النص المفهرس
صفحات 481-500
مُؤْسُورَةُ التَّفْسِي المَاتُون المدخل إلى مستندات التفسير: تعريفها وتصنيفها ... & ٤٨١ %= العرب على المعاني القرآنية، وذلك منهم إجماع عملي، وقد سبقهم ((إجماع أصحاب رسول الله وَلّ على تفسير القرآن على شرائط اللغة))(١)، وقد أسند أبو عبيد القاسم بن سلام (ت: ٢٢٤هـ) عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس: ((أنه كان يسأل عن القرآن فينشد فيه الشعر)) (٢)، ثم قال: ((يعني أنه كان يستشهد به على التفسير))(٣)، ويشهد لهذا المعنى قول يوسف بن مهران(٤)، وسعيد بن جبير (ت: ٩٥هـ): ((كنا نسمع ابن عباس كثيرًا ما يسأل عن القرآن، فيقول: هو كذا أو كذا، ما سمعتم الشاعر يقول كذا وكذا؟))(٥)، وقال أبو عبيد (ت: ٢٢٤هـ) أيضًا: ((في حديث أبي وائل في قول الله رَى: ﴿أَفِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، قال: دلوكها : غروبها؛ وهو في كلام العرب: دلكت براح)) (٦)، ثم قال: ((وفي هذا الحديث حجة لمن ذهب بالقرآن إلى كلام العرب - إذا لم يكن فيه حلال ولا حرام(٧) -؛ ألا تراه يقول: وهو في كلام العرب دلكت براح))(٨) . ومن أمثلة استناد الأئمة الخمسة إلى اللغة ما ورد في قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَكَةَّ﴾ [النساء: ١٢]، حيث انتقد ابن عطية (ت: ٥٤١هـ) قول عطاء أن ((الكلالة)): المال. مستندًا إلى اللغة بقوله: ((الاشتقاق في معنى الكلالة يفسد تسمية المال بها))(٩). وفي قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ فَتَلَ مَعَهُ رِبِيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦] انتقد ابن تيمية (ت: ٧٢٨هـ) قول من قال أنهم: العلماء. من وجوه كثيرة؛ منها : أن استعمال لفظ الربي في هذا ليس معروفًا في اللغة، بل المعروف الجموع الكثيرة، = (١٠) وأن الربى منسوب إلى الرب بخلاف الرباني فهو منسوب إلى ربان السفينة (١) مقدمتان في علوم القرآن ص٢٠١، وقد حكى الإجماع فيه صاحب كتاب ((المباني لنظم المعاني)). (٢) فضائل القرآن ص ٢٠٥. (٣) المرجع السابق. (٤) يوسف بن مهران البصري، روى عن ابن عباس رضيًّا، ذكره ابن سعد (ت: ٢٣٠ هـ) في الطبقة الثانية من التابعين، ووثقه وأبو زرعة (ت: ٢٦٤هـ). ينظر: الطبقات الكبرى ١١٥/٧، والجرح والتعديل ٢٢٩/٩. (٥) الطبقات الكبرى (الجزء المتمم لطبقات الصحابة) ١٦٢/١، والجامع لأخلاق الراوي ٢٩٤/٢. (٦) غريب الحديث ٣٨٨/٢. (٧) مراده بذلك ما نقله الشرع من المعاني، وصارت له حقيقة شرعية، أو ما كان موضوعه إثبات حكم شرعي؛ فإن اللغة لا مدخل لها في ذلك بعد شهادتها بصحة لفظه وتركيبه على سنن كلام العرب. (٨) غريب الحديث ٣٨٨/٢. (٩) المحرر الوجيز ٤٨٦/٢. (١٠) تفسيره ١٥٤/٢ - ١٥٥. مستندات التفسير: تعريفها وتصنيفها ... المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقْسِيرُ الْخَاتُور ٥ ٤٨٢ : ٧ - أحوال النزول: والمراد بها: ما يحتف بنزول القرآن الكريم من هيئات وأوقات يتوصل بها إلى معرفة معانيه (١). ويشمل ذلك: زمن النزول ومكانه، وسبب النزول، وقصص الآي من أحوال وأخبار من نزل عليهم القرآن من العرب، ومن قبلهم من الأمم. ويشهد لصحة الاستناد إلى أحوال النزول في بيان معاني القرآن أن القرآن نزل على معهود العرب، ومجاري أحوالهم وعاداتهم وعلومهم، وهو ما أشار إليه الشاطبي (ت: ٧٩٠هـ) في حديثه عن أمية الشريعة (٢)، مستدلا له بنص الوحي في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِ اَلْأُمَّيِّئَنَ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢]، ومقتضى العقل؛ فلو لم يكن نزول القرآن على ما يعهدون لما كان عندهم معجزًا، ولكانوا يخرجون عن مقتضى التعجيز بقولهم: هذا على غير ما عهدنا، إذ ليس لنا عهد بمثل هذا الكلام؛ من جهة أنه ليس بمفهوم ولا معروف في أحوالنا. وبواقع الحال، وذلك ((أن العرب كان لها اعتناء بعلوم ذكرها الناس، وكان لعقلائهم اعتناء بمكارم الأخلاق، واتصاف بمحاسن شيم؛ فصححت الشريعة منها ما هو صحيح وزادت عليه، وأبطلت ما هو باطل، وبينت منافع ما ينفع من ذلك، ومضار ما يضر منه)(٣). ومن ثم يتقرر أنه: كما لا يصح فهم القرآن بغير لسان العرب، فكذلك لا يصح فهمه على غير معهود العرب ومجاري أحوالها . كما أن من القرآن ما لا يمكن فهمه على الصواب بغير معرفة أحوال من نزل فيهم؛ لأنه جار على عرفهم، قال الشاطبي (ت: ٧٩٠هـ): ((ما تقرر من أمية الشريعة، وأنها جارية على مذاهب العرب، ينبني عليه قواعد .. ، منها: أنه لا بد في فهم الشريعة من اتباع معهود الأميين؛ وهم: العرب الذين نزل القرآن بلسانهم، فإن كان للعرب في لسانهم عرف مستمر، فلا يصح العدول عنه في فهم الشريعة، وإن لم يكن ثم عرف، فلا يصح أن يجرى في فهمها على ما لا تعرفه))(٤). ومن هنا شرط العلماء العلم بأحوال النزول في العالم ومن أراد أن يتكلم في التفسير، فقال الشافعي (ت: ٢٠٤هـ): ((لا يحل لأحد يفتي في دين الله إلا رجلًا عارفًا بكتاب الله؛ (١) ينظر في استعمال هذا المصطلح: المحرر الوجيز ٤٠٢/١١، ٤١٧، وتفسير ابن كثير ٢٤٢/١٢، ١٤١/١٣. (٢) ينظر: الموافقات ١٠٩/٢ - ١٥٠. (٤) الموافقات ١٣١/٢. (٣) الموافقات ٢/ ١١٢. المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقْسِيُ المَاتُورُ مستندات التفسير: تعريفها وتصنيفها ... & ٤٨٣ :- بناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، وما أريد به، وفيما أنزل))(١)، وقال ابن فارس (ت: ٣٩٥هـ): ((وفي كتاب الله جلَّ ثناؤه ما لا يعلم معناه إلا بمعرفة قصته))(٢). والعقل يشهد بأن أحوال النزول خير ما يستعان بها على تعيين المراد من المعاني، قال الواحدي (ت: ٤٦٨هـ) عن أسباب النزول: ((هي أوفى ما يجب الوقوف عليها، وأولى ما تصرف العناية إليها، لامتناع معرفة تفصيل الآية، وقصد سبيلها، دون الوقوف على قصتها، وبيان نزولها))(٣)، وقال ابن دقيق العيد (ت: ٧٠٢هـ): (بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني الكتاب العزيز)) (٤)، وقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨هـ): ((معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية؛ فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب))(٥) . ومن أمثلة استناد الأئمة الخمسة إلى أحوال النزول في بيان القرآن قول ابن عطية (ت: ٥٤١هـ) - مستندًا إلى إجماع أهل التأويل، وقصة الآية -: ((وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ اُلْكِتَبِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ﴾ الآية [النساء: ٥١]، ظاهرها يعم اليهود والنصارى، ولكن أجمع المتأولون على أن المراد بها : طائفة من اليهود. والقصص يبين ذلك))(٦). وفي سورة آل عمران قال ابن كثير (ت: ٧٧٤هـ): ((هي مدنية؛ لأن صدرها إلى ثلاث وثمانين آية منها نزلت في وفد نجران، وكان قدومهم في سنة تسع من الهجرة))(٧). ٨ - الإسرائيليات: والمقصود بها: ما نقل عن كتب بني إسرائيل في أخبار أقوامهم، والأمم السابقة لأمة محمد ◌َّ، والمبدأ، والمعاد. ولا يخفى أن الاستدلال بأخبار بني إسرائيل هو من جنس الاستدلال بأخبار العرب وأحوالهم التي نزل فيها القرآن، ومن ثم فما ذكر في (قصص الآي) في (١) الفقيه والمتفقه ٣٣١/٢. (٢) الصاحبي ص ٤٢. (٣) أسباب نزول القرآن ص٩٦. (٤) البرهان في علوم القرآن ١/ ٢٢. وينظر: الإتقان ١٩٠/١. (٥) مجموع الفتاوى ٣٣٩/١٣. (٧) تفسير القرآن العظيم ٥/٣. (٦) المحرر الوجيز ٥٧٩/٢. المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقَنِيُ المَاتُور مستندات التفسير: تعريفها وتصنيفها ... ٥ ٤٨٤ : أحوال النزول: من صحة الاستدلال بها لتمام بيان المعنى، وتعيين المراد، وإزالة الشبه والإشكالات يقال مثله في الإسرائيليات، بل أكثر؛ وذلك لمزيد عناية الشريعة بهذا النوع من الأخبار، وقد تجلت تلك العناية في صور؛ منها : بيان الموقف العام من أقوالهم وأخبارهم، وقد جاء ذلك نصًّا في قوله تعالى: ﴿وَقُولُوَاْ ءَامَنَا بِالَّذِىّ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ، مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦]. ثم: الإذن لهذه الأمة في أن تحدث عن بني إسرائيل، وقد جاء ذلك صريحًا في قوله وَير: ((حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج))(١)، قال مالك بن أنس (ت: ١٧٩ هـ): ((المراد جواز التحدث عنهم بما كان من أمر حسن، أما ما علم كذبه فلا))(٢)، وقال الشافعي (ت: ٢٠٤هـ): ((المعنى: حدثوا عن بني إسرائيل بما لا تعلمون كذبه، وأما ما تجوزونه فلا حرج عليكم في التحدث به عنهم)) (٣). مع إرشاد الأمة إلى الموقف مما لا تعلم صدقه أو كذبه من أخبارهم، وذلك في قوله وقيل: ((ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله ورسوله. فإن كان باطلًا لم تصدقوه، وإن كان حقًّا لم تكذبوه)) (٤)؛ فأباح بذلك الانتفاع بهذا النوع من الأخبار على غير سبيل القطع والجزم. فكل هذا يدل على مزيد عناية الشريعة بهذا الباب من الأخبار؛ حيث أحاطت ما ينقل منها بضوابط تحفظ ما فيها من الحق، وتحتاط له، وتبطل ما فيها من الباطل، في غاية من العدل والإنصاف، مع الانتفاع بما لا يعلم كذبه منها . ومن أمثلة استناد الأئمة الخمسة إلى الإسرائيليات ما في قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلَّا لِبَنِىِّ إِسْرَّهِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَاءِيلُ عَلَى نَفْسِهِ، مِن قَبْلِ أَنْ تُغَزَّلَ التَّوْرَنَّةٌ﴾ [آل عمران: ٩٣]، حيث رجح ابن جرير (ت: ٣١٠هـ) وابن عطية (ت: ٥٤١هـ) أن ذلك تحريم إسرائيل العروق ولحوم الإبل على نفسه؛ استنادًا إلى الإسرائيليات، وتاريخ اليهود وواقعهم، فقال ابن جرير (ت: ٣١٠هـ): ((وأولى هذه الأقوال بالصواب، قول ابن عباس الذي رواه الأعمش، عن حبيب، عن سعيد عنه: أن ذلك: العروق ولحوم الإبل. (١) أخرجه البخاري في صحيحه ٤/ ١٧٠ (٣٤٦١). (٢) فتح الباري ٦/ ٥٧٥. (٣) المرجع السابق. وينظر: أحكام القرآن، لابن العربي ٣/ ٣٤٧. (٤) أخرجه أبو داود في سننه ٢٣٨/٤ (٣٦٤٤)، وعبد الرزاق في مصنفه ١١٠/٦ (١٠١٦٠)، وأحمد في مسنده ٤٦٠/٢٨ (١٧٢٢٥)، وإسناده حسن. وله شاهد مختصر عند البخاري في صحيحه ٦/ ٢٠ (٤٤٨٥). المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقْنَسِيرُ الْحَاتُوز مستندات التفسير: تعريفها وتصنيفها ... : ٤٨٥ % لأن اليهود مجمعة إلى اليوم على ذلك من تحريمها، كما كان عليه من ذلك أوائلها)»(١). ومثله قول ابن جرير (ت: ٣١٠هـ) في قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِيّ إِسْرَءِيلَ فِىِ اٌلْكِنَبِ لَنُفْسِدُنَّ فِ الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: ٤]: ((وأما إفسادهم في الأرض المرة الآخرة فلا اختلاف بين أهل العلم أنه كان قتلهم يحيى بن زكريا))(٢)، وهو ما أسنده قبل ذلك عن جماعة من السلف مما يأثرونه عن أهل الكتاب. ورجح ابن كثير (ت: ٧٧٤هـ) - مستندًا إلى الإسرائيليات - أن المائدة لم تنزل على من سألها مع عيسى غلَّلا، فقال: ((وقد يتقوى ذلك بأن خبر المائدة لا تعرفه النصارى، وليس هو في كتابهم، ولو كانت قد نزلت لكان ذلك مما تتوفر الدواعي على نقله، وكان يكون موجودًا في كتابهم متواترًا، ولا أقل من الآحاد))(٣). ٩ - النظائر: ويراد بها: حمل معنى الآية على نظيره؛ وهو معنى اللفظ الذي يشابهه ويماثله. وهذا نوع من الاستدلال وقياس المعاني على بعضها، وهو صحيح مقبول؛ فإن معاني الوحي كلها حق وصدق، وبعضها يصدق بعضًا ويشهد له، كما أن من معانيه ما يتكرر في غير ما موضع، بمعان متشابهة أحيانًا، وبمزيد تفصيل وبيان أحيانًا أخرى: ﴿ اَللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِنَبًا مُتَشَبِهَا مَّثَانِىَ﴾ [الزمر: ٢٣]، وهذا نوع من البيان يشتمله قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩]، وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، قال ابن جرير (ت: ٣١٠هـ): ((والمقول إذا خرج عن أن يكون أصلًا، أو نظيرًا لأصل فيما تنازعت فيه الأمة كان واضحًا فساده))(٤). كما أن حمل النظير على النظير، والجمع بين المتماثلات، والتفريق بين المختلفات مما تقتضيه العقول السليمة، والفطر المستقيمة. وقد ظهر اعتماد السلف على هذا النوع من البيان لكتاب الله كثيرًا، ومنه قول قتادة (ت: ١١٧ هـ): (﴿وَلَهُ اٌلِيْنُ وَاصِبًا﴾ [النحل: ٥٢]، قال: دائمًا؛ ألا ترى أنه يقول: ﴿عَذَابٌ وَاصِبُ﴾ [الصافات: ٩]؛ أي: دائم))(٥)، وقول ابن زيد (ت: ١٨٢ هـ) في قوله: (١) ينظر: جامع البيان ٥٨٦/٥، والمحرر الوجيز ٢٨٦/٢. (٢) ينظر: جامع البيان ١٤ / ٤٦٩. (٣) تفسير القرآن العظيم ٤٢٣/٥ - ٤٢٤. (٤) جامع البيان ٨٦/٩. (٥) جامع البيان ٢٤٨/١٤. مستندات التفسير: تعريفها وتصنيفها ... & ٤٨٦ المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقْنِسَةُ المَاتُورُ ﴿لِنَقْرَأَهُ, عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ١٠٦] قال: ((التفسير الذي قال الله: ﴿وَرَقِّلِ الْقُرْءَانَ تَرْبِيلًا﴾ [المزمل: ٤] تفسيره)(١). ومن أمثلته عند الأئمة الخمسة قول ابن عطية (ت: ٥٤١هـ) موجهًا بعض المعاني - مستندًا إلى النظائر -: ((وقوله تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٠] على هذا التأويل معناه: سيحملون عقاب ما بخلوا به. فهو من الطاقة؛ كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وليس من التطويق))(٢). ورجح ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) عموم قوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]؛ مستندًا إلى النظائر، فقال: ((والصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة كل قرن بحسبه، وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله وَّة، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًّا﴾؛ أي: خيارًا. ﴿لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣])(٢). ١٠ - السياق: وهو مجموع المعنى المتصل بالآية مما قبلها وبعدها (سباق الآية ولحاقها). والأخذ به لازم، ودلالته معتبرة، ولا يصح الخروج عنه إلا بمقتضى دليل، إذ به يتبين مراد المتكلم، وتكشف مشكلات المعاني، قال ابن جرير (ت: ٣١٠هـ): ((غير جائز صرف الكلام عما هو في سياقه إلى غيره، إلا بحجة يجب التسليم لها؛ من دلالة ظاهر التنزيل، أو خبر عن الرسول تقوم به حجة، فأما الدعاوى فلا تتعذر على أحد))(٤)، وقال ابن دقيق العيد (ت: ٧٠٢هـ): ((يجب اعتبار ما دلَّ عليه السياق والقرائن؛ لأن بذلك يتبين مقصود الكلام))(٥)، وقال ابن القيم (ت: ٧٥١هـ): ((السياق يرشد إلى تبيين المجمل وتعيين المحتمل والقطع بعدم احتمال غير المراد .. ، وهو من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم، فمن أهمله غلط في نظيره، وغالط في (١) جامع البيان ١٥/ ١١٧. (٢) المحرر الوجيز ٤٣١/٢. (٣) تفسير القرآن العظيم ١٤٢/٣. (٤) جامع البيان ٧/ ٦٧٥. (٥) البحر المحيط في الأصول ٢/ ٣٦٧، وينظر: سلاسل الذهب ص٢٧١. المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّفْسِيُ المَاتُور مستندات التفسير: تعريفها وتصنيفها ... = ٥ ٤٨٧ : مناظرته))(١)، وقال الشاطبي (ت: ٧٩٠هـ): ((كلام العرب على الإطلاق لا بد فيه من اعتبار معنى المساق))(٢)، وقال: ((فلا محيص للمتفهم عن ردِّ آخر الكلام على أوله، وأوله على آخره، وإذ ذاك يحصل مقصود الشارع في فهم المكلف، فإن فرق النظر في أجزاءه؛ فلا يتوصل به إلى مراده، فلا يصح الاقتصار في النظر على بعض أجزاء الكلام دون بعض)) (٣). ومن شواهد الاعتماد على السياق في التفسير النبوي قول أم مبشر ينًا: ((سمعت النبي ◌َّ يقول عند حفصة: ((لا يدخل النار - إن شاء الله - من أصحاب الشجرة أحد من الذين بايعوا تحتها))، فقالت حفصة: بلى يا رسول الله. فانتهرها، فقالت: ألم ج يقل الله: ﴿وَإِن مِّنَكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]؟ فقال النبيِ وَّ: ((وقد قال: ﴿ثُمَّ ◌ُنَجِّى الَّذِينَ أَتَّقَواْ وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيَهَا حِيًّا﴾ [مريم: ٧٢]))(٤). ومن أمثلته عند الأئمة الخمسة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ اُلْمُؤْمِنِينَ مَقَعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: ١٢١]، حيث رجح ابن جرير (ت: ٣١٠هـ)، وابن عطية (ت: ٥٤١هـ)، وابن كثير (ت: ٧٧٤هـ)، قول من قال: هو يوم أحد. لدلالة السياق، فقال ابن جرير (ت: ٣١٠هـ): ((لأن الله رَّ يقول في الآية التي بعدها: ﴿إِذْ هَمَّت طَآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: ١٢٢]، ولا خلاف بين أهل التأويل أنه عنى بالطائفتين بني سلمة وبني حارثة، ولا خلاف بين أهل السير والمعرفة بمغازي رسول الله وَ لّ أن الذي ذكر الله من أمرهما إنما كان يوم أُحد دون يوم الأحزاب))(٥). كما رجح ابن جرير (ت: ٣١٠هـ) أن المقصود بـ ((الخبيث)) في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبَيْثَ مِنَ الطَّيِّبُّ﴾ [آل عمران: ١٧٩]: المنافق. والمعنى: حتى يميز المنافقين من المؤمنين بالمحن والاختبار، كما ميَّز بينهم يوم أحد عند لقاء العدو؛ معللًا ذلك بأن: ((الآيات قبلها في ذكر المنافقين، وهذه في سياقتها، فكونها بأن تكون فيهم أشبه منها بأن تكون في غيرهم)) (٦). (١) بدائع الفوائد ٩/٤. وينظر: الإمام في بيان أدلة الأحكام، للعز بن عبد السلام ص١٥٩، والبرهان في علوم القرآن ٢١٨/٢، ٣٠٤/٣، والبحر المحيط في الأصول ٢/ ٣٦٧. (٢) الموافقات ٤١٩/٣. (٣) المرجع السابق ٢٦٦/٤. (٤) أخرجه مسلم في صحيحه ٦/ ٤٧ (٢٤٩٦). (٥) ينظر: جامع البيان ٦/ ٧، والمحرر الوجيز ٣٣٨/٢، وتفسير القرآن العظيم ١٦٩/٣. (٦) جامع البيان ٦/ ٢٦٢ - ٢٦٤. مستندات التفسير: تعريفها وتصنيفها ... ٥ ٤٨٨ فَوْسُكَبِ التَّقْسِيَةُ المَاتُور المدخل إلى ١١ - الدلالات العقلية: وهي جملة المعارف الفطرية، والعلوم الضرورية، التي تقضي بتصحيح بعض المعاني القرآنية أو إبطالها؛ ومنها دلالة الواقع المحسوس، والعادة الجارية، والجمع بين المتماثلات، والتفريق بين المختلفات، ونحو ذلك مما تقتضيه غريزة العقل . واعتبار هذا الوجه مستندًا في بيان المعاني القرآنية راجع إلى اعتباره كذلك في سائر العلوم والمعارف، وعند عامة العلماء والعقلاء، وذلك أن الله تعالى أنزل كتابه فرقانًا بين الحق والباطل: ﴿تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١](١)، وأنزله بالحق والميزان: ﴿اللَّهُ الَّذِىّ أَنزَلَ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ وَاُلْمِيزَانَ﴾ [الشورى: ١٧]، وبعث بهما جميع رسله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِنَبَ وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]؛ فالكتاب هو: القرآن الكريم؛ المشتمل على الحق، والصدق، واليقين، بأحسن المسائل، وأوضح الدلائل. والميزان هو: العدل، والاعتبار، والأمثال المضروبة، والقياس الصحيح، والعقل الرجيح(٢)، ((وكل الدلائل العقلية؛ من الآيات الآفاقية والنفسية، والاعتبارات الشرعية، والمناسبات والعلل، والأحكام والحكم داخلة في الميزان الذي أنزله الله تعالى، ووضعه بين عباده)(٣)، قال ابن جرير (ت: ٣١٠هـ): ((كل معلوم للخلق من أمر الدين والدنيا لا يخرج من أحد معنيين: من أن يكون إما معلومًا لهم بإدراك حواسهم إياه، وإما معلومًا لهم بالاستدلال عليه بما أدركته حواسهم)) (٤)، وقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨هـ): ((العلم إما نقل مصدق، وإما استدلال محقق))(٥)، وقال: ((العلم إما نقل مصدق عن معصوم، وإما قول عليه دليل معلوم، وما سوى هذا فإما مزيف مردود، وإما موقوف لا يعلم أنه بهرج ولا منقود)) (٦)، وقال ابن العربي (ت: ٥٤٣هـ): ((الأدلة على قسمين: عقلية، وسمعية)) (٧) . (١) ينظر: جامع البيان ١٧/ ٣٩٤. (٢) ينظر: جامع البيان ٤٨٩/٢٠، والرد على المنطقيين ٣٣٣/١، ٣٨٣، وإعلام الموقعين ٢٥٠/٢. (٣) تيسير الكريم الرحمن ٦٠٦/٢. وينظر: مختصر الفتاوى المصرية ص٥٣١. (٤) التبصير في معالم الدين ص١١٣. (٥) مجموع الفتاوى ٣٤٤/١٣. (٦) مجموع الفتاوى ٣٢٩/١٣. (٧) قانون التأويل ص ٢١٠. وينظر: مجموع الفتاوى ١٣٧/١٣ - ١٣٨، والموافقات ٢٢٧/٣. مستندات التفسير: تعريفها وتصنيفها ... المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّفْسِيُ المَاتُور ٥ ٤٨٩ : وقد أشار قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِنَبَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] إلى أن الرسل جاءت باعتبار هذا النوع من الدلالات الموصلة إلى الحق، وأرشدت إليه، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨هـ): ((إن الرسل دلت الناس وأرشدتهم إلى ما به يعرفون العدل، ويعرفون الأقيسة العقلية الصحيحة، التي يستدل بها على المطالب الدينية، فليست العلوم النبوية مقصورةً على مجرد الخبر، كما يظن ذلك من يظنه من أهل الكلام، ويجعلون ما يعلم بالعقل قسيمًا للعلوم النبوية، بل الرسل - صلوات الله عليهم - بيّنت العلوم العقلية التي بها يتم دين الناس علمًا وعملًا .. ، والقرآن والحديث مملوء من هذا؛ يبين الله الحقائق بالمقاييس العقلية، والأمثال المضروبة، ويبين طرق التسوية بين المتماثلين، والفرق بين المختلفين، وينكر على من يخرج عن ذلك))(١). ومن ثم فالدليل العقلي دليل شرعي صحيح مأذون فيه، وليس بخارج عن الشرع، ولا يقابل الدليل الشرعي، وإنما الذي يقابله الدليل غير الشرعي، أو الدليل البدعي. ولذلك لا يصح شرعًا ولا عقلًا ولا واقعًا أن يشهد العقل بما يبطل الشرع أو يخالفه، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨هـ): ((وإذا تبين أن الكتاب والميزان منزلان فلا يجوز أن يتناقض الكتاب والميزان؛ فلا تتناقض دلالة النصوص الصحيحة، والأقيسة الصحيحة، ولا دلالة النص الصحيح، والقياس الصحيح، وإنما يكون التناقض بين الحق الصحيح، والباطل الذي ليس بصحيح، فأما الصحيح الذي كله حق فلا يتناقض؛ بل يصدق بعضه بعضًا))(٢)، وقال أيضًا: ((ولا يجوز قط أن الأدلة الصحيحة النقلية تخالف الأدلة الصحيحة العقلية))(٣). وفي تفسير النبي ◌َّ ما يشير إلى الاستدلال بهذا النوع من الدلالات؛ فعن ابن عباس ◌َّهَا قال: ((لما نزلت ﴿وَأَلَّذِينَ يَكْفِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلٍ اللَّهِ فَبَشِّرُهُم بِعَذَابٍ أَلِيمِ﴾ [التوبة: ٣٤] كبر ذلك على المسلمين، فقال عمر نَظ ◌ُله : أنا أفرج عنكم. فانطلق، فقال: يا نبي الله إنه كبر على أصحابك هذه الآية. فقال رسول الله وَله: ((إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها أموالكم، وإنما فرض (١) الرد على المنطقيين ٣٨٢/١. وينظر: مجموع الفتاوى ٢٠٦/١٣. (٢) جامع المسائل، لابن تيمية، المجموعة الثانية، تحقيق: محمد عزير شمس ص٢٧٢. (٣) الرد على المنطقيين ٣٧٣/١. وينظر: مجموع الفتاوى ١٤٧/١٣. المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّفْسِيُ المَاتُونْ مستندات التفسير: تعريفها وتصنيفها ... ٥ ٤٩٠ ٥ المواريث لتكون لمن بعدكم))، فكبر عمر بنظُبه))(١)، وهنا يبرز الاستدلال العقلي على المعاني؛ فإن المواريث فرضت في مال يبقى، وكذا الزكاة بعض من مال موجود، فلو كان الكنز المذموم مطلق جمع المال لما كان لتشريع الزكاة وفرائض المواريث معنىّ. ومن شواهد الاستناد إلى الدلالات العقلية عند الأئمة الخمسة، ما ورد في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَذُ وُجُوَةٌ فَأَمَّا الَّذِينَ أُسْوَدَتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُ بَعْدَ إِيَمَنِكُمْ﴾. [آل عمران: ١٠٦]، حيث رجح ابن جرير (ت: ٣١٠هـ) أن المعني بهذا: عموم الكفار، وأن الإيمان المنسوب إليهم في الآية هو: العهد الذي أخذه الله منهم وهم في صلب أبيهم آدم. فقال: ((وذلك أن الله جلَّ ثناؤه جعل جميع أهل الآخرة فريقين: أحدهما سودًا وجوهه، والآخر بيضًا وجوهه، فمعلوم إذ لم يكن هنالك إلا هذان الفريقان أن جميع الكفار داخلون في فريق من سود وجهه، وأن جميع المؤمنين داخلون في فريق من بيض وجهه، فلا وجه إذًا لقول قائل عنى بقوله: ﴿أَكَفَرْتُ بَعْدَ إِيَمَنِكُمْ﴾ بعض الكفار دون بعض، وقد عمَّ الله جلَّ ثناؤه الخبر عنهم جميعهم، وإذا دخل جميعهم في ذلك ثم لم يكن لجميعهم حالة آمنوا فيها، ثم ارتدوا كافرين بعد إلا حالة واحدة، كان معلومًا أنها المرادة بذلك))(٢)، وبنحوه قال ابن كثير (ت: ٧٧٤هـ)(٣). وقال ابن عطية (ت: ٥٤١هـ) منتقدًا بعض الأقوال: ((وفي هذا القول نظر؛ لأن التحكم فيه باد))(٤). ورجح ابن عطية (ت: ٥٤١هـ) في قوله تعالى: ﴿وَسَبْحْ بِالْعَشِّ وَالْإِنْكَرِ﴾ [آل عمران: ٤١] أن الأمر بالتسبيح: ((معناه: قل: سبحان الله، وقال قوم: معناه: صل. والقول الأول أصوب؛ لأنه يناسب الذكر، ويستغرب مع امتناع الكلام مع الناس)) (٥). (١) أخرجه أبو داود في السنن ١٢٦/٢ (١٦٦٤)، وأحمد في فضائل الصحابة ٣٧٤/١ (٥٦٠)، وأبو يعلى في المسند ٣٧٨/٤ (٢٤٩٩)، والبيهقي في السنن ٨٣/٤ (٧٠٢٧)، وهو حديث حسن لغيره؛ تنظر شواهده في مسند أحمد ٢٧٨/٥ (٢٢٤٤٦)، وجامع الترمذي ٢٧٧/٥ (٣٠٩٤)، وسنن ابن ماجه ٥٩٦/١ (١٨٥٦)، والكافي الشاف، لابن حجر ٢٥٨/٢، وتفسير ابن كثير ١٨٥/٧. (٢) جامع البيان ٦٦٦/٥. (٣) تفسير القرآن العظيم ٢/ ٩٢. (٤) المحرر الوجيز ٦٠/٢. (٥) المحرر الوجيز ٢١٦/٢. المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقَسِيرُ الْخَاتُور مستندات التفسير: تعريفها وتصنيفها ... ٤٩١ ٥ = ويمكن تصنيف هذه المستندات بحسب مصدرها إلى قسمين: الأول: المستندات النقلية؛ وتشمل : القرآن الكريم، والقراءات، والسُّنَّة النبوية، والإجماع، وأقوال السلف، ولغة العرب، وأحوال النزول، والإسرائيليات. الثاني: المستندات العقلية؛ وتشمل : النظائر، والسياق، والدلالات العقلية. مستندات التفسير: تعريفها وتصنيفها ... ٤٩٢ ٥ المدخل إلى فوْسُوعَةِ التَّقْسِيرُ الْخَاشُورِ ثالثًا الأصول العامة في تعامل الأئمة مع مستندات التفسير يقوم تعامل الأئمة الخمسة (ابن جرير، وابن عطية، وابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير) مع مستندات التفسير على جملة أصول، يمكن إجمالها فيما يأتي: الأول: أن جميع هذه المستندات عندهم أصول معتبرة، يصح الاستناد إليها، والتعويل عليها في قبول المعاني، وردها، والترجيح بينها، وشواهد هذا من استشهاداتهم على المعاني واستدلالهم بها أكثر من أن تحصر، كما هو ظاهر في الأمثلة السابقة في أنواع المستندات. والتفاوت الحاصل بين هؤلاء الأئمة في الإكثار من استعمال بعض هذه المستندات أو الإقلال من بعضها الآخر لا يخرجها عن أن تكون معولا يستدل به ويعتمد عليه عندهم، وإنما مرد ذلك إلى تفاوت القدرة العلمية، والقوة العقلية، واختلاف مقامات التأليف والفتيا، والقصد إلى التفسير أو الاقتصار على الترجيح مع ما تيسر من الأدلة، ونحو ذلك من الأحوال والمقامات التي تعرض للمفسر منهم (١). الثاني: كل قول في التفسير لا يستند إلى أحد هذه المستندات فهو باطل مردود، وذلك فرع عن اعتمادها والاستناد إليها دون غيرها، فلا حجة صحيحةً في غيرها، ومن شواهد ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنٌ﴾ [الأنعام: ١٥١]، حيث رجح ابن جرير (ت: ٣١٠هـ) وابن عطية (ت: ٥٤١هـ) العموم، وقال ابن جرير (ت: ٣١٠هـ): ((أن دليل الظاهر من التنزيل على النهي عن ظاهر كل فاحشة وباطنها، ولا خبر يقطع العذر بأنه عني به بعض دون جميع، وغير جائز إحالة ظاهر (١) يشار هنا إلى ما في تفسير ابن كثير (ت: ٧٧٤هـ) من اضطراب في تعامله مع الإسرائيليات خصوصًا؛ حيث يرد عددًا من الأقوال لمجرد أنها مروية عن بني إسرائيل، بل لاحتمال كونها مرويةً عنهم ٣٤٣/٦، ٤٨٤، ١٠/ ٣٠١، ٤١٣، مع نصّه على صحة الرواية عنهم فيما يجوزه العقل ١٠/١، ٤١١/٩، ١٨٠/١٣، بل واستدلاله الصريح بها ١٨٨/٩ - ١٨٩، ٢٣٢، ٤٥٢/١٠، ٢٣/١٢. المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقَنَِّيةُ الْخَاتُور مستندات التفسير: تعريفها وتصنيفها ... ٥ ٤٩٣ ٥ كتاب الله إلى باطن إلا بحجة يجب التسليم لها))(١)، ووافقه ابن عطية (ت: ٥٤١هـ) فذكر أن هذا التخصيص ((لا تقوم عليه حجة، بل هو دعوى مجردة))(٢). وقال ابن جرير (ت: ٣١٠هـ) في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ، لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]: ((والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله عنى بذلك: ما ذبح للأصنام والآلهة، وما مات أو ذبحه من لا تحل ذبيحته .. ، وأما من قال: عنى بذلك ما ذبحه المسلم فنسي ذكر اسم الله. فقول بعيد من الصواب؛ لشذوذه وخروجه عما عليه الحجة مجمعة من تحليله، وكفى بذلك شاهدًا على فساده))(٣). الثالث: لا فرق بين المستندات النقلية والعقلية في استعمال الأئمة الخمسة، ولا يتقدم أحدها على الآخر بهذا الاعتبار؛ إذ كلاهما دليل شرعي معتبر، ومن شواهد ذلك قول ابن جرير (ت: ٣١٠هـ): ((وإذا تنوزع في تأويل الكلام، كان أولى معانيه به أغلبه على الظاهر، إلا أن يكون من العقل أو الخبر دليل واضح على أنه معني به غير ذلك)) (٤). وقال ابن عطية (ت: ٥٤١هـ) عن قول: ((وهذا قول لا يستند إلى خبر ولا إلى نظر))(٥). وقال ابن كثير (ت: ٧٧٤هـ) في بعض الأقوال: ((وهذا قول غريب جدًّا، لا دليل عليه لا من عقل، ولا من نقل)) (٦). الرابع: التفاوت بين المستندات في التقديم والاعتبار عند الأئمة الخمسة يقع من جهة قوة المستند في نفسه، وصراحته في الدلالة، ومن ذلك تقديم بعض المستندات لكثرة أدلتها، كما في قول ابن جرير (ت: ٣١٠هـ) عند قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِى اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيَمَنِهِمْ﴾ [آل عمران: ٨٦]: ((وأشبه القولين بظاهر التنزيل ما قال الحسن، من أن هذه الآية معني بها أهل الكتاب على ما قال، غير أن الأخبار بالقول الآخر أكثر، والقائلين به أعلم بتأويل القرآن)»(٧)، وكما في ترجيحه بكثرة الرواة للخبر في قوله: ((وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصواب؛ لتظاهر الأخبار عن رسول الله وَلٍ))(٨)، وقال ابن عطية (ت: ٥٤١هـ) مرجحًا بكثرة القائلين: ((والذي عليه الناس أقوى مما ذكره ابن إسحاق)) (٩)، وقال ابن كثير (ت: ٧٧٤هـ): ((وقد ذهب أكثر (١) جامع البيان ٩/ ٦٥٩. (٣) جامع البيان ٥٢٩/٩. (٥) المحرر الوجيز ٤٤٤/٣. (٧) جامع البيان ٥ / ٥٦١. (٩) المحرر الوجيز ١/ ٤٢٧. (٢) المحرر الوجيز ٤٩١/٣. (٤) جامع البيان ٦٧٨/٩. (٦) تفسير القرآن العظيم ١٧٥/٥. (٨) جامع البيان ٨/ ١٢١. مستندات التفسير: تعريفها وتصنيفها ... & ٤٩٤ ٥ المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّفْسَِّةُ الجَاتُور العلماء إلى أن الرمي أفضل من ركوب الخيل، وذهب الإمام مالك إلى أن الركوب أفضل من الرمي، وقول الجمهور أقوى للحديث)) (١). (١) تفسير القرآن العظيم ٤ / ٧٢. ٥ ٤٩٥ ٥ منهج المحدّثين في نقد مرويات التفسير إعداد د. محمد صالح محمد سليمان فَوَسُوعَة التَّقْسِيُ الخَاتُور المدخل إلى & ٤٩٧ :- منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير المقدمة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد : فَتَتَباين كثير من الآراء المعاصرة في قضية نقد مرويات التفسير والمغازي بين من يرى التساهل في التعامل معها، ومن يرى التشدد في ذلك؛ ويحشد كل فريق لتقرير رأيه من آراء النقاد وتطبيقاتهم ما يقوي قوله، بلا تحرير في الغالب لمعنى التشدد أو التساهل، وبلا بيان في الغالب لدرجات ومناطات التشدد أو التساهل. بل وصل الأمر عند البعض إلى تصوير القضية بأن فيها منهجين متغايرين؛ منهج يعتمد التشدد في التعامل مع المرويات وهو منهج المحدِّثين بحسب تصورهم، ومنهج يعتمد التساهل مع المرويات وهو منهج المفسرين بحسب تصورهم، وتلا ذلك تطبيقات عملية منطلقة من المنهج الذي يعتقد كلُّ فريق من المعاصرين صحته، من مثل تجريد كتب التفسير وغيرها من الآثار الضعيفة وإخراج صحيح التفسير، وتناول أسانيد كتب التفسير وغيرها بالحكم على كل إسناد من أسانيدها وبيان اتصاله أو انقطاعه، أو من دعوات معاكسة ترى ضرورة التساهل مع تلك المرويات وإغضاء الطرف عنها . والبحث إذ يشير لهذا التباين وذلك الاختلاف بين بعض المعاصرين = يقرر كذلك أن ليس ثمة اختلاف في تلك القضية، وأن بعض صور الاختلاف المدَّعى فيها بين بعض المعاصرين لم تؤثر على ذات القضية، ولم يكن له واقع لا في تنظيرات السابقين ولا تطبيقاتهم، وأن منشأ الاختلاف الجديد فيها راجع إلى إشكالات متعددة؛ من أبرزها: عدم استحضار الصورة الكاملة لمنهج المحدثين في التعامل مع كافة المرويات، والاكتفاء بالنظر إلى بعض جزئياته دون بعض، وتعميم بعض إطلاقات الأئمة في بعض الرواة أو المرويات على كافتها، وتقزيم المنهج الممتد الأرجاء في الدراسة الظاهرية للإسناد، وقلة الخبرة بمسالك النقاد ونفوذ بصائرهم إلى الدقائق والخفايا . والبحث إذ يعالج تلك القضية؛ فمن الضروري بيانه أن بعض منطلقاته خارجة عن منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير : ٤٩٨ %= المدخل إلى مُؤَسُوعَة التَّفْسِيرُ الْحَاتُور حدود ذلك الاختلاف، وأن محاكمة تلك المنطلقات لذلك الاختلاف المُحْدَث خروج به عن مساره وعدول به عن هدفه. ذلك أن البحث وإن كان المقصود منه منذ البداية بيان منهجية التعامل مع مرويات التفسير، وبهذا التوجه بدأ؛ فإنه كشف عن أن منهج المحدثين في التعامل مع كافة المرويات منهج واحد لا تختلف كلياته الكبرى ومحاوره الكلية، ولكن تختلف آلياته وإجراءاته ومستويات تطبيقه وتنزيله من علم إلى علم؛ وهذا الاختلاف في مستويات التطبيق والتنزيل هو أمارة دقة المنهج وتكامله، وإن الزعم بأنه منهج واحد حتى في مستويات التنزيل والتطبيق والآليات والإجراءات زعم باطل؛ إذ فيه عدول تام عن المنهج، وغفلة تامة عن تمام إدراكه، وقصور ضخم في تصوره بَلْه تطبيقه وإعماله، ولذا سيكون مثار تعجب البعض أثناء تناول قضية ثبوت الأخبار خاصة = أن مرويات التفسير لم يكن لها - من وجهة نظرهم - ذلك البروز الذي يتناسب مع كون البحث منعقد لأجلها، وأن البحث يغرِّد بعيدًا عنها، وحقيقة الأمر بخلاف ذلك؛ وإنما مرد ذلك إلى أن فقه منهج ثبوت الأخبار هو الأصل والميزان الذي مَنْ ضَبَطَهُ ضبط كل ما تحته من قضايا ومسائل؛ ذلك أن من المشكلات البحثية الكبرى أن يسلط نظر البحث على جزئيات المسائل ويغفل بحث الكليات الكبرى والأطر المفصلية التي تقوم الجزئيات لخدمتها وتحقيقها . إن منهج المحدّثين منهج متكامل؛ وليس من الصواب ادعاء الانفصام بينه وبين المرويات المتعلقة بالتفسير والمغازي والفضائل وخروجها عن إطاره وشروطه، وليس من الصواب كذلك إجراؤه على نمط واحد مع كافة المرويات المرتبطة به والداخلة تحت نطاقه، وتعميم إطلاقات نُقَّاده وأحكامهم على كافة المرويات دون التنبه المواطن تلك الإطلاقات وسياقاتها، ولا لكيفيات تنزيلها؛ ذلك أن حال الناقد البصير بالمنهج مع الرواية كحال الطبيب الحاذق الذي يختلف توصيفه للمرض الواحد باختلاف الأشخاص واختلاف البلدان واختلاف الأحوال، واختلاف درجة المرض قوة وضعفًا؛ بل ربما اختلاف التوصيف للشخص الواحد من وقت إلى وقت ومن حال إلى حال؛ وإنما الصواب في ذلك كله إعماله وفق منهجيته الدقيقة التي تنساب مع كل رواية بحسبها وتتعامل معها بميزان دقيق يناسبها . وقد تأملت تلك القضية فظهر لي أن معاقد الخطأ في تناولها راجعة إلى عدة أمور؛ أهمها : المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّفْسِيرُ الْحَاتُور منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير =& ٤٩٩ = ١ - عدم مراعاة منهج المحدِّثين بصورته الكاملة، التي كان من نتائجها : أ - تحويل القضية من ساحة المنهج المتكامل في التعامل مع المرويات إلى ساحة الدراسة الظاهرية للإسناد وحصر القضية فيها . ب - تصوير قضية منهج التعامل مع أسانيد التفسير بأن فيها منهجًا للمحدِّثين يختلف تمامًا عن منهج المفسرين، وذلك عارٍ تمامًا من الصواب؛ بل كبار المفسرين الذين صنفوا في التفسير - وعلى مصنفاتهم المعول في معظم مرويات التفسير كابن جرير وابن أبي حاتم - لم يخالفوا منهج المحدثين في أسسه وكلياته، وفي فهمه وتطبيقاته في مصنفاتهم التفسيرية . ج - عدم مراعاة الظروف المحتفة بنشأة الإسناد وأثرها في تفاوت درجات الإسناد بالنسبة للمرويات، وأثر ذلك التفاوت على التعامل معها . د - عدم مراعاة الانفكاك بين مقام ثبوت الرواية عن قائلها ومقام مضمون الرواية. ٢ - عدم التنبه لغرض المصنفين من إيراد المرويات الضعيفة. ولذا؛ فعلى المتصدي لنقد الأخبار أو تحقيق الكتب مراعاة تلك الأشياء مجتمعة، والنظر إلى تلك الجوانب مكتملة حتى تتحقق له الفائدة المرجوّة من عمله. وبمقدار النقص في النظر لتلك الجوانب تكون صورة المنهج النقدي مشوّشة وغير مكتملة وينعكس ما فيها من خداج على التطبيقات العملية. وقد أراد البحث تسليط النظر على تلك الجوانب مكتملة؛ فجاءت خطته مقسّمة على مقدمة وفصلين : الفصل الأول: جهات النظر في التعامل مع الخبر؛ ويتضمن ثلاثة مباحث: المبحث الأول: جهة الثبوت. المبحث الثاني: جهة المعنى. المبحث الثالث: جهة أغراض المصنفين . الفصل الثاني: مرويات التفسير: المحددات والقرائن وتطبيقات المحررين؛ وفيه ثلاثة مباحث : المبحث الأول: المحددات العامة للتعامل مع مرويات التفسير. المبحث الثاني: القرائن المختصة بمرويات التفسير وأثرها . المبحث الثالث: تطبيقات المنهج عند المفسرين المحررين.