النص المفهرس

صفحات 541-560

سُورَةُ التَّوَيَّةِ (٧٦)
ضَوْسُعَة التَّفْسِيَةُ المَاتُورُ
& ٥٤١ هـ
قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَتُهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّمُ اُلْغُيُوبِ﴾ [التوبة:
٣٣١٠٢ - عن محمد بن كعب القرظيِّ - من طريق عثمان بن حكيم - قال: سمعتُ
بالثلاثِ التي تُذْكر في المنافقَ: إذا انْتُمِن خان، وإذا وعد أخلف، وإذا حدَّث كذب.
فالتمستُها في الكتاب زمانًا طويلًا، حتى سقطتُ عليها بعدُ؛ حين وجدنا الله يذكُرُ فيه:
﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَهَدَ اللَّهَ لَيِنْ ءَاتَنَنَا مِن فَضْلِهِ،﴾ إلى قوله: ﴿وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾،
و﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى آخر الآية [الأحزاب: ٧٢]، و﴿إِذَا جَاءَكَ
اٌلْمُنَفِقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١](٢). (٧/ ٤٥٨)
٣٣١٠٣ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿وَمِنْهُم﴾ يعني: من المنافقين ﴿مَنْ عَهَدَ اللَّهَ
لَيِنْ ءَاتَئِنَا مِن فَضْلِهِ، لَنَصَّدَقَنَّ﴾، ولَنَصِلَنَّ رَحِمِي، ﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّلِحِينَ﴾ يعني:
مِن المؤمنين بتوحيد الله؛ لأنَّ المنافقين لا يُخْلِصون بتوحيد الله رمّ، فأتاه الله
برزقه (٣). (ز)
٣٣١٠٤ - عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم - من طريق ابن وهب - في قوله:
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَهَدَ اللَّهَ لَإِنْ ءَاتَننَا مِن فَضْلِهِ ﴾ الآية، قال: هؤلاء صِنفٌ مِن
المنافقين، فلمَّا آتاهم ذلك بَخِلوا به، فلمَّا بَخِلوا بذلك أعقبهم بذلك نفاقًا إلى يوم
يلقونه، ليس لهم منه توبة ولا مغفرة ولا عَفْوٌ، كما أصاب إبليس حين منعه
.(٤)
التوبة(٤). (ز)
﴿فَلَمَّآ ءَاتَنْهُم مِّن فَضْلِهِ، بَخِلُواْ بِهِ، وَتَوَلَّواْ وَهُمْ تُعْرِضُونَ
٣٣١٠٥ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَلَمَّآ ءَاتَنْهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ يعني: أعطاهم مِن
٣٠٠٧ ذكر ابنُ عطية (٣٦٩/٤ - ٣٧٠ بتصرف) أنَّ قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ الآيةَ لَفْظٌ تعلق به مَن
قال هذا القول، وبيَّن أنَّ قائله ذهب إلى أنَّ الآية تختص بالفرقة التي عاهدت، وانتقده
مستندًا لمخالفته العموم بقوله: ((وهذا فيه نظر)). ثم بيَّن عموم الآية للمنافقين أجمع.
(١) أخرجه ابن جرير ١١/ ٥٨٧.
(٢) أخرجه الخرائطي في مساوئ الأخلاق ومذمومها (١٤٣) مرفوعًا. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
(٤) أخرجه ابن جرير ١١/ ٥٨٣.
(٣) تفسير مقاتل بن سليمان ٢/ ١٨٤.

ـُوَرَةُ التَّوَيَّةِ (٧٧)
٥ ٥٤٢ :
فَوَسُكَبِ التَّقْسِيَةُ المَاتُور
فضله ﴿يَخِلُواْ بِهِ، وَتَوَلَّواْ وَهُم مُعْرِضُونَ﴾(١). (ز)
٤ آثار متعلقة بالآية:
٣٣١٠٦ - عن أبي هريرة، عن النبيِّ وََّ، قال: «آيةُ المنافق ثلاثٌ: إذا حدَّث كذب،
وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان)) (٢). (٧/ ٤٥٨)
٣٣١٠٧ - عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي - من طريق أيوب - قال: مَثَلُ
أصحاب الأهواءِ كمَثَل المنافقين، كلامهم شتَّى وجِمَاع أمرِهم النِّفاق، وكلامُ هولاء
شتَّى وجِماعُ أمرهم النفاقُ. ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمِنْهُم مَنْ عَهَدَ اللَّهَ﴾، ﴿وَمِنْهُمْ مَّن
يَلْمِزُكَ﴾ [التوبة: ٥٨]، ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِىِّ﴾ [التوبة: ٦١](٣). (٧ / ٤٥٩)
٧٧
﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِ قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ
٣٣١٠٨ - عن مجاهد بن جبر - من طريق ابن أبي نجيح - قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِى
قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾ حين قالوا: لَنَصَّدَّقَنَّ. فلم
(٤)٣٠٠٨
يفعلوا (٤)٣٠٠٨). (ز)
٣٣١٠٩ - عن إسماعيل السُّدِّيّ - من طريق أسباط - قال: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِ قُلُوبِهِمْ إِلَى
يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾، فسُمِّي منافقًا بغير جحودٍ بالله ورسوله، ولا
شَكّ فيهما، ولا في شيء مِمَّا جاء به، ولكن بخلفه وكذبه(٥) ٣٠٠٩). (ز)
٣٠٠٨ ذكر ابنُ عطية (٤ /٣٦٨) أنَّ الضمير في قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ﴾ يعود على الله ريَّ، ثم
ذكر أنه يحتمل أن يعود على البُخْلِ المُضَمَّن في الآية، وانتَقَدَه مستندًا إلى السياق، فقال:
((ويضعف ذلك الضمير في ﴿يَلْقَوْنَهُ﴾)).
٣٠٠٩] ذكر ابنُ عطية (٣٦٨/٤) أنَّ قوله: ﴿نِفَاقًا فِ قُلُوبِهِمْ﴾ يحتمل أن يكون نفاق كفر،
ويكون تقرير ثعلبة بعد هذا النص والإبقاء عليه لمكان إظهاره الإسلام، وتعلُّقه بما فيه ==
(١) تفسير مقاتل بن سليمان ١٨٤/٢.
(٢) أخرجه البخاري ١٦/١ (٣٣)، ١٨٠/٣ (٢٦٨٢)، ٥/٤ (٢٧٤٩)، ٢٥/٨ (٦٠٩٥)، ومسلم ١/ ٧٨ (٥٩).
(٣) أخرجه الدارمي في سننه ٢٣١/١ - ٢٣٢ (١٠١). وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الكذب - موسوعة الإمام ابن أبي الدنيا ٢١٤/٥ (٥١) -، وابن
جرير ١١/ ٥٨٢، وابن أبي حاتم ١٨٤٩/٦.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم ١٨٤٩/٦.

فَوَسُوعَة التَّقَسِّي المَاتُور
٥ ٥٤٣ %=
سُورَةُ التَّوَيَّةِ (٧٧)
٣٣١١٠ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِ قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ يعني: إلى
يوم القيامة ﴿بِمَا أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ لقوله: ﴿لَيِنْ
ءَاتَنْنَا﴾ الله، يعني: أعطاني الله، لَأَصَّدَّقَنَّ ولأَفْعَلَنَّ. ثم لم يفعل(١). (ز)
آثار متعلقة بالآية:
٣٣١١١ - عن قتادة بن دعامة - من طريق سعيد - في قوله: ﴿بِمَآ أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ
وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾، قال: اجْتَنِبُوا الكَذِبَ؛ فإنَّه بابٌ مِن النِّفاق، وعليكم
بالصّدق؛ فإنَّه بابٌ مِن الإيمان. وذُكر لنا: أنَّ نبيَّ الله ◌َِّ حدَّث: ((أنَّ موسى لَمَّا
جاء بالتوراة بني إسرائيل؛ قالت بنو إسرائيلَ: إنَّ التوراة كثيرةٌ، وإنَّا لا نفرغ لها،
فسلْ لنا جِماعًا مِن الأمر نُحافِظْ عليه، ونتفرَّغ لمعابِشنا. قال: مهلاً مهلًا، أي قوم،
هذا كتابُ الله، وبيانُ الله، ونورُ الله، وعصمةُ الله. فردُّوا عليه مِثْلَ مقالتهم، فعلَ ذلكَ
ثلاث مراتٍ، فقال الربُّ - تبارك وتعالى -: فإِنِّي آمُرُهم بثلاثٍ، إن هم حافظوا عليهنَّ
دخلوا الجنة بهنَّ؛ أن يتناهوا إلى قسمة مواريثهم ولا يتظالموا فيها، وأَلَّا يُدْخِلوا
أبصارهم البيوت حتى يؤذن لهم، وألَّا يُطْعِموا طعامًا حتى يتوضئوا كوضوء الصلاةِ.
فِرِجع موسى إلى قومه بِهِنَّ، ففرِحوا، ورأوا أن سيقومون بهنَّ، فواللهِ، إن لَبِثَ القومُ
إلَّا قليلًا حتى جَنَحوا، فانقطع بهم)). فلمَّا حدَّث نبيُّ الله ◌َّل هذا عن بني إسرائيل
قال: ((تكفَّلُوا لي بسِتُّ أتكفَّل لكم بالجنةِ: إذا حدَّثتمِ فلا تكْذِبوا، وإذا وعدتم فلا
تُخْلِفُوا، وإذا انْتُمِنْتُم فلا تخونوا، وغُضُّوا أبصاركم، وكفّوا أَيْدِيَكم، وفرُوجكم)). قال
قتادةُ: شِدادٌ - واللهِ - إلا مَن عَصَم اللهُ(٢). (٧ / ٤٥٩)
٣٣١١٢ - عن معتمر بن سليمان التيمي، يقول: ركِبْتُ البحرَ، فأصابنا ريحٌ شديدة،
فنذر قومٌ مِنَّا نذورًا، ونَوَيْتُ أنا، لم أتكلم به. فلما قدِمت البصرةَ سألت أبي
سليمان، فقال لي: يا بُنَيَّ، فِ به(٣). (ز)
== احتمال. ويحتمل أن يريد به نفاق معصية وقِلَّة استقامة، فيكون تقريره صحيحًا، ويكون تُرِك
في أول الزكاة عقابًا له ونكالًا .
(١) تفسير مقاتل بن سليمان ١٨٥/٢.
(٢) أخرجه ابن جرير ١١/ ٥٨٠ - ٥٨١ بنحوه. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
(٣) أخرجه ابن جرير ١١/ ٥٨٧ في معرض استشهاده على أنّ العهد الذي عاهده المنافقون شيء نَوَوْه في
أنفسهم ولم يتكلموا به .

سُورَةُ التَّوَيَّةِ (٧٨ - ٧٩)
& ٥٤٤ %
مُؤَسُوعَة التَّفْسِيَة المَاتُور
٣٣١١٣ - عن هارون بن رِئاب، عن عبد الله بن عمرو بن وائل: أنَّه لَمَّا حضرته
الوفاةُ قال: إنَّ فلانًا خطب إِلَيَّ ابنتي، وإِنِّي كنتُ قلتُ له فيها قولًا شبيهًا بالعِدَة،
واللهِ، لا ألقى اللهَ بُثُلُث النفاق، وأُشْهِدُكم أنِّي قد زَوَّجْتُهُ(١). (ز)
﴿أَمْ يَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَدُهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّهُ الْغُيُوبِ
١٧٨)
٣٣١١٤ - عن الضحاك بن مُزاحِم - من طريق جُوَيْبِر - ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ [طه: ٧]، قال:
يعلم ما هو أخفى مِن السِّرِّ مِمَّا لم يعمله وهو عامِلُه(٢). (ز)
٣٣١١٥ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَنُهُمْ﴾ يعني:
الذي أجمعوا عليه مِن قتل النبيِّ وَّهه ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ﴾(٣). (ز)
﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِى الصَّدَفَتِ
وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمُّ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
نزول الآية :
٣٣١١٦ - عن أبي مسعود، قال: لَمَّا نزلتْ آيةُ الصدقةِ كُنَّا نَتَحامَلُ(٤) على ظُهورنا،
فجاء رجلٌ فتصدَّق بشيءٍ كثير، فقالوا: مُرَائي. وجاء أبو عَقِيلٍ بنصف صاع، فقال
المنافقون: إنَّ الله لَغَنِيٌّ عن صدقة هذا. فنزلت: ﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّعِينَ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ فِى الصَّدَقَتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ الآية (٥). (٧/ ٤٦٠)
٣٣١١٧ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَّه: «تصدَّقوا؛ فإِنِّي أُريدُ أن أَبْعَثَ
بَعْثًا)). فجاء عبدُ الرحمن، فقال: يا رسول الله، عندي أربعةُ آلافٍ، ألْفَين أُفْرِضُهما
ربي، وألفين لعيالي. فقال: ((بارك اللهُ لك فيما أعطيتَ، وبارك لك فيما أمسكتَ)).
وجاء رجلٌ مِن الأنصار، فقال: يا رسول اللهِ، إِنِّي بِتُّ أجُرُّ الجَرِيرَ(٦)، فَأَصَبْتُ
(١) أخرجه ابن جرير ١١/ ٥٨٦.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ١٨٤٩/٦.
(٣) تفسير مقاتل بن سليمان ١٨٥/٢.
(٤) أي: نحمل لمن يحمل لنا. النهاية (حمل).
(٥) أخرجه البخاري ١٠٩/٢ (١٤١٥)، ٦٧/٦ (٤٦٦٨)، ومسلم ٧٠٦/٢ (١٠١٨)، وابن جرير ١١/
٥٩٣، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٥٠ (١٠٥٠٥) جميعهم بنحوه.
(٦) أجُرُّ الجَرِيرَ: يريد أنه كان يستقى الماء بالحبل. والجَرِير: حَبْل من أدَمِ نحو الزِّمام، ويطلق على غيره
من الحبال المضفورة. النهاية (جرر).

فَوْسُورَة التَّفْسِيرُ الْمَاتُوز
سُورَةُ التَّوَيَّةِ (٧٩)
& ٥٤٥ %
صاعينْ مِن تمرِ، فصاعًا أُقْرِضُه ربِّي، وصاعًا لعيالي. فلَمَزَه المنافقون، قالوا: واللهِ،
ما أعطى ابنُ عوف الذي أعطى إلا رياءً. وقالوا: أوَلَمْ يكُن اللهُ ورسولُه غَنِيَّيْنِ عن
صاع هذا! فأنزل اللهُ: ﴿اَلَِّينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّعِينَ﴾ الآية (١). (٧/ ٤٦٠)
٣٣١١٨ - عن أبي سعيد الخدريِّ، قال: أمر رسولُ اللهِ وَّه بالصدقة، فجاء
عبد الرحمن بن عوف بصدقته، وجاء المُطَّوِّعون من المؤمنين، وجاء أبو عقيل
بصاع، فقال: يا رسول الله، بِتُّ أَجُرُّ الجَريرَ، فأصبتُ صاعين من تمرٍ، فجئتُك
بأحدهما، وتركتُ الآخر لأهلي؛ قُوتَهم. فقال المنافقون: ما جاء عبد الرحمن
وأولئك إلا رياءً، وإنَّ الله لَغَنِيٌّ عن صدقة أبي عقيل. فأنزل اللهُ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ
اُلْمُطَوِّعِينَ﴾ الآية(٢). (٧/ ٤٦١)
٣٣١١٩ - عن أبي عَقِيل، قال: بِتُّ أجرُّ الجرير على ظهري على صاعين مِن تمرِ،
فانقلبتُ بأحدهما إلى أهلي يتبلَّغون به، وجئتُ بالآخر إلى رسول الله وَّهِ أَتقرَّبُ به
إلى ربِّي، فأخبرته بالذي كان، فقال: ((انثرْه في المسجد)). فسَخِر القوم، وقالوا :
لقد كان الله غَنِيًّا عن صاع هذا المسكين. فأنزل الله: ﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَوِّعِينَ مِنَ
اٌلْمُؤْمِنِينَ﴾ الآيتين (٣). (٧/ ٤٦١)
٣٣١٢٠ - قال عبد الله بن عباس - من طريق مجاهد -: أَمَرَ النبيُّ وَّر المسلمين أن
يجمعوا صدقاتهم، وإذا عبد الرحمن بن عوف قد جاء بأربعة آلاف، فقال: هذا مالي
(١) أخرجه البزار ٢٣٤/١٥ (٨٦٧١)، كما أخرجه ٢٣٤/١٥ (٨٦٧٢) من حديث عمر بن أبي سلمة عن
أبيه مرسلًا، وكذلك ابن جرير ٥٩٢/١١، وابن أبي حاتم ١٨٥١/٦ (١٠٥٠٨).
قال البزار: ((وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه، ولم نسمع أحدًا أسنده من
حديث عمر بن أبي سلمة إلا طالوت، عن أبي عوانة)). وقال الهيثمي في المجمع ٧/ ٣٢ (١١٠٤٨): ((رواه
البزار من طريقين؛ إحداهما متصلة عن أبي هريرة، والأخرى عن أبي سلمة مرسلة، قال: ولم نسمع أحدًا
أسنده من حديث عمر بن أبي سلمة إلا طالوت بن عباد. وفيه عمر بن أبي سلمة، وثّقه العجلي وأبو خيثمة
وابن حبان، وضعفه شعبة وغيره، وبقية رجالهما ثقات)).
(٢) عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير ٤٥/٤ (٣٥٩٨)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة ٨٧٥/٢ (٢٢٦٩)، ٢٩٧٤/٥
(٦٩٢٩)، وابن جرير ٥٩٣/١١ - ٥٩٤، وابن أبي حاتم ١٨٥٢/٦ (١٠٥٠٢).
وقال الهيثمي في المجمع ٣٢/٧ - ٣٣ (١١٠٤٩): ((رواه الطبراني، ورجاله ثقات، إلا أن خالد بن يسار لم
أجد من وَثَّقه ولا جرحه)). وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة ٢١٦/٦ (٥٧٢٠) بعد ذكر إسناده عن
أبي بكر بن أبي شيبة: ((هذا إسناد ضعيف)). وقال ابن حجر في الإصابة ٧/ ٢٣٣: ((أخرجه ابن أبي شيبة،
والطبراني أيضًا، والطبري، والماوردي، من طريق موسى بن عبيدة، عن خالد بن يسار، عن ابن أبي
عقيل، عن أبيه: أنَّه بات يجر الجرير ... فذكر الحديث. وموسى ضعيف، لكنه يتقوَّى بمرسل قتادة)).

سُورَةُ التَّوَيَّةِ (٧٩)
ضَوْسُ عَبُ التَّفْسِيَةِ الْحَانُوز
٥ ٥٤٦ %
أُقرِضه اللهَ، وقد بقي لي مثلُه. فقال له: ((بُورِك لك فيما أَعْطَيْتَ، وفيما أَمْسَكْتَ)).
فقال المنافقون: ما أعطى إلا رياءً، وما أعطى صاحبُ الصاع إلا رياءً، إن كان اللهُ
ورسولُه لَغَنِيَيْن عن هذا، وما يصنع اللهُ بصاعٍ من شيءٍ(١). (ز)
٣٣١٢١ - عن عبد الله بن عباس - من طريق علي - في قوله: ﴿اٌلَِّينَ يَلْمِزُونَ
الْمُطَوّعِينَ﴾ الآية، قال: جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أَوقِيَّة إلى النبيِّ وََّ، وجاء
رجلٌ مِن الأنصار بصاع مِن طعام، فقال بعضُ المنافقين: واللهِ، ما جاء عبد الرحمن
بما جاء به إلا رياءً. وقالوا: إن كان الله ورسوله لَغَنِيَّيْنِ عن هذا الصاع(٢). (٧/ ٤٦٢)
٣٣١٢٢ - عن عبد الله بن عباس - من طريق العوفي - قوله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ
اُلْمُطَوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِى الصَّدَفَتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾: وذلك أنَّ
رسول الله وَّ خرج إلى الناس يومًا، فنادى فيهم: ((أن اجمعوا صدقاتكم)).
فجمع الناسُ صدقاتهم، ثم جاء رجلٌ مِن آخرهم بَمَنِّ(٣) من تمر، فقال: يا
رسول الله، هذا صاعٌ مِن تمر، بِتُّ ليلتي أَجُرُّ بالجرير الماءَ حتى نِلْتُ صاعين
مِن تمر، فأمسكتُ أحدَهما، وأتيتُك بالآخَر. فأمره رسول الله وَّر أن ينثره في
الصدقات، فسَخِر منه رجالٌ، وقالوا: واللهِ، إنَّ الله ورسوله لغَنِيَّان عن هذا، وما
يصنعان بصاعك من شيء؟! ثُمَّ إنَّ عبد الرحمن بن عوف - رجل من قريش من
بني زُهْرَة - قال لرسول الله وَّر: هل بقي مِن أحدٍ مِن أهل هذه الصدقات؟
فقال: ((لا)). فقال عبد الرحمن بن عوف: إنَّ عندي مائة أوقية من ذهب في
الصدقات. فقال له عمر بن الخطاب: أمجنون أنت؟! فقال: ليس بي جنون.
فقال: أتعلمُ ما قلتَ؟! قال: نعم، مالي ثمانية آلاف؛ أمَّا أربعة فأُفْرِضُها ربِّي،
وأما أربعة آلاف فلي. فقال له رسول الله وَّ: ((بارك اللهُ لك فيما أمسكتَ،
وفيما أعطيتَ)). ولَمَزَه المنافقون، فقالوا: واللهِ، ما أعطى عبدُ الرحمن عَطِيَّته إلا
(١) أخرجه ابن جرير ١١/ ٥٩٦، من طريق حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، عن ابن عباس به.
رجال إسناده موثقون، غير أن ابن جريج مُدَلِّس ولم يُصَرِّح هنا بالسماع، وفي جامع التحصيل للعلائي
ص٢٢٩: ((قال ابن الجنيد: سألت يحيى بن معين: سمع ابن جريج من مجاهد؟ قال: في حرف أو حرفين
في القراءة، لم يسمع غير ذلك. وكذلك قال البرديجي وغيره).
(٢) أخرجه ابن جرير ١١/ ٥٨٩، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٥٠ (١٠٥٠٦)، من طريق عبد الله بن صالح، حدثني
معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس به.
إسناده جيد. وينظر: مقدمة الموسوعة.
(٣) المَنّ: لغة في المنا؛ الذي يوزن به، قال الجوهري: وهو رطلان. ينظر: اللسان (منن).

سُورَةُ التَّوَيَّةِ (٧٩)
مُؤْسُورَة التَّقْسِيةُ الْحَانُور
& ٥٤٧ هـ
رياءً. وهم كاذبون، إنَّما كان بِه مُتَطَوِّعًا؛ فأنزل الله عذره، وعذر صاحبه
المسكين الذي جاء بالصاع من التمر، فقال الله في كتابه: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ
اُلْمُطَوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِى الصَّدَفَتِ﴾ الآية (١). (ز)
٣٣١٢٣ - عن سعيد بن عثمان البلوي، عن جدَّته: أنَّ أمَّها عُميرة بنت سهل بن رافع
صاحب الصَّاعَيْنِ الذي لَمَزَه المنافقون، أخْبَرتْها: أنَّه خرَج بصاعٍ مِن تمرٍ وابنتُه
عُمِيرةَ، حتى أَتَى النبيَّ نَّهِ، فَصَبَّه(٢). (٧/ ٤٦٢)
٣٣١٢٤ - عن أنسٍ: أنَّ النبيَّ وَّ دعا الناسَ بصَدَقةٍ، فجاء عبدُ الرحمن بن عوف
بأربعة آلافٍ، فقال: يا رسول الله، هذه صدقةٌ. فَلَمَزَه بعضُ القوم، فقال: ما جاء
بهذه عبدُ الرحمن إلا رياءً. وجاء أبو عقيل بصاع من تمرٍ، فقال بعضُ القوم: ما كان اللهُ
أغْنَى عن صاع أبي عَقيل. فنَزَلَتْ: ﴿الَِّينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِى
الصَّدَقَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾(٣). (٤٦٣/٧)
٣٣١٢٥ - عن أبي أمامة الباهليّ: أنَّه في ثعلبة بن حاطب نزلتْ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ
اُلْمُطَوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِى الصَّدَفَتِ﴾. قال: وذلك في الصَّدقة (٤). (٧/ ٤٥٤)
٣٣١٢٦ - عن أبي السَّلِيلِ، قال: وقَف علينا شيخٌ في مَجْلِسِنا، فقال: حدَّثني أبي أو
عَمِّي، أنَّه شَهِد رسول اللهَ وَّهَ بالبقيع، قال: ((مَن يَتَصدَّقُ اليوم بصدقةٍ أَشْهَدُ له بها
عند الله يوم القيامة؟)). فجاء رجلٌ - لا واللهِ، ما بالبقيع رجلٌ أشَدَّ سوادَ وَجْهٍ منه،
(١) أخرجه ابن جرير ٥٨٩/١١ - ٥٩٠، من طريق محمد بن سعد العوفي، قال: حدثني أبي، قال: حدثني
عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه عطية العوفي، عن ابن عباس به.
إسناده ضعيف، لكنها صحيفة صالحة ما لم تأت بمنكر أو مخالفة. وينظر: مقدمة الموسوعة.
(٢) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني ٢٣١/٦ (٣٤٦٤)، والطبراني في الأوسط ١٢٥/٨ (٨١٦٧)
كلاهما مطولًا .
قال الطبراني: ((لا يُرْوَى هذا الحديث عن عميرة بنت سهل إلا بهذا الإسناد، تفرد به عيسى بن يونس)). قال
الهيثمي في المجمع ٣٣/٧ (١١٠٥٠): ((رواه الطبراني في الأوسط، والكبير، وفيه أنيسة بنت عدي، ولم
أعرفها، وبقية رجاله ثقات)).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٥٠ (١٠٥٠٤)، من طريق مؤمل، عن حمَّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس
أو غيره. وعزاه الحافظ إليه في الفتح ٣٣٢/٨، وفيه: ثمانية آلاف درهم.
إسناده ضعيف؛ فيه مؤمّل بن إسماعيل، قال ابن حجر عنه في التقريب (٧٠٢٩): ((صدوق سيِّء الحفظ)).
فمثلُه لا يحتمل التفرد.
(٤) تقدم مُطَوَّلًا مع تخريجه في نزول قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَهَدَ اللَّهَ لَإِنْ ءَاتَنْنَا مِن فَضْلِهِ، لَنَصَّدَّقَنَّ
وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّلِحِينَ﴾ .

سُورَةُ التَّوَيَّةِ (٧٩)
٥ ٥٤٨ %
مُؤْسُكَبْ التَّفْسَِّة المَاتُور
ولا أقْصَرَ قامةً، ولا أذَمَّ في عينٍ منه - بناقةٍ، لا واللهِ، ما بالبقيع شيءٌ أحسنَ منها .
فقال رسول الله وَّه: «هذه صدقةٌ؟)). قال: نعم، يا رسول الله. فلَمَزَه رجلٌ، فقال:
يتصدَّقُ بها! واللهِ، لَهِي خيرٌ منه. فَسَمِع رسولُ اللهِ وَّ كلمتَه، فقال: ((كَذَبْتَ، بل
هو خيرٌ منك ومنها، كذبتَ، بل هو خيرٌ منك ومنها)) ثلاثَ مرارٍ. ثم قال
رسولُ اللهِ وَّةِ: ((إلَّا مَن قال بيده هكذا وهكذا، وقليلٌ ما هم)). ثم قال: ((قد أفْلَح
المُزْهِدُ(١) المُجْهِدُ، قد أفلحَ المُزْهِدُ المُجْهِدُ))(٢). (٧/ ٤٦٨)
٣٣١٢٧ - عن مجاهد بن جبر - من طريق ابن جُرَيْج - قال: أَمَر النبيُّ وَّ المسلمين
أن يَجْمَعوا صَدَقاتِهم، وكان لعبد الرحمن بن عوف ثمانيةُ آلافِ دينارٍ، فجاء بأربعةِ
آلافٍ دينار صدقةً، فقال: هذا مالٌ أُقْرِضُه اللهَ، وقد بَقِيَ مِثْلُه. فقال النَّبِيُّ وَّ:
(بُورَ لك فيما أعْطَيْتَ، وفيما أمْسَكْتَ)). وجاء أبو نَهِيكِ - رجلٌ مِن الأنصار -
بصاع تمرٍ، نَزَع عليه لَيْلَه كُلَّه، فلمَّا أَصْبَح جاء به إلى النبيِّ وَّ، فقال رجلٌ من
المنافقين: إنَّ عبد الرحمن بن عوف لَعَظِيمُ الرِّياء. وقال للآخر: إنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عن
صاع هذا. فأنزل اللهُ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِى اُلصَّدَفَتِ﴾
عبد الرحمن بن عَوْفٍ، ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ صاحب الصاع(٣). (٧/ ٤٦٤)
٣٣١٢٨ - عن عكرمة مولى ابن عباس - من طريق الحكم بن أبان - قال: لَمَّا كان
يومُ فِظْرٍ أَخْرَجَ عَبدُ الرحمن بن عوف مالًا عظيمًا، وَأَخْرَج عاصمُ بن عَدِيٍّ كذلك،
وأخْرَج رجلٌ صاعين، وآخرُ صاعًا، فقال قائلٌ مِن الناسِ: إنَّ عبد الرحمن إنَّما جاء
بما جاء به فَخْرًا ورياءً، وأمَّا صاحبُ الصاع والصاعين فإنَّ الله ورسولَه أغْنِياءُ مِن
صاعٍ وصاعٍ. فسَخِروا بهم؛ فأُنزِلتْ فيهم هذه الآيةُ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَوِّعِينَ مِنَ
اُلْمُؤْمِنِينَ فِىَ الصَّدَقَتِ﴾(٤). (٤٦٥/٧)
٣٣١٢٩ - عن عكرمة مولى ابن عباس - من طريق الحكم بن أبان - في قوله:
(١) المزهد: القليل الشيء. النهاية (زهد).
(٢) أخرجه أحمد ٣٣/ ٤٧٠ - ٤٧١ (٢٠٣٦٠)، وابن جرير ٥٩٤/١١، وفي آخر رواية أحمد: ((المزهد في
العيش، المجهد في العبادة))، من طريق الجريري عن أبي السليل، قال: وقف علينا شيخ في مجلسنا، قال:
فقال: حدثني أبي أو عمي، وذكره.
إسناده ضعيف؛ لجهالة وإبهام شيخ أبي السليل، وجهالة أبيه أو عمّه.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٥٠ - ١٨٥١ (١٠٥٠٧).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٦ / ١٨٥١.

فُؤَسُوعَة التَّقَسِيرُ الْمَانُور
سُورَةُ التَّوَيَّةِ (٧٩)
﴿وَأَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾، قال: هو رِفاعةُ بنُ سعدٍ (١). (٧/ ٤٦٦)
٣٣١٣٠ - عن أبي مالك غزوان الغفاري - من طريق حصين بن عبد الرحمن - في
قوله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ﴾، قال: أمر رسولُ اللهِ بالصدقة، فجاء
عبد الرحمن بن عوف بقَبْضَة ذهب، وجاء رجل مِن الأنصار بصاع مِن تمر، فقال
المنافقون لعبد الرحمن بن عوف: ما جاء بهذا إلا رياءً. وقالواً للأنصاريِّ: إن
كان الله لغَنِيًّا عن صاع هذا (٢). (ز)
٣٣١٣١ - عن الحسن البصري - من طريق مبارك - قال: جاء عبد الرحمن بن عوف
بصدقة عظيمة إلى رسول الله وَ له، فلَمَزَه ناسٌ، وقالوا: ما جاء بهذا إلا رياءً. وجاء
آخرون مِن جُهْدِهِمْ بالقليل، فسخروا منهم، وقالوا: انظروا ما جاء به هؤلاء، واللهِ،
إِنَّ الله لَغَنِيٌّ عن صِدقاتهم. فأنزل الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ﴾ إلى
قوله: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمُّ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾(٣). (ز)
٣٣١٣٢ - عن الحسن البصري، قال: قام رسولُ اللهِ وَّ مَقامًا للناس، فقال: ((يا
أيُّها الناسُ تَصَدَّقوا، يا أيُّها الناسُ تَصَدَّقوا، أَشْهَدُ لكم بها يوم القيامة، أَلَا لَعَلَّ
أحَدَكم أن يَبِيتَ فِصالُه رِوَاءَ وابنُ عَمِّه إلى جنبِهِ طاوٍ، أَلا لَعَلَّ أحدَكم أن يُثَمِّرَ مالَه
وجارُهُ مِسكين لا يَقْدِرُ على شيءٍ، أَلَا رجلٌ منَح ناقةً مِن إبله، يَغْدو برِقْدٍ (٤) ويَرُوحُ
بِرِفْدٍ، يَغْدو بصَبُوحِ أهلِ بيتٍ ويَرُوحُ بِغَبُوقِهم، ألَّا إِنَّ أجْرَها لَعَظِيمٌ)). فقام رجلٌ،
فقال: يا رسول الله، عندي أربعةُ ذَودٍ (٥). فقام آخرُ قصيرُ القِمَّةِ، قبيحُ السُّنَّة (٦)،
يقودُ ناقةً له حَسْناءَ جملاءَ، فقال رجلٌ مِن المنافقين كلمةً خَفِيَّةً لا يَرَى أنَّ النبيَّ وَه
سَمِعَها: ناقَتُه خيرٌ منه. فسمعها النبيُّ وَّ، فقال: ((كَذَبْتَ، هو خيرٌ منك ومنها)). ثم
قام عبد الرحمن بن عوف، فقال: يا رسولَ الله، عندي ثمانيةُ آلافٍ، تركتُ أربعةً
العيالي وجِئتُ بأربعةٍ أُقَدِّمُها إلى الله. فتَكَاثَر المنافقون ما جاء به، ثم قام عاصمُ بن
عَدِيِّ الأنصاريُّ، فقال: يا رسول الله، عندي سبعونَ وَسْقًا جَدادُ العام. فتَكَاثرَ
(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٥٢. وعزاه الحافظ في الفتح ٣٣١/٨ إلى عبد بن حميد، وجاء فيه:
رفاعة بن سهل .
(٢) أخرجه آدم بن أبي إياس - كما في تفسير مجاهد ص ٣٧٢ -.
(٤) الرِّفْد: الإعانة. النهاية (رفد).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٥٣.
(٥) الذَّوْدُ من الإبل: ما بين الثنتين إلى التسع. وقيل: مابين الثلاث إلى العشر. النهاية (ذود).
(٦) السُّنَّة: الصورة، وما أقْبل عليك من الوجه. وقيل: سُنَّهُ الخد: صَفْحته. النهاية (سنن).

سُورَةُ التَّوَيَّةِ (٧٩)
مَوَسُوعَةُ التَّفْسَةُ الْحَاتُور
المنافقون ما جاء به، وقالوا: جاء هذا بأربعةِ آلافٍ، وجاء هذا بسبعينَ وَسْقًا، لِلرِّياءِ
والسُّمْعة، فهلا أخْفَيَاها؟ فَهَلَّا فَرَّقاها؟ ثم قام رجلٌ مِن الأنصار اسمُه الحَبْحَابُ،
يُكْنَى: أبا عقيلِ، فقال: يا رسول الله، ما لي مِن مالٍ غيرَ أني آجَرْتُ نفسي البارحةَ
مِن بني فُلانٍ أَجُرُّ الجريرَ في عُنُقي على صاعين من تمرٍ، فتركتُ صاعًا لعيالي،
وجئتُ بصاع أُقَرِّبه إلى الله تعالى. فلمَزَه المنافقون، وقالوا: جاء أهلُ الإبل بالإبل،
وجاء أهل الَّفِضَّة بالفِضَّةِ، وجاء هذا بتَمَراتٍ يَحْمِلُها. فأنزل اللهُ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ
اُلْمُطَوِّعِينَ﴾ الآية (١). (٧/ ٤٦٦)
٣٣١٣٣ - عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالكٍ - من طريق ابن شهاب -
قال: الذي تَصَدَّق بصاع التَّمْرِ فَلَمَزَه المنافقون أبو خَيْثَمَةَ الأنصاريُّ(٢). (٧/ ٤٦٢)
٣٣١٣٤ - عن قتادة بن دعامة - من طريق مَعْمَر - في قوله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّعِينَ
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِ الصَّدَقَتِ﴾، قال: تَصَدَّق عبد الرحمن بن عوفٍ بِشَطْرِ مالِه ثمانية
آلاف دينار، فتصدَّق بأربعة آلاف، فقال أناسٌ من المنافقين: إنَّ عبد الرحمن لَعَظيمُ
الرِّياء. فقال الله رَى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِى الصَّدَقَاتِ﴾ .
وكان لِرجل مِن الأنصار صاعانٍ من تمر، فجاء بأحدِهما، فقال ناسٌ مِن المنافقين: إن
كان الله عن صاع هذا لَغَنيٍّ. وكان المنافقون يَطْعُنون عليهم ويَسْخَرون منهم،
فقال اللهُ رَى: ﴿وَاَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾ الآية (٣). (٧/ ٤٦٢)
٣٣١٣٥ - عن قتادة بن دعامة - من طريق سعيد - قال: أقْبَل رجلٌ مِن فقراء
المسلمين يُقال له: الحَبْحَابُ أبو عَقيلٍ. فقال: يا نبيَّ الله، بِتُّ أجُرُّ الجريرَ الليلة
على صاعين من تمر؛ فأمَّا صاعٌ فَأَمْسَكْتُه لأهلي، وأمَّا صاعٌ فهو ذا. فقال
المنافقون: إن كان الله ورسولُه لَغَنِيَّيْنِ عن صاع هذا. فأنزل الله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ
اُلْمُطَوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية (٤). (٤٦٣/٧)
٣٣١٣٦ - عن يحيى بن أبي كثير اليمامي - من طريق عامر بن يساف - قال: جاء
(١) عزاه السيوطي إلى البغوي في معجمه، وأبي الشيخ.
(٢) أخرجه ابن جرير ١١ / ٥٩٥.
(٣) أخرجه عبد الرزاق ٢٨٣/١، وابن جرير ٥٩١/١١، وابن عساكر ٢٦٢/٣٥، وذكره يحيى بن سلام -
كما في تفسير ابن أبي زمنين ٢٢١/٢ - ٢٢٢ - بنحوه.
(٤) أخرجه أبو نعيم في المعرفة ١٤٩/٢ (٢٢٨٥)، وابن جرير ١١/ ٥٩١ بنحوه. وعزاه الحافظ في الفتح
٣٣١/٨ إلى عبد بن حميد وابن منده.

سُورَةُ التَّوَيَّةِ (٧٩)
فَوَسُكَبِ التَّقَسَةُ الْحَانُور
٥ ٥٥١ ٠
عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم إلى رسول الله وَّة، فقال: يا رسول الله،
مالي ثمانيةُ آلاف، جئتك بأربعةِ آلاف، فاجْعَلْها في سبيل الله، وأمسكتُ أربعة
آلاف لِعيالي. فقال رسول الله وَّه: ((بارك اللهُ فيما أعْطَيْتَ، وفيما أَمْسَكْتَ)).
وجاء رجل آخر، فقال: يا رسول الله، بِتُّ الليلةَ أَجُرُّ الماءَ على صاعين، فأمَّا
أحدهما فتركت لعيالي، وأما الآخرِ فجئتُك به، اجعله في سبيل الله. فقال:
((بارك اللهُ فيما أعْطَيْتَ، وفيما أَمْسَكْتَ)). فقال ناسٌ من المنافقين: واللهِ، ما
أعطى عبدُ الرحمن إلا رياءً وسُمْعةً، ولقد كان اللهُ ورسولُه غَنِيَّيْنِ عن صاعٍ فلان.
فأنزل الله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِ الصَّدَفَتِ﴾ يعني:
عبد الرحمن بن عوف، ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ يعني: صاحب الصاع،
﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمُّ سَخِرَ اَللَّهُ مِنْهُمْ وَلَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾(١). (ز)
٣٣١٣٧ - عن الرَّبيع بن أنس - من طريق أبي جعفر - في الآية، قال: أصاب الناسَ جَهْدٌ
شديدٌ، فأمَرَهم رسولُ اللهِ وَ ﴿ أَن يَتَصَدَّقوا، فقال: ((أيُّها الناس، تَصَدَّقوا)). فجعَل أُناسٌ
يَتَصدَّقون، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعمائةٍ أُوقِيَّةٍ مِن ذَهَب، فقال: يا رسول الله،
كانٍ لي ثمانمائة أُوقِيَّة مِن ذهب، فجِئتُ بأربعمائةِ أُوقِيَّة. فقال رسولُ اللهَ وَّل:
((اللَّهُمَّ، بارِك له فيما أعْطَى، وبارِْ له فيما أمْسَك))(٢). (٧/ ٤٦٤)
٣٣١٣٨ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِى
الصَّدَقَتِ﴾، وذلك أنَّ النبيَّ وَ أَمَر الناسَ بالصدقة وهو يريد غَزاة تبوك، وهي غُزاة
العسرة، فجاء عبدُ الرحمن بن عوف الزُّهْرِيُّ بأربعة آلاف درهم، كلُّ دِرهم مِثقال، فقال
النبيُّ ◌َّهِ: ((أكْثَرْتَ، يا عبد الرحمن بن عوف، هل تَرَكْتَ لأهلك شيئًا؟)). قال: يا
رسول الله، مالي ثمانيةُ آلاف، أمَّا أربعة آلاف فَأَقْرَضتُها ربي، وأما أربعةُ آلافِ الأُخْرَى
فَأَمْسَكْتُها لنفسي. فقال له النبيُّ وَِّ: ((بارَكَ اللهُ لك فيما أعْطَيْتَ، وفيما أَمْسَكْتَ)).
فبارك اللهُ في مال عبد الرحمن حتى إنَّه يوم مات بلغ ثُمُنُ مالِه لامرأتيه ثمانين ومائة ألف،
لِكُلِّ امرأة تسعون ألفًا، وجاء عاصِمُ بنُ عَدِيِّ الأنصاريُّ مِن بني عمرو بن عوف
بسبعين وَسقًا مِن تمر، وهو حِمْلُ بعير، فَثَرَه في الصدقة، واعتذر إلى النبيِّي وَلَهُ مِن
قِلَّته، وجاء أبو عقيل بن قيس الأنصاري مِن بني عمرو بصاع فنثره في الصدقة،
(١) أخرجه ابن جرير ١١/ ٥٩٥.
(٢) أخرجه ابن جرير ٥٩٢/١١، وابن أبي حاتم ١٨٥١/٦ (١٠٥٠٩) واللفظ له.

سُورَةُ التَّوَيَّةِ (٧٩)
: ٥٥٢ هـ
مُؤْسُوبَة التَّفْسِيرُ الْحَانُور
فقال: يا نبيَّ الله، بِتُّ ليلتي أعمل في النخل أجُرُّ بالجرير على صاعين، فصاعٌ
أقرضته ربي، وصاعٌ تركته لأهلي، فأحببتُ أن يكون لي نَصِيبٌ في الصدقة. ونَفَرٌ
مِن المنافقين جُلُوس، فمَن جاء بشيءٍ كثير قالوا: مُراءٍ. ومَن جاء بقليل قالوا:
كان هذا أفقرَ إلى ماله. وقالوا لعبد الرحمن وعاصم: ما أنفقتم إلا رياءً وسمعة.
وقالوا لأبي عقيل: لقد كان الله ورسولُه غَنِيَّيْنِ عن صاع أبي عقيل. فسَخِروا
وضَحِكُوا منهم؛ فأنزل الله رَّ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِى
الصَّدَقَتِ﴾(١). (ز)
٣٣١٣٩ - عن محمد بن إسحاق، قال: كان الذي تَصَدَّق بجُهْدِه أبو عَقِيلٍ، واسمُه
سَهْلُ بن رافِعٍ، أتَى بصاعٍ مِن تمر فأفْرَغَها في الصَّدَقة، فتَضَاحَكوا به، وقالوا: إنَّ الله
لَغَنِيٌّ عن صدَّقة أبي عَقيلَ (٢). (٤٦٦/٧)
٣٣١٤٠ - عن محمد بن إسحاق - من طريق سلمة - ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّعِينَ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ فِى الصَّدَقَتِ﴾ الآية: وكان مِن المطوعين مِن المؤمنين في الصدقات
عبد الرحمن بن عوف، تصدَّق بأربعة آلاف دينار، وعاصم بن عدي أخو بني عجلان،
وذلك أنَّ رسول الله وَّهِ رَغَّب في الصدقة وحَضَّ عليها، فقام عبد الرحمن بن عوف
فَتَصَدَّق بأربعة آلاف درهم، وقام عاصم بن عدي فتَصَدَّق بمائة وَسقٍ مِن تمر،
فَلَمَزُوهما، وقالوا: ما هذا إلا رِياءٌ. وكان الذي تصدق بجهده أبو عَقِيل، أخو بني
أُنَيْفِ الإراشِيُّ حليف بني عمرو بن عوف، أتى بصاع من تمر، فأفرغه في الصدقة،
فتضاحكوا به، وقالوا: إنَّ الله لَغَنِيُّ عن صاع أبي عَقيل(٣). (ز)
٣٣١٤١ - عن ابن وهب، قال: سمعتُ الليث [بن سعد] يُحَدِّثُ: أنَّ
عبد الرحمن بن عوف أتى بصدقة عظيمة، وأتى رجلٌ مِن الأنصار بشيء يسير مِن
الصدقة، فقال بعض المنافقون لعبد الرحمن: هذا منه رياء. وقالوا للآخر: وأيُّ
شيء هذا؟! يسخرون بهما؛ فأُنزِلَ في عبد الرحمن: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِى الصَّدَقَتِ﴾. [وَأَنزَلَ] الله في الآخر: ﴿وَأَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا
جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمُّ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾(٤). (ز)
٣٣١٤٢ - عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم - من طريق ابن وهب - قال: أمَرَ
(١) تفسير مقاتل بن سليمان ١٨٥/٢ - ١٨٦.
(٣) أخرجه ابن جرير ١١/ ٥٩٢.
(٢) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
(٤) أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع - تفسير القرآن ١٦٨/٢ - ١٦٩ (٣٥٧).

سُورَةُ التَّوَيَّةِ (٧٩)
مُؤْسُكَبْ التَّفْسِيَةِ الْجَاتُور
٥ ٥٥٣ %
رسولُ اللهِ وَ﴿ المسلمين أن يَتَصدَّقوا، فقال عمرُ بن الخطاب: إنَّما ذلك مالٌ وافِرٌ.
فَأَخَذَ نِصْفَه، قال: فِجِئْتُ أحْمِلُ مالًا كثيرًا. فقال له رجلٌ مِن المنافقين: أتُرَائِي، يا
عمر؟ قال: نعم، أُرَائي اللهَ ورسولَه، فأمَّا غيرُهما فلا. قال: وجاء رجلٌ مِن
الأنصار لم يَكُنْ عِندَه شيءٌ، فواجَرَ نفسَه بجَرِّ الجريرِ على رقبته بصاعَيْن لَيْلَتَه، فَتَرَك
صاعًا لعيالِه، وجاء بصاع يَحْمِلُه، فقال له بعض المنافقين: إنَّ الله ورسولَه عن
صاعِك لَغَنِيٌّ. فذلك قوله: ﴿الَِّينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِى
اُلصَّدَقَتِ﴾(١). (٧/ ٤٦٥)
تفسير الآية:
﴿اَلَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِى الصَّدَفَتِ﴾
٣٣١٤٣ - عن قتادة بن دعامة: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَِّّعِينَ﴾، أي: يَطْعُنون على
المطوّعين(٢). (٧/ ٤٦٦)
٣٣١٤٤ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿اَلَِّينَ يَلْمِزُونَ﴾ يعني: يَطْعَنُون، يعني:
مُعَتِّب بن قيس، وحكيم بن زيد ﴿اُلْمُطَّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِى الصَّدَفَتِ﴾ يعني:
عبد الرحمن بن عوف، وعاصم(٣). (ز)
﴿وَأَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمُّ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
٧٩
٣٣١٤٥ - عن عامر الشعبيّ - من طريق عيسى بن المغيرة - في قوله: ﴿وَاُلَّذِينَ لَا
يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾، قال: الجُهْدُ في القُوتِ، والجهدُ في العملِ (٤). (٧/ ٤٦٦)
٣٣١٤٦ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ يعني: أبا عقيل
﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾ يعني: من المؤمنين، ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ يعني: سخر الله من
المنافقين في الآخرة، ﴿وَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يعني: وجِيع. نظيرُها: ﴿إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا
(١) أخرجه ابن جرير ٥٩٦/١١، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٥٢.
(٣) تفسير مقاتل بن سليمان ١٨٦/٢.
(٢) عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ١٨٥٣/٦، وفيه: فالجاهد في القيتة، والجاهد هو الجاهد. وعزاه السيوطي إلى
ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وأبي الشيخ.

سُورَةُ التَّوَبَّيِ (٨٠)
فَوَسُوعَة التَّفْسِيَةُ المَانُور
نَسْخَرُ مِنَكُمْ﴾ [هود: ٣٨]، يعني: سخر الله مِن المنافقين(١). (ز)
٣٣١٤٧ - عن سفيان الثوري، في الآية، قال: الجُهدُ جهدُ الإنسانِ، والجهدُ في
ذاتِ اليَدَ (٢). (٧ / ٤٦٦)
٤ آثار متعلقة بالآية:
٣٣١٤٨ - عن أبي هُرَيْرَةَ: أَنَّه قال: يا رسول الله، أيُّ الصدقة أفضلُ؟ قال: ((جُهْدُ
المُقِلِّ، وابْدَأُ بِمَن تَعُولُ))(٣). (٤٦٨/٧)
﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمَّ
ذَلِكَ بِأَنَهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ اُلْفَسِقِينَ
٨٠
نزول الآية، وتفسيرها، والنسخ فيها:
٣٣١٤٩ - عن عبد الله بن عباس - من طريق العوفي -: أنَّ رسول الله وَّةٍ قال - لَمَّا
نَزَلتْ هذه الآيةُ: ((أسْمَعُ رَبِّي قد رَخَّصَ لي فيهم، فواللهِ، لأَسْتَغْفِرَنَّ أكثرَ مِن سبعين
مرَّةً، لَعَلَّ الله أن يَغْفِرَ لهم)). فقال اللهُ مِن شِدَّة غضبه عليهم: ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ
أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمَّ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمَّ﴾ [المنافقون: ٦](٤). (٧/ ٤٦٩)
٣٣١٥٠ - عن عبد الله بن عباس، قال: سمعتُ عمر يقول: لَمَّا تُوُفّ عبد الله بن أُبَيِّ
دُعِيَ رسولُ اللهِ وَّ للصلاة عليه، فقام عليه، فلمَّا وَقَف قلتُ: أَعَلَى عدوِّ الله
عبدِ الله بن أُبَيِّ القائلِ كذا وكذا، والقائلِ كذا وكذا؟! أُعَدِّدُ أيامَه، ورسولُ اللهِ وَّ
يَتَبَسَّمُ، حتى إذا أَكْثَرْتُ قال: ((يا عمرُ، أَخِّرْ عني، إنِّي قد خُيِّرْتُ؛ قد قِيلَ لي:
(١) تفسير مقاتل بن سليمان ١٨٥/٢ - ١٨٦.
(٢) عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
(٣) أخرجه أحمد ٣٢٤/١٤ (٨٧٠٢)، وأبو داود ١٠٧/٣ (١٦٧٧)، وابن خزيمة ١٦٧/٤ (٢٤٤٤)، ٤/
١٧١ (٢٤٥١)، وابن حبان ١٣٤/٨ (٣٣٤٦)، والحاكم ٥٧٤/١ (١٥٠٩).
قال الحاكم: ((هذا حديث صحيح، على شرط مسلم، ولم يخرجاه)). وقال ابن عبد الهادي في المحرر في
الحديث ص٣٥٨ (٦٠٣) تعقيبًا على كلام الحاكم: ((وليس كذلك؛ فإنَّ (يحيى) لم يروِ له مسلم، ولكن وثّقه
أبو حاتم)). وقال الألباني في صحيح أبي داود ٣٦٥/٥ (١٤٧٢): ((إسناده صحيح)).
(٤) أخرجه ابن جرير ١١/ ٦٠١، من طريق محمد بن سعد العوفي قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي
قال: حدثني أبي عن أبيه عطية العوفي عن ابن عباس به.
إسناده ضعيف، لكنها صحيفة صالحة ما لم تأت بمنكر أومخالفة، وينظر: مقدمة الموسوعة.

مُؤْسُوعَة التَّقْسِي المَاتُون
سُورَةُ التَّوَّةِ (٨٠)
﴿أَسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا نَسْتَغْفِرُ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾. فلو أعْلَمُ أَنِّي إن زِدتُ
على السبعين غُفِر له لَزِدتُ عليها))(١). (٧/ ٤٧٠)
٣٣١٥١ - عن عبد الله بن عباس - من طريق الضَّحَّاك - في قوله: ﴿اُسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا
تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية، فقال: ((لَأَزِيدَنَّ على السبعين)). فنسختها: ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ
أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمّ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهَدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ﴾
(٧ /٤٧٠)
[المنافقون: ٦](٢) ٢٠١٠].
٣٣١٥٢ - عن عروة بن الزبير - من طريق هشام -: أنَّ عبد الله بن أُبَيِّ قال لأصحابه:
لولا أنكم تُنفِقِون على محمدٍ وأصحابه لَانفَضُوا مِن حَوْلِه. وهو القائلُ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ
اٌلْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]. فأنزل اللهُ: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا نَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن
تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾. قال النبيُّ ◌َّهِ: (لَأَزِيدَنَّ على السبعين)).
فأنزل اللهُ: ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمَّ﴾
[المنافقون: ٦](٣). (٧ / ٤٦٩)
٣٣١٥٣ - عن عامر الشَّعبي - من طريق عطاء بن السائب -: أنَّ عمر بن الخطاب
قال: لقد أصَبْتُ في الإسلام هَفْوَةً ما أصبتُ مِثْلَها قَطُ؛ أراد رسول الله وَّةٍ أَن
يُصَلِّيَ على عبد الله بن أُبَيٍّ، فَأَخَذْتُ بثوبِهِ، فقلتُ: واللهِ، ما أمَرَك الله بهذا، لقد
قال الله: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ .
فقال رسولُ اللهِ وَّ: ((قد خَيَّرَني ربِّي، فقال: ﴿أُسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾))
فَقَعَد رسولُ اللهِ وََّ على شَفِير القبرِ، فجعَل الناسُ يقولون لابنه: يا حُبابُ، افْعَلْ
كذا، يا حُبابُ، افْعَلْ كذا. فقال رسولُ اللهِ وَّهَ: ((الحُبابُ اسمُ شيطان، أنت
٣٠١٠] ذَكَرَ ابنُ عطية (٣٧٣/٤ بتصرف) أنَّ قوله تعالى: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾
يحتمل أن يكون تخييرًا، ثم قال: ((وإذا تَرَتَّب التخيير في هذه الآية صَحَّ أن ذلك التخيير
هو الذي نُسِخ بقوله تعالى في سورة المنافقون: ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمَّ تَسْتَغْفِرْ
لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ﴾ [المنافقون: ٦])).
(١) أخرجه البخاري ٩٧/٢ (١٣٦٦)، ٦٨/٦ (٤٦٧١)، وابن جرير ٦١٢/١١ - ٦١٣، وابن أبي حاتم ٦/
١٨٥٣ (١٠٥٠٧)، ٦/ ١٨٥٧ - ١٨٥٨ (١٠٢٠٧).
(٢) أخرجه النحاس في ناسخه ص٥٢٣.
(٣) أخرجه ابن جرير ١١/ ٥٩٩، وابن أبي حاتم ١٨٥٤/٦ (١٠٥٠٠). وأورده الثعلبي ٧٧/٥.

سُورَةُ التَّوَيَّةِ (٨٠)
=& ٥٥٦
فَوْسُوعَة التَّقَةُ الْمَاتُور
عبدُ الله))(١). (٧/ ٤٧١)
٣٣١٥٤ - عن عامر الشَّعبي - من طريق مغيرة - قال: لَمَّا ثَقُل عبد الله بن أُبَيِّ انطلق
ابنُه إلى النبيِ وَّهِ، فقال له: إنَّ أبي قد احْتَضَرَ، فأُحِبُّ أن تشهده وتُصَلِّي عليه.
فقال النبيُّ نَّ: ((ما اسمُك؟)). قال: الحُباب بنُ عبد الله. قال: ((بل أنت عبدُ الله بنُ
عبدِ الله بنِ أَبَيٍّ، إنَّ الحُبابَ اسمُ شيطانٍ)). قال: فانطلق معه حتى شَهِدَه، وألبسه
قميصَه وهو عَرِقٌ، وصلَّى عليه، فقيل له: أتُصَلِّي عليه وهو منافق؟! فقال: ((إنَّ الله
قال: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، ولأستغفرن له سبعين وسبعين)).
قال هشيم: وأشكُّ في الثالثة(٢). (ز)
٣٣١٥٥ - عن مجاهد بن جبر - من طريق ابن أبي نَجِيح - قال: لَمَّا نزَلتْ: ﴿إِن
تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمَّ﴾ قال النَّبِيُّ ◌َّ: ((سأَزِيدُ على سبعين)).
فأنزل الله في السورة التي يُذْكرُ فيها المنافقون [٦]: ﴿لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمَّ﴾(٣). (٤٦٩/٧)
٣٣١٥٦ - قال الضحاك بن مزاحم: لَمَّا نزلت هذه الآيةُ قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ الله
قد رخَّص لي؛ فلأَزِيدَنَّ على السبعين، لعلَّ الله أن يغفر لهم)). فأنزل اللهُ على
رسوله وَلّ: ﴿سَوَاءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمَّ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمَّ﴾
[المنافقون: ٦](٤). (ز)
٣٣١٥٧ - عن قتادة بن دعامة - من طريق سعيد - قوله: ﴿أُسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا
تَسْتَغْفِرُ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، فقال نبيُّ الله: ((قد خيَّرني
ربي؛ فلأَزِيدَنَّهم على سبعين)). فأنزل الله: ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾
الآية(٥). (ز)
٣٣١٥٨ - عن إسماعيل السُّديِّ، في قوله: ﴿اُسْتَغْفِرْ لَمْ﴾ الآية، قال: نَزَلتْ في
(١) أخرجه ابن شبة في تاريخ المدينة ١/ ٣٧٢ - ٣٧٣، وابن أبي حاتم ١٨٥٣/٦ - ١٨٥٤ (١٠٥٠٨).
(٢) أخرجه ابن شبة في تاريخ المدينة ١/ ٣٧٠ - ٣٧١، وابن بشكوال في غوامض الأسماء المبهمة ٢/
٦٥٨، وابن جرير ٦٠٠/١١ - ٦٠١ واللفظ له.
(٣) أخرجه آدم بن أبي إياس - كما في تفسير مجاهد ص٣٧٣ -، والقاسم بن سلام في الناسخ والمنسوخ
ص٢٨٤ (٥٢١)، وابن جرير ١١/ ٦٠٠، وابن الجوزي في نواسخ القرآن ٤٧٤/٢ - ٤٧٥
(٤) أورده الثعلبي ٧٧/٥، والبغوي ٧٩/٤.
(٥) أخرجه ابن جرير ٦٠١/١١، كما أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١٦٠/٢ (١١١٣) بنحوه من طريق
معمر، وابن جرير ٦٠١/١١. وعزاه الحافظ في الفتح ٣٣٥/٨ إلى عبد بن حميد.

فَوْسُوَة التَّقْسِيَةُ الْخَاشُور
سُورَةُ التَّوَيَّةِ (٨٠)
الصلاة على المنافقين. قال: لَمَّا مات عبدُ الله بن أُبَيِّ بن سَلُول المنافقُ
قال النَّبِيُّ بَّهِ: ((لو أَعْلَمُ أنّي إن اسْتَغْفَرْتُ له إحدى وسبعين مَرَّةً غُفِر له
لَفَعَلْتُ)). فصَلَّى عليه، فَنَسَخ اللهُ الصلاةَ على المنافقين والقِيامَ على قبورِهم،
فأنزَل: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِةْ﴾. ونَزَلَت العَزْمَةُ (١).
في سورة المنافقين [٦]: ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمَ نَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾
الآية (٢). (٧ / ٤٧١)
٣٣١٥٩ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ﴾ يعني: المنافقين ﴿أَوْ لَا نَسْتَغْفِرُ
لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةٌ فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَاللَّهُ
لَا يَهْدِى الْقَوْمَ اُلْفَسِقِينَ﴾ قال عمر بن الخطاب: لا تستغفر لهم بعد ما نهاك الله
عنه. فقال النبيُّ وَّ: ((يا عمرُ، أفلا أستغفر لهم إحدى وسبعين مرة!)).
فأنزل الله رَى: ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمَّ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمَّ إِنَّ
اللَّهَ لَا يَدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ﴾ من شدة غضبه عليهم، فصارت الآية التي في براءة
منسوخة، نسختها التي في المنافقين [٦]: ﴿أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمَّ نَسْتَغْفِرْ
لَهُمْ﴾(٣). (ز)
٣٣١٦٠ - عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم - من طريق ابن وهب - في قول الله:
﴿ أَسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ قال: أقلَّ، أو أكثر (٤). (ز)
٣٠١١] ذكر ابنُ عطية (٣٧٢/٤ - ٣٧٣) أنَّ قوله تعالى: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَمْ﴾
يحتمل معنيين: أحدهما: أن يكون لفظ أمر ومعناه الشرط، بمعنى: إن استغفرت أو لم
تستغفر لهم لن يغفر الله لهم، فيكون مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنِفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهَا لَّنْ يُنَقَبَّلَ
مِنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٣]. والآخر: أن يكون تخييرًا، كأنَّه قال له: إن شئت فاستغفر، وإن شئت
لا تستغفر. ثم أعلمه أنَّه لا يغفر لهم وإن استغفر سَبْعِينَ مَرَّةً.
ثم رجَّح الاحتمالَ الثاني مستندًا إلى السُّنَّة، فقال: ((وهذا هو الصحيح؛ لقول رسول الله الَّ
وتبْبِينه ذلك)). وساق أثر ابن عباس السابق عن عمر بن الخطاب.
(١) يقال: عَزَمْتُ عليك أي: أمرتُك أمرًا جِدًّا، وهي العَزْمَةُ. لسان العرب (عزم).
(٢) عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
(٣) تفسير مقاتل بن سليمان ١٨٦/٢ - ١٨٧.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٥٤.

سُورَةُ التَّوَيَّةِ (٨١)
٥٥٨
مُوَسُوبَة التَّفْسِيُ المَاتُور
﴿فَرِحَ الْمُخَلَّقُونَ بِمَفْعَدِهِمْ خِلَفَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوَاْ أَنْ يُجَهِدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُواْ لَا نَنَفِرُواْ فِى الْحَرُّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرَّأَ لَوْ كَانُواْ يَفْقَهُونَ
نزول الآية :
٣٣١٦١ - عن عبد الله بن عباس - من طريق العوفي -: أنَّ رسول الله وَّهِ أَمَرَ الناس
أَن يَنْبَعِثوا معه، وذلك في الصيف، فقال رجالٌ: يا رسول الله، الحرُّ شديدٌ، ولا
نَسْتَطِيعُ الخروج، فلا تَنْفِرْ في الحَرِّ. فقال اللهُ: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرَّأَ لَّوْ كَانُواْ
يَفْقَهُونَ﴾، فأمَرَه بالخروج(١). (٧/ ٤٧٢)
٣٣١٦٢ - عن جابر بن عبد الله، قال: اسْتَدَار برسول الله وَّ رِجالٌ مِن المنافقين
حينَ أذِن للجَدِّ بن قيس، يَسْتَأُذِنُونه، ويقولون: يا رسولَ الله، ائْذَنْ لنا؛ فإنَّا لا
نَسْتَطِيعُ أن نَنْفِرَ في الحَرِّ. فأذِنَ لهم، وأعْرَضَ عنهم؛ فأنزل الله في ذلك: ﴿قُلْ نَارُ
جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرَّ﴾ الآية (٢). (٤٧٣/٧)
٣٣١٦٣ - عن محمد بن كعب القُرَظيّ وغيرِه - من طريق أبي معشر - قالوا: خرَج
رسول الله وَلّ في حرِّ شديدٍ إلى تبوك، فقال رجلٌ من بني سَلِمَةَ: لا تَنفِروا في
الحَرِّ. فأنزل اللهُ: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرَّ﴾ الآية(٣). (٧/ ٤٧٢)
٣٣١٦٤ - عن محمد بن إسحاق - من طريق سلمة - قال: ذكر قول بعضهم لبعض
حين أمر رسولُ اللهِ وَّه بالجهاد، وأجمع السَّيْرَ إلى تبوك على شِدَّةِ الحَرِّ وجَدْبٍ
البلاد، يقول الله - جلَّ ثناؤه : ﴿وَقَالُواْ لَا نَنَفِرُواْ فِى الْحَرُّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ
حَرَّ﴾ (٤). (ز)
(١) أخرجه ابن جرير ٦٠٤/١١، وابن أبي حاتم ١٨٥٥/٦ (١٠٥٠٤)، من طريق محمد بن سعد
العوفي، قال: حدثني أبي، قال: حدَّثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه عطية العوفي، عن ابن
عباس به .
إسناده ضعيف، لكنها صحيفة صالحة ما لم تأت بمنكر أو مخالفة. وينظر: مقدمة الموسوعة.
(٢) عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
(٣) أخرجه ابن جرير ١١/ ٦٠٤.
(٤) أخرجه ابن جرير ٦٠٤/١١.

فَوْسُوعَة التَّفْسَةُ الْجَاتُور
٠٥٥٩
سُورَةُ التَّوَيَّةِ (٨١)
تفسير الآية:
﴿فَرِحَ الْمُخَلَّقُونَ بِمَفْعَدِهِمْ خِلَفَ رَسُولِ اللَّهِ﴾
٣٣١٦٥ - عن الضحاك بن مُزاحِم، في الآية، قال: يعني: المُتَخَلِّفون؛ بأن قَعَدوا
خِلافَ رسول الله ◌َيْءٍ (١). (٧ / ٤٧٢)
٣٣١٦٦ - عن قتادة بن دعامة - من طريق مَعْمَر - في قوله: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَفْعَدِهِمْ
خِلَفَ رَسُولِ اللَّهِ﴾، قال: عن غزوة تبوك (٢)٣٠١٢]. (٧/ ٤٧١)
٣٣١٦٧ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّقُونَ بِمَفْعَدِهِمْ﴾ عن غزاة تبوك ﴿خِلَفَ
رَسُولِ اللَّهِ﴾ وهم بِضْعٌ وثمانون رجلاً، منهم مَنِ اعْتَلَّ بالعُسْرة وبغير ذلك(٣). (ز)
٣٠١٢] رجَّح ابنُ جرير (٦٠٢/١١) مستندًا إلى القراءات أنَّ قوله: ﴿خِلَفَ﴾ مصدر خَالَف
يُخالِف، فقال: ((قوله: ﴿خِلَفَ﴾ مصدرٌ مِن قول القائل: خالف فلانٌ فلانًا فهو يُخالِفه
خلافًا، فلذلك جاء مصدره على تقدير: فِعال، كما يُقال: قاتلَه فهو يقاتله قِتالًا، ولو كان
مصدرًا مِن خَلَفه، لكانت القراءة: بمقعدهم خلف رسول الله. لأن مصدر خلفه: خلْف، لا
خِلاف، ولكنَّه على ما بيَّنت مِن أنه مصدر: خالف، فقرئ: ﴿خِلَفَ رَسُولِ اللَّهِ﴾، وهي
القراءة التي عليها قراءة الأمصار، وهي الصواب عندنا)).
ثم ساق قولَ مَن قال بمعنى: بعد رسول الله. وبيَّن (٦٠٣/١١) أنَّه قريب مِمَّا ذُكِر، فقال:
((وذلك قريبٌ لمعنى ما قلنا؛ لأنهم قعدوا بعده، على الخلاف له)).
وذكر ابنُ عطية (٣٧٥/٤) أنَّ قوله: ﴿خِلَفَ﴾ على ما رجَّح ابنُ جرير هي مفعول له،
والمعنى: فرِح المخلفون بمقعدهم لخلاف رسول الله وَّل، أو مصدر. وبيَّنَ أنَّ نصبه على
القول بمعنى: بعد رسول الله، كأنَّه على الظرف. ثم قال (٣٧٦/٤ بتصرف): ((ويُقَوِّي قولَ
الطبري ما تظاهرت به الروايات مِن أنَّ رسول الله ◌َّ أمرهم بالنفر، فعصوا وخالفوا،
وقعدوا مستأذنين)).
(١) عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
(٢) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٢٨٤، وابن جرير ٦٠٤/١١، وابن أبي حاتم ١٨٥٤/٦ من طريق سعيد بن أبي
عروبة بلفظ: أظنها في غزوة تبوك. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
(٣) تفسير مقاتل بن سليمان ٢/ ١٨٧.

سُورَةُ التَّوَيَّةِ (٨١)
٥٦٠ %
فَوْسُكَبِ التَّفْسَِّةُ الْجَاتُون
﴿وَكَرِهُوَاْ أَن يُجَهِدُواْ بِأَمْوَِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُواْ لَا نَفِرُواْ فِىِ الْحَرِّ﴾.
٣٣١٦٨ - عن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿لَا نَفِرُواْ فِى الْحَرِّ﴾، قال: قولُ المنافقين
يومَ غَزا رسول الله وَّهِ تَبُوكًا(١). (٧/ ٤٧٢)
٣٣١٦٩ - عن جعفر بن محمد [بن علي بن الحسين]، عن أبيه، قال: كانت تبوكُ
آخِرَ غزوةٍ غَزاها رسول الله وََّ، وهي غزوةُ الحَرِّ، قالوا: لا تَنفِروا في الحَرِّ. وهي
غزوةُ العُسْرَةِ(٢). (٧/ ٤٧٢)
٣٣١٧٠ - قال قتادة بن دعامة: خرج المؤمنون يومئذٍ إلى تبوك في لَهَبَانِ الحَرِّ(٣). (ز)
٣٣١٧١ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿وَقَالُواْ﴾ بعضهم لبعض: ﴿لَا تَنْفِرُواْ فِى الْحَرِّ﴾ مع
محمد ◌ّ إلى غزاة تبوك، في سبعةِ نفرٍ؛ أبو لبابة وأصحابه، قالوا: بأنَّ الحر
شديدٌ، والسفرَ بعيد (٤). (ز)
(٨)
﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرَّأْ لَّوْ كَانُواْ يَفْقَهُونَ
قراءات الآية، وتفسيرها:
٣٣١٧٢ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرَّأَ لَّوْ كَانُواْ
يَفْقَهُونَ﴾ . =
٣٣١٧٣ - في قراءة ابن مسعود: (لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ)(٥). (ز)
٣٣١٧٤ - قال الحسن البصري: ﴿لَوْ كَانُواْ يَفْقَهُونَ﴾، يقول: لو كانوا يفقهون لَعَلِمُوا
أنَّ نار جهنّم أشدُّ حرًّا مِن نار الدنيا (٦). (ز)
(١) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
(٢) أخرجه أبن أبي حاتم ٦/ ١٨٥٥.
(٣) ذكره يحيى بن سلام - كما في تفسير ابن أبي زمنين ٢٢٣/٢ -.
(٤) تفسير مقاتل بن سليمان ٢/ ١٨٧.
(٥) تفسير مقاتل بن سليمان ٢/ ١٨٧.
والقراءة شاذة. انظر: البحر المحيط ٨١/٥.
(٦) ذكره يحيى بن سلام - كما في تفسير ابن أبي زمنين ٢٢٣/٢ -.