النص المفهرس

صفحات 341-360

،فَوْسُكَبْ التَّفْسِمُ الْجَاتُور
المدخل إلى
٥ ٣٤١
مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
رابعًا
الربيع بن أنس (ت: ١٣٩هـ)(١)
الربيع بن أنس بن زياد البكري البصري ثم الخراساني المروزي، من بكر بن وائل
من أنفسهم، وكان من أهل البصرة، ثم نزل مرو هاربًا من الحجاج، فمكث فيها إلى
أن ظهرت دعوة بني العباس، فطلب فاختفى، ثم سجنه أبو مسلم الخراساني تسعة
أعوام، حتى مات في سجنه ـ فيما ذُكر -، وذلك في خلافة أبي جعفر المنصور عام
١٣٩ هـ، وقيل: عام ١٤٠ هـ.
سمع: أنس بن مالك، وقال ابن سعد: لقي ابن عمر، وجابرًا صَّه.
كما أخذ عن أبي العالية الرياحي، وأكثر عنه، حتى كان راويته الذي روى أغلب
علمه وحفظه لمن بعده، وتقدم في ترجمة أبي العالية أن علمه ذهب لعدم وجود من
يروي عنه، إلا ما رواه الربيع.
كذلك أخذ عن الحسن البصري، وفي ذلك يقول: ((اختلفت إلى الحسن عشر
سنين - أو ما شاء الله من ذلك - فليس من يوم إلا وأنا أسمع منه شيئًا لم أسمعه قبل
ذلك)) (٢) .
روى عن الربيع: سليمان التيمي، والأعمش - وهما من أقرانه -، وليث بن أَبي
سليم، ومقاتل بن حيان، والحسين بن واقد، وسفيان الثوري، وأبو جعفر الرازي،
وعبد الله بن المبارك، وآخرون.
وكان عالم مرو في زمانه.
مكانته في التفسير وآثاره:
قال عنه ابن خلفون: ((كان عالمًا بتفسير القرآن)»(٣). وقال الذهبي: ((روی كثيرًا
(١) تنظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد ٧/ ٣٧٠، الجرح والتعديل ٤٢/٣، تهذيب الكمال ٩/
٦١، إكمال تهذيب الكمال ٣٢٩/٤، تاريخ الإسلام ٦٤٦/٣، سير أعلام النبلاء ١٧٠/٦.
(٢) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٤٢/٣.
(٣) إكمال تهذيب الكمال ٣٢٩/٤.

مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
٥ ٣٤٢ :
المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقْسِيُ المَاتُورُ
من التفسير والمقاطيع))(١).
وقد أخذ التفسير عن أبي العالية فأكثر عنه كما تقدم، وروى أغلب تفسير أبي
العالية، لكن الملاحظ أن كثيرًا من تفسيره الاجتهادي يكاد يطابق تفسير أبي العالية،
فتجد الطبري - مثلاً - يرويه بسنده إلى الربيع موقوفًا عليه، بينما يرويها ابن أبي حاتم
عن الربيع عن أبي العالية (٢). مما جعل البعض يكاد يجزم بأن جميعه عن أبي العالية
وليس للربيع فيه إلا الرواية والنقل دون الدراية والاجتهاد، ومن هنا عدَّ الربيع من
الرواة وليس من المفسرين(٣)، لكن يبقى الأمر على ظاهره، والأصل أن القول
يُنسب إلى قائله، حتى يصرِّح بأنه يرويه عن غيره، والعمل على ذلك عند كبار نقَلَة
التفسير المأثور كابن جرير الطبري؛ الذي نسب أغلب تلك الآثار إلى الربيع (٤)،
وعلى القول أنها لأبي العالية فطالما أنه تبنى تلك الآراء فهي من قوله أيضًا وتُنسب
إليه. وقد حاول الثعلبي عند ذكر مصادر تفسيره التخلص من هذا الإشكال فنسب
النسخة التفسيرية التي يرجع إليها من تفسيريهما إليهما معًا فقال: ((تفسير أبي العالية
والربيع)) ثم ساق سنده إلى أبي جعفر الرازي عن الربيع عن أبي العالية (٥).
وقد سارت الموسوعة على نسبة التفسير إلى الربيع كما هي في المصادر، فبلغت
آثار تفسيره الاجتهادية (٨٧٨) أثرًا (٦)، وهو عدد لا بأس به لكنه لا يرقى لأن يكون
في الطبقات الأُوَل من مفسري السلف، مع أن الربيع طال به العمر ونزل في بيئة بِكْر
يستطيع أن يبث بها علمه ويكثر، وهي مدينة مرو بخراسان، فما الأسباب التي أدت
إلى ذلك؟!
لعل من أبرز أسباب قلة تفسير الربيع بن أنس ما يلي:
(١) تاريخ الإسلام ٦٤٦/٣.
(٢) ينظر - على سبيل المثال -: تفسير الآيات ٢٦ - ٣٣ من سورة البقرة في الموسوعة.
(٣) ينظر: تفسير التابعين ٤٤٤/١ - ٤٤٦.
(٤) يلاحظ أن ابن أبي حاتم الذي يروي تلك الآثار عن أبي العالية كثيرًا ما يثني بتلك الروايات عن الربيع
معلقة، مما يدل على أنه يرى أيضًا نسبة الأثر إلى الربيع.
(٥) ينظر: تفسير الثعلبي، ط. دار التفسير ٨٥/٢ - ٨٨.
(٦) يلاحظ أن أغلبها في الربع الأول من القرآن لا سيما في سورة البقرة، ولعل سبب ذلك هو أن ابن أبي
حاتم يروي أغلب تلك الآثار عن أبي العالية، ثم يعلق نحوها عن الربيع، وقد ذكر في مقدمته أن كل ما
يعلقه عن الربيع في سورة البقرة فهي مسندة بسنده الذي ذكره في المقدمة. ينظر: تفسير ابن أبي حاتم ١/
١٥، وبهذا الصنيع روى عن أبي العالية والسُّدي ومقاتل بن حيان.

المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقْسِِّيُ الْخَاتُور
مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
٥ ٣٤٣ %=
١ - كثرة اشتغاله بالرواية عن شيخه أبي العالية، بل اعتماده عليه في أغلب
تفسيره، مما يدل على أن الربيع لم يجتهد كثيرًا في التفسير، وهو سبب كافٍ لأن
يقل نتاجه التفسيري .
٢ - حصول بعض الفتن له: حيث غادر البصرة إلى خراسان هربًا من الحجاج،
ولبث عدد سنين هناك، ثم سجن آخر حياته، قال أبو داود: ((سجن بمرو ثلاثين
سنة)). قال الذهبي معقبًا على ذلك: ((سجنه أبو مسلم تسعة أعوام، وتحيل ابن
المبارك حتى دخل إليه، فسمع منه))(١)، وكون ابن المبارك لم يتمكن من الأخذ عنه
إلا بالحيلة يدل على أنه انقطع تمامًا عن طلبة العلم وعن بثِّ علمه.
٣ - عدم وجود رواة اختصوا بنقل آثاره وروايتها، إلا ما كان من أبي جعفر
الرازي(٢) الذي نقل تفسيره وتفسير شيخه أبي العالية، ويكاد أغلب ما وجد من
تفسيريهما منقول من طريق نسخته(٣).
(١) سير أعلام النبلاء ٦/ ١٧٠.
(٢) أبو جعفر الرازي: عيسى بن ماهان التيمي، مولاهم، مشهور بكنيته. من كبار أتباع التابعين، أصله من
مرو، من قرية يقال لها برز، وهي القرية التي نزلها الربيع بن أنس أولًا، وبها سمع أبو جعفر من الربيع بن
أنس، ثم تحول أبو جعفر بعد ذلك إلى الري، فمات بها في حدود عام ١٦٠هـ، وكان يقدم بغداد والكوفة
للحج فيسمعون منه، وهو صدوق سيئ الحفظ .
ينظر: طبقات ابن سعد ٧/ ٣٨٠، التقريب (٨٠٧٧).
(٣) تنظر أسانيد هذه النسخة عند: الطبري وابن أبي حاتم والثعلبي في كتاب أسانيد نسخ التفسير
ص ١١٠ - ١١٢.

مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
: ٣٤٤ :
فَوْسُوعَة التَّقْسِيَةُ المَاتُور
المدخل إلى
خامسًا
محمد بن السائب الكلبي (ت: ١٤٦هـ) (١)
محمد بن السائب الكلبي، أبو النضر الكوفي الأخباري، مولده بالكوفة، وكذلك
وفاته عام ١٤٦ هـ.
روى عن أبي صالح باذام، والشعبي وغيرهما، وعنه ابنه هشام صاحب النسب،
ومحمد بن إسحاق، ومعمر بن راشد، وسفيان الثوري، وأبو بكر بن عياش، وابن
المبارك، وسفيان بن عيينة، وغيرهم.
وهو متهم بالكذب عند المحدثين، يروي المناكير، قال الذهبي: ((أجمعوا على
تركه، واتهم بالأخوين: الكذب والرفض)) (٢). بل نُسب إلى السبئية، وهم من غلاة
الشيعة الذين يعتقدون برجعة علي بن أبي طالب ظُه، وحُكي عنه أقوال تدل على
ذلك(٣)، ويبدو أنه لم يُظهر ذلك المعتقد فيما رواه أئمة نَقَلة التفسير من تفسيره
الاجتهادي ولم يؤثر فيه، بل نُقل عنه ما يخالف ذلك (٤).
مكانته في التفسير وموقف المفسرين منه:
الكلبي من أئمة التفسير روايةً ودرايةً، أثنى على تفسيره بعض معاصريه ومن
بعدهم، قال ابن عدي عنه: ((حدَّث عنه ثقات من الناس ورضوه في التفسير، وأما
الحديث ففيه مناكير)» (٥)، وقال الذهبي: ((وهو آية في التفسير واسع العلم على
ضعفه))(٦). لكن اتقى أهلُ العلم تفسيرَه، خصوصًا ما يرويه، فهو ذاهب الحديث كما
(١) ينظر في ترجمته: الكامل في الضعفاء ٢٨٤/٧، تاريخ الإسلام ٤٤٨/١٤، تفسير أتباع التابعين
ص٤٦ - ٦١.
(٢) تاريخ الإسلام ١٤/ ٤٤٨، العبر ٣٨/١.
(٤) ينظر : تفسير أتباع التابعين، ص ٤٧.
(٥) الكامل في ضعفاء الرجال ٢٨٤/٧، تهذيب الكمال ٢٥١/٢٥.
(٦) تاريخ الإسلام ١٤ / ٤٤٨.
(٣) ينظر: تاريخ الإسلام ١٤/ ٤٤٨.

فَوْسُ عَبْ التَّفْسِيَةُ المَاتُوز
المدخل إلى
مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
=
: ٣٤٥ %
تقدم، وروايته لتفسير ابن عباس عن أبي صالح باذام من أضعف طرق تفسير ابن
عباس(١).
وقد ذُكر له مصنفات في التفسير وعلومه(٢)، أشهرها كتاب التفسير الذي أثبته له
أغلب مَن ترجمه، وأفاد منه الكثير من المفسرين، ووُصف بأنه كبير؛ فَسَّر جميع
القرآن، قال إبراهيم الحربي: ((تفسير الكلبي مثل تفسير مقاتل سواء))(٣)، وقال ابن
عدي: ((ليس لأحد تفسير أطول ولا أشبع منه))(٤)، قال الذهبي مُعقّبًا على ذلك:
((يعني من الذين فسَّروا القرآن في المائة الثانية، ومن الذين ليس في تفسيرهم سوى
قولهم)) (٥)، كما وُصف بأنه يفسر السورة من أولها إلى آخرها (٦).
أما موقف أئمة نقلة التفسير المأثور من تفسير الكلبي (٧) فإن أغلبهم اتقى تفسيره
على تفاوت بينهم في ذلك، فاتقاه بالكلية ابن أبي حاتم، واتقى أكثره ابن جرير
الطبري (ت: ٣١٠هـ) الذي لم يرو عنه إلا مواضع قليلة، أبهم بعضها.
وأكثر المتقدمين إيرادًا لتفسيره يحيى بن سلّام (ت: ٢٠٠هـ)، وعبد الرزاق الصنعاني
(ت: ٢١١هـ)، وأكثر من أورد تفسيره روايةً ودرايةً من المصادر التي بين أيدينا الثعلبيُّ
(ت: ٤٢٧هـ) في تفسيره ((الكشف والبيان))، وقد أورد سنده إليه في مقدمته (٨).
عدد آثاره في الموسوعة:
مما سبق يتبين أنه لا ينبغي اطراح تفسير الكلبي بالكلية، بل يروى تفسيره
الاجتهادي وآراؤه في التفسير، وينتقى منها، ويؤخذ بها إذا كانت معتمدةً على اللغة
ولم تتضمن ما يُنكر، ولا يضر كونه ضعيفًا في الرواية متهمًا بالكذب، إذ المنقول
(١) خصوصًا إذا روى عنه محمد بن مروان السُّدي الصغير، حتى عُرفت بسلسلة الكذب. ينظر: العجاب
في بيان الأسباب ٢٦٣/١، الإتقان ٢٣٤٢/٦. وقد روي عن سفيان الثوري أنه قال: ((قال لنا الكلبي: ما
حدثت عني عن أبي صالح عن ابن عباس فهو كذب فلا ترووه)). الجرح والتعديل ٧/ ٢٧٠.
(٢) ينظر: تفسير أتباع التابعين، ص٤٩.
(٣) تهذيب الكمال ٢٨/ ٤٤٢.
(٤) الكامل في الضعفاء؛ تحقيق: سهيل زكار ويحيى غزَّاوي ١٦/ ١٢٠.
(٥) تاريخ الإسلام ١٤ / ٤٤٨.
(٦) الجرح والتعديل ٧/ ٢٧٠.
(٧) ينظر ذلك بالتفصيل: تفسير أتباع التابعين ص٥١ - ٥٤.
(٨) ينظر: مقدمة الكشف والبيان، تحقيق: د.خالد بن عون العنزي ص ٣٠.

المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّفْسِيُ المَاتُون
مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
٣٤٦ %
هو قوله واجتهاده لا قول غيره، وأغلب ما رواه أساطين أئمة التفسير المسندين عنه
هو من هذا الباب(١)، قال يحيى بن سعيد القطان (ت: ١٩٨هـ): ((تساهلوا في التفسير عن
قوم لا يوثقونهم في الحديث))، ثم ذكر ليث بن أبي سليم، وجويبر بن سعيد،
والضحاك، ومحمد بن السائب، وقال: ((هؤلاء لا يُحمد حديثهم، ويكتب التفسير
(٢)
عنهم))(٢).
وقد نهضت موسوعة التفسير المأثور بجمعه من خلال تتبع تفسيره الاجتهادي
والنقلي من الكتب المسندة المطبوعة، فبلغ تفسيره الاجتهادي فيها (٩٠٥) آثار، وهو
عدد قليل نسبيًّا إذا قورن بما وُصف به تفسير الكلبي، من كونه كاملًا يفسر جميع
السور، ولعل من أبرز أسباب ذلك:
١ - ما اشتهر عنه من فساد في المعتقد.
٢ - تحذير أهل العلم منه.
٣ - عدم وصول مؤلفاته إلينا .
٤ - عدم اعتناء أعلام نقلة التفسير بنقل تفسيره.
٥ - روايته تفسير ابن عباس من طريق شيخه أبي صالح واختلاط ذلك بتفسيره.
(١) ينظر مناقشة ذلك في: تفسير أتباع التابعين، ص٥٨ - ٦١.
(٢) ينظر: دلائل النبوة للبيهقي ٣٥/١ - ٣٧، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي،
برقم (١٥٨٨).

المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقَنِيُ المَاشُور
مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
: ٣٤٧ .
سادسًا
مقاتل بن حيان (ت: ١٥٠هـ)(١)
مقاتل بن حيان، أبو بسطام البلخي النبطي الخراز، مولى بكر بن وائل.
روى عن سعيد بن المسيب، ومجاهد، والضحاك بن مزاحم، وعكرمة، والحسن
البصري، وقتادة، وغيرهم. وعنه عبد الله بن المبارك، وبكير بن معروف،
وإبراهيم بن أدهم، وأبو عصمة نوح بن أبي مريم، وغيرهم.
وقد كان من العلماء الثقات العاملين، ذا نسك وفضل، صاحب سُنَّة، قال عنه
الذهبي: ((الإمام العالم المحدث، الثقة))(٢). هرب من خراسان أيام أبي مسلم
الخراساني إلى بلاد كابل، فدعاهم إلى الله، فأسلم على يده خلق. توفي في حدود
الخمسين ومئة .
مكانته في التفسير وآثاره:
كان تَخْدَتُهُ مُحدِّثا مفسرًا، واشتهر بالتفسير حتى كان يطلق عليه البعض عند ذكره:
صاحب التفسير(٣)، وقال ابن حبان: ((كان ممن عنى بعلم القرآن))(٤).
أخذ التفسير عن كبار مفسري التابعين، فقد روى الطبري بسنده عن الشافعي،
قال: ((أخبرنا أبو سعيد بن معاذ بن موسى الجعفري، عن بكير بن معروف، عن
مقاتل بن حيان، قال بكير: قال مقاتل: ((أخذت هذا التفسير عن مجاهد والحسن
والضحاك في قول الله: ﴿أَثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] .. إلخ)) (٥).
(١) تنظر ترجمته في: مشاهير علماء الأمصار ١٩٥/٢، تهذيب الكمال ٤٣١/٢٨، سير أعلام النبلاء ٦/
٣٤٠، تهذيب التهذيب ٢٤٨/١٠، تفسير أتباع التابعين، ص٨٨ - ٩٣.
(٢) سير أعلام النبلاء ٣٤٠/٦.
(٣) ينظر - مثلًا -: قول الخطيب البغدادي عنه عند ترجمة أخيه يزيد: تاريخ بغداد ١٤/ ٣٣٢.
(٤) مشاهير علماء الأمصار ١٩٥/٢.
(٥) تفسير الطبري ٩/ ٩٢.

المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقَنَّةُ الْخَاتُور
مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
٥ ٣٤٨ :-
وقد نقل تفسيره تلميذه بكير بن معروف (ت: ١٦٣هـ) (١)، وأورد الثعلبي إسناده إليه في
مقدمة تفسيره (٢)، مما يُثبت وجود كتاب تفسير مستقل له؛ لكنه لم يصلنا(٣).
ونظرًا لما اشتُهر به مقاتل من علم التفسير؛ إضافة لما عُرف عنه من العلم والعمل
والصدق والصلاح والفضل مع توثيق أغلب المحدثين له فقد اعتنى المفسرون
المتقدمون والمتأخرون بتفسيره، وكان ابن أبي حاتم من أكثرهم عنايةً بنقله، وبهذا
حفظ لمن بعده تفسير مقاتل بن حيان (٤).
وقد أحصيت تفسيره المباشر في الموسوعة فبلغ (٦٠١) تقريبًا، وهو عدد جيد
نسبيًّا، لكن لا يرقى لبلوغ المراتب المتقدمة، ولذلك أسباب لعل من أبرزها ما يلي:
١ - عدم وصوله كتاب تفسيره إلينا .
٢ - عدم اعتناء أكثر أئمة نقلة التفسير بنقل تفسيره كثيرًا - سوى ابن أبي حاتم -،
خصوصًا الطبري الذي لم يورد له إلا بضعة آثار(٥).
٣ - أن كثيرًا من تفسير ابن أبي حاتم - الذي حفظ أغلب تفسير مقاتل - مفقود.
٤ - قِلَّة تلاميذه، حيث يكاد جميع تفسيره يُروى من طريق تلميذه بكير بن معروف
(ت: ١٦٣ هـ) .
(١) بكير بن معروف البلخي الأزدي، ويقال: الدامغاني، كان على قضاء نيسابور، ثم سكن دمشق، قال
عنه ابن حجر: صدوق فيه لين. توفي عام ١٦٣هـ. ينظر: تهذيب الكمال ٢٥٢/٤، تقريب التهذيب
(٧٧٦) .
(٢) ينظر: مقدمة الكشف والبيان عن تفسير آي القرآن، لأبي إسحاق الثعلبي، تحقيق: د.خالد بن عون
العنزي ص٦٩.
(٣) ينظر: تفسير أتباع التابعين ص ٩٠.
(٤) وأغلب ما أورد ابن كثير في تفسيره، والسيوطي في الدر المنثور، من تفسير مقاتل بن حيان كان من
رواية ابن أبي حاتم.
(٥) ينظر: تفسير أتباع التابعين ص ٩١ - ٩٢ للوقوف على مدى اعتناء نقلة التفسير المأثور بتفسيره.

مُؤْسُعَبْ التَّفْسِيَِّةُ الْخَاتُور
المدخل إلى
مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
: ٣٤٩ :
سابعًا
محمد بن إسحاق (ت: ١٥٣هـ)(١)
محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار، أبو بكر - وقيل: أبو عبد الله - المطلبي،
مولى قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف ربه، كان جده يسار من سبي عين
التمر .
ولد عام ٨٠هـ، ورحل إلى كثير من البلاد، كالكوفة، والري، ومصر، وبغداد
التي أقام بها آخر حياته حتى توفي عام ١٥١هـ، وقيل: ١٥٢ هـ، وقيل: ١٥٣هـ (٢).
حدَّث عن كثير من التابعين، منهم: أبان بن عثمان، وسعيد المقبري،
وعبد الرحمن بن هرمز، والزهري، وعمرو بن شعيب، وأبي جعفر الباقر،
ومكحول، ومحمد بن المنكدر، وغيرهم. وحدّث عنه يحيى بن سعيد الأنصاري،
وابن جريج، وشعبة بن الحجاج، والسفيانان، والحمادان، وغيرهم(٣)، وله مكانة
عظيمة عند أهل الحديث، نظرًا لسعة روايته وكثرة مَنْ روى عنه، حتى قال عنه شيخه
الزهري (ت: ١٢٤هـ): ((لا يزال بالمدينة علم ما بقي هذا))(٤). قال عنه الذهبي: «هو أوَّل
من دوَّن العلم بالمدينة، وذلك قبل مالك وذَوِيه، وكان في العلم بحرًا عجاجًا))(٥).
وقد كان واسع العلم، متفننًا، لا سيَّما في السِّيَر والمغازي، فهو أول من
جمعها(٦)، وقال الشافعي: ((من أراد أن يتبحر في المغازي، فهو عيال على محمد بن
إسحاق)) (٧)، ومن أشهر مصنفاته كتابه (المغازي) الذي جعله في ثلاثة أقسام:
(١) تنظر ترجمته في: طبقات ابن سعد ٣٢١/٧ - ٣٢٢، تاريخ بغداد ٢٣١/١، سير أعلام النبلاء ٣٤/٦،
تهذيب التهذيب ٣٨/٩ - ٤٦، تفسير أتباع التابعين ص١٠٩ - ١٢١.
(٢) سير أعلام النبلاء ٤٢/٧. وقد اعتمدت الموسوعة وفاته عام ١٥٣هـ.
(٣) تاريخ بغداد ٢٣١/١، سير أعلام النبلاء ٣٤/٦.
(٤) الجرح والتعديل ٧/ ١٩١.
(٦) المرجع السابق ٣٦/٧.
(٧) المرجع السابق ٧/ ٣٦.
(٥) سير أعلام النبلاء ٣٦/٧.

مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
المدخل إلى ضُوَسُوعَة التَّفْسِيُ المَاتُوز
: ٣٥٠ %
المبتدأ، والمبعث، والمغازي، وقد هذّبه عبد الملك بن هشام (ت: ٢١٨هـ) (١) في كتابه
الذي اشتهر بـ((سيرة ابن هشام)).
أما منزلته في الرواية فقد تضاربت أقوال أهل العلم في توثيقه، فمنهم من وثّقه
وحسَّن حديثه، ومنهم من ضعَّفه، قال الذهبي بعد ذكر من جرَّحه: ((وقد أمسك عن
الاحتجاج بروايات ابن إسحاق غير واحد من العلماء لأشياء، منها: تشيُّعه، ونُسِب
إلى القَدَر، ويُدلِّس في حديثه، فأما الصدق، فليس بمدفوع عنه))(٢).
: مكانته في التفسير وآثاره وموقف المفسرين منه (٣):
لم أقف في ترجمة ابن إسحاق على أنه تصدّر للتفسير أو صنَّف فيه، وإنما عُرف
عنه الرواية في الحديث، والتوسع في القصص والأخبار والسيرة، أما ما نُقل عنه من
تفسير فمما فسّره من الآيات المتعلقة بالقصص والمغازي والسيرة في كتابه عن
السيرة، حيث كان يعقب سرد أحداث السيرة بتفسير الآيات المتعلقة بها ويربطها
بمعاني القرآن روايةً ودرايةً، ومن ثم كان أغلب آثار تفسيره تدور حول الآيات
المتعلقة بالمبدأ والسيرة والمغازي وقصص القرآن - ومن ضمنها الإسرائيليات التي
أخذت مساحة واسعة من مرويات تفسيره -، أما ما سوى ذلك فقليل جدًّا(٤).
وقد أورد الثعلبي كتابه ((المغازي)) ضمن مصادره في التفسير(٥)، كما نقل آثاره في
التفسير كثيرٌ من أئمة المفسرين، كابن جرير الطبري، وابن المنذر، وابن أبي حاتم،
ومن المتأخرين ابن كثير، والسيوطي في الدر المنثور، رواية، ودراية (٦).
وقد بلغت آثار تفسيره الاجتهادي في الموسوعة (٨٠٦) آثار كلها - إلا ما ندر -
في الموضوعات السابقة.
(١) عبد الملك بن هشام بن أيوب، أبو محمد الذهلي، وقيل: الحميري، النحوي، الأخباري، البصري
نزيل مصر، قال الذهبي: ((هذّب السيرة النبوية، وسمعها من زياد البكائي صاحب ابن إسحاق))، توفي عام
٢١٨ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٠/ ٤٢٨.
(٢) سير أعلام النبلاء ٣٩/٧.
(٣) ينظر: تفسير أتباع التابعين ص ١١٢ - ١١٤.
(٤) وهو يُعنى عند تفسير تلك الآيات بأسباب النزول، وتعيين من نزلت فيهم الآيات عناية بالغة، نظرًا
لأهميتها في السيرة، إضافة إلى بيان الغريب عند توضيح معنى تلك الآيات. ينظر تفصيل ذلك في: تفسير
أتباع التابعين ص١١٦ - ١٢١.
(٥) ينظر: مقدمة الكشف والبيان عن تفسير القرآن ص١٤٥ - ١٤٩.
(٦) ينظر: تفسير أتباع التابعين ص ١١٢ - ١١٤.

مُوسُعَبْ التَّفْسِيَةُ الْحَاتُوز
المدخل إلى
مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
٥ ٣٥١ %
ولعل أبرز أسباب عدم بلوغه المرتبة المتقدمة في التفسير ما يلي:
١ - أنه لم يتصدر للتفسير، ولم يرد ذلك عنه عند مترجميه.
٢ - أنه لم يصنّف في التفسير، إلا ما جاء في مغازيه.
٣ - أنه لم يفسِّر القرآن كاملًا(١).
٤ - انشغاله بالرواية في التفسير - وفي غيره - أكثر من الاجتهاد.
(١) ينظر: تفسير أتباع التابعين ص١١٤. وفيه بعد ذكر ما سبق: ((وعليه فإن الحكم بأنه من المفسرين فيه
تجوّز، وإنما اندرج ضمن مفسري أتباع التابعين لأن أئمة المفسرين نقلوا ما جاء في سيرته من الآيات التي
فسَّرها، والمرويات التي لها علاقة بتلك الآيات، والأقرب أن يوصف بأنه مشارك في التفسير)).

مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
٥٣٥٢
فَوْسُوعَةُ التَّقْسِي الْخَاتُور
المدخل إلى
خاتمة الفصل الأول
لعله يحسن أن نختم هذا الفصل بجدول يوضح الترتيب العددي للمكثرين في
التفسير من السلف بحسب إحصاء آثارهم في الموسوعة، مع تفصيل عن آثار كل
منهم في كل ربع من القرآن:
المفسر
الفاتحة -
الأنعام
الأعراف -
الكهف
مريم -
فاطر
يس =
الناس
المجموع
طبقات
المكثرين
١
مقاتل بن سليمان
٢٤٠٠
٢٦٨٣
٢٣٦٨
٢٧٧٧
١٠٢٢٨
٢
عبد الله بن عباس
٢٥٥١
٢٠٩١
١٧٤٠
٢٥٤٠
٨٩٢٢
٣
قتادة بن دعامة
١٤١٩
١٣١٩
١٣٥٩
١٦٢٩
٥٧٢٦
٤
الحسن البصري
١٠٧٣
٨١٦
٧٦١
٥٢٨
٣١٧٨
٧
عبد الرحمن بن زيد
٦٢٦
٥٢٠
٣٥٢
٢٩٨
١٧٣٥
١٠
سعيد بن جبير
٤٠٠
٢٦٤
٢٩٢
٤٢٠
١٣٨٢
١١
عكرمة مولى ابن عباس
٣٠١
٢٢٥
٢٦٣
٢٢٦
١٠١٥
١٢
محمد بن السائب الكلبي
٢٤٥
١٧٨
٢١٩
٢٦٣
٩٠٥
الطبقة
الرابعة
١٤
٣٣١
٣١٤
١١٨
٢٣٢
٧٦١
١٦
عبد الله بن مسعود
٣٩٠
٧٠
٨١
٦٠
٦٠١
١٧
مقاتل بن حيان
٣٥٢
٧٠
٧٦
٩١
٥٨٩
١٩
عطاء بن أبي رباح
٣١٦
٦٠
٦١
٤٤
٤٨١
مجاهد بن جبر
١٠٥٩
٧١٦
٦٦٨
٨٢٩
٣٢٧٢
الطبقة
الثانية
إسماعيل السُّدِّي
٦
٥٢
٦٢٨
١٧٠٢
٢٤٦
٧٤١
٢٢٠٩
٨
الضحاك بن مزاحم
٦٩٧
٣٨٨
٣٧٨
٦١٩
٢١٤٣
١٥
محمد بن إسحاق
/٢٧
١٢٩
١٢٢
٩٦
٨٧٨
الربيع بن أنس
٦١٠
١١٣
٥٩
٤٣
٨٠٦
١٨
الطبقة
الثالثة
٤٧٤٤
١٣٠٨
١١٨٢
١٠١٧
١٢٣٧
٥
يحيى بن سلام
٥٣٦
٤٤٩
٤٨٣
٢٦٢٨
٩
عبد الملك بن جريج
١٣
أبو العالية
م
الطبقة
الأولى

: ٣٥٣ %
الفصل الثاني
المُقلُّون من مفسري السلف
أولًا: من تجاوزت آثاره ٤٠٠ ولم تبلغ ٥٠٠ أثر.
ثانيًا: من تجاوزت آثاره ٣٠٠ ولم تبلغ ٤٠٠ أثر.
ثالثًا: من تجاوزت آثاره ٢٠٠ ولم تبلغ ٣٠٠ أثر.
رابعًا: من تجاوزت آثاره ١٠٠ ولم تبلغ ٢٠٠ أثر.

المدخل إلى مُؤْسُوَةِ التَّقْسِيُ المَاتُور
مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
٣٥٥ :
توطئة
أردت بالمُقلّين من مفسري السلف مَن تجاوزت آثار تفسيرهم ١٠٠ أثر ولم يبلغوا
٥٠٠ أثر، وذلك من خلال إحصاءات الموسوعة، ونظرًا لتفاوت ما بينهم فقد
سلكتهم في أربع طبقات:
أولًا: من تجاوزت آثاره ٤٠٠ ولم تبلغ ٥٠٠ أثر:
من الصحابة: علي بن أبي طالب نَظ ◌ُه (ت: ٤٠هـ).
من التابعين: النخعي (ت: ٩٦هـ)، والشعبي (ت: ١٠٦هـ)، ومحمد بن كعب (ت: ١١٧هـ).
من أتباعهم: سفيان الثوري (ت: ١٦١هـ).
ثانيًا: من تجاوزت آثاره ٣٠٠ ولم تبلغ ٤٠٠ أثر:
من التابعين: عطاء الخراساني (ت: ١٣٥هـ).
ثالثًا: من تجاوزت آثاره ٢٠٠ ولم تبلغ ٣٠٠ أثر:
من الصحابة: عبد الله بن عمر رضيًّا (ت: ٧٢هـ).
من التابعين: أبو مالك الغفاري، ووهب بن منبه (ت: ١١٤هـ)، والزهري (ت: ١٢٤هـ)،
وزيد بن أسلم (ت: ١٣٦هـ).
من أتباعهم: سفيان بن عيينة (ت: ١٩٨ هـ).
رابعًا: من تجاوزت آثاره ١٠٠ ولم تبلغ ٢٠٠ أثر:
من الصحابة: عمر بن الخطاب (ت: ٢٣هـ)، وأَبيّ بن كعب (ت:١٩هـ)، وعائشة بنت
الصديق (ت: ٥٧هـ)، وأبو هريرة (ت: ٥٧هـ)
من التابعين: كعب الأحبار (ت: ٣٢هـ)، وسعيد بن المسيب (ت: ٩٣هـ)، وطاووس بن
کیسان (ت: ١٠٦ هـ).
من أتباعهم: مالك بن أنس (ت: ١٧٩ هـ).
وفيما يلي تعريف موجز بكل منهم مع بيان مختصر لأبرز الأسباب التي أدت إلى
قلة آثاره في التفسير مرتبتين بحسب وفياتهم.

مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
٣٥٦ %
فَوْسُوعَة التَّفْسِي الْجَاتُور
المدخل إلى
أولاً
من تجاوزت آثاره ٤٠٠ ولم تبلغ ٥٠٠ أثر
١ - علي بن أبي طالب بظلاله (ت: ٤٠هـ)(١)
علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، أمير المؤمنين، أبو الحسن القرشي
الهاشمي، ابن عم رسول الله وَّة، وزوج ابنته فاطمة، ومن أوائل السابقين إلى
الإسلام، ورابع الخلفاء الراشدين، شهد المشاهد كلها مع الرسول وَلّ إلا تبوك،
فإن رسول الله وَ﴿ خلفه على أهله.
منزلته في العلم ومكانته في التفسير وآثاره:
نشأ رَظُنّه في بيت النبوة حيث ضمه النبي ◌َّ إليه قبل البعثة تخفيفًا على عمه أبي
طالب الذي كان قليل المال، ولما بُعث الرسول ◌َ # كان من أول من صدق به، ولا
شك أن لذلك أثرًا في تضعه في العلم، فقد (روى الكثير عن النبي ◌ِّ، وعرض
عليه القرآن وأقرأه)) (٢)، فكان رظُبه من كبار مقرئي الصحابة الذين تدور عليهم أسانيد
القراء، ونشأ رَبُّه ((بحرًا في العلم، قوي الحُجَّة، سليم الاستنباط، أُوتِيَ الحظ
الأوفر من الفصاحة والخطابة والشعر)) (٣)، روى علقمة عن ابن مسعود قال: ((كنا
نتحدث أن أقضى أهل المدينة عليّ بن أبي طالب)) (٤). وقد ((جمع عليّ نَظ ◌ُبه إلى
مهارته في القضاء والفتوى، علمه بكتاب الله، وفهمه لأسراره وخفي معانيه، فكان
أعلم الصحابة بمواقع التنزيل ومعرفة التأويل)) (٥)، فعن أبي الطفيل قال: شهدت عليًّا
(١) تنظر ترجمته في: طبقات ابن سعد ١٢/٦، تاريخ الإسلام ٣٥١/٢. التفسير والمفسرون ٦٧/١.
(٢) تاريخ الإسلام ٣٥١/٢.
(٣) التفسير والمفسرون ١/ ٦٧، بتصرف يسير.
(٤) الطبقات الكبرى، لابن سعد ٣٣٨/٢.
(٥) التفسير والمفسرون ١/ ٦٧.

المدخل إلى مُؤْسُوَةُ التَّقْسِي المَاتُون
مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
: ٣٥٧ °
يخطب وهو يقول: ((سلوني فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم، وسلوني عن
كتاب الله فو الله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار، أم في سهل أم في
جبل))(١)، وعن ابن مسعود قال: ((إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، ما منها حرف
إلا له ظهر وبطن، وإن علي بن أبي طالب عنده علم الظاهر والباطن)) (٢).
وقد تفرغ ظُته للقضاء والفتيا والإقراء والتعليم في خلافة أبي بكر وعمر
وعثمان رضيّه، وكذلك التفسير، فكان أكثر الخلفاء الراشدين تفسيرًا، وقرأ عليه كثير
من الصحابة والتابعين، كما أخذ عنه التفسيرَ الكثيرُ منهم، يأتي على رأسهم حبر
الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ◌ًّا، فقد جاء عنه أنه قال: ((ما أخذت من
تفسير القرآن فعن علي)) (٣)، قال ابن عطية: ((فأما صدر المفسرين والمؤيد فيهم
فعلي بن أبي طالب ويتلوه ابن عباس رضيًّ))(2).
ومع ما ذكر من مكانة عظيمة لعلي رظلُّه في علم القرآن إلا أنه لم يرد عنه في
دواوين تفاسير أهل السُّنَّة إلا القليل من آثار التفسير، بلغت في هذه الموسوعة
(٤٤٨) أثرًا، ولعل أبرز أسباب ذلك فيما يلي:
١ - انشغاله بالفقه والفتيا والقضاء والإقراء أكثر منه في التفسير.
٢ - انشغاله بعد توليه الخلافة بأعبائها والفتن التي صاحبتها .
٣ - وجوده قبل الخلافة في المدينة، وهو وسط علمي متين لا يحتاج كثير منهم
إلى السؤال مقارنة بالأمصار المفتوحة كالبصرة والكوفة، التي يحتاج أهلها إلى التعلم
خصوصًا أن أكثرهم من غير العرب.
٤ - تقدم وفاته نسبيًّا مقارنة بابن عباس ها.
٥ - ما ذكره د. محمد حسين الذهبي حين قال: ((كثرت الرواية في التفسير عن
عليّ رَؤُه، كثرة جاوزت الحد، الأمر الذى لفت أنظار العلماء النُّقَّاد، وجعلهم
يتتبعون الرواية عنه بالبحث والتحقيق، ليميزوا ما صح من غيره، وما صح عن علي
في التفسير قليل بالنسبة لما وُضِع عليه، ويرجع ذلك إلى غُلاة الشيعة، الذين أسرفوا
في حبه فاختلقوا عليه ما هو بريء منه، إما ترويجًا لمذهبهم وتدعيمًا له، وإما لظنهم
(١) الإتقان في علوم القرآن ٢٣٣/٤، وينظر: تاريخ الإسلام ٣٥١/٢.
(٢) حلية الأولياء ٦٥/١.
(٤) تفسير ابن عطية ١/ ٤١.
(٣) تفسير ابن عطية ١/ ٤١.

المدخل إلى فُؤَسُوعَة التَّفْسِي المَاتُور
مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
: ٣٥٨ %
الفاسد أن الإغراق في نسبة الأقوال العلمية إليه يُعلي من قدره، ويرفع من شأنه
العلمي. وأظن أن ما نُسب إلى علي من قوله: ((لو شئتُ أن أُوْقِرَ سبعين بعيرًا من
تفسير أم القرآن لفعلت)) لا أصل له، اللَّهُمَّ إلا في أوهام الشيعة، الذين يغالون في
حبه، ويتجاوزون الحد في مدحه. ثم هناك ناحية أخرى أغرت الوُضَّاع بالكذب
عليه، تلك الناحية هي نسبته إلى بيت النبوة، ولا شك أن هذه الناحية، تُكسب
الموضوع قبولًا، وتعطيه رواجًا وذيوعًا على ألسن الناس، والحق أن كثرة الوضع
على عليٍّ رَضُله أفسدت الكثير من علمه، ومن أجل ذلك لم يعتمد أصحاب الصحيح
فيما يروونه عنه إلا على ما كان من طريق الأثبات من أهل بيته، أو من أصحاب ابن
مسعود، كعبيدة السلماني وشُريح، وغيرهما))(١).
٢ - إبراهيم النخعي (ت: ٩٦هـ)(٢)
إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود بن عمرو النخعي، أبو عمران الكوفي، فقيه
أهل الكوفة، أمه مليكة بنت يزيد أخت الأسود بن يزيد النخعي. توفي سنة ٩٦هـ (٣).
أخذ القراءة عرضًا عن علقمة، والأسود، وقرأ عليه: الأعمش، وطلحة بن مصرف.
ولم يُحدِّث عن أحد من الصحابة مع أنه أدرك جماعة منهم. قال الذهبي: ((ولم
نجد له سماعًا من الصحابة المتأخرين الذين كانوا معه بالكوفة كالبراء، وأبي
جحيفة، وعمرو بن حريث. وقد دخل على أم المؤمنين عائشة وهو صبي، ولم يثبت
له منها سماع، على أن روايته عنها في كتب أبي داود، والنسائي، والقزويني، فأهل
الصنعة يَعُدُّون ذلك غير متصل، مع عدِّهم كلهم لإبراهيم في التابعين، ولكنه ليس
من كبارهم)) (٤). قال الشعبي لما بلغه موته: ((ما خلف بعده مثله))(٥). وقال الذهبي:
((وكان بصيرًا بعلم ابن مسعود، واسع الرواية، فقيه النفس، كبير الشأن، كثير
(١) التفسير والمفسرون ١/ ٦٨. كذا ذكر تخّتُهُ هذه العلة، ولم يعز ذلك إلى أحد من المتقدمين، وقد بحثت
عما ذكر بأنه ((كثرت الرواية في التفسير عن عليّ رَبُله، كثرة جاوزت الحد، الأمر الذي لفت أنظار العلماء
النُّقَّاد، وجعلهم يتتبعون الرواية عنه بالبحث والتحقيق، ليميزوا ما صح من غيره)) فلم أقف على من ذكر
ذلك، والله أعلم.
(٢) تنظر ترجمته: طبقات ابن سعد ٦/ ٢٧١، حلية الأولياء ٢١٩/٤، تهذيب الكمال ٢٣٣/٢، تاريخ
الإسلام ٢/ ١٠٥٢، سير أعلام النبلاء ٥٢٠/٤، تهذيب التهذيب ١٧٧/١، تفسير التابعين ٣٣١/١.
(٣) تاريخ الإسلام ١٠٥٢/٢.
(٥) تذكرة الحفاظ ٥٩/١.
(٤) سير أعلام النبلاء ٥٢٠/٤.

المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقْسِيَةُ الْخَاتُور
مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
٣٥٩ %
المحاسن - رحمه الله تعالى ))(١).
مكانته في التفسير وآثاره:
لم يتعرض إبراهيم النخعي للتفسير كثيرًا، لذا قلَّ عنه ما ورد من آثار في التفسير،
فقد بلغت في الموسوعة (٤٦٧) أثرًا، وهو عدد قليل مقارنة بما عُرف عنه من علم،
ومن تلاميذ كُثُر، احتفوا به وحفظوا علمه ونشروه، حتى قال له الشعبي يومًا: ((أما
إني أفقه منك حيًّا، وأنت أفقه مني ميتًا، وذاك أن لك أصحابًا يلزمونك، فيحيون
علمك))(٢). ولعل من أبرز أسباب قلة تفسيره ما يلي(٣):
١ - انشغاله بالفقه والأحكام: فقد اعتنى بالفقه عناية كبيرة، حتى صار فقيه الكوفة
ومفتيها في زمنه، وقد كان واسع الاجتهاد دقيق الاستنباط والقياس، بل يمكن
القول: إنه مؤسس قواعد مدرسة الرأي بالعراق التي أخرجت أبا حنيفة - تلميذ
حماد بن أبي سليمان تلميذ إبراهيم - صاحب المذهب الفقهي المشهور. ومن هنا
نجد أن كثيرًا من المروي عنه في التفسير إنما كان في تفسير آيات الأحكام.
٢ - تورعه عن التفسير والقول في القرآن: وهذا مسلك مشهور عنه - وعن كبار
طبقة التابعين من أهل الكوفة - قال تَخْذُهُ: ((كان أصحابنا يكرهون تفسير القرآن
ويهابونه)) (٤). ولا شك في أثر مسلك أصحابه عليه، لا سيما أنه لم يأخذ عن غيرهم
كما هو معلوم.
٣ - إيثاره الخمول والتخفي وكراهيته للشهرة: قال عنه الذهبي: ((وكان يتوقى
الشهرة، ولا يجلس إلى الأسطوانة)) ... وجاء من وجوه عن إبراهيم أنه كان لا
يتكلم في العلم إلا أن يُسأل(٥)، ثم تضاعف ذلك الأمر باختفائه عن أعين الناس
متواريًا من الحجاج.
٤ - قِصَر عمره وتقدم وفاته: حيث توفي عام ٩٦ هـ وله تسع وأربعون (٦)، وهو
عمر قصير مقارنة بأقرانه من مشاهير مفسري صغار التابعين كقتادة (ت: ١١٧هـ)، والسُّدِّي
(ت: ١٢٧هـ)، أو الطبقة الوسطى منهم الذين جاوزوا الثمانين كمجاهد (ت: ١٠٢هـ)، وعكرمة
(ت: ١٠٥هـ)، والضحاك (ت: ١٠٥م)، والحسن البصري (ت: ١١٠هـ)، وغيرهم.
(١) سير أعلام النبلاء ٤/ ٥٢٠.
(٣) ينظر: تفسير التابعين ٣٣٣/١ - ٣٤٠.
(٢) سير أعلام النبلاء ٥٢٦/٤.
(٤) حلية الأولياء ٢٢٢/٤.
(٥) تذكرة الحفاظ ١/ ٥٩.
(٦) تاريخ الإسلام ١٠٥٢/٢.

المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّفْسِّيُ الخَامُور
مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
: ٣٦٠ :
٣ - عامر الشعبي (ت: ١٠٥هـ)(١)
عامر بن شراحيل الشعبي، أبو عمرو الكوفي. ولد لست سنين خلت من خلافة
عمر بن الخطاب، على المشهور. توفي سنة أربع ومائة، وله اثنتان وثمانون سنة.
وقيل: سنة خمس ومائة. وقيل: في أول سنة ست ومائة، وقيل غير ذلك(٢). وهو
معدود في الطبقة الوسطى من التابعين.
وقد أدرك خمسمائة من أصحاب رسول الله وَل ◌ّ أو أكثر. فروى عن: علي بن أبي
طالب ر ◌ُله يسيرًا، وعن المغيرة بن شعبة، وعمران بن حصين، وعائشة، وأبي
هريرة، وجرير البجلي، وعدي بن حاتم، وابن عباس ﴿ه، كما أخذ عن كبار
التابعين، كعلقمة ومسروق.
قرأ القرآن على علقمة، وأبي عبد الرحمن السلمي. وقرأ عليه: محمد بن
عبد الرحمن بن أبي ليلى، وقد كان تَّتُهُ حافظًا واعيًا، قال ابن شبرمة: سمعت
الشعبي يقول: ((ما كتبت سوداء في بيضاء إلى يومي هذا، ولا حدثني رجل بحديث
قط إلا حفظته، ولا أحببت أن يُعيده عَلَيّ)). كما كان عالمًا بالسيرة والمغازي، حتى
قيل إن ابن عمر مر عليه وهو يحدث بالمغازي فقال: ((لقد شهدت القوم، فلهو
أحفظ لها، وأعلم بها))، كما كان رحمه علامة باللغة راوية للشعر، فعن محمد بن
فضيل عنه أنه قال: ((ما أروي شيئًا أقل من الشعر، ولو شئت لأنشدتكم شهرًا لا
أعيد)).
وبلغ من مكانته العلمية أنه كان يُلقي العلم والصحابة متوافرون، فعن ابن سيرين،
قال: ((قدمت الكوفة وللشعبي حلقة عظيمة، والصحابة يومئذ كثير)).
وقد أثنى على علمه معاصروه ومَن بعدهم، فقال عنه الحسن البصري حين نعاه:
((كان والله كبير العلم، عظيم الحلم، قديم السلم، من الإسلام بمكان))، وعن
مكحول قال: ((ما رأيت أفقه من الشعبي))، وقال سفيان بن عيينة: ((كان الناس بعد
أصحاب رسول الله وَلو: ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، والثوري في
زمانه))، ووصفه الذهبي فقال: ((كان إمامًا حافظًا فقيهًا متفنّنًا ثبتًا متقنًا))(٣).
(١) ينظر في ترجمته: طبقات ابن سعد ٢٤٦/٦، تهذيب الكمال ٢٨/١٤، تذكرة الحفاظ ٦٦/١، تاريخ
الإسلام ٧٠/٣، سير أعلام النبلاء ٢٩٤/٤، تفسير التابعين ٣١٦/١.
(٢) وقد اعتمدت الموسوعة تاريخ وفاته عام ١٠٥ هـ. (٣) تذكرة الحفاظ ٦٣/١.