَة (٢٩)
١٩٨ %=
مُوَسُوعَزْ التَّفْسِيَةُ الْمَانُور
١٥٤، والأحزاب: ٧]، قال: يومئذ. قال: وقرأ قول الله: ﴿وَأَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
وَمِيثَاقَهُ الَّذِى وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [المائدة: ٧](١٢٥،١]. (ز)
﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾
١٠٧٣ - عن مجاهد - من طريق ابن أبي نَجِيح - في قوله: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا
فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، قال: سَخَّر لكم ما في الأرض جميعًا (٢). (٢٣٠/١)
علقَ ابن جرير (٤٤٨/١ - ٤٤٩) على قول ابن زيد قائلًا: ((الإماتةُ الأولى عنده
١٢٥
إعادةُ الله - جل ثناؤه - عبادَه في أصلاب آبائهم، بعد ما أخذهم من صُلْب آدم، وأنَّ
الإحياء الآخر هو نفخُ الأرواح فيهم في بطون أمهاتهم، وأن الإماتة الثانية هي قبض
أرواحهم للعود إلى التراب، والمصير في البرزخ إلى يوم البعث، وأنَّ الإحياء الثالث هو
نفخ الأرواح فيهم لبعث الساعة ونشر القيامة)). ثم انتقده لمخالفتِه ظاهرَ الآيةِ بقوله: ((وهذا
تأويلٌ إذا تَدَبَّره المتدبر وجده خلافًا لظاهر قول الله الذي زعم مُفَسِّرُه أن الذي وصفنا من
قوله تفسيره، وذلك أنَّ الله - جل ثناؤه - أخبر في كتابه عن الذين أخبر عنهم من خلقه أنَّهم
قالوا: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا أَثْنَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اُنْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١]، وزعم ابن زيد في تفسيره أنَّ الله
أحياهم ثلاث إحياءات، وأماتهم ثلاث إماتات ... وليس ذلك من تأويل هاتين الآيتين - أعني
قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ الآية، وقوله: ﴿رَبَّا أَمْتَّنَا أَثْنَيْنِ وَأَحْبَيْسَنَا أُتْنَتَيْنِ﴾
[غافر: ١١] - في شيء؛ لأن أحدًا لم يدَّع أن الله أمات من ذَرَأ يومئذ غيرَ الإماتة التي صار
بها في البرزخ إلى يوم البعث)).
وعلَّقَ ابنُ كثير (٣٣٢/١) على قول ابن زيد بقوله: ((وهذا غريب)).
وزاد ابن عطية (بتصرف ١٦٠/١، ١٦١) أقوالًا أخرى في معنى الآية، فقال: ((وقال
آخرون: كنتم أمواتًا بكون آدم من طين ميتًا قبل أن يحيى، ثم نفخ فيه الروح فأحياكم بحياة
آدم، ثم يميتكم الموت المعهود، ثم يحييكم للبعث يوم القيامة ... كنتم أمواتًا في الأرحام
قبل نفخ الروح، ثم أحياكم بالإخراج إلى الدنيا، ثم كما تقدم ... وروي عن ابن عباس
أيضًا أنه قال: وكنتم أمواتًا بالخمول، فأحياكم بأن ذكرتم وشرفتم بهذا الدين والنبي الذي
جاءكم)) .
(١) أخرجه ابن جرير ٤٤٦/١ - ٤٤٧، ٢٩٢/٢٠.
(٢) عزاه السيوطي إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.
سُورَةُ البَقَرَّة (٢٩)
فَوْسُوعَة التَّفْسِيُ المَاتُور
٥ ١٩٩ %=
١٠٧٤ - عن قتادة - من طريق سعيد - في قوله: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِىِ الْأَرْضِ
جَمِيعًا﴾، قال: سَخَّر لكم ما في الأرض جميعًا؛ كرامة من الله، ونعمة لابن آدم؛
متاعًا وبُلْغةً ومنفعةً إلى أجل (١) ٢٦]. (٢٣٠/١)
١٠٧٥ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ من
شيء، ﴿ثُمَّ اُسْتَوَىّ إِلَى السَّمَاءِ﴾ فَبَدَأْ بِخَلْقِهِنَّ وخَلْقِ الأرض (٢). (ز)
ثُمَّ أَسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾
١٠٧٦ - عن عبد الله بن عباس - من طريق الكَلْبِيِّ، عن أبي صالح - في قوله: ﴿ثُمَّ
أَسْتَوَىّ إِلَى السَّمَاءِ﴾، يعني: صَعَد أمرُه إلى السماء(٣). (٢٣٢/١)
١٠٧٧ - عن أبي العالية - من طريق الربيع بن أنس - في قوله: ﴿ثُمَّ اُسْتَوَىَ إِلَى
السَّمَاءِ﴾، قال: ارتفع (٤). (٢٣٢/١)
١٠٧٨ - عن مجاهد - من طريق ابن أبي نَجِيح - في قوله: ﴿ثُمَّ اُسْتَوَىّ إِلَى السَّمَاءِ﴾،
قال: خلق الله الأرض قبل السماء، فلمَّا خلق الأرضَ ثَار منها دُخَان، فذلك قوله:
﴿ثُمَّ أَسْتَوَىَ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّنَهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾(٥). (٢٣٠/١)
١٠٧٩ - عن الربيع بن أنس - من طريق أبي جعفر - ﴿ثُمَّ اُسْتَوَىّ إِلَى السَّمَاءِ﴾،
يقول: ارْتَفَع إلى السماء(٦). (ز)
ذهب ابنُ جرير (٤٥٣/١ - ٤٥٤) في تأويل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى
١٢٦
اُلْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ إلى معنى ما ذكره قتادة، مُسْتَنِدًا فيه إلى قول السلف.
(١) أخرجه ابن جرير ١/ ٤٥٤، وابن أبي حاتم ٧٤/١ من طريق سعيد بن بشير. وعزاه السيوطي إلى عبد بن
حميد.
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٩٦.
(٣) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٨٧٢).
(٤) أخرجه البخاري ٢٦٩٨/٦، وابن جرير - كما في التغليق ٣٤٤/٥، والفتح ٤٠٥/٣ -، وابن أبي حاتم
١/ ٧٥. وعَلَّقه البيهقي في الأسماء والصفات (عَقِب ٨٧٢). وهو في تفسير الطبري ١ / ٤٥٦ من قول الربيع
كما سيأتي.
(٥) أخرجه عبد الرزاق ١/ ٤٢، وابن جرير ٤٦٣/١، وابن أبي حاتم ١/ ٧٥، وأبو الشيخ في العظمة
(٨٨٥). وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
(٦) أخرجه ابن جرير ٤٦٥/١، وابن أبي حاتم ١/ ٧٥.
سُورَةُ البَقَرَّة (٢٩)
٢٠٠٥ .
مُوَسُوعَةُ التَّقْسِيَةُ الْمَانُور
١٠٨٠ - عن الحسن البصري، مثله(١)١٢٧]. (ز)
﴿فَسَوَّنُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَتٍ﴾
١٠٨١ - عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي وَّلري ـ من طريق السدي،
عن مُرَّة الهمداني - =
١٠٨٢ - وعن عبد الله بن عباس - من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح -
في قوله: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ أُسْتَوَىَ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّهُنَّ
سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾، قال: إنَّ الله كان عرشه على الماء، ولم يخلُق شيئًا قبل الماء، فلَمَّا
أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دُخانًا، فارتفع فوق الماء، فسَمَا عليه، فسَمَّاه
سماءً، ثم أَيْبَسَ الماء، فجعله أرضًا واحدة، ثم فَتَقَها، فجعلها سبع أرضين في
يومين؛ في الأحد والاثنين، فخلق الأرض على حوتٍ، وهو الذي ذكره في قوله:
١٢٧ رجَّح ابنُ جرير (٤٥٧/١) أن ﴿أَسْتَوَىَ﴾ بمعنى: علا، وارتفع. فقال: «وأَوْلَى
المعاني بقول الله - جل ثناؤه -: ﴿ثُمَّ أَسْتَوَىَ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّنهُنَّ﴾: عَلا عليهن، وارتفع،
فدَبَّرَهُنَّ بقدرته، وخَلَقَهُنَّ سبع سموات)).
ثم تَعَجَّب ممن أنكر هذا المعنى المفهوم من كلام العرب؛ هربًا عند نفسه من أن يكون إنَّما
علا وارتفع بعد أن كان تحتها، وانتَقَدَه (١/ ٤٥٧) بقوله: ((يُقال له: زعمتَ أن تأويل قوله:
﴿أَسْتَوَىَ﴾: أَقْبَلَ. أفكان مُذْبِرًا عن السماء فأقبل إليها؟ فإن زعم أنَّ ذلك ليس بإقبال فعل،
ولكنه إقبال تدبير، قيل له: فكذلك فقل: علا عليها عُلُوَّ ملك وسلطان، لا علو انتقال
وزوال)).
وعَلَّل ابنُ تيمية (١٨٥/١ - ١٨٦) تفسيرَ السلف له بالارتفاع بدلالة القرآن في قوله تعالى:
﴿ثُمَّ أَسْتَوَىّ إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١]: ((وهذه نزلت في سورة (حم) بمكة، ثم
أَنزَل الله في المدينة سورةَ البقرة: ﴿ثُمَّ أَسْتَوَىَ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ
عَلِيمٌ﴾، فلمَّا ذَكَرَ أنَّ اسْتِوَاءَه إلى السماء كان بعد أن خلق الأرض، وخلق ما فيها، تَضَمَّن
معنى الصُّعُود؛ لأنَّ السماء فوق الأرض، فالاستواءُ إليها ارتفاعٌ إليها)).
وعلَّقَ ابنُ كثير (٣٣٢/١) بقوله: ((أي: قَصَد إلى السماء، والاستواءُ هاهنا تَضَمَّن معنى
القصد والإقبال؛ لأنه عُدِّي ب﴿إِلَى﴾)).
(١) علَّقه ابن أبي حاتم ١/ ٧٥.