النص المفهرس

صفحات 521-540

المدخل إلى ضَوْسُوكَة التَّقْسِيُ المَاتُور
منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير
٥ ٥٢١ :
يكون للنظر والاعتبار، بحيث يجري نظر الناقد في مروياتهم تلك وما احتف بها من
أمارات وقرائن تقوي قبولها أو رفضها؛ ومن تلك القرائن: تخصص الراوي في فن
ما وطول اشتغاله به، أو جودة مروياته عن شيخ ما، أو موافقة مروياته لأصل من
الأصول المعتبرة ... إلخ، وقد صرح ببعض هذه القرائن بعض الأئمة؛ منهم
الخطيب البغدادي بقوله: (( ... إلا أن العلماء قد احتجوا في التفسير بقوم لم
يحتجوا بهم في مسند الأحاديث المتعلقة بالأحكام؛ وذلك لسوء حفظهم الحديث
وشغلهم بالتفسير فهم بمثابة عاصم بن أبي النجود حيث احتج به في القراءات دون
الأحاديث المسندات لغلبة علم القرآن عليه فصرف عنايته إليه))(١).
فتصريحه بالاحتجاج بهم مقيد بقرينتين واضحتين في كلامه:
الأولى: أن هؤلاء الرواة من أصحاب الضعف المحتمل وقد مثّل لهم بعاصم بن
أبي النجود.
الثانية: أن لهم اشتغالًا بالتفسير وتخصّصًا فيه؛ دفع عن مروياتهم الخطأ المخوف
من قبل سوء حفظهم.
وقد أشار البيهقي إلى قرينة أخرى في تعليله لكلام يحيى القطان عن تساهل
المحدِّثين مع بعض رواة التفسير؛ فقال: ((وإنما تساهلوا في أخذ التفسير عنهم؛ لأن
ما فسروا به ألفاظه تشهد لهم به لغات العرب؛ وإنما عملهم في ذلك الجمع
والتقريب فقط))(٢)، فلما وجدت قرينة موافقة مروياتهم لما شهدت به اللغة تساهل
النقاد في روايتها .
٤ - التساهل لا يكون مع الرواة المعروفين بالكذب؛ بل هؤلاء يطرح حديثهم
على كل حال، ونصوص الأئمة السابقة ظاهرة في ذلك من مثل: ((فهذا يترك حديثه
ويطرح روايته))، ومثل: ((فهذا الضرب لا يكون مستعملًا في شيء من أمور الدين إلا
على وجه التّليين))(٣).
٥ - أن التساهل لا يكون فيما ثبت خطؤه ولو كان من رواية أكابر الثقات، وقد
سبق تقرير ذلك؛ ((والمنكر أبدًا منكر))(٤).
(١) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ٢/ ١٩٤.
(٢) دلائل النبوة للبيهقي ١/ ٣٧.
(٤) العلل للمروزي ص ٢٨٧.
(٣) دلائل النبوة للبيهقي ٣٣/١.

المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقَسَّسَةُ المَاتُون
جهات النظر في التعامل مع الخبر
=
٥ ٥٢٢ %=
ويستفاد مما سبق أن التساهل عندهم هو مجرد تجويز الرواية أو الأخذ أو الكتابة
أو الحفظ لأنواع من الأخبار معينة محددة عمن لم يبلغ حديثهم درجة الاحتجاج به
ولا درجة الترك له، ثم يكون بعد ذلك نظر النقاد في تلك المرويات واعتبارها
للتثبت من كون ما فيهم من قدح لم ينسحب على المرويات في تلك الأنواع في
ضوء القرائن المحتفة بمروياتهم؛ فإن خلت من القوادح وتثبتوا من صحتها
اعتمدوها .
فإن قال قائل: إن مجرد الرواية أو الكتابة أو الحفظ جائز حتى في أحاديث
الكذابين؟!
فالجواب: أن مجرد الرواية عن الكذّابين ليس جائزًا بإطلاق؛ بل ذلك بقيد معرفة
حديثهم وتمييزه حتى لا يختلط بالسقيم، ولهذا جرح النقاد بعض الرواة بأنهم لا
تحل الرواية عنهم أو لا يحل كتابة حديثهم، ولهذا قال سفيان الثوري: ((إني لأكتب
الحديث على ثلاثة وجوه: فمنه ما أتدين به، ومنه ما أعتبر به، ومنه ما أكتبه
لأعرفه)» (١)؛ فما يتدين به أحاديث من يحتج بهم، وما يعتبر به أحاديث من دونهم
ممن لم يبلغوا درجة الترك، وما يكتبه ليعرفه أحاديث المتروكين والكذابين.
وقصة إنكار أحمد بن حنبل على يحيى بن معين كتابة صحيفة معمر عن أبان عن
أنس معروفة، وفيها قول أحمد منكِرًا: ((تكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس وتعلم
أنها موضوعة؟ فلو قال لك قائل: إنك تتكلم في أبان ثم تكتب حديثه على الوجه؟!
فقال: رحمك الله يا أبا عبد الله؛ أكتب هذه الصحيفة عن عبد الرزاق عن معمر على
الوجه فأحفظها كلها وأعلم أنها موضوعة حتى لا يجيء بعده إنسان فيجعل بدل أبان
ثابتًا ويرويها عن معمر عن ثابت عن أنس بن مالك، فأقول له: ((كذبت؛ إنما هي
عن معمر عن أبان لا عن ثابت))(٢).
وها هو محمد بن رافع يقول: ((رأيت أحمد بن حنبل في مجلس يزيد بن هارون
ومعه كتاب زهير عن جابر، وهو يكتبه؛ قلت: يا أبا عبد الله؛ أنت تنهانا عن جابر
وتكتبه؟ قال: نعرفه))(٣). وغير ذلك من الأخبار الدالة على هذا المسلك؛ فنخلص
(١) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ١٩٣/٢.
(٢) السابق ٢/ ١٩٢.
(٣) السابق.

المدخل إلى مُوَسُوعَة التَّفْسِيُ المَاتُور
منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير
٤ ٥٢٣ هـ
من ذلك، وفي ضوء عبارات النقاد السابقة إلى أن محددات التساهل هي:
أ - التسامح في رواية أو كتابة ما ليس من أصول الدين وأصول أحكامه عن رواة
مجروحين في ضبطهم بما ينزل بمروياتهم عن درجة الاحتجاج، ولا ينزل بها إلى
درجة الترك.
ب - النظر في تلك المرويات واختبارها في ضوء أحوال الرواة وموضوع
الروايات والقرائن المحتفة بكليهما .
ج - قبول ما أصاب الراوي فيه من تلك المرويات؛ بتجويز تفرده فيما يحتمل
تفرد مثله، أو قبول رواياته فيما عرف تخصصه به ... إلخ، بحسب ما تسمح به
القرائن من مساحات ومعطيات.

جهات النظر في التعامل مع الخبر
٢ ٥٢٤
المدخل إلى مُؤْسَسُوعَة التَّقْسِيُ المَاثُور
المطلب الرابع
الإسناد وطبيعة علاقته بالمرويات من حيث الثبوت وعدمه
المتصدي لنقد الأخبار وفق منهج المحدثين بالإضافة لما سبق تقريره في الجانب
الأول؛ ينبغي أن يكون على بصر كذلك قبل إصدار الحكم النقدي على الخبر
بالثبوت وعدمه بكثير من المسائل المرتبطة بالإسناد، التي تكون الغفلة عنها موقعة
في مخالفة منهج المحدثين في نقد الأخبار، وسيأتي بيان ذلك في مدخل وثلاثة
فروع(١) :
: مدخل: إطلالة على تاريخ الإسناد:
إن مراعاة الأنساق التاريخية والزمانية التي كان لها تأثير قوي في تطور العلم،
وتطوير أدواته، واستحداث مستجداته أمر لا ينفك في أهميته عن مسائل العلم ذاته،
بل هو أوجب وأهم؛ إذ لا يتم تصور كثير من مسائل الفن الواحد على وجهها، ولا
يحصل تمام فهمها إلا بمعرفة المؤثرات التي ساهمت في تخليقها والأسس التي
قامت عليها والتطورات التي لحقتها، وإن كثيرًا من الانفصام الحاصل بين صورة
العلم في زمان ما وصورته في زمان آخر سببها الحقيقي عدم استحضار الأحوال
التاريخية التي صاحبت كل مرحلة من مراحل الفن.
ومن هنا أراد البحث عند تناول الكلام عن مرويات التفسير الإلماح إلى أن لكل
زمن أحداثه ووقائعه التي تلقي بظلالها على جُلّ ما فيه فتطبعه بطابعها، أو تمسه
بريحها، أو تدفعه إلى مواكبتها؛ لتحصل المعايشة بينها داخل هذا النطاق الزمني،
وتلك سُنّة من سنن الله الجارية في خلقه في البلاد والأمم والأفراد والعلوم وغيرها .
وإن الناظر من بوابة الزمن إلى المراحل التي مرّت بها المرويات الشرعية عمومًا
(١) فضل الإسناد وكلام أئمة السلف ونقاد الحديث عنه لا يخفى على القارئ الكريم؛ ولذا آثر البحث
التخفف من ذكر الكلام عن فضله وأهميته لذيوع ذلك واشتهاره بحيث لا ينازع فيه إلا جاحد أو معاند.

المدخل إلى فُؤْسُوعَة التَّقْسِيُ المَاتُور
منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير
٥ ٥٢٥ :
وحديث رسول الله وَّه منها خاصة سيجد تلك العلاقة وذلك التأثير والتأثر باديًا؛ بل
سيوقن عند النظر في الخلفيات والمآلات أن ذلك كان من أكبر الأسباب التي
قدرها الله لحفظ دينه، إذ كان العلماء في كل زمن يستحدثون من الوسائل والآليات
والأدوات ما تقتضيه حاجة ذلك الزمن وما تفرضه أحداثه، وما تستلزمه مستجداته.
وإنه لا ينبغي إتيان البيوت من ظهورها؛ بل ينبغي إتيانها من أبوابها، ذلك أن
التعامل مع المرويات في العلوم والفنون وإصدار الحكم على أسانيدها بالصحة
والضعف والتسوية بينها في التعامل وادعاء أن ذلك منهج المحدثين فيه إتيان للبيوت
من ظهورها؛ وإنما إتيانها من أبوابها يلزم كل طارق أن يعرف الواقع التاريخي،
ويستوعب الظرف الزماني للإسناد من جهتين رئيسيتين :
أولها: من جهة نشأته واعتماده وسيلة لنقل المرويات.
ثانيها: من جهة تفاوت درجات وزمان اعتماده في العلوم الشرعية وآثار ذلك
عليها .

جهات النظر في التعامل مع الخبر
٥٢٦ :
المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقْسِيرُ الْمَانُونِ
الفرع الأول
نشأة الإسناد واعتماده
١ - الرواية في مراحلها الأولى: لقد كان الصحابة ميه في غاية الحرص على
سماع أحاديث النبي وَّه وتلقيها، حتى وصل الحال ببعضهم - في حياة النبي ◌َلّر -
من شدة الحرص على الحديث إلى التناوب مع بعض إخوانه في تحمل أمور العيش؛
لتتاح الفرصة لكل منهم بشرف السماع ثم بالنقل لأخيه، واستمرت عادتهم تلك حتى
بعد وفاة النبي ◌ّ، وكان الكذب على رسول الله وَل أو غيره حينها غير معهود
لديهم، ولم يكن يتهم بعضهم بعضًا؛ فقد روى الخطيب البغدادي بسنده عن البراء بن
عازب أنه قال: ((ليس كلنا سمع حديث رسول الله وَّ ر؛ كانت لنا ضيعة وأشغال،
ولكن كان الناس لم يكونوا يكذبون يومئذ))(١)، وروى كذلك عن أنس نظريته أنه قال:
(ليس كل ما نحدثكم عن رسول الله وَ﴾ سمعناه منه، ولكن حدثنا أصحابنا ونحن
قوم لا يكذب بعضنا بعضًا))(٢).
ورغم كون الكذب على رسول الله و 18 منتف عنهم؛ إلا أن ذلك لم يكن كافيًا
لديهم بعد وفاة رسول الله وَّ لاحتمال وقوع الخطأ غير المتعمد من بعضهم، ولذلك
استحدثوا من وسائل التحري والاحتياط لحديث رسول الله وَّليه ما لم يكن موجودًا
في حياته وَل18، وكانت فاجعة وفاته وَّر هي الأساس في استحداث تلك الوسائل؛
وكان من وسائلهم:
أ - الإشهاد على الرواية: فكتب الصحاح والسنن تروي عن أبي بكر(٣) وعمر (٤)
اشتراطهما على الراوي الإشهاد على ما ينسبه لرسول الله وَّ، حتى عدَّ الذهبي(٥)
أبا بكر ظهبه أول من احتاط في قبول الأخبار؛ بل نقل الذهبي عن ابن أبي مليكة
(١) الكفاية ٣٨٥/١.
(٢) المرجع السابق.
(٣) وذلك في ميراث الجدة، وطلبه من المغيرة شاهدًا معه على قضاء رسول الله وَّ لها بالسدس. ينظر:
جامع الترمذي ٤١٩/٤، وسنن أبي داود ١٢١/٣.
(٤) وذلك في حديث أبي موسى الأشعري في الاستئذان ثلاثًا؛ كما في صحيح البخاري ٢٣٠٥/٥،
وصحيح مسلم ١٦٩٤/٣.
(٥) تذكرة الحفاظ ١/ ٩.

المدخل إلى مُؤْسُكَة التَّقْسِِّيُ الخَاتُورُ
منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير
٥ ٥٢٧ هـ
مرسلًا ((أن الصديق جمع الناس بعد وفاة نبيهم؛ فقال: إنكم تحدثون عن
رسول الله وم أحاديث تختلفون فيها والناس بعدكم أشد اختلافًا؛ فلا تحدثوا عن
رسول الله وَ﴿ شيئًا، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله؛ فاستحلوا حلاله
وحرموا حرامه)). ثم علق الذهبي بقوله: ((فهذا المرسل يدلّك أن مراد الصديق التثبت
في الأخبار، والتحري لا سَدّ باب الرواية؛ ألا تراه لما نزل به أمر الجدة ولم يجده
في الكتاب كيف سأل عنه في السُّنَّة، فلما أخبره الثقة، ما اكتفى حتى استظهر بثقة
آخر، ولم يقل حسبنا كتاب الله كما تقوله الخوارج)»(١)، ولم يكن ذلك منهم
التخوفهم من الكذب أو لاتهامهم أحدًا من الصحابة بالكذب؛ بل لخوفهم من وقوع
الخطأ في رواية حديث رسول الله وَ له .
ب - الإقلال من الرواية: فقد كان بعض الصحابة يتوقى الإكثار من الحديث خوفًا
من الوقوع في الغلط؛ ومن أشهر ما روي في ذلك قول عبد الله بن الزبير: قلت
للزبير: لا أسمعك تحدث عن رسول الله وَ ﴾. كما يحدث فلان وفلان! قال: أما إني
لم أفارقه، ولكن سمعته يقول: ((من كذب عليَّ فليتبوأ مقعده من النار))(٢)، وكان
عمر رَؤُله «شديدًا على من أكثر الرواية، أو أتى بخبر في الحكم لا شاهد له عليه،
وكان يأمرهم بأن يقلوا الرواية، يريد بذلك أن لا يتسع الناس فيها ويدخلها الشوب؛
ويقع التدليس والكذب من المنافق والفاجر والأعرابي.
وكان كثير من جلة الصحابة وأهل الخاصة برسول الله وق له كأبي بكر، والزبير،
وأبي عبيدة، والعباس بن عبد المطلب، يقلّون الرواية عنه؛ بل كان بعضهم لا يكاد
يروي شيئًا كسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل))(٣).
٢ - ظهور الكذب وأثره في نشأة الإسناد: مضى الزمان الأول وتغيرت كثير من
الأحوال، ووقعت الفرقة وظهرت البدعة، ونبتت نابتة الكذب التي تبحث عن تأييد
بدعها وتسويغ آرائها؛ فتبدل حال الرواية، ودخلت الريبة في القلوب، وقلَّت الثقة
بالنقول؛ وقد صوَّرت رواية مسلم عن ابن عباس شيئًا من هذا التغير والتحول، فقد
روى بسنده عن مجاهد قال: ((جاء بشير العدوي إلى ابن عباس، فجعل يحدث،
ويقول: قال رسول الله وَّ، قال رسول الله وَله، فجعل ابن عباس لا يأذن (٤)
(١) تذكرة الحفاظ ٩/١.
(٢) صحيح البخاري ٣٣/١.
(٣) تأويل مختلف الحديث ص٨٩، ٩٠.
(٤) لا يأذن؛ أي: لا يستمع، يقال: أذنت للشيء آذن له، إذا استمعت له. تهذيب اللغة ١٥/١٥.

جهات النظر في التعامل مع الخبر
& ٥٢٨ %
المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقَنِيَةِ الْجَاتُورُ
الحديثه، ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس؛ ما لي لا أراك تسمع لحديثي، أحدثك
عن رسول الله وَ﴾، ولا تسمع؟! فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلًا
يقول: قال رسول الله 0 18 ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا؛ فلما ركب الناس
الصعب والذلول، لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف))(١)، قال القسطلاني: ((وقوله:
مرّة؛ أي: وقتًا، ويعني به: قبل ظهور الكذب))(٢)، وقد كان ظهور البدع واختلاق
الكذب المسوغ لها حدثًا كبيرًا استدعى إيجاد آلية جديدة تدفع شر هذا الخطر
الناجم؛ فنشأت العناية بالإسناد واعتماده آلية ملزمة لنقل الأخبار. قال محمد بن
سيرين: ((كان في الزمن الأول لا يسألون عن الإسناد؛ فلما وقعت الفتنة سألوا عن
الإسناد لكي يأخذوا حديث أهل السُّنَّة ويدعوا حديث أهل البدع)) (٣)؛ يصوّر محمد بن
سيرين بعبارته هذه أثر الأحداث والمستجدات في استحداث آليات جديدة لصيانة
السُّنَّة وحفظها من عبث العابثين، وذلك أن الزمن الأول كان زمن إيمان واجتماع
فكان الكذب منتف عن جملة أهله، وكانت الروايات في مأمن؛ فلما تبدل الحال
استدعى ذلك مزيدًا من الدقة والتحري لدفع شرر الكذب والاختلاق الناشئ، فسأل
نقلة العلم وحملته عما لم يكونوا يسألون، ودققوا فيما لم يكونوا يدققون، ووجدوا
في الإسناد بغيتهم، فاعتمدوه آلية في نقل الأخبار.
ومما يبيِّن جدة استعمال آلية الإسناد في زمانهم تلك الرواية التي ساقها
الرامهرمزي بسنده عن الشعبي، عن الربيع بن خثيم قال: ((من قال لا إله إلا الله
وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. فله
كذا وكذا، وسمّى من الخير))، قال الشعبي: فقلت: مَنْ حدّثك؟ قال: عمرو بن
ميمون، وقلت: من حدثك؟ فقال: أبو أيوب صاحب رسول الله وَ ل*، قال يحيى بن
سعيد: وهذا أول ما فتش عن الإسناد (٤).
وبدأت آلية الإسناد في الدخول إلى ساحة المرويات؛ لتؤدي مهمتها في حفظ
السُّنَّة وصيانتها من عبث العابثين واختلاق المختلقين وانتحال المبطلين، ثم صارت
آلية الإسناد أصلًا معتمدًا في نقل كثير من مرويات الشريعة مما هو من أقوال
الصحابة ومن بعدهم من أهل العلم.
(١) مقدمة صحيح مسلم ١/ ١٣.
(٣) كتاب العلل الصغير للترمذي المطبوع بآخر جامعه ٦/ ٢٣٤.
(٤) المحدث الفاصل ١/ ٢٠٨.
(٢) إرشاد الساري ٩/ ٧٣.

المدخل إلى مُؤْسُوَ التَّفْسِيُ المَاتُور
منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير
ــ ٥٢٩ هــ
وجدير بالذكر هنا في ختام الحديث عن تلك الجهة الإلماح إلى عدة أمور:
■ خلو واقع الرواية في الأزمنة الأولى من الكذب والبدع كان أحد المستندات
التي سوغت للبعض قبول مراسيل كبار التابعين، وهذا مما يؤكد أهمية الوعي بالواقع
وأثره في الرواية .
■ أن وظيفة الإسناد بيان «اتصال النسب العلمي بين راوي الشيء وصاحب الشيء
المروي، حتى يثبت العلم بذلك المروي على وجه من الصحة))(١).
■ أن مدار الحكم بصحة الرواية وإن كان مرتبطًا بالإسناد إلا أنه ليس منحصرًا
في الإسناد، ولا يستقل به الإسناد كما هو ظاهر كثير من التطبيقات المعاصرة؛ بل
في حصره في الإسناد تقزيم لمنهج النقد الحديثي وتشويه لصورته؛ لأن النقاد كان
نظرهم كما سبق إلى أركان الخبر الثلاثة متفرقة ومجتمعة، فينظرون إلى كل ركن منها
على حدة ولا يتجاسرون بإصدار الحكم وفق النتائج الجزئية التي أفرزتها النظرة إلى
كل ركن؛ بل يعيدون النظر إليها مرة أخرى مكتملة ويلمحون ما بينها من ارتباط
وتأثر وتأثير وتنافر وتقارب، فيعلون المتن بالسند، ويعلون السند بالمتن ... إلخ مما
سبقت الإشارة إليه .
(١) تاريخ آداب العربية ١/ ١٨٧.

جهات النظر في التعامل مع الخبر
٥ ٥٣٠ %=
المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقْسِيُ المَاتُوز
الفرع الثاني
تفاوت درجات وزمان اعتماد الإسناد في العلوم الشرعية
إن الإسناد وإن كان عاملًا مشتركًا بين كثير من المنقولات في العلوم الشرعية
واللغوية؛ إلا أن درجة الاعتماد عليه واعتباره وسيلة لنقد المنقولات تتفاوت بتفاوت
العلوم والفنون، وكلام الأئمة في التشدد والتساهل في المرويات السابق ذكره هو
تجسيد حقيقي لهذا التفاوت الحاصل في توظيف الأسانيد ودرجات الاعتماد عليها،
كما أن هناك أنواعًا من المرويات كان الإسناد فيها مجرد زينة على حد عبارة
الخطيب البغدادي الذي عقد بابًا بعنوان: ((ما لا يفتقر كتبه إلى الإسناد)): قال فيه:
((وأما أخبار الصالحين، وحكايات الزهاد والمتعبدين، ومواعظ البلغاء، وحكم
الأدباء؛ فالأسانيد زينة لها، وليست شرطًا في تأديتها)) (١)، ثم روى بإسناده أن رجلًا
خراسانيًّا كان ((جالسًا عند يزيد بن هارون يكتب الكلام ولا يكتب الإسناد، فقيل له:
ما لك لا تكتب الإسناد؟! فقال: ((أنا خانه خواهم نبازار)): تفسيره قال: ((أنا للبيت
أريده لا للسوق))، قال الخطيب: ((إن كان الذي كتبه الخراساني من أخبار الزهد
والرقائق وحكايات الترغيب والمواعظ؛ فلا بأس بما فعل، وإن كان ذلك من
أحاديث الأحكام، وله تعلق بالحلال والحرام فقد أخطأ في إسقاط أسانيده؛ لأنها
هي الطريق إلى تبيينه، فكان يلزمه السؤال عن أمره، والبحث عن صحته))(٢)، ولذا
((فليس كل إسناد نراه يعني أنه وسيلة نقد ذلك المنقول بتطبيق منهج المحدثين الذين
ينقلون به أحاديث النبي ◌َّر؛ لأن الإسناد كان سمة من سمات علوم الإسلام كلها،
فإبرازه لم يكن دائمًا لأجل الاعتماد الكلي عليه في نقد ذلك المنقول))(٣).
وقد أشار الرافعي إلى هذا الملمح، فبعد أن ذكر العناية بأسانيد الحديث النبوي
وتشديد العلماء في قبولها وفي أحوال رواتها ونقلتها؛ قال مبيِّنًا الفارق بين حال
الإسناد ووظيفته في نقل السُّنَّة وبين حاله ووظيفته في نقل الأدب: ((ذلك شأن
(١) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي ٢١٣/٢، ت: د.محمود الطحان.
(٢) الجامع لأخلاق الراوي ٢١٤/٢.
(٣) الأخبار التاريخية للشريف حاتم، مقال منشور بمكتبة موقع ملتقى أهل الحديث.

المدخل إلى مُؤَسُوعَة التَّفْسِيرُ الْجَاتُور
منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير
٥ ٥٣١ :-
الإسناد في الحديث وعنايتهم بحفظه؛ أما الإسناد في الأدب فلا يراد منه إلا توثيق
الرواية وإثبات صحتها، وضمان عهدتها، لا أن يطلب الراوية بذكر الإسناد حكاية ما
يرويه على أنه معدل، وإثبات ما يسنده على أنه إلى مقنع؛ فإن اللغة ترجع إلى أقيسة
معروفة، وإن ما شذ عن هذه الأقيسة موضوع قطعًا إلا أن يحمل عن الثقة، أو ينفرد
به أهل الكفاية فيوردونه على أنه من الأفراد والنوادر؛ وإن الشعر والخبر قد فشا
فيهما الكذب والتوليد منذ القرن الأول، ونشأ كثيرون من الرواة يشدون من العلوم
الموضوعة، وينفقون من الأخبار المكذوبة، ويموهون بمزج هذه الأمور على الناس،
ويخترعون الأشعار الكثيرة عند مناقلة الكلام وموازنة الأمور؛ ومع ذلك فلم يعن
بأمرهم أهل التفتيش والتحقيق من العلماء، إلا حيث يكون الخبر أو الشعر مظنة
الشاهد وموضع المثل، فهناك يضربون دونه الإسناد؛ مخافة أن يجري في شيء من
العلوم التي هي قوام الأصلين من الكتاب والسُّنَّة؛ فحيث وجدت المعنى الديني تجد
التثبت والتحقيق الذي لا مساغ فيه إلى خطرات الظنون، فضلًا عن فَرَطات الأوهام؛
ومتى انتفى هذا المعنى عن شيء فأمره عندهم بحساب ما يدور عليه ... والأسانيد
في الأدب قصيرة؛ لأن الرواة ما زالوا يحملون عن العرب قرونًا بعد الإسلام، ومن
حمل شيئًا فهو سنده؛ ثم إن الرواية قد درست بعد القرن الخامس على أبعد الظن،
ولم يبق إلا بعض الأسانيد العلمية كما سيجيء؛ فكان عُمْر الإسناد ثلاثة قرون على
الأكثر، دع عنك ما كان من شأنهم في هذا الإسناد؛ فإن الصدور منهم يكتفون
بالنسبة غالبًا - وهي بعض طرق الرواية كما ستعرفه - فيقولون: روينا عن فلان،
وحُدّثنا عن فلان، ويكون بين الراوي والمروي عنه جيلان وأكثر.
بيد أن كل ذلك لا يدفع الثقة بما يرويه أهل الضبط والتحصيل منهم، وهم قوم
معدودون يعرفونهم بالعدالة؛ ثم لأنهم يأخذون عن الثقات، ولأن أكثر ما يروونه لا
وجه للخلاف فيه، وإذا اختلفوا في شيء فلا يكون ذلك قادحًا فيهم؛ لأن مظنة
الخلاف إنما تكون في ضعف الرواية أو الراوية)»(١).
إن دراسة حال الناس في الأزمنة الأولى من حيث علاقتهم بالفنون والعلوم
وحصول بعضها سليقة وبعضها اكتسابًا ... إلخ، وكذا دراسة واقع العلوم ومراتبها
ومعرفة معاييرها في القبول والرد وإدراك التفاوت الحاصل في ذلك كله = له أثر بالغ
(١) تاريخ آداب العرب للرافعي ١/ ١٩٢.

المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقْسَِّةُ المَاتُور
جهات النظر في التعامل مع الخبر
٥ ٥٣٢ ٥
في التعامل مع المرويات، وإهماله وإغفاله موقع في الخطأ والخلل؛ ذلك أن نشاط
الرواة في حفظ الأسانيد وضبطها لم يكن على درجة واحدة في كل المرويات، بل
تفاوت اهتمامهم باختلاف دوافعه ومنطلقاته ومؤثراته، والتي يمكن رصد أبرزها فيما
يلي :
أولها: قائل الخبر: تفاوت نشاط الرواة بحسب قائل الخبر وجلالته، ولذا كان
معظم نشاطهم في ضبط الأسانيد وحفظها وروايتها متجهًا إلى تحقيق الغاية التي من
أجلها كان الإسناد وهو ضبط المنقول عن رسول الله وم# خاصة، وتمييز الثابت من
غير الثابت عنه 18؛ لأن عليه مدار الدين، وقيام مصالح العباد، وضبط أحكام
المعاش والمعاد، بخلاف غيره، ولم يكن نشاطهم لحفظ المروي عن سواه كنشاطهم
لحفظ المروي عنه وَّ، ولا يعني ذلك أن ما سواه ضاع كله فلم يحفظ؛ وإنما
المراد أن كثيرًا من الرواة صرفوا جلّ اهتمامهم إلى المرفوع خاصة، وقلَّ اهتمامهم
بما دونه، ومن دلائل ذلك ما رواه أبو زرعة الدمشقي في تاريخه بسنده عن صالح بن
كيسان قال: اجتمعت أنا والزهري، ونحن نطلب العلم، فقلت: نكتب السنن؛ فكتبنا
ما جاء عن النبي ◌َّ، ثم قال: نكتب ما جاء عن أصحابه؛ فإنه سُنَّة، فقلت له:
إنها ليس بسُنَّة، فلا نكتبه، قال: فكتبه، ولم نكتبه؛ فأنجح، وضيعنا))(١).
ثانيها: مضمون الخبر: تفاوت اهتمام الرواة في نقل الأخبار وضبط أسانيدها
ومتونها بحسب مضمونها؛ فصرفوا جُلّ اهتمامهم إلى حفظ وضبط ما به يحفظ
الدين، وَتَبِينُ به معالمه، وَتُضْبَطُ أصوله، وَتُحفظ به حدوده، وَتُصان به حقوق
المجتمعات والأسر والأفراد؛ ولذا قال أبو الزناد: ((كنا نكتب الحلال والحرام،
وكان الزهري يكتب كل ما سمع؛ فلما احتيج إليه علمتُ أنه أعلم الناس)) (٢).
ثالثها: مدى الحاجة إلى الخبر: نشاط الرواة كان مبنيًّا على الاهتمام بما كثرت
حاجتهم إليه؛ لا بما كان حاصلًا عندهم ومتحققًا ومشتهرًا .
وإذا كانت الحاجة عمومًا هي الدافع للعمل والمحفز للنشاط والحركة؛ فإن العلم
وحفظه وتفاوت الاهتمام بفروعه مرتبط بذلك الأمر الفطري، ولذا فقد حفظت الأمة
في مجموعها ما تقوم به الشريعة في كافة فروع العلم المرتبطة بها؛ إلا أن هذا
(١) تاريخ أبي زرعة ص ٤١٢.
(٢) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ١٨٨/٢.

المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقْسِيرُ الْخَاتُور
٥ ٥٣٣
منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير
الحفظ تفاوت بسبب مقدار الحاجة إليه، ذلك أن كثيرًا مما يحتاج إليه المتأخرون
عن أزمنة الرواية ويرونه بالغ الأهمية لم تكن حاجة الناس إليه ماسة في أزمنة الرواية
الأولى؛ بل كان بعضه حاصلًا لديهم بالسليقة وبعضه حاصلًا بالاشتهار في واقعهم
وزمانهم لتلبسهم بشهوده ومشاهدته أو قربهم من زمان ومكان وقوعه، فأغناهم
حصوله وشهرته عن المبالغة في طلبه وتتبعه، والتدقيق في حفظه وضبطه كمبالغتهم
وتدقيقهم فيما تمس حاجتهم إليه؛ بل حاجة عموم المكلفين في جميع الأزمنة إلى
معرفته وتعلمه من أصول الدين وأصول الأحكام، فانصرفت كثير من الجهود في
الأزمنة الأولى إلى حفظ ما مسَّت الحاجة إلى روايته ونقله، واشتغل جُلُّ الثقات
وكبار الحفاظ بذلك، ولك أن تتأمل هذا في أبواب السير والمغازي والتفسير مثلًا،
وكيف أن كثيرًا من كبار المحدِّثين وأئمة الرواية انعدمت الرواية عنهم في هذه
الأبواب أو قلّت مقارنة بمروياتهم الكثيرة في أبواب أخرى.
فمن أمثلة ما أغنت شهرته وذيوعه عن التدقيق فيه والمبالغة في تمييز صوابه من
خطأه: المغازي والسِّيَر؛ فهي مع ما تحمله من عوامل الذيوع والانتشار في ذاتها
باعتبارها القصصي = فقد كانت موطنًا للفخر والاعتزاز، ينقلها العالم للجاهل
والصغير للكبير حتى بلغ الأمر أن قال علي بن الحسين: ((كنا نعلم مغازي
رسول الله ( 8* كما نعلم السورة من القرآن))(١).
وقال إسماعيل بن محمد بن سعد: ((كان أبي يعلمنا مغازي رسول الله وَالهل وسراياه
ويعدها علينا؛ ويقول: هذه مآثر آبائكم فلا تضيعوا ذكرها))(٢). وهو ما أدى إلى
انشغال جُلّ العلماء والحفاظ والرواة بالتدقيق في غيرها لندرة الخطأ المتوقع من
جانبها، وللقدرة على تمييزه بعد وقوعه لكثرة شيوعه واشتهاره.
ومن أمثلة ما كان حاصلًا عندهم بالسَّجِيّة والطبيعة فلم تكن الحاجة ماسة له ولم
يكن الخطأ مخوفًا من قبله: تفسير القرآن فيما كان بيانه حاصلًا بلغة العرب؛ لأن
الأصل أن القرآن مفهوم لهم بمجرد سماعهم له إلا ما كان فيه بيان خاص من
الشارع؛ وقد بَيَّنَ هذا البيهقي بقوله: ((وإنما تساهلوا في أخذ التفسير عنهم؛ لأن ما
فسروا به ألفاظه تشهد لهم به لغات العرب، وإنما عملهم في ذلك الجمع والتقريب
(١) المصدر السابق.
(٢) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ١٩٥/٢.

جهات النظر في التعامل مع الخبر
المدخل إلى مُؤَسُوعَة التَّفْسِيرُ الْحَانُور
٤ ٥٣٤ %=
فقط)) (١)، فالخطأ الواقع هنا مأمون جانبه؛ لأنه يظهر بطلانه وخطؤه للصغير والكبير
والعالم والجاهل.
وبناء على ذلك فمن تطلب في هذه الأبواب أعلى الأسانيد وأجودها، أو ابتغى
أن يكون معظم رواتها من حذاق الحفاظ وكبار الثقات كما هو الحال في العقائد
والأحكام فلن يرجع من ذلك بشيء؛ لأن تطلب مثل ذلك سعي وراء سراب،
وتسربل بالخيال، لا لشيء سوى أنه يجافي واقع العلوم وطبيعتها، ولا يراعي نشأتها
ومنبتها، ولا ينتبه لتطورها وسيرها، ولا يقف على الدوافع التي نشَّطت حركة الضبط
والرواية في بعضها، ولا الموانع التي منعت ذلك في بعضها، ولا يعترف بتعدد
معايير القبول والرد وتباينها بين كل هذه العلوم.
وأحسب أن عبارة الإمام أحمد المشهورة: ((ثلاثة ليس لها إسناد: التفسير،
والملاحم، والمغازي)) (٢) بحاجة في ضوء ما تقدم إلى النظر إليها من زاوية مختلفة؛
فقد غلب على كثير من الدراسات المعاصرة نقل الاختلاف فيها بين كونها مرادًا بها
المرفوع أو مرادًا بها كتب مخصوصة، كما اعتمدها البعض تكأة لقبول كل ما يروى
في التفسير والمغازي والملاحم دون تدقيق ونظر باعتبار أن كل ما فيها ضعيف؛
لكن البحث هنا يلفت النظر إلى أهمية فقه الغاية المقصودة من تلك العبارة وعدم
التوقف عند مجرد معناها .
وأحسب أن الغاية من تلك العبارة هي الإخبار عن واقع هذه العلوم وطبيعتها،
وأن لها نمطًا خاصًّا في التعامل معها يباين بقية المرويات، وأنه لا يمكن انفكاكها
عن هذا الواقع، ولا يمكن انفكاك التعامل معها تصحيحًا وتضعيفًا عن هذا الواقع،
وتأيَّد هذا عندي بالسياقات التي أورد ابن تيمية فيها تلك العبارة في مواطن مختلفة؛
فمن ذلك قوله: (( ... فالمقصود أن المنقولات التي يحتاج إليها في الدين قد
نصب الله الأدلة على بيان ما فيها من صحيح وغيره، ومعلوم أن المنقول في التفسير
أكثره كالمنقول في المغازي والملاحم؛ ولهذا قال الامام أحمد: ثلاثة أمور ليس لها
إسناد: التفسير والملاحم والمغازي. ويروى: ليس لها أصل؛ أي: إسناد؛ لأن
الغالب عليها المراسيل، مثل ما يذكره عروة بن الزبير والشعبي والزهري وموسى بن
(١) دلائل النبوة للبيهقي ١/ ٣٧.
(٢) رواه ابن عدي في الكامل ١١٩/١، وعنه الخطيب البغدادي في الجامع ١٦٢/٢، وفي رواية عنه:
((ثلاثة لا أصل لها)).

المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّفْسَّسَةُ المَاشُور
منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير
: ٥٣٥ %=
عقبة وابن إسحاق ومن بعدهم ... )) ثم تكلم عن المراسيل وحكمها وآليات
قبولها(١) .
وقال أيضًا: ((وأما أحاديث سبب النزول؛ فغالبها مرسل ليس بمسند، ولهذا قال
الإمام أحمد بن حنبل: ثلاث علوم لا إسناد لها - وفي لفظ: ليس لها أصل -:
التفسير، والمغازي، والملاحم؛ يعني: أن أحاديثها مرسلة، والمراسيل قد تنازع
الناس في قبولها وردها ... إلخ))(٢).
وقال أيضًا: ((وقال الإمام أحمد: ثلاث علوم ليس لها أصول: المغازي،
والملاحم، والتفسير. وفي لفظ: ليس لها أسانيد؛ ومعنى ذلك: أن الغالب عليها
أنها مرسلة ومنقطعة؛ فإذا كان الشيء مشهورًا عند أهل الفن قد تعددت طرقه فهذا
مما يرجع إليه أهل العلم بخلاف غيره))(٣)؛ وظاهر جدًّا من السياقات المختلفة التي
ساق ابن تيمية فيها تلك العبارة ربطه بينها وبين كون هذه العلوم أغلبها مراسيل؛
ولذا تكلم بعد إيرادها في كل المواطن عن المرسل وآليات قبوله، ثم بيَّن أن هذه
المرويات رغم انقطاعها إلا أنها اشتهرت عند المتخصصين وتعددت طرقها، مما
جعل أهل العلم يرجعون إليها ويدققون فيها .
وجلي إذًا أن فقه واقع الزمن الذي نشأت فيه الرواية، واشترطت في نقلها
الأسانيد له أثر كبير في معرفة أسس التعامل مع المرويات وفهم منهج المحدثين في
قبولها أو ردها؛ ذلك أن هذا المنهج انطلق أساسًا من هذا الواقع وراعى كل جزئياته
وكان من الأسس التي قام عليها والتي لا يمكن إهمالها مراعاة الواقع الزمني والواقع
الإنساني وميوله واحتياجاته ورغباته، ولم يحدث أبدًا نوع تصادم بين منهج المحدثين
وبين تلك المرويات في كافة فنون الشريعة.
(١) مجموع الفتاوى ٣٤٥/١٣ - ٣٤٦.
(٢) منهاج السُّنَّة ٧/ ٤٣٥.
(٣) تلخيص كتاب الاستغاثة ٧٦/١.

جهات النظر في التعامل مع الخبر
& ٥٣٦ :
فَوْسُوعَة التَّقْسِيَةُ المَاتُور
المدخل إلى
الفرع الثالث
الإسناد وشرط الصحة
لسنا هنا بحاجة إلى تكرير ما سبق ذكره والتأكيد عليه من كون الحكم بالصحة
الحديثية لا ينحصر في الإسناد ولا ينفصل عن الإسناد، وأن نظر الناقد يتجاوز
اتصال الإسناد إلى التثبت من عدم تطرق الخطأ للرواية؛ لأن المعيار الذي عليه
المدار غلبة الظن بصواب الرواية أو غلبة الظن بخطئها، وإنما المقصود هنا التنبيه
على ثلاثة أمور - وخاصة ثالثها - لها أهميتها البالغة في فهم منهج نقاد المحدثين في
إصدار الأحكام على أسانيد المرويات.
الأمر الأول: أن مصطلح الصحة يتنازعه مع المحدثين غيرهم كالفقهاء
والأصوليين، ولكن مفهوم الصحة عند الفريقين مختلف؛ فالمتنازع عليه المفهوم لا
المصطلح، وسيأتي بيان ذلك قريبًا .
الثاني: الاتصال شرط الصحة: المقصود بالصحة هنا الحكم على الرواية بصحة
ثبوتها عن قائلها، والمقصود بالاتصال اتصال الإسناد وخلوه من الانقطاع.
وقد اشترط النقاد شروطًا عليها مدار الحكم بالصحة منها اتصال الإسناد، ولذا لا
يطلق نقاد المحدثين وصف الصحة الإسنادية على الخبر الذي لم يتصل إسناده؛
لكون قيد ((اتصال السند)) أحد قيود الحكم بالصحة، فإذا اجتمعت شروط الصحة في
الرواية من عدالة الرواة وضبطهم واتصل سند الرواية وخلت من الشذوذ والعلة حكم
عليها بصحة ثبوتها عن قائلها .
الثالث: المنقطع الذي له حكم المتصل: وهو المقصود أساسًا هنا من هذه
الممهدات؛ ذلك أن من المنقطع ما له حكم المتصل، فإذا كان المعيار الذي عليه
المدار غلبة الظن بصحة الرواية أو غلبة الظن بخطئها أنتج ذلك أن الخطأ المخوف
من وقوعه في الرواية لا ينتفي دومًا باتصال الإسناد، ولا يثبت دومًا بانقطاعه، ولهذا
فإن النقاد قد يحكمون بضعف ما اتصل سنده، ويجعلون ما انقطع سنده في حكم
المتصل لاعتبارات وقرائن أوجبت عندهم ضعف المتصل وصحة المنقطع؛ لأن
المدار في الحكم على تحقق صحة النقل عن قائله أو خطئه لا على اتصال سنده.

المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقَنِيةُ المَاتُور
منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير
٥ ٥٣٧ ه ـ
فأما ما ردّه أهل العلم مع اتصال سنده؛ فذلك مرجعه إلى عدم اكتمال شروط
الصحة فيه، وهو أظهر من أن يمثّل عليه دفعًا للإطالة.
وأما ما جعل الأئمة له حكم المتصل مع انقطاع سنده فمرده إلى تثبت النقاد من
انتفاء الخطأ عن الرواية المنقطعة الإسناد، وأنه رغم انقطاعها إلا أنها احتفت بها
قرائن دفعت الخطأ المظنون من قبل انقطاع سندها كمعرفة الواسطة أو اختصاص
الراوي ... إلخ؛ فقد تخلّف عن الرواية المنقطعة وصفها بالصحة لتخلف شرط
الاتصال، ففارقت الصحيح من هذه الجهة واشتركت معه في انتفاء الخطأ عنها،
فجعل لها حكم المتصل من تلك الجهة.
قال أبو داود في رسالته: ((وإن من الأحاديث في كتابي السنن ما ليس بمتصل
وهو مرسل ومدلّس، وهو إذا لم توجد الصحاح عند عامة أهل الحديث على معنى
أنه متصل، وهو مثل الحسن عن جابر، والحسن عن أبي هريرة، والحكم عن
مقسم))(١). فقوله: ((على معنى أنه متصل)) صريح جدًّا في كون بعض المنقطعات
تُمْنَح حكم المتصل .
يقول د.إبراهيم اللاحم: ((الانقطاع ليس على درجة واحدة، بل هو متفاوت
جدًّا، فإذا عرف هذا لم يكن مستغربًا أن نجد في (الصحيح)) ما صورته الانقطاع
واحتف به ما يجعله في حكم المتصل))(٢).
وعلى هذا المسلك جرى النقاد في كثير من تطبيقاتهم مع المنقطعات التي يحتف
بها من القرائن ما يدفع الريبة والخطأ المخوف من قبل انقطاعها؛ فمن ذلك مثلًا:
رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، قال ابن تيمية: (( ... ويقال: إن أبا
عبيدة لم يسمع من أبيه؛ لكن هو عالم بحال أبيه متلق لآثاره من أكابر أصحاب أبيه
وهذه حال متكررة من عبد الله به فتكون مشهورة عند أصحابه فيكثر المتحدث
بها، ولم يكن في أصحاب عبد الله من يتهم عليه حتى يخاف أن يكون هو الواسطة،
فلهذا صار الناس يحتجون برواية ابنه عنه وإن قيل: إنه لم يسمع من أبيه))(٣).
وقال ابن رجب: ((قال يعقوب بن شيبة: إنما استجاز أصحابنا أن يدخلوا حديث
(١) رسالة أبي داود ص ٣٠.
(٢) الاتصال والانقطاع ص ٤٣٣.
(٣) مجموع الفتاوى ٦/ ٤٠٤.

جهات النظر في التعامل مع الخبر
فَوَسُوعُ التّفْسِيَةُ المَاتُور
المدخل إلى
٥٣٨ %
أبي عبيدة عن أبيه في المسند - يعني: في الحديث المتصل - لمعرفة أبي عبيدة
بحديث أبيه وصحتها وأنه لم يأت فيها بحديث منكر))(١).
وظاهر جدًّا من خلال كلامي ابن تيمية وابن رجب أثر القرائن المحتفّة بالخبر
المنقطع في رفعه إلى أن يكون في حكم المتصل؛ من نحو اختصاص الراوي بحديث
شيخ معين وإتقانه له، وشهرته بين تلاميذ الشيخ بإتقان روايته ... إلخ، بل بلغ الأمر
بقوة القرائن أن قال ابن تيمية في النقل السابق: ((فلهذا صار الناس يحتجون برواية
ابنه عنه وإن قيل: إنه لم يسمع من أبيه))(٢).
ومن ذلك أيضًا: رواية سعيد بن المسيب عن عمر (٣)؛ فقد قال الشافعي: ( ...
وإذا اتصل الحديث عن رسول الله وَ له وصح الإسناد به فهو سُنَّة، وليس المنقطع
بشيء ما عدا منقطع سعيد بن المسيب، قال أبو محمد ابن أبي حاتم تَّتُهُ: يعني ما
عدا منقطع سعيد بن المسيب أن يعتبر به))(٤)
وقال ابن أبي حاتم: ((سمعت أبي يقول: سعيد بن المسيب عن عمر مرسل،
يدخل في المسند على المجاز))(٥) .
وقال ابن عبد البر: ((ورواية سعيد بن المسيب عن عمر ... تجري مجرى المتصل
وجائز الاحتجاج بها عندهم)) (٦)، ومن ذلك أيضًا: رواية إبراهيم النخعي عن ابن
مسعود(٧) وغيرها .
(١) شرح علل الترمذي ١/ ٥٤٤.
(٢) مجموع الفتاوى ٦/ ٤٠٤.
(٣) ينظر مثلًا: التمهيد لابن عبد البر ٣٠/١، جامع التحصيل ١٨٤/١.
(٤) المراسيل لابن أبي حاتم ص٦.
(٥) المراسيل لابن أبي حاتم ص٧١.
(٦) التمهيد ١١٦/١٢.
(٧) ينظر مثلًا: الكامل لابن عدي ١٠٤/٤، التمهيد لابن عبد البر ٣٠/١، شرح علل الترمذي ٤٥٢/١.

المدخل إلى مَوْسُوعَة التَّفْسِيَةُ الْخَاتُور
منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير
٥٣٩ :
المبحث الثاني
جهة المعنى
دائرة قبول الخبر أوسع من دائرة الصحة الثبوتية بمفهوم المحدِّثين؛ فقد يقبل
المفسرون والفقهاء والأصوليون وغيرهم ما لم يقبله المحدثون، ويحكمون بصحة ما
ضعفه المحدثون، لكن مفهوم الصحة عندهم يباين مفهوم الصحة عند المحدثين؛
فصحة الخبر أو عدم صحته عند المحدثين دائرة على ثبوت الخبر عن قائله أو عدم
ثبوته، وأما صحته عند غيرهم فلا تنحصر في دائرة الثبوت بل ترتبط به وبغيره من
المعايير الأخرى بعد التثبت من صحة معنى الخبر وسلامة مضمونه. وبيان ذلك أن
زاوية النظر في المنهج الحديثي على ثبوت الخبر عن قائله بغض النظر عن صواب
قوله أو خطئه، فغاية ما يشتغل به الناقد بيان الثبوت أو عدم الثبوت، أما زاوية النظر
عند الفقهاء والمفسرين وغيرهم فلا تحصر القبول في الثبوت؛ بل تقبل الثابت وغيره
مما صح معناه وتحكم بصحته، بل وتحتج به بعد تحقق معايير القبول والاحتجاج
فيه .
واختلاط زاويتي الاشتغال عند الناظر يوقع في الإشكال واللبس فتختلط عليه
الأمور، وقد كان الأئمة على وعي بذلك ولم يجدوا غضاضة في قبول ما صح معناه
وإن كان في ثبوته نظر؛ لتباين الجهتين عندهم، جهة الثبوت، وجهة القبول
والاحتجاج.
فهذا الإمام الشافعي يقول: (( ... فاستدللنا بما وصفت مِنْ نقل عامة أهل
المغازي عن النبي وَ ل# أن: ((لا وصية لوارث)) على أن المواريث ناسخة للوصية
للوالدين والزوجة، مع الخبر المنقطع عن النبي، وإجماع العامة على القول به))(١).
وسئل الإمام أحمد بن حنبل عن دية المُعَاهَد؟ فقال: على النصف من دية
(١) الرسالة ص ١٣٧.

جهات النظر في التعامل مع الخبر
٥٤٠ ٥=
المدخل إلى مُؤَسُوعَة التَّقْسِيُ الخَاتُور
المسلم، أذهبُ إلى حديث عمرو بن شعيب. قيل له: تحتج بحديث عمرو بن شعيب
عن أبيه، عن جده؟ قال: ليس كلها. روى هذا فقهاء أهل المدينة قديمًا، ويُروى
عن عثمان رَّتُهُ))(١) .
وذكر ابن رجب كلام العلماء في الاحتجاج بالمرسل، ثم قال: ((واعلم أنه لا
تنافي بين كلام الحفاظ وكلام الفقهاء في هذا الباب؛ فإن الحفاظ إنما يريدون صحة
الحديث المعيّن إذا كان مرسلًا، وهو ليس بصحيح على طريقتهم؛ لانقطاعه وعدم
اتصال إسناده. وأما الفقهاء فمرادهم صحة ذلك المعنى الذي دلَّ عليه الحديث فإذا
عضد ذلك المرسل قرائن تدل على أنه له أصلًا قوي الظن بصحة ما دل عليه فاحتج
به مع ما احتف به من القرائن.
وهذا هو التحقيق في الاحتجاج بالمرسل عند الأئمة، كالشافعي وأحمد وغيرهما
مع أن في كلام الشافعي ما يقتضي صحة المرسل حينئذ))(٢).
ونقل ابن حجر عن ابن عبد البر حكمه على حديث بالصحة مع ظهور ضعف
إسناده ثم علق بقوله: ((حَكَمَ ابن عبد البر - مع ذلك - بصحته لتلقي العلماء له
بالقبول، فردّه من حيث الإسناد وقبله من حيث المعنى))(٣).
وقد ذكر السيوطي عن طائفة من العلماء أنه ((يحكم للحديث بالصحة إذا تلقاه
العلماء بالقبول وإن لم يكن له سند صحيح)) (٤).
يقول الشريف حاتم العوني: ((كان المحدِّثون يفرقون بين شروط قبول الحديث
النبوي وبين تحقق القبول سواء في الحديث النبوي أو في غيره من العلوم الشرعية.
ومن أمثلة ذلك :
أن الإمام الأوزاعي سئل عن المناولة - أن يناول الشيخ الطالب الكتاب - فقال:
أتدين بها ولا أحدث بها .
فانظر كيف فرَّق بين شروط القبول المطلوبة في الحديث وبين القبول. فقوله:
((أتدين بها))؛ يعني: أنه يقبلها ويحتج بها وإن كان لا يستجيز أن يروي بما أخذه
مناولة .
(١) أهل الملل والردة والزنادقة وتارك الصلاة والفرائض من كتاب الجامع للخلال ٣٨٧/٢ برقم (٨٦٧).
(٢) شرح علل الترمذي لابن رجب ١/ ٥٤٣.
(٣) التلخيص الحبير ١/ ٨.
(٤) البحر الذي زخر شرح ألفية الأثر ٣/ ١٢٨٠.