النص المفهرس

صفحات 441-460

سُورَةُ النُّورِ (٥)
فَوْسُورَة التَّفْسِيُ المَاتُور
٤٤١ ٥
٥٢٤٦١ - عن حصين، قال: رأيتُ رجلًا ضُرِب حَدًّا في قذف بالمدينة، فلما فرغ
من ضربه تناول ثوبه، ثم قال: أستغفر الله وأتوب إليه من قذف المحصنات. قال:
فلقيتُ أبا الزناد، فذكرت ذلك له. قال: فقال: إنَّ الأمر عندنا هاهنا أنَّه إذا قال
ذلك حين يفرغ من ضربه، ولم نعلم منه إلا خيرًا؛ قُبِلَت شهادتُه (١)٤٦٦٦]. (ز)
٥٢٤٦٢ - قال يحيى بن سلّام: حدثني بحر السقاء، قال: سألت الزهريَّ عن
الرجل يجلد في القذف ثم يتوب، أتقبل شهادته؟ قال: حدثني سعيد بن المسيب:
أنَّ الرَّهْط الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة؛ أبو بكرة، وشبل بن معبد البجلي،
وعبد الله بن الحارث، وزياد أمير البصرة، لَمَّا قدموا المدينة قيل لهم: أشهدتم
== ورجّحَ ابنُ جرير (١٧٢/١٧ - ١٧٣) القولَ الأولَ - وهو قول الجمهور - استنادًا إلى
الإجماع، ودلالة العقل، وقال: «ذلك أنَّه لا خلاف بين الجميع أنَّ ذلك كذلك إذا لم يُحَدّ
في القذف حتى تاب؛ إمَّا بأن لم يُرفع إلى السلطان بعفو المقذوفة عنه، وإمَّا بأن ماتت قبل
المطالبة بحدِّها ولم يكن لها طالب يطلب بحدّها، فإذ كان ذلك كذلك وحدثت منه توبة
صَحَّت له بها العدالة. فإذا كان من الجميع إجماعًا، ولم يكن الله - تعالى ذِكْرُه - شرَطَ في
كتابه أن لا تُقبل شهادته أبدًا بعد الحدّ في رميه، بل نهى عن قبول شهادته في الحال التي
أوجب عليه فيها الحدّ، وسماه فيها فاسقًا؛ كان معلومًا بذلك أنّ إقامة الحدّ عليه في رميه
لا تُحْدِث في شهادته مع التوبة من ذنبه ما لم يكن حادثًا فيها قبل إقامته عليه، بل توبته بعد
إقامة الحدّ عليه مِن ذنبه أحْرَى أن تكون شهادته معها أجوز منها قبل إقامته عليه؛ لأن الحدّ
يزيد المحدود عليه تطهيرًا مِن جرمه الذي استحقّ عليه الحدّ)).
وبنحوه قال ابنُ تيمية (٤٩١/٥ - ٤٩٢، ٥٩١) مستشهدًا بما حدث في قصة الإفك.
٤٦٠١] اختلفوا في صفة توبة القاذف التي تقبل معها شهادته على قولين: أحدهما: أن يُكَذِّبَ
نفسَه في ذلك القذف الذي حُدّ فيه. والآخر: أن يَصلُح ويحسُن حالُه، وإن لم يرجع عن
قوله بتكذيب .
ورجَّحَ ابنُ جرير (١٧٥/١٧ - ١٧٦) القولَ الثانيَ استنادًا إلى دلالة العقل، وقال: ((لأنَّ الله
- تعالى ذِكْرُه - جعل توبة كل ذي ذنب من أهل الإيمان تركه العود منه، والندم على ما
سلف منه، واستغفار ربه منه، فيما كان من ذنب بين العبد وبينه، دون ما كان من حقوق
عباده ومظالمهم بينهم، والقاذف إذا أُقيم عليه فيه الحدّ، أو عُفي عنه، فلم يبق عليه إلا
توبته مِن جُرْمه بينه وبين ربه، فسبيل توبته منه سبيل توبته من سائر إجرامه)).
(١) أخرجه ابن جرير ١٧ / ١٧٤ .

سُورَةُالُّّورِ (٥)
& ٤٤٢ :-
فَوْسُورَة التَّفْسِيُ المَاتُور
على رجل من أصحاب النبي؟ فأمضى أبو بكرة الشهادة، وشبل بن معبد،
وعبد الله بن الحارث، وأبى زيادٌ أن يُمضي الشهادة. قال: رأيت منظرًا قبيحًا.
فقال لهم عمر: مَن رجع عن شهادته أجزنا شهادتَه في المسلمين. فرجع شبل بن
معبد، وعبد الله بن الحارث، وأبى أبو بكرة أن يرجع عن شهادته، فأجاز عمر
شهادتهما، وتأول هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَزْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَّةَ فَأَجْلِدُوهُمْ
ثَمَنِينَ جَلْدَةً وَلَا نَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَدَةً أَبَدًا وَأُوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَبُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ
وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال يحيى: يرى عمر أنَّ توبتهم أن يرجعوا - وليس
عليه الناس -؛ لأنه لا شهادة لهم بعد أبدًا . =
٥٢٤٦٣ - قال يحيى: وكذلك حدثني حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن
الشعبي مثلَ قول عمر. قال الشعبي: يقوم على رءوس الناس فيُكذّب نفسَه . =
٥٢٤٦٤ - والناسُ على قول الحسن =
٥٢٤٦٥ _ وسعيد بن المسيب: أنَّ شهادته لا تجوز أبدًا . =
٥٢٤٦٦ - وحدثني إبراهيم بن محمد، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن
عباس، قال: لم تقبل لأبي بكرة شهادة؛ لأنه لم يرجع عن شهادته . =
٥٢٤٦٧ - وحدثني الحسن بن دينار، عن الحسن، قال: شهادة كلِّ مَن أقيم عليه
الحد جائزة إذا تاب، غير القاذف . =
٥٢٤٦٨ - نا عمار، عن الحسن بن دينار، عن الحسن، في العبد يقذف الحرَّ، قال:
يجلد أربعين، ولا تجوز شهادته أبدًا، وإن أعتق(١). (ز)
آثار متعلقة بالآية:
٥٢٤٦٩ - عن الحسن البصري - من طريق إسماعيل - قال: الزِّنا أشدُّ مِن القذف،
والقذفُ أشدُّ مِن الشرب(٢). (١٠/ ٦٥٠)
٥٢٤٧٠ - عن عطاء [بن أبي رباح] - من طريق ابن جريج - قال: جَلْدُ الزاني أشدُّ
مِن جلد الفرية والخمر، وجلد الفرية والخمر نَحْوٌ واحد(٣). (٦٥٠/١٠)
(١) تفسير يحيى بن سلام ٤٢٩/١ - ٤٣٠.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٣٥٠٨).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٣٥٠٩).

مُؤَسُوعَة التَّفْسَة المَاتُور
٥ ٤٤٣
سُوَرَّةُ النُّورِ (٦ - ٩)
﴿وَالَّذِينَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّمْ شُهَدَءُ إِلَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَدَتٍِ بِلّهِ إِنَّهُ، لَمِنَ
اَلْصَدِقِينَ ﴿ وَالْخَمِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَذِبِينَ ﴿﴿ وَيَدْرَؤُّأْ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ
أَرْبَعَ شَهَدَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَذِينَ ﴿ وَالْخَمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّدِقِينَ
٩
نزول الآية :
٥٢٤٧١ - عن عبد الله بن مسعود، قال: كُنَّا جلوسًا عَشِيَّة الجمعة في المسجد، فقال
رجل من الأنصار: أحدنا إذا رأى مع امرأته رجلًا فقتله قتلتموه، وإن تكلم
جلدتموه، وإن سكت سكت على غيظ! واللهِ، لَئِن أصبحتُ صالِحًا لأسألنَّ
رسول الله وَّ﴾. فسأله، فقال: يا رسول الله، أحدنا إذا رأى مع امرأته رجلًا فقتله
قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت على غيظ! اللَّهُمَّ، احكم. فنزلت آيةُ
اللعان، فكان ذلك الرجل أول مَن ابتُلِي به (١). (١٠/ ٦٥٦)
٥٢٤٧٢ - عن عاصم بن عدي - من طريق الشعبي - قال: لَمَّا نزلت: ﴿وَلَّذِينَ يَرَمُونَ
الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَّةَ﴾ الآية؛ قُلتُ: يا رسول الله، إلى أن يأتي الرجلُ
بأربعة شهداء قد خرج الرجل! فلم ألبث إلا أيامًا فإذا ابنُ عمِّ لي معه امرأتُه ومعها
ابنٌّ، وهي تقول: منك. وهو يقول: ليس مِنِّي. فنزلت آيةُ اللعان. قال عاصم: فأنا
أولُ مَن تكلّم به، وأول مَن ابْتُلِي به (٢). (٦٥٠/١٠)
٥٢٤٧٣ - عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أنَّ عاصم بن عدي لما نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرَمُونَ
اٌلْمُحْصَنَتِ﴾؛ قال: يا رسول الله، أين لأحدنا أربعة شهداء؟ فابتلي به في بنت
أخيه(٣). (ز)
٥٢٤٧٤ - عن ابن عباس، قال: لما نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ.
شُهَدَاءَ﴾ الآية؛ قال سعد بن عبادة - وهو سيِّد الأنصار -: أهكذا أُنزِلت، يا رسول الله؟
(١) أخرجه مسلم ١١٣٣/٢ (١٤٩٥)، وأحمد ١٠٥/٧ (٤٠٠١)، ٣١٢/٧ (٤٢٨١) واللفظ له، وابن جرير
١٧ / ١٨٣.
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط ٢٦١/١ (٨٥٥)، وابن أبي حاتم ٢٥٢٨/٨ (١٤١٦١) واللفظ له.
قال الهيثمي في المجمع ١٣/٥ (٧٨٤٢): ((رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح)).
(٣) أخرجه ابن مردويه - كما في الفتح ٤٤٨/٩ -.
قال الحافظ ابن حجر: ((وفي سنده مع إرساله ضعف)).

سُوَرَّةُ النُّورِ (٦ - ٩)
& ٤٤٤ ٥
مُؤْسُوعَة التَّفْسِيَة المَاتُوز
فقال رسول الله وَله: ((يا معشر الأنصار، ألا تسمعون ما يقول سيِّدُكم؟!)). قالوا: يا
رسول الله، لا تَلُمْهُ؛ فإنَّه رجل غيور، واللهِ، ما تزوَّج امرأةً قطٌ إلا بِكْرًا، وما طلَّق
امرأةً له قطَّ فاجترأ رجلٌ مِنَّا على أن يتزوجها مِن شدة غيرته. فقال سعد: واللهِ، يا
رسول الله، إنِّي لأعلم أنها حقُّ، وأنَّها من الله، ولكني تعجبتُ أنَّ لو وجدت
لَكَاعًا (١) قد تَفَخَّذها رجلٌ لم يكن لي أن أهيجه ولا أُحَرِّكه حتى آتي بأربعة شهداء!
فواللهِ، لا آتي بهم حتى يقضي حاجته. قال: فما لبثوا إلا يسيرًا حتى جاء هلال بن
أمية، وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، فجاء مِن أرضه عِشاءً، فوجد عند أهله
رجلًا، فرأى بعينه، وسمع بأذنيه، فلم يُهِجْه حتى أصبح، فغدا على رسول الله وَّل،
فقال: يا رسول الله، إني جئتُ أهلي عِشاءً، فوجدت عندها رجلًا، فرأيت بعيني،
وسمعت بأذني. فكَرِهِ رسول الله وَّ ما جاء به، واشْتَدَّ عليه، واجتمعت الأنصار،
فقالوا: قد ابتُلينا بما قال سعدُ بن عبادة، الآن يضرب رسولُ اللهِ وَّ هِلالَ بنَ أمية،
وتَبْطُل شهادتُه في المسلمين. فقال هلال: واللهِ، إنِّي لأرجو أن يجعل الله لي منها
مخرجًا. فقال: يا رسول الله، إنِّي قد أرى ما اشْتَدَّ عليك مِمَّا جئت بهُ، واللهُ يعلمُ
أنَّي لَصادق. فواللهِ، إنَّ رسول الله وَلَه يريد أن يأمر بضربه إذ نزل على رسول الله وَّل
الوحيُّ، وكان إذا نزل عليه الوحيُّ عرفوا ذلك في تَرَبُّد (٢) جلده، فأمسكوا عنه حتى
فرغ من الوحي، فنزلت: ﴿وَلَّذِينَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ الآية، فسُرِّي عن رسول الله ◌ََّ،
فقال: ((أبشِرْ، يا هلال، قد جعل الله لك فرجًا ومخرجًا)). فقال هلال: قد كنت أرجو
ذلك من ربِّي. فقال رسول الله وَّ: ((أرسلوا إليها)). فجاءت، فتلاها رسول الله وَالخيل
عليهما، وذكَّرهما، وأخبرهما أنَّ عذاب الآخرة أشدُّ من عذاب الدنيا، فقال هلال:
واللهِ، يا رسول الله، لقد صدقتُ عليها. فقالت: كَذَب. فقال رسول الله: (لاعِنوا
بينهما)). فقيل لهلال: اشهد. فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فلما كان
في الخامسة قيل لهلال: اتَّقِ الله، فإنَّ عذاب الدنيا أهونُ مِن عذاب الآخرة، وإنَّ
هذه المُوجِبَة التي تُوجِب عليك العذاب. فقال: واللهِ، لا يُعَذِّبني اللهُ عليها كما لم
يجلدني عليها. فشهد في الخامسة أنَّ لعنة الله عليه إن كان مِن الكاذبين، ثم قيل
لها: اشهدي. فشهدتْ أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، فلما كانت في الخامسة
(١) اللُّكَع عند العرب: العَبد، ثم اسْتُعمِل في الحُمق والذَّم. يقال للرجُل: لُكَعُ، وَلِلْمَرْأَةِ لَكَاعٍ. النهاية
(لكع).
(٢) تَرَبّد وجهه: أي تغَيَّرَ إِلى الغُبرة. النهابة (ربد).

سُوَرَّةُ الّنُّورِ (٦ - ٩)
مُؤْسُوَةُ التَّفْسِيرُ الْخَاتُور
٤٤٥ ٥
قيل لها: اتَّقي الله، فإنَّ عذاب الدنيا أهونُ من عذاب الآخرة، وإنَّ هذه المُوجِبة
التي تُوجِب عليك العذاب. فتَلَكَّأتْ ساعةً، وقالت: واللهِ، لا أفضح قومي. فشهدت
في الخامسة أنَّ غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ففرَّق رسولُ الله ◌َلاه بينهما،
وقضى أنَّه لا يُدعَى لأب، ولا تُرمى ولا يُرمى ولدها مِن أجل الشهادات الخمس،
وقضى رسول الله وَّ أنَّه ليس لها قوت ولا سكنى ولا عِدَّة؛ من أجل أنَّهما تَفَرَّقا
مِن غير طلاق، ولا مُتَوَفى عنها(١). (١٠ /٦٥٢)
٥٢٤٧٥ - عن ابن عباس: أنَّ هلال بن أمية قذَفَ امرأته عند النبيِّ وََّ بِشَرِيْك بن
سَحْمَاء، فقال النبيُّ وَّهِ: ((البَيِّنة، وإلا حَدٌّ في ظهرك)). فقال: يا رسول الله، إذا
رأى أحدُنا على امرأته رجلًا ينطلق يلتمس البينة! فجعل رسول الله وَله يقول:
((البينة، وإلا حدٍّ في ظهرك)). فقال هلال: والذي بعثك بالحقِّ، إنِّي لَصادق،
وليُنزِلَنَّ اللهُ ما يبرىء ظهري من الحد. فنزل جبريل، فأنزل الله عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَزَّمُونَ
أَزْوَجَهُمْ﴾ حتى بلغ: ﴿إِن كَانَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾. فانصرف النبيُّ ◌ََّ، فأرسل إليهما، فجاء
هلال، فشهد، والنبي ◌َّه يقول: ((الله يعلم أنَّ أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟)).
ثم قامت، فشهدت، فلما كانت عند الخامسة وقفوها، وقالوا: إنَّها مُوجِبة. فَتَلَكَّأَتْ
ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائِرَ اليوم. فمضت، فقال
النبيُّ ◌َّ: ((أبصِروها؛ فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الأَلْيَتَيْن(٢)، خَدَلَّج(٣)
الساقين فهو لِشريك بن سَحْمَاء)). فجاءت به كذلك، فقال النبي ◌َّ: ((لولا ما مضى
مِن كتاب الله لكان لي ولها شأن)) (٤). (٦٥٣/١٠)
٥٢٤٧٦ - عن عبد الله بن عباس، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ وَّر، فرمى امرأته
(١) أخرجه أحمد ٣٣/٤ - ٣٦ (٢١٣١)، وأبو داود ٥٦٩/٣ - ٥٧٠ (٢٢٥٦)، وابن جرير ١٧ / ١٨٠ -
١٨٢، وابن أبي حاتم ٢٥٢٩/٨ - ٢٥٣٠ (١٤١٦٥)، ٢٥٣٣/٨ - ٢٥٣٤ (١٤١٨٢، ١٤١٨٣). وأورده
الثعلبي ٦٨/٧ - ٧٠.
قال الهيثمي في المجمع ٧٤/٧ (١١١٩٤): ((رواه أحمد، وفيه عباد بن منصور، وهو ضعيف، وقد وُثّق)).
وقال الألباني في ضعيف أبي داود ٢٤٥/٢ - ٢٤٦ (٣٨٨): ((إسناده ضعيف؛ لِعَنْعَنَة عباد بن منصور
وضَعْفِه، وبه أعلّه الحافظ المنذري والعسقلاني)).
(٢) سابغ الإليتين: تامّها وعَظِيمهما، مِن سُبُوعِ الثَّوب والنّعمِة. النهاية (سبغ). والإلية: العجز. النهاية
(ألي).
(٣) خَدَلَّج الساقين: عظيمهما. النهاية (خدلج).
(٤) أخرجه البخاري ١٧٨/٣ (٢٦٧١)، ١٠٠/٦ (٤٧٤٧)، ٥٣/٧ (٥٣٠٧).

سُورَةُ النُّورِ (٦ - ٩)
& ٤٤٦ ٥
فَوْسُورَة التَّفْسَِّةُ المَاتُور
برجل، فكَرِه ذلك رسولُ الله وَّه، فلم يزل يُرَدِّده حتى أنزل الله: ﴿وَلَّذِينَ يَزَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ
وَلَمْ يَكُن لَّمْ شُهَدَآءُ إِلَّ أَنفُسُهُمْ﴾، حتى فرغ من الآيتين، فأرسل إليهما، فدعاهما، فقال:
((إنَّ الله قد أنزل فيكما)). فدعا الرجلَ، فقرأ عليه، فشهد أربع شهادات بالله إنَّه لمن
الصادقين، ثم أمر به فأمسك على فِيه، فوعظه، فقال له: ((كل شيء أهون عليك مِن
لعنة الله)). ثم أرسله، فقال: لعنة الله عليه إن كان مِن الكاذبين. ثم دعا بها، فقرأ
عليها، فشهدت أربع شهادات بالله إنَّه لمن الكاذبين. ثم أمر بها فأمسك على فيها،
فوعظها، وقال: ((ويحِك! كلَّ شيء أهونُ عليك مِن غضب الله)). ثم أُرسِلَتْ،
فقالت: غضب الله عليها إن كان مِن الصادقين(١). (١٠ / ٦٥٤)
٥٢٤٧٧ - عن عبد الله بن عمر، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِ وَّ، فقال: إنَّ امرأتي
زَنَتْ. وسكتَ رسولُ اللهِ وََّ كأنَّه مُنَكَّس في الأرض، ثم رفع رأسَه، فقال: ((قد
أنزل اللهُ فيك وفي صاحبتِكَ، فائْتِ بها)). فجاءت، فقال: ((قم فاشهد أربع
شهادات)). فقام، فشهد أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين، فقال له: ((ويلك -
أو: ويحك - ؛ إنَّها مُوجِبة)). فشهد الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين،
ثم قامت امرأته فشهدت أربع شهادات بالله أنه لمن الكاذبين، ثم قال: ((ويلك - أو:
ويحك - ؛ إنها موجبة)). فشهدت الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من
الصادقين. ثم قال له: ((اذهب، لا سبيل لك عليها)). فقال: يا رسول الله، مالي؟
قال: ((لا مال لك؛ إن كنت صدقتَ عليها فهو بما استحللتَ مِن فرجها، وإن كنت
كذبت عليها فذاك أبعد لك منها))(٢). (١٠ / ٦٥٤)
٥٢٤٧٨ - عن سعيد بن جبير، قال: سُئِلت عن المتلاعنَينِ أيُفَرِّق بينهما؟ فما دَرَيْتُ
ما أقول، فقُمْت من مكاني إلى منزل ابن عمر، فقلت: يا أبا عبد الرحمن،
المتلاعنان أيُفَرَّق بينهما؟ فقال: سبحان الله! نعم، إنَّ أول مَن سأل عن ذلك فلانُ بن
فلان، قال: يا رسول الله، أرأيتَ الرجلَ يرى امرأته على فاحشة، فإن تكلّم تكلّم
بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك! فسكت فلم يُجِبه، فلمَّا كان بعد ذلك
(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٢٥٣٤/٨ (١٤١٨٣)، من طريق أحمد بن منصور الزيادي، حدثنا يونس بن
محمد، حدثنا صالح بن عمر، حدثنا عاصم بن كليب، عن أبيه، حدثني ابن عباس به.
إسناده صحيح.
(٢) أخرجه البخاري ٧/ ٥٥ (٥٣١١، ٥٣١٢)، ٦١/٧ (٥٣٤٩)، ٦٢/٧ (٥٣٥٠)، ومسلم ١١٣١/٢
(١٤٩٣)، وعبد الرزاق ٤٣١/٢ (٢٠١٣، ٢٠١٤) جميعهم بنحوه.

سُورَةُ الّنُورِ (٦ - ٩)
مَوَسُبعَة التَّفْسِسَةُ المَاتُور
٤٤٧٥ ٥
أتاه، فقال: إنَّ الذي سألتُك عنه قد ابتُلِيت به. فأنزل اللهُ هذه الآية في سورة النور:
﴿وَالَّذِينَ يَزَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ حتى بلغ ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾. فبدأ
بالرجل، فوَعَظَه وذَكَّره، وأخبره أَنَّ عذاب الدنيا أهونُ مِن عذاب الآخرة، فقال:
والذي بعثك بالحق، ما كَذَبْتُك. ثم ثَنَّى بالمرأة، فوعظها وذَكَّرها، وأخبرها أنَّ
عذاب الدنيا أهونُ مِن عذاب الآخرة، فقالت: والذي بعثك بالحقِّ، إنَّه لَكاذب.
فبدأ بالرجل، فشهد أربع شهادات بالله أنه لَمِن الصادقين، والخامسة أنَّ لعنة الله عليه
إن كان من الكاذبين، ثم ثنى بالمرأة، فشهِدت أربع شهادات بالله أنَّه لمن الكاذبين،
والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين (١). (٦٥٥/١٠)
٥٢٤٧٩ - عن سهل بن سعد، قال: جاء عُوَيْمِر إلى عاصم بن عدِيٍّ، فقال: سَل
رسول الله وَله: أرأيتَ رجلًا وَجَد معَ امرأته رجلًا، فقتله، أيُقْتَل به، أم كيف
يُصْنَع؟ فسأل عاصم رسول الله وَّه، فعاب رسول الله وَّ المسائل، فلقيه عُوَيْمِر،
فقال: ما صنعت؟ قال: إنك لم تأتني بخير؛ سألتُ رسول الله وَّه، فعاب المسائل.
فقال عويمر: واللهِ، لآتينَّ رسول الله بَّه، ولأسألنه. فأتاه، فوجده قد أُنزِل عليه،
فدعا بهما، فلاعن بينهما، قال عُوَيْمِر: إن انطلقت بها - يا رسول الله - لقد كذبت
عليها. ففارقها قبل أن يأمره رسول الله وَّله، فصارت سُنَّة المتلاعنَين، فقال
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أبصِروها؛ فإن جاءت به أَسْحَم(٢)، أدعَج العينين(٣)، عظيم الأليتين
فلا أراه إلا قد صدق، وإن جاءت به أُحَيْمِر، كأنَّه وَحَرة (٤)، فلا أراه إلا كاذبًا)).
فجاءت به على النعت المكروه(٥). (١٠/ ٦٥٧)
٥٢٤٨٠ - عن أنس، قال: لَأولُ لعانٍ كان في الإسلام أنَّ شريك بن سَحْمَاء قذفه
هلالُ بن أمية بامرأته، فرفعته إلى رسول الله وَّه، فقال رسول الله وَله: «أربعة
(١) أخرجه مسلم ١١٣٠/٢ (١٤٩٣)، وأحمد ٣١٩/٨ - ٣٢٠ (٤٦٩٣)، ٥٢/٩ - ٥٣ (٥٠٠٩) واللفظ له،
وابن جرير ١٧ / ١٨٤.
(٢) الأسحم: الأسود. النهاية (سحم).
(٣) أدْعج العينين: شديد سواد العينين شديد بياضهما. انظر: النهاية (دعج).
(٤) الوَحَرة: دُوَيْبة كالعَظَاءةِ تَلْزَق بالأرض، شبيهة بالوزغ، إلا أنها بيضاء منقّطَة بحُمْرةٍ. النهاية واللسان
(وحر).
(٥) أخرجه البخاري ١/ ٩٢ (٤٢٣)، ٩٩/٦ - ١٠٠ (٤٧٤٥، ٤٧٤٦)، ٤٢/٧ (٥٢٥٩)، ٥٣/٧ - ٥٤
(٥٣٠٨)، ٩٨/٩ (٧٣٠٤)، ومسلم ١١٢٩/٢ - ١١٣٠ (١٤٩٢)، وأحمد ٤٨٥/٣٧ - ٤٨٦ (٢٢٨٣٠)
واللفظ له، وابن جرير ١٧ / ١٨٦.

سُورَةُ الّنُّورِ (٦ - ٩)
٤٤٨ :-
مُؤْسُوبَةُ التَّفْسَةُ الْحَاتُور
شهود، وإلا فحَدٌّ في ظهرك)). فقال: يا رسول الله، إنَّ الله ليعلم أنِّي لصادق،
ولَيُنزِلَنَّ الله ما يُبَرِّىء به ظهري مِن الجلد. فأنزل الله آية اللعان: ﴿وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ
أَزْوَجَهُمْ﴾ إلى آخر الآية. فدعاه النبيُّ وَّل، فقال: ((اشهد بالله أنَّك لَمِن الصادقين
فيما رميتها به مِن الزِّنا)). فشهد بذلك أربعَ شهادات بالله، ثم قال له في
الخامسة: ((ولعنة الله عليك إن كنت مِن الكاذبين فيما رميتها به مِن الزنا)). ففعل،
ثم دعاها رسول الله وَله، فقال: ((قُومي، فاشهدي بالله أنَّه لمن الكاذبين فيما رماك
به مِن الزنا)). فشهدت بذلك أربع شهادات، ثم قال لها في الخامسة: ((وغضب الله
عليك إن كان من الصادقين فيما رماك به مِن الزنا)). فقالت، فلما كان في الرابعة أو
الخامسة سكتت سكتة حتى ظنوا أنها ستعترف، ثم قالت: لا أفضح قومي سائرَ اليوم.
فَمَضَت على القول، ففَرَّق رسولُ اللهِ وَّه بينهما، وقال: ((انظروا؛ فإن جاءت به جَعْدًا،
حَمْشَ الساقين(١)؛ فهو لشريك بن سَحْماء، وإن جاءت به أبيض، سبطًا، قَضِيء
العينين(٢)؛ فهو لهلال بن أمية)). فجاءت به آدم، جعدًا، حمش الساقين، فقال
رسول الله وَله: ((لولا ما نزل فيهما من كتاب الله لكان لي ولها شأن))(٣). (٦٥٨/١٠)
٥٢٤٨١ - عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أنَّ رجلًا مِن الأنصار مِن بني
زريق قذف امرأته، فأتى النبيَّ وََّ، فرَدَّد ذلك عليه أربع مرات، فأنزل الله آيةَ
الملاعنة، فقال رسول الله وَّ: ((أين السائل؟ قد نزل مِن الله أمر عظيم)). فأبى
الرجلُ إلا أن يلاعنها، وأبت إلا أن تَدْرَأَ عن نفسها العذاب، فتلاعنا، فقال
رسول الله وَّ: ((إمَّا تجيء به أُصَيْفِر، أَحْمَش، مفتول العظام؛ فهو للمُلاعِن، وإما
تجيء به أسود، كالجمل الأوَرْق(٤)؛ فهو لغيره)). فجاءت به أسود كالجمل الأورق،
فدعا به رسولُ اللهِ وَّهِ، فجعله لعَصَبَة أمه، وقال: ((لولا الأيمان التي مَضَتْ لكان فيه
كذا وكذا))(٥). (١٠/ ٦٥٩)
(١) حَمْش الساقين: دقيقهما. النهاية (حمش).
(٢) قَضِيء العينين: فاسد العينين. النهاية (قضأ).
(٣) أخرجه أبو يعلى في مسنده ٢٠٧/٥ - ٢٠٨ (٢٨٢٤).
وأصل الحديث عند مسلم ٢/ ١١٣٤ (١٤٩٦).
(٤) الأورق: الأسمر. النهاية (ورق).
(٥) أخرجه النسائي في الكبرى ١١٨/٦ (٦٣٢٨)، والدار قطني ٢٧٥/٣، بلفظ: ((إمَّا هي تجيء به أُصَيْفر،
أخينس، منشول العظام [الخَنس - محركة -: تأخر الأنف عن الوجه. القاموس المحيط (خنس). والمنشول:
قليل اللحم. جمهرة اللغة]؛ فهو للملاعن))، من طريق أحمد بن إبراهيم بن محمد القرشي، قال: حدثنا ابن
عائذ، قال: حدثنا الهيثم بن حميد، قال: أخبرني ثور بن يزيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.
إسناده حسن .

دواء١
فَوْسُوَةُ التَّقْسِيَةُ المَاتُور
سُورَةُ الّنُورِ (٦ -٩)
: ٤٤٩ %
٥٢٤٨٢ - عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله وَّه لأبي بكر: «لو رأيتَ مع
أمِّ رَوْمان رجلاً ما كنتَ فاعلاً به؟)). قال: كنت - والله - فاعلًا به شَرًّا. قال: ((فأنت،
يا عمر؟)). قال: كنت - واللهِ - قاتَلَه. فنزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَزَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾(١). (٦٥٩/١٠)
٥٢٤٨٣ - عن حذيفة بن اليمان - من هذا الطريق - نحوه، وزاد بعد قوله: كنت
قاتلَه. قال: ((فأنتَ، يا سهيل ابن بيضاء)). قال: كنت أقول: لعن الله الأبعدَ؛ فهو
خبيث، ولعن الله البُعْدَى؛ فهي خبيثة، ولعن الله أولَ الثلاثة أخبرَ بهذا. فقال
رسول الله وَله: ((تأولتَ القرآن، يا ابن بيضاء: ﴿وَالَّذِينَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾))(٢). (٦٦٠/١٠)
٥٢٤٨٤ - عن زيد بن يُثيع، أنَّ النبي ◌َّ قال لأبي بكر: «أرأيتَ لو وجدت مع
أهلك رجلًا كيف كنت صانعًا؟)) قال: إذن لقتلته. ثم قال لعمر، فقال مثل ذلك، ثم
تتابع القومُ على قول أبي بكر وعمر، ثم قال لسهيل ابن البيضاء، قال: كنت أقول:
لعنكِ الله؛ فأنت خبيثة، ولعنكَ الله؛ فأنت خبيث، ولعن الله أولَ الثلاثةِ مِنَّا يُخرج
هذا الحديث. فقال رسول الله وَّله: ((تأولت القرآن، يا ابن البيضاء، لو قتله قُتِل به،
ولو قذفه جُلِد، ولو قذفها لاعنها)) (٣). (١٠/ ٦٦٠)
٥٢٤٨٥ _ عن عكرمة مولى ابن عباس - من طريق أيوب - قال: لَمَّا نزلت ﴿وَالَّذِينَ
يَرَّمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَّةَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَْدَةً﴾ قال سعد بن عبادة: الله! إن
أنا رأيت لَكَاعٍ مُتَفَخِّذها رجلٌ، فقلتُ بما رأيت، إنَّ في ظهري لثمانين إلى ما أجمع
أربعة، قد ذهب؟ فقال رسول الله وَّل: ((يا معشر الأنصار، ألا تسمعون إلى ما يقول
سيِّدُكم؟)). قالوا: يا رسول الله، لا تَلُمْهُ. وذكروا مِن غيرته: فما تَزَوَّج امرأةً قطُ إلا
بِكرًا، ولا طلَّق امرأةً قطّ فرجع فيها أحدٌ مِنَّا. فقال رسول الله وَّله: «فإنَّ الله يأبى
إلا ذاك)). فقال: صدق اللهُ ورسوله. قال: فلم يلبثوا أن جاء ابنُ عمِّ له، فرمى
(١) أخرجه البزار ٧/ ٣٤٣ (٢٩٤٠).
قال الهيثمي في المجمع ٧/ ٧٤ (١١١٩٥): ((ورجاله ثقات)). وقال ابن حجر في مختصر زوائد البزار ٢/
٩٦: (كلهم ثقات)). وقال السيوطي: ((رجال إسناده ثقات، إلا أن البزار كان يحدِّث من حفظه فيُخْطِى)).
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط ١٠٦/٨ - ١٠٧ (٨١١١)، وأبو نعيم في الحلية ٩/ ٢٣٧ - ٢٣٨. وعزاه
السيوطي إلى ابن مردويه.
قال أبو نعيم: ((غريبٌ، تفرَّد به يونس عن أبي إسحاق، وعنه النضر)). وقال الهيثمي في المجمع ١٢/٥
(٧٨٤١): ((رواه الطبراني في الأوسط عن شيخه موسى بن إسحاق، ولم أعرفه، وبقيَّةُ رجاله رجال
الصحيح)). وقال السيوطي: ((وهذا أصحُّ من قول البزار: فنزلت)).
(٣) أخرجه عبد الرزاق ٧/ ٩٧ (١٢٣٦٤) بنحوه. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.

سُورَةُ الَّنُّورِ (٦ -٩)
: ٤٥٠ :
فَوْسُبَة التَّفْسِيَّةُ المَاتُور
امرأته، فشقَّ ذلك على المسلمين، فقال: لا، واللهِ، لا يجعل في ظهري ثمانين
أبدًا، لقد نظرت حتى أيقنتُ، ولقد استسْمعَتُ حتى استشْفَيتُ. قال: فأنزل اللهُ
القرآنَ باللِّعان، فقيل له: احلِف. فحلف، قال: ((قِفوه عند الخامسة؛ فإنَّها مُوجِبة)).
فقال: لا يُدْخِلُهُ اللهُ النارَ بهذا أبدًا، كما درأ عنه جَلْدَ ثمانين؛ لقد نظرتُ حتى
أيقنت، ولقد استسمعت حتى استشفيتُ. فحلف، ثم قيل لها: احلفي. فحلفت، ثم
قال: ((قفوها عند الخامسة؛ فإنها موجبة)). فقيل لها: إنها مُوجِبة. فتَلَكَّأت ساعة، ثم
قالت: لا أُخْزِي قومي. فحلفت، فقال رسول الله وَله: ((إن جاءت به كذا وكذا فهو
لزوجها، وإن جاءت به كذا وكذا فهو للَّذي قيل فيه ما قيل)). قال: فجاءت به غلامًا
كأنَّه جملٌ أَوْرَق، فكان بعدُ أميرًا بمصر، لا يُعْرَف نسبُه، أو لا يُدْرَى مَن
أبوه(١) . (ز)
٥٢٤٨٦ - قال مقاتل بن سليمان: قرأ النبيُّ وَّر هاتين الآيتين(٢) في خطبة يوم
الجمعة، فقال عاصم بن عدي الأنصارِي للنبي وَّ: جعلني الله فداك، لو أنَّ رجلًا
مِنَّا وجد على بطن امرأته رجلًا، فتكلَّم جُلِد ثمانين جلدة، ولا تقبل له شهادة في
المسلمين أبدًا، ويسميه المسلمون فاسقًا، فكيف لأحدنا عند ذلك بأربعة شهداء،
إلى أن يلتمس أحدنا أربعة شهداء فقد فرغ الرجلُ من حاجته. فأنزل الله رَمَنْ في
قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَمُونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّمْ شُهَدَآءُ إِلَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَدَاتٍ بِلَّهِ إِنَّهُ،
لَمِنَ الضَدِّقِينَ﴾ إلى ثلاث آيات. فابتلى الله رَّ عاصمًا بذلك في يوم الجمعة
الأخرى، فأتاه ابنُ عمِّه عُوَيْمِر الأنصاري من بني العجلان بن عمرو بن عوف،
وتحته ابنة عمه أخي أبيه، فرماها بابنِ عمِّه شريك بن السحماء، والخليل والزوج
والمرأة كلهم من بني عمرو بن عوف، وكلهم بنو عم عاصم، فقال: يا عاصم، لقد
رأيت شَرِيكًا على بطن امرأتي. فاسترجع عاصِم، فأتى النبيَّ وَّ، فقال: أرأيتَ
سؤالي عن هذه ﴿وَلَّذِينَ يَزَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾، فقد ابتُليت بها في أهل بيتي. فقال النبيُّ ◌َّ:
((وما ذاك، يا عاصم؟)). فقال: أتاني ابنُ عمِّي، فأخبرني أنَّه وجد ابنَ عمَّ لنا على
بطن امرأته. فأرسل النبيُّ وَّه إلى الزوج والخليل والمرأة، فأتوه، فقال النبي وَّـ
لزوجها عويمر: ((ويحك! اتَّقِ الله رَّى في خليلتك وابنةِ عمِّك أن تقذفها بالزنا)).
(١) أخرجه ابن جرير ١٧٩/١٧ - ١٨٠ مرسلًا.
(٢) أي: ﴿وَالَّذِينَ يَمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَ يَأْتُواْ بِأَزْبَعَةِ شُهَّةَ فَأَجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً وَلَ نَقْبَلُواْ لَهُمْ شَدَةً أَبَدًّا وَأُوْلَكَ هُمُ
اٌلْفَسِقُونَ ﴿وَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (َ﴾

سُوَرَّةُ الَّنُورِ (٦ - ٩)
فَوْسُبَةُ التَّفْسِسَةُ الْحَانُور
& ٤٥١ هـ
فقال الزوج: أقسم لك بالله وَّ أنَّي رأيته معها على بطنها، وإنها لَحُبْلى منه، وما
قربتها منذُ أربعة أشهر. فقال النبيُّ وَّ للمرأة - خولة بنت قيس الأنصارية -:
((ويحك! ما يقولُ زوجُك؟)). قالت: أحلف بالله إنه لكاذب، ولكنه غار، ولقد رآني
معه نُطِيل السَّمَر بالليل، والجلوس بالنهار، فما رأيت ذلك في وجهه، وما نهاني عنه
قطٌّ. فقال النبيُّ ◌َّ للخليل: ((ويحكَ! ما يقول ابنُ عمِّك؟)). فحدَّثه مثلَ قولها،
فقال النبيُّ رَّه للزوج والمرأة: ((قوما، فاحلفا بالله رَّ)). فقام الزوج عند المنبر دُبُرَ
صلاة العصر يوم الجمعة، وهو عويمر بن أُمَيَّة، فقال: أشهد بالله أنَّ فلانة زانية -
يعني: امرأته خولة -، وإني لمن الصادقين. ثم قال الثانية: أشهد بالله أن فلانة
زانية، ولقد رأيت شريكًا على بطنها، وإني لمن الصادقين. ثم قال الثالثة: أشهد
بالله أن فلانة زانية، وإنها لَحُبلى من غيري، وإني لمن الصادقين. ثم قال في
الرابعة: أشهد بالله أن فلانة زانية، وما قربتها منذ أربعة أشهر، وإني لمن الصادقين.
ثم قال الخامسة: لعنة الله على عويمر، إن كان من الكاذبين عليها في قوله.
﴿وَالْخَمِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَذِبِينَ﴾. ثم قامت خولة بنت قيس الأنصاري
مقام زوجها، فقالت: أشهد بالله ما أنا بزانية، وإن زوجي لمن الكاذبين. ثم قالت
الثانية: أشهد بالله ما أنا بزانية، وما رأى شريكًا على بطني، وإن زوجي لمن
الكاذبين. ثم قالت الثالثة: أشهد بالله ما أنا بزانية، وإني لَحُبلى منه، وإنه لمن
الكاذبين. ثم قالت الرابعة: أشهد بالله ما أنا بزانية، وما رأى عليَّ مِن رِيبَة ولا
فاحشة، وإنَّ زوجي لمن الكاذبين. ثم قالت الخامسة: غضِب اللهُ على خولة إن كان
عويمرًا مِن الصادقين في قوله. ففرَّق النبيُّ بينهما، فذلك قوله رَّ: ﴿وَيَدْرَؤُأْ عَنْهَا
اٌلْعَذَابَ﴾ يقول: يدفع عنها الحدَّ لشهادتها بعد ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَدَاتِ بِاللَّهِ إِنَّهُ، لَمِنَ
اَلْكَذِبِينَ
وَالْخَمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ الَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ﴾ زوجها ﴿مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ في قوله،
وكان الخليلُ رجلًا أسود ابن حبشية، فقال النبي ◌َّ: ((إذا وَلَدَتْ فلا تُرْضِع ولدَها
حتى تأتوني به)). فأتوه بولدها، فإذا هو أشبه الناس بالخليل، فقال النبيُّ وَّه: (لولا
الأيمان لكان لي فيهما أَمْر)) (١)٤٦٥٣]. (ز)
قال ابنُ عطية (٣٤٤/٦): ((المشهور أن نازلة هلال قبلُ، وأنها سبب الآية. وقيل:
٤٦٠٢
نازلة عويمر قبلُ، وهو الذي وسَّط إلى رسول الله مَّر عاصم بن عدي)).
(١) تفسير مقاتل بن سليمان ١٨٤/٣.

سُوْرَةُ الَّنُورِ (٦ - ٩)
٥ ٤٥٢ ٥
فَوَسُوعَةُ التَّقْسِيُ المَاتُور
تفسير الآية:
٥٢٤٨٧ - عن عبد الله بن عباس، قال: في سورة النور: ﴿وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ
يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهََّ فَأَجْلِدُوهُمْ﴾، واستثنى من ذلك فقال: ﴿وَلَّذِينَ بِّمُونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّمَ
شُهَدَآءُ إِلَّ أَنفُسُهُمْ﴾ الآية، فإذا حَلفا فُرِّقَ بينهما، وإن لم يحلفا أُقِيم الحدُّ؛ الجلد أو
الرجم (١). (١٠ / ٦٤٦)
٥٢٤٨٨ - عن عبد الله بن عباس - من طريق العوفي - قوله: ﴿وَلَِّينَ يَزَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ إلى
قوله: ﴿إِن كَانَ مِنَ الْكَذِبِينَ﴾، قال: إذا شهد الرجلُ خمسَ شهادات فقد برِئ كلُّ
واحدٍ مِن الآخرِ، وعِدَّتُها إن كانت حاملاً أن تضع حملها، ولا يُجْلَد واحدٌ منهما،
وإن لم تحلف أُقيم عليها الحدُّ والرجمُ (٢). (ز)
٥٢٤٨٩ - عن سعيد بن جبير - من طريق عطاء بن دينار - في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ
أَزْوَجَهُمْ﴾ قال: هو الرجل يرمي زوجته بالزِّنا، ﴿وَلَمْ يَكُن لَّمْ شُهَدَآءُ إِلَّ أَنْفُسُهُمْ﴾ يعني:
ليس للرجل شهداء غيره أنَّ امرأته قد زنت، فرفع ذلك إلى الحكام، ﴿فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ﴾
يعني: الزوج؛ يقوم بعد الصلاة في المسجد فيحلف أربع شهادات بالله، ويقول:
أشهد بالله الذي لا إله إلا هو أنَّ فلانة - يعني: امرأته - زانية، ﴿وَالْخَمِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ
اللّهِ عَلَيْهِ﴾ يعني: على نفسه؛ ﴿إِن كَانَ مِنَ الْكَذِبِينَ﴾ في قوله، ﴿وَيَدْرَؤُأ﴾ يدفع الحكام
عن المرأة ﴿ اٌلْعَذَابَ﴾ يعني: الحدَّ ﴿أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَدَتِ بِاللَّهِ إِنَّهُ﴾ يعني: زوجها ﴿لَمِنَ
اَلْكَذِبِينَ﴾ فتقوم المرأةُ مقامَ زوجها، فتقول أربع مرات: أشهد بالله الذي لا إله إلا
هو أنِّي لست بزانية، وأن زوجي لمن الكاذبين، ﴿ وَالْخَمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ يعني:
على نفسها؛ ﴿إِن كَانَ﴾ زوجها ﴿مِنَ الصَّادِقِينَ﴾(٣). (١٠ / ٦٣٤)
٥٢٤٩٠ - عن عامر الشعبي - من طريق مغيرة - أنَّه سُئِل عن رجل طلَّق امرأته ثلاثًا،
فجاءت بحمل، فانتفى منه. قال: فقال: يُلاعِن. قال: فقال الحارثُ: يا أبا عمرو،
إنَّ الله قال في كتابه: ﴿وَالَّذِينَ يَزَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾، أفتُراها له زوجة؟ قال: فقال الشَّعبيُّ:
إنِّي لأستحي إذا رأيتُ الحقَّ أن لا أرجع إليه (٤). (ز)
٥٢٤٩١ - عن عكرمة مولى ابن عباس - من طريق الحكم بن أبان - في قوله:
(١) عزاه السيوطي إلى أبي داود في ناسخه.
(٢) أخرجه ابن جرير ١٧ / ١٨٦.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٢٥٣٢/٨.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (ت: محمد عوامة) ١٤ /٥٥٥ (٢٩٤٥٤).

سُوَرَّةُ النُّورِ (٦ - ٩)
فَوَسُوعَة التَّفْسِيرُ الْحَاتُور
٥ ٤٥٣ :
﴿وَالْخَمِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَذِبِينَ﴾، قال: وَجَبَتْ(١). (ز)
٥٢٤٩٢ - عن قتادة بن دعامة، ﴿وَالْخَمِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَذِبِينَ﴾، قال:
فإن هي اعْتَرَفَتْ رُجِمَت، وإن هي أَبَتْ ﴿وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ قال: عذاب الدنيا ﴿أَنْ
وَالْخَمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ
تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَدَتِ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَذِبِينَ
الصَّدِقِينَ﴾. ثم يُفَرَّق بينهما، وتعتد عِدَّة المُطَلَّقة(٢). (٦٦١/١٠)
٥٢٤٩٣ - عن مقاتل بن حيان - من طريق بُكَيْر بن معروف - قوله: ﴿وَيَدْرَؤُأْ عَنْهَا
اٌلْعَذَابَ﴾ يقول: يحجر عليها العذاب، ﴿وَالْخَمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ يعني: نفسها
﴿إِن كَانَ﴾ هلالُ ﴿مِنَ الصَّدِقِينَ﴾، ففرّق بينهما، فذلك قوله: ﴿وَيَدْرَؤُأْ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾،
ثم قامت المرأةُ حين قام زوجُها، فقالت: أشهد بالله الذي لا إله إلا هو إنَّ زوجي
لَمِن الكاذبين، وإنَّ الحَبَل منه. ثم شهدت الثانية بالله الذي لا إله إلا هو: إنَّ زوجي
لمن الكاذبين، وما أنا بزانية، وما رأى عليَّ مِن ريبة. ثم شهدت الثالثة بالله الذي لا
إله إلا هو: إن زوجي لمن الكاذبين. ثم شهدت الرابعة بالله الذي لا إله إلا هو: إن
زوجي لمن الكاذبين(٣). (ز)
٥٢٤٩٤ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿وَلَّذِينَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ بالزِّنا، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّمْ شُهَدَآءُ إِلَّ
أَنفُسُهُمْ فَشَهَدَةُ أَحَرِهِمْ﴾ يعني: الزوج ﴿أَرْبَعُ شَهَدَاتٍ بِلَّهِ إِنَّهُ، لَمِنَ الصَّادِقِينَ ... وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا
اُلْعَذَابَ﴾ يقول: يدفع عنها الحدَّ لشهادتها بعدُ ﴿أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَدَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ، لَمِنَ
اَلْكَذِبِينَ ﴿ وَالْخَمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ﴾ زوجُها ﴿مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ في قوله (٤). (ز)
٥٢٤٩٥ - قال يحيى بن سلّام: قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَزَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّمْ شُهَدَآءُ إِلَّ أَنفُسُهُمْ
وَالْخَمِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ
فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَدَاتٍ بِلَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ
اَلْكَذِبِينَ ﴿ وَدْرَؤُأْ عَنْهَا﴾ عن المرأةِ ﴿ اٌلْعَذَابَ﴾ الحدَّ؛ الرجمَ إن كان دخل بها أو
﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهْدَتِ بِلّهِ إِنَّهُ، لَمِنَ
أُحْصِنَت قبلَه، أو الجلد إن لم تكن محصنة (٣.
٤٦٠٣] اختُلِف في العذاب الذي عناه الله في هذا الموضع على قولين: أحدهما: أنه الحدّ.
والآخر: أنه الحبس.
ورجّحَ ابنُ جرير (١٨٧/١٧ - ١٨٨) القولَ الأولَ استنادًا إلى دلالة العقل، وقال مُعَلِّلًا:
((إنما قلنا: الواجب عليها إذا هي امتنعت من الالتعان بعد التعان الزوج الحدّ الذي وصفنا . ==
(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٢٥٣٦/٨.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٢٥٣٦/٨ - ٢٥٣٨.
(٢) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
(٤) تفسير مقاتل بن سليمان ١٨٤/٣ - ١٨٧.

سُوَرَّةُ النُّورِ (٦ - ٩)
: ٤٥٤ :
فَوْسُوبَةُ التَّفْسِيَةُ المَاتُور
وَالْخَمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ يعني: زوجها في قذفِه
٨
اُلْكَذِبِينَ
إيَّاها، وذلك إذا ارتفعا إلى الإمام، وإن لم يرتفعا إلى الإمام فهي امرأته، وإن ارتفعا
إلى الإمام وثَبَتَ على قَذْفِها قال أربع مرات عند الإمام: أشهد بالله إني لصادق،
أشهد بالله إني لصادق، أشهد بالله إني لصادق، أشهد بالله إني لصادق. ثم يقول
الخامسة: لعنة الله علَيَّ إن كنت من الكاذبين. وتقول هي أربع مرات: أشهد بالله إنَّه
الكاذب - يعني: زوجها -، أشهد بالله إنه لكاذب، أشهد بالله إنه لكاذب، أشهد بالله
إنه لكاذب. ثم تقول الخامسة: غضب الله عَلَيَّ إن كان من الصادقين . =
٥٢٤٩٦ - قال يحيى: ذكره حماد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير =
٥٢٤٩٧ - قال يحيى بن سلّم: ثم يُفَرَّق بينهما، ولا يجتمعان أبدًا(١). (ز)
أحكام متعلقة بالآية:
٥٢٤٩٨ - عن عبد الله بن عمر - من طريق نافع -: أنَّ رسول الله وَّ فرَّق بين
المتلاعنَينِ، وألحق الولدَ بالأُمِّ(٢). (ز)
٥٢٤٩٩ - عن عمر بن الخطاب - من طريق إبراهيم - قال: لا يجتمع المتلاعنان
== قياسًا على إجماع الجميع على أنَّ الحدّ إذا زال عن الزوج بالشهادات الأربع على تصديقه
فيما رماها به؛ أنَّ الحدّ عليها واجب، فجعل الله أيمانه الأربع والتعانه في الخامسة مخرجًا
له من الحدّ الذي يجب لها برميه إيّاها، كما جعل الشهداء الأربعة مخرجًا له منه في ذلك
وزائلاً به عنه الحدّ، فكذلك الواجب أن يكون بزوال الحدّ عنه بذلك واجبًا عليها حدّها،
كما كان بزواله عنه بالشهود واجبًا عليها، لا فرق بين ذلك)).
وإليه ذَهَبَ ابنُ عطية (٣٤٨/٦)، حيث قال: ((والعذاب المدرأ في قول جمهور العلماء:
الحدّ. وحكى الطبري عن آخرين: أنه الحبس - وهو قول أصحاب الرأي -، وأنه لا حدّ
عليها - إن لم تلاعن -، وليس يوجبه عليها قول الزوج ... وظاهر الحديث الوقفة في
الخامسة حين تلكأت ثم مرت في لعانها أنها كانت تُحَدّ لقول النبي وَّ لها: ((فعذاب الدنيا
أيسر من عذاب الآخرة)))).
(١) تفسير يحيى بن سلام ١/ ٤٣٠ - ٤٣١.
(٢) أخرجه الشافعي في مسنده ١٤٤/٣ (١٣٤١)، والبزار ١٩٧/١٢ (٥٨٦٩)، من طريق مالك، عن نافع،
عن ابن عمر به .
وسنده صحيح.

فَوْسُعَبْ التَّفْسِيُ المَاتُور
سُوَرَّةُ النُّورِ (٦ - ٩)
٥ ٤٥٥ %
أبدًا (١). (١٠/ ٦٦١)
٥٢٥٠٠ - عن علي [بن أبي طالب] - من طريق زر بن حبيش - =
٥٢٥٠١ - وابن مسعود - من طريق شقيق بن سلمة -، مثله (٢). (١٠ / ٦٦١)
٥٢٥٠٢ - عن عطاء - من طريق الحجاج بن أرطاة -: إن أكْذَبَ نفسَه قبل أن يفرغا
مِن الملاعنة جُلِد حدُّ القاذف ثمانين، وهي امرأته (٣). (ز)
٥٢٥٠٣ - قال مقاتل بن سليمان: والملاعنان يفترقان، فلا يجتمعان أبدًا، وإن
صدَّقَت زوجَها لم يتلاعنا، فإن كان زوجُها جامعها بعد الدخول بها رُجِمَت، ويرثها
زوجُها، وإن كان لم يُجامعها جُلِدَت مائة، وهي امرأته، وإن كان الزوجُ رجع عن
قوله قبل أن يفرغا مِن الملاعنة جُلِد ثمانين جلدة، وكانت امرأتُه كما هي (٤). (ز)
٥٢٥٠٤ - قال يحيى بن سلّام: وإن كان لاعنها في إنكار ولدها أُلْحِق الولدُ بها،
وهي عَصَبَتُه وعَصَبَتُها بعدها. وإن أكذب نفسَه، وقد بقي من الملاعنة شيءٌ؛ جُلِد
حدُّ القذف، وهي امرأتُه، والولد له. وإن أكذب نفسه بعد اللعان جُلِد، ولا سبيل له
عليها. قال بعضهم: ويلحق الولد به =
٥٢٥٠٥ - أبو بكر بن عياش، عن المغيرة، عن إبراهيم [النخعي]، قال: إذا لاعن
الرجلُ امرأته، ثم أكذبَ نفسَه؛ جُلِد، ورُدَّ إليه ولدُه. ولا يلاعن الرجل امرأته
الأمة، ولا اليهودية، ولا النصرانية. وإن أنكر الرجلُ ولدَه من اليهودية أو النصرانية
لزمه الولد، وإن أنكر ولده مِن الأمة - بعد ما أقرَّ به مرةً واحدة - لزمه الولد. وإذا
قذف الرجلُ امرأته الحُرَّة قبل أن يدخل بها، ثم ارتفعا إلى السلطان؛ تلاعنا. وإذا
طلق الرجل امرأته الحُرَّة واحدة أو اثنتين، ثم قذفها؛ تلاعنا ما كانت في العدة إن
ارتفعا إلى السلطان(٥). (ز)
آثار متعلقة بالآية:
٥٢٥٠٦ - عن أبي هريرة، قال: لَمَّا نزلت هذه الآية قال سعد بن عبادة: لو أنِّي لو
رأيتُ أهلي ومعها رجل أنتظر حتى آتي بأربعة؟! قال رسول الله وَّه: ((نعم). قال:
(١) أخرجه يحيى بن سلام ١/ ٤٣١، وعبد الرزاق (١٢٤٣٣).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٢٤٣٤، ١٢٤٣٦).
(٣) أخرجه يحيى بن سلام ١/ ٤٣١.
(٤) تفسير مقاتل بن سليمان ٣/ ١٨٤ - ١٨٧.
(٥) تفسير يحيى بن سلام ١/ ٤٣١.

سُورَةُ النُّورِ (١٠)
: ٤٥٦ :
فَوَسُوعَةُ التَّفْسِيَةُ الْمَانُون
والذي بعثك بالحقِّ، لو رأيتُه لعاجلتُه بالسيف. فقال رسول الله وَّ: ((يا معشر
الأنصار، اسمعوا ما يقولُ سيِّدُكم! إنَّ سعدًا لَغيور، وأنا أغْيَرُ منه، واللهُ أغْيَرُ
مِنِّي)) (١). (١٠/ ٦٦٢)
٥٢٥٠٧ - عن أبي هريرة، أنَّه سمِع رسولَ الله ◌ََّ يقول حين نزلت آيةُ الملاعنة:
((أيما امرأةٍ أدْخَلَتْ على قوم ما ليس منهم فليست مِن الله في شيء، ولن يُدخلها اللهُ
جنته، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجَبَ اللهُ منه يوم القيامة، وفضحه على
رؤوس الأولين والآخرين)) (٢). (١٠/ ٦٦٢)
٥٢٥٠٨ - عن جابر بن عبد الله، قال: ما نزلت آية التَّلاعُنِ إلا لكثرة السؤال(٣). (١٠ / ٦٦٢)
٥٢٥٠٩ - عن سعيد بن المسيب - من طريق داود بن أبي هند - قال: وَجَبَتِ اللعنةُ
على أكذبهما(٤). (١٠ / ٦٦٢)
٥٢٥١٠ - عن عامر الشعبي - من طريق بيان - قال: اللِّعانُ أعظمُ مِن الرَّجْم (٥). (١٠ / ٦٦٢)
٥٢٥١١ - قال محمد ابن شهاب الزهري - من طريق مالك -: فكانت تلك سُنَّة
المتلاعنَيْن(٦). (ز)
◌َوَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ، وَأَنَّ اللَّهَ تَوََّبُّ حَكِيمٌ
٥٢٥١٢ - عن عبد الله بن عباس - من طريق علي بن أبي طلحة - قوله: ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾
الإسلام(٧). (ز)
(١) أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق ص ١٧٧ (٥٣٥)، وأخرجه مسلم ١١٣٥/٢ (١٤٩٨) دون قوله:
لما نزلت هذه الآية .
(٢) أخرجه ابن ماجه ٤٣/٤ (٢٧٤٣)، وأبو داود ٥٧٥/٣ - ٥٧٦ (٢٢٦٣)، والنسائي ١٧٩/٦ (٣٤٨١)،
وابن حبان ٤١٨/٩ (٤١٠٨)، والحاكم ٢٢٠/٢ (٢٨١٤).
قال الحاكم: ((هذا حديث صحيح، على شرط مسلم، ولم يخرجاه)). وقال ابن الملقن في البدر المنير ٨/
١٨٤ (٥): ((هذا الحديث صحيح)). وقال البوصيري في مصباح الزجاجة ١٥٠/٣ (٠٧٩): ((هذا إسناد
ضعيف؛ يحيى بن حرب مجهول، قال الذهبي في الكاشف: وموسى بن عبيدة الربذي ضعّفوه)). وقال ابن
حجر في التلخيص الحبير ٤٨٦/٣ (١٦٢١): ((صحّحه الدارقطني في العلل، مع اعترافه بتفرّد عبد الله بن
يونس به عن سعيد المقبري)). وقال العجلوني في كشف الخفاء ٣٠٨/١ (٨٤٥): ((وصحّحه ابن حبان)).
وقال الألباني في الإرواء ٣٤/٨ (٢٣٦٧): ((ضعيف)).
(٣) أخرجه البزار (١٩٩ - كشف).
(٥) أخرجه عبد الرزاق (١٢٤٦٠).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم ٢٥٣٩/٨.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١٢٤٦١).
(٦) تفسير البغوي ٦/ ١٢.

فَوْسُكَب التَّفْسِيَةُ الْمَانُور
سُورَةُ الّنُوزِ (١٠)
٥ ٤٥٧ %
٥٢٥١٣ - عن قتادة بن دعامة، مثل ذلك(١). (ز)
٥٢٥١٤ - عن عبد الله بن عباس - من طريق عطية العوفي - =
٥٢٥١٥ - ومجاهد بن جبر - من طريق القاسم - قالا: ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾ الدين(٢). (ز)
٥٢٥١٦ - عن أبي سعيد الخدري - من طريق عطية [العوفي] - قال: ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾﴾
القرآن (٣). (ز)
٥٢٥١٧ - عن سعيد بن جبير - من طريق عطاء بن دينار - قوله: ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ يعني:
ونعمته؛ لَأَظْهَر على المذنب، يعني: الكاذب منهما، قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابُ﴾ يعني:
على مَن تاب، وقوله: ﴿حَكِيمُ﴾ يعني: حَكَم الملاعنة(٤). (ز)
٥٢٥١٨ - عن قتادة بن دعامة - من طريق سعيد - في قوله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ،
فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ﴾ [يونس: ٥٨]، قال: فضل الله: الإسلام. ورحمته: القرآن(٥). (ز)
٥٢٥١٩ - قال إسماعيل السُّدِّيّ: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ﴾ يعني: ولولا مَنُّ الله ﴿عَلَيْكُمْ
وَرَحْمَتُهُ﴾ يعني: ونعمته، أي: لأهلك الكاذِب مِن المتلاعنَين(٦). (ز)
٥٢٥٢٠ - قال مقاتل بن سليمان: ثم قال الله رَى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾
يعني: ونعمته؛ لأظهر المريب، يعني: الكاذب منهما، ثم قال: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابُ﴾
على التائب، ﴿حَكِيمُ﴾ حكم الملاعنة(٧). (ز)
٥٢٥٢١ - قال محمد بن إسحاق - من طريق محمد بن الفضل - قوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ
اللهِ﴾: أي: مَنُّ الله (٨). (ز)
٥٢٥٢٢ - قال يحيى بن سلّام: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابُّ حَكِيمٌ﴾ توَّابٌ على مَن تاب مِن
ذنبه، حكيم في أمره (٩) . (ز)
(١) علَّقه ابن أبي حاتم ٢٥٣٩/٨.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٢٥٣٨/٨.
(٥) أخرجه يحيى بن سلام ٤٣١/١.
(٦) علَّقه يحيى بن سلام ١/ ٤٣١.
(٧) تفسير مقاتل بن سليمان ١٨٧/٣.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم ٢٥٥٣/٨.
(٩) تفسير يحيى بن سلام ١/ ٤٣٢.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٢٥٣٨/٨.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٢٥٣٩/٨.

سُوَرَّةُ النُّورِ (١١)
٤٥٨٥ :
فَوْسُبَة التَّفْسَةُ الْحَانُوز
﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنَكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرَّا لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمَّ
◌ِكُلِّ امْرٍِ مِنْهُم مَّا أَكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِّ وَالَِّ تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ
نزول الآيات، وبيان قصة الإفك:
٥٢٥٢٣ - عن عائشة، قالت: كان رسولُ الله إذا أراد أن يخرج سفرًا أَقْرَع بين
أزواجه، فأيتهن خرج سهمُها خرج بها رسول الله معه. قالت عائشة: فأقرع بيننا في
غزوة غزاها، فخرج سهمي، فخرجتُ مع رسول الله بعد ما نزل الحجاب، فأنا
أُحْمَل في هَوْدَجِي، وأنزل فيه، فسِرنا حتى إذا فرغ رسول الله من غزوته تلك وقَفَلَ
ودَنَوْنا من المدينة قافِلين آذَنَ ليلةً بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى
جاوزت الجيشَ، فلمَّا قضيت شأني أقبلت إلى رَحْلي، فإذا عِقْدٌ لي من جَزْعِ ظَفَارٍ (١)
قد انقطع، فالتمست عِقْدي، وحَبَسَني ابتغاؤه، وأقبل الرَّهْطُ الذين كانوا يُرَحِّلُون
لي، فاحتملوا هَوْدَجي، فرَحَّلوه على بعيري الذي كنتُ ركبتُ، وهم يحسبون أنِّي
فيه، وكان النساء إذ ذاك خِفافًا لم يثقلهن اللحمُ، إنما تأكل المرأة العُلْقَةَ(٢) من
الطعام، فلم يستنكر القومُ خِفَّةَ الهَوْدَج حين رفعوه، وكنت جاريةً حديثةَ السِّنِّ،
فبعثوا الجمل، فساروا، فوجدت عِقْدي بعد ما اسْتَمَرَّ الجيشُ، فجئت منازلَهم،
وليس بها داع ولا مُجِيب، فَأَمَمْتُ منزلي الذي كنتُ به، فظننتُ أنَّهم سيفقدوني،
فيرجعون إِلَيَّ، فبينا أنا جالسةٌ في منزلي غَلَبَتْني عيني، فنِمْتُ، وكان صفوان بن
المُعَطِّل السُّلَمي ثم الذَّكْوانِي مِن وراء الجيش، فَأَدْلَجَ، فأصبح عند منزلي، فرأى
سواد إنسان نائم، فأتاني، فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظتُ
باسترجاعه حين عرفني، فخمَّرْتُ وجهي بجلبابي، واللهِ، ما كَلَّمَنِي كلمةً، ولا
سمعت منه كلمةً غيرَ استرجاعه، حتى أناخ راحلته، فوَطِىء على يدَيْها، فركبتها،
فانطلق يقود بي الراحلةَ حتى أتينا الجيشَ بعد ما نزلوا مُوغِرين في نَحْرِ الظَّهِيرَة،
فهلك فِيَّ مَن هلك. وكان الذي تَوَلَّى الإفكَ عبد الله بن أُبَيّ ابن سَلُول، فقدمنا
المدينة، فاشتكيت حين قدمت شهرًا، والناسُ يُفيضون في قول أصحاب الإفك، لا
أشعر بشيء من ذلك، وهو يَرِيبُني في وجعي أنِّي لا أعرف مِن رسول اللهِ وَّةِ اللُّطْفَ
(١) الجَزْع - بالفتح -: الخَرَز اليماني. النهاية (جزع). وظَفَار: مدينة لحمير باليمن. النهاية (ظفر).
(٢) العُلْقَة: ما يُتَبَلَّغ به. النهاية واللسان (علق).

فَوَسُوعَة التَّفْسَِّة المَاتُور
سُورَةُ النُّورِ (١١)
: ٤٥٩ ٥
الذي كنت أرى منه حين أشتكى، إنَّما يدخل عَلَيَّ، فيُسَلِّم، ثم يقول: ((كيف
تيكم؟)). ثم ينصرف، فذاك الذي يَرِيبُني، ولا أشعر بالشرِّ حتى خرجت بعدما
نَقَهْتُ(١)، وخرجت معي أمُّ مِسْطَح قِبَل المناصِعِ(٢)، وهي مُتَبَرَّزُنا، وكُنَّا لا نخرج إلا
ليلًا إلى ليل، وذلك قبل أن نتَّخِذ الكُنُف قريبًا مِن بيوتنا، وأَمْرُنا أَمْرُ العربِ الأول
في التَّبَرُّز قبل الغائط؛ فكُنَّا نتأذى بالكُنُف أن نتَّخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأمُّ
مِسْطَح، فأقبلتُ أنا وأمُّ مسطح قِبَل بيتي قد فرغنا مِن شأننا، فعَثَرَت أمُّ مِسْطَح في
مِرْطها(٣)، فقالت: تَعِس مِسْطَحُ. فقلتُ لها: بِئْسَ ما قلتٍ، أتسبين رجلًا شهد
بدرًا؟! قالت: أَيْ هَنَتَاهُ، أوَلَمْ تسمعي ما قال؟ قلتُ: وما قال؟ فأخبرتني بقول أهل
الإفك، فازددتُ مرضًا على مرضي، فلمَّا رجعتُ إلى بيتي دَخَل عَلَيَّ رسولُ الله،
فسَلَّم، ثم قال: ((كيف تيكم؟)). فقلتُ: أتأذن لي أن آتي أبَوَيَّ؟ قالت: وأنا حينئذ
أريد أن أستيقن الخبر مِن قِبَلِهما. قالت: فأذِنَ لي رسولُ الله، فجئتُ أَبَوَيَّ، فقلتُ
لأمي: يا أُمَّتَاهُ، ما يتحدثُ الناسُ؟ قالت: يا بُنَّةُ، هَوِّني عليكِ، فواللهِ، لقَلَّما كانتِ
امرأةٌ قَطْ وضيئة عند رجل يحبها ولها ضَرائِرُ إلَّا أَكْثَرْن عليها. فقلت: سبحان الله،
ولقد تحدث الناسُ بهذا؟! فبكيتُ تلك الليلةَ حتى أصبحتُ لا يَرْقَأُ لي دَمْعٌ، ولا
أكتحل بنوم، ثم أصبحتُ أبكي. ودعا رسولُ اللهَ وَّ عليّ بن أبي طالب وأسامةَ بن
زيد حين اسْتَلْبَثَ الوحيُّ، يَسْتَأْمِرُهما في فراق أهله، فأمَّا أسامةُ فأشار على رسول الله
بالَّذي يعلم مِن براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه مِن الوُدِّ، فقال: يا رسول الله،
أهلُك، ولا نعلم إلا خيرًا. وأما عليُّ بن أبي طالب فقال: يا رسول الله، لم يُضَيِّق اللهُ
عليك، والنساءُ سواها كثيرٌ، وإن تسأل الجاريةَ تصدُقْكَ. فدعا رسولُ الله بَرِيرَةَ،
فقال: ((أيْ بريرةُ، هل رأيتِ شيئًا يَرِيبُك؟)). قالت بريرةُ: لا، والذي بعثك بالحق،
إن رأيت عليها أمرًا أَغْمِصُه أكثرَ مِن أنَّها جاريةٌ حديثةُ السِّنِّ، تنامُ عنِ عجين أهلها،
فتأتي الدِّاجِنُ فتأكله. فقام رسول الله، فاسْتَعْذَرَ يومئذٍ مِن عبد الله بن أُبَيٍّ، فقال وهو
على المنبر: ((يا معشرَ المسلمين، مَن يعذرني مِن رجل بلغني أذاهُ في أهل بيتي؟
فو اللهِ، ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلاً ما علمتُ عليه إلا خيرًا، وما
(١) نَقَهْتُ - بفتح القاف وقد تُكسر، والأول أشهر ــ: نَقِهَ المريضُ إذا برأ وأفاق، وكان قريب العهد
بالمرض ولم يرجع إليه كمالُ صحَّتِه وقُوَّته. النهاية (نقه)، وفتح الباري لابن حجر ٤٦٥/٨.
(٢) المناصِع: موضع خارج المدينة كنّ النساء يتبرزن فيه ليلًا. معجم البلدان ٢٠٢/٥.
(٣) المِرْط: كساء للنساء من الصُّوف أو الخزِّ أو غيرهما. النهاية (مرط).

سُورَةُ الّنُورِ (١١)
& ٤٦٠ .
مَوَسُوعَة التَّفْسَةُ الْحَانُوز
كان يدخل على أهلي إلا معي)). فقام سعدُ بن معاذ الأنصاريُّ، فقال: يا رسول الله،
أنا أعذرك منه، إن كان مِن الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا مِن الخزرج
أمرتنا ففعلنا أمرَك. فقام سعد بن عبادة - وهو سيِّدُ الخزرج، وكان قبلَ ذلك رجلًا
صالحًا، ولكن احتملته الحَمِيَّةُ - فقال لسعد: كذبتَ، لَعَمْرُ اللهِ، ما تقتُلُه، ولا تقدر
على قتله. فقام أُسَيْد بن حُضَيْر، وهو ابنُ عمِّ سعد، فقال لسعد بن عبادة: كذبتَ،
لَعَمْرُ الله، لنَقْتُلَنَّه، فإِنَّك مُنافِق تُجادِل عن المنافقين. فتَثاوَر الحيَّانِ الأوسُ
والخزرج، حتى همُّوا أن يقتتلوا، ورسولُ الله قائِم على المنبر، فلم يزل رسولُ الله
يُخَفِّضهم حتى سكتوا وسَكَت. فمكثتُ يومي ذلك فلا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل
بنوم، فأصبح أبواي عندي، وقد بكيت ليلتين ويومًا لا أكتحل بنوم، ولا يرقأ لي
دمع، وأبواي يُظُنَّانِ أنَّ البكاءَ فالِقٌّ كَبِدِي، فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي،
فاستأذَنَتْ عَلَيَّ امرأةٌ مِن الأنصار، فأذِنتُ لها، فجلست تبكي معي، فبينا نحن على
ذلك دخل علينا رسولُ الله، ثم جلس، ولم يجلس عندي مُنذ قيل فِيَّ ما قيل قبلها،
وقد لَبِث شهرًا لا يُوحَى إليه في شأني بشيءٍ، فَتَشَهَّد حين جلس، ثم قال: ((أمَّا بعدُ،
يا عائشة، فإنَّه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتِ بريئة فسَيُبَرِّتُكِ اللهُ، وإن كنتِ أَلْممتٍ
بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه؛ فإنَّ العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب اللهُ عليه)).
فلمَّا قضى رسولُ الله مقالتَه قَلَصَ دمعي حتى ما أُحِسُّ منه قطرةً، فقلتُ لأبي : أجِبْ
عَنِّي رسولَ الله. قال: واللهِ، ما أدري ما أقولُ لرسول الله! فقلتُ لأمي: أجيبي عَنِّي
رسولَ الله. قالت: ما أدري ما أقول لرسول الله! فقلتُ وأنا جاريةٌ حديثةُ السِّنِّ لا
أقرأ كثيرًا مِن القرآن: إني - واللهِ - لقد علمتُ أنَّكم سمعتُم هذا الحديثَ حتى اسْتَقَرَّ
في أنفسكم، وصدَّقْتُم به، فلَئِن قلتُ لكم: إني بريئة. واللهُ يعلم أنِّي بريئة، لا
تُصَدِّقوني، ولئن اعترفتُ لكم بأمرٍ، واللهُ يعلم أنِّي منه بريئة، لتُصَدِّقُنِّي، واللهِ، لا
أجد لي ولكم مَثَلًا إلا قول أبي يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾
[يوسف: ١٨]. ثم تَحَوَّلتُ، فاضطجعتُ على فراشي، وأنا حينئذ أعلمُ أنِّي بريئة،
وأنَّ الله مُبَرِّئي ببراءتي، ولكن - واللهِ - ما كنتُ أَظُنَّ أنَّ الله مُنزِلٌ في شأني وحيًا
يُتْلَى، ولَشأني في نفسي كان أحقرَ مِن أن يتكلم اللهُ فِيَّ بأمر يُتْلَى، ولكن كنت أرجو
أن يرى رسولُ الله في النوم رؤيا يُبَرِّئني الله بِها. قالت: فواللهِ، ما رام رسول الله
مجلسَه ولا خرج أحدٌ مِن أهل البيت حتى أُنزِل عليه، فأخذه ما كان يأخذه مِن
البُرَحاء عند الوحي، حتى إنَّه لَيَتَحَدَّر مِنه مِثْلُ الجُمَانِ مِن العَرَق وهو في يوم شاتٍ،