النص المفهرس
صفحات 301-320
المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقْنِيّةُ الْخَاشُورُ مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير ٣٠١ هـ الذهبي: ((قال ابن المبارك [ت: ١٨١م] - وأحسن -: ما أحسن تفسيره لو كان ثقة!؟))(١). كما تعددت الروايات عن الشافعي (ت: ٢٠٤هـ) في قوله: ((الناس عيال في التفسير على مقاتل بن سليمان))(٢). وسئل أحمد بن حنبل (ت: ٢٤١هـ) عنه فقال: ((كانت له كتب ينظر فيها، إلا أني أرى أنه كان له علم بالقرآن)»(٣). وقال عنه أبو يعلى الخليلي (ت: ٤٤٦هـ): ((محله عند أهل التفسير والعلماء محل كبير، واسع العلم، لكن الحفاظ ضعفوه في الرواة، ... وقد روى عنه الضعفاء أحاديث مناكير، والحمل فيها عليهم)) (٤). وقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨هـ): ((ومقاتل بن سليمان وإن لم يكن ممن يحتج به في الحديث - بخلاف مقاتل بن حيان فإنه ثقة - لكن لا ريب في علمه بالتفسير وغيره، واطلاعه))(٥). ووصفه الذهبي (ت: ٧٤٨هـ) فقال: ((كبير المفسرين)) (٦). وقد ترك آثارًا عديدة في التفسير وعلوم القرآن تشهد بعلمه وتمكنه(٧)، وهي مصداق ما وُصف به في الأقوال السابقة، بل إنه لا يضاهيه أحد من أقرانه في التصنيف في ذلك الوقت المبكر من عصور التدوين، وقد وصلنا من تلك التصانيف: ١ - التفسير الكبير. ٢ - الوجوه والنظائر. ٣ - تفسير الخمسمائة آية من القرآن الكريم. موقف أئمة التفسير منه: من خلال المعطيات السابقة عن رواية مقاتل للتفسير دون إسناد أو عزو الأقوال لأصحابها، مع ما عرف عنه من الكذب في الرواية، إضافة إلى ما اشتهر عنه من المعتقد الرديء يبدو أن أئمة المفسرين من نقلة التفسير المأثور اطّرحوا تفسيره روايةً ودرايةً، كعبد بن حميد، والطبري، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وكذا المتأخرون (١) سير أعلام النبلاء ٧/ ٢٠١، وينظر: تهذيب الكمال ٢٨/ ٤٣٧. (٣) المرجعان السابقان. (٢) المرجعان السابقان. (٤) الإرشاد في معرفة علماء الحديث ٩٢٨/٣. (٦) سير أعلام النبلاء ٧/ ٢٠١. (٥) منهاج السُّنَّة النبوية ٢٩٤/٢، (٧) ينظر: الفهرست لابن النديم ص٢٥٣، ٢٥٤، هدية العارفين ٢/ ٤٧٠، تاريخ التراث العربي ٨٥/١، تفسير أتباع التابعين: عرض ودراسة ص٦٦. المدخل إلى فُؤَسُوعَة التَّفْسِي المَاتُوز مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير ٥ ٣٠٢ % كابن كثير (ت: ٧٧٤هـ) الذي لم يرو عنه إلا بضعة مواضع، ومثله السيوطي (ت: ٩١١هـ) في الدر المنثور (١) . أما من اعتنى بتفسير مقاتل روايةً ودرايةً فقِلَّةٌ، من أشهرهم وأكثرهم نقلًا عنه أبو إسحاق الثعلبي (ت: ٤٢٧هـ) في تفسيره ((الكشف والبيان))، وقد أشار إليه في مقدمته ضمن مصادره (٢) . تفسير مقاتل بن سليمان: مع طرح أغلب المفسرين المسندين لتفسير مقاتل وعدم اعتنائهم بنقله والإفادة منه؛ فقد شاء الله أن يصلنا تفسيره كاملًا دون تفاسير أقرانه(٣)! وهو أول تفسير كامل للقرآن يصل إلينا. ومن خلال هذه النسخة الفريدة تمكنا من استخراج تفسير مقاتل وإيراده في هذه الموسوعة، ومن ثَم صار من أكثر مفسري السلف تفسيرًا في إحصاءات هذه الموسوعة، فقد بلغ مجموع أقواله في التفسير (١٠٢٢٨) قولًا، وهذا بخلاف ما جاء في مصادر التفسير المأثور التي لم تعتن بتفسيره مما جعل تفسيره فيها نزرًا يسيرًا لا يكاد يندرج في طبقة المقلين فضلًا عن المكثرين. وقد تميز تفسيره (٤) بأنه تحليلي كامل لآيات وسور القرآن، مُرتَّبًا بحسب ترتيب سوره، يمزج بين الآية وتفسيرها في سياق واحد بأسلوب سهل ميسر، يفهمه العامة والخاصة، وهو تفسير أثري ونظري، يجمع بين المنقول والمعقول، وقد تميز تفسيره النظري بمزايا لم يُسبق إليها، من أبرزها: الاعتناء بتفسير القرآن بالقرآن، وبيان الوجوه والنظائر. والخلاصة: أن تفسير مقاتل النظري الاجتهادي تفسير نفيس، يشهد لذلك ما وُجد فيه من بيان ميسر موجز(٥)، ينِمُّ عن علم وتمكّن كما وصفه كثير من السلف، ومن (١) ينظر تفصيل ذلك في كتاب: تفسير أتباع التابعين: عرض ودراسة، ص ٦٧ - ٧٠ (٢) ينظر: مقدمة الكشف والبيان عن تفسير القرآن، تحقيق: د.خالد عون العنزي، ص٧٢. (٣) وقد حققه: د. عبد الله محمد شحاتة قديمًا بعد أن درس منهجه في أطروحته للدكتوراه بجامعة القاهرة عام ١٩٦٨م، ثم طُبع كاملاً بعد ذلك بمدة في أربعة مجلدات، وأُفرد المجلد الخامس لقسم الدراسة، من إصدار مؤسسة التاريخ العربي، بيروت - لبنان، عام ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٢ م. (٤) ينظر تفصيل ذلك في كتاب: تفسير أتباع التابعين: عرض ودراسة ص٧٣ - ٨٠. (٥) ومن هنا حرصنا على تضمين تفسيره في الموسوعة. المدخل إلى مُؤَسُوعَة التَّفْسِيرُ الْخَاتُور مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير : ٣٠٣ % هنا ينبغي نقله والإفادة منه وعدم اطّراحه مطلقًا، إلا ما وُجد فيه نكارة، ولا يضر كونه معروفًا بالكذب، إذ الوارد في تفسيره هو قوله واجتهاده لا قول غيره، بخلاف رواياته ونقوله فلا يُعتمد عليها إذا انفرد بها . أما ما نُسِب إليه من عقيدة التشبيه والتجسيم الشنيعة فينبغي تحرير ذلك، ويبعد أن يصل إلى ذلك الحد - كما ذكر ابن تيمية (١) -، وقد تتبعنا تفسيره فلم نجد شيئًا يلزم منه ذلك، كما أثبت عدد من الباحثين المعاصرين براءته من ذلك القول الشنيع بعد تتبعهم تفسيره لآيات الصفات في كتبه المطبوعة والمخطوطة(٢). أسباب كثرة تفسير مقاتل بن سليمان: ١ - تدوينه للتفسير ووصول كتابه إلينا، وهو السبب الوحيد لبلوغ آثار مقاتل هذا العدد الكبير في الموسوعة. ٢ - تفرغ مقاتل للتفسير وعلو مكانته فيه، كما شهد له معاصروه ومن بعدهم. ٣ - تعدد مصادره، وكثرة شيوخه، حيث روى عن عدد كبير من مشاهير مفسري التابعين كمجاهد والضحاك وعطاء. ٤ - كثرة مروياته وسعة اطلاعه، ومن هنا تميز تفسيره بكثرة ذكر أسباب النزول والإسرائيليات، وتعيين المبهمات وتسمية الذوات. ٥ - توسعه في الاجتهاد، والاستنباط. وهذا واضح لمن يقرأ تفسيره. (١) ينظر: منهاج السُّنَّة النبوية ٢/ ٢٩٤. (٢) ينظر: تفسير أتباع التابعين: عرض ودراسة ص ٨٥ - ٨٦. مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير المدخل إلى فُؤَسُوعَة التَّفْسِيَةُ الخِدُورِ : ٣٠٤ % الطبقة الثانية من المكثرين في التفسير من السلف (من تجاوزت آثارهم التفسيرية ٢٠٠٠ أثر دون أن تبلغ ٤٠٠٠ أثر) وقد تحصل لدينا من خلال إحصاءات الموسوعة اندراج خمسة من مفسري السلف في هذه الطبقة، كلهم من طبقتي التابعين وأتباعهم: فمن التابعين : من أواسطهم: الضحاك بن مزاحم (ت: ١٠٥م)، والحسن البصري (ت: ١١٠هـ). ومن صغارهم: إسماعيل السُّدِّي (ت: ١٢٧هـ). ومن أتباع التابعين : من أواسطهم: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت: ١٨٢هـ). ومن صغارهم: يحيى بن سلام (ت: ٢٠٠ هـ). وهذه ترجمة موجزة لكلِّ منهم تبين مكانته في التفسير وأسباب كثرة تفسيره، وفي المقابل أسباب عدم بلوغه مرتبة الطبقة الأولى من المكثرين، مرتبين بحسب وفياتهم : المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّفْسِيَةُ الْخَاتُور مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير : ٣٠٥ % (١) أولًا الضحاك بن مزاحم (ت:١٠٥هـ) الضحاك بن مزاحم الهلالي أبو القاسم - وقيل: أبو محمد - الخراساني، ولد في بلخ بخراسان، وكان يقيم بمرو مدة وببلخ زمانًا، وربما أقام ببخارى وبسمرقند، وكان معلم كُتّاب يعلم الصبيان فلا يأخذ منهم شيئًا، إنما يحتسب في تعليمهم. واختلف في وفاته فقيل: عام ١٠٢هـ، وقيل: ١٠٥ هـ (٢)، وقد جاوز الثمانين من عمره(٣)، وعلى هذا فهو ضمن جيل الطبقة الوسطى من التابعين. روى عن ابن عباس، وابن عمر، وزيد بن أرقم، وأبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك. وقيل: لم يثبت له سماع من أحد من الصحابة، فعن عبد الملك بن ميسرة، قال: ((الضحاك لم يلق ابن عباس إنما لقي سعيد بن جبير بالري فأخذ عنه التفسير))(٤)، وأكثر أهل العلم على هذا القول، قال ابن عدي: ((أما رواياته، عن ابن عباس وأبي هريرة وجميع من روى عنه ففي ذلك كله نظر، وإِنَّما اشتهر بالتفسير))(٥). وقيل: بثبوت روايته عن ابن عباس(٦)، فقد روى عنه أبو جناب الكلبي قوله: ((جاورت ابن عباس سبع سنين)) (٧)، ولهذا تردد الذهبي في ترجيح أحد القولين (١) تنظر ترجمته في: طبقات ابن سعد ٣٠١/٦، التاريخ الكبير ٣٣٢/٤، مشاهير علماء الأمصار ص٣٠٨، الكامل في ضعفاء الرجال ١٥٢/٥، تهذيب الكمال ٢٩١/١٣، سير أعلام النبلاء ٥٩٨/٤، تاريخ الإسلام ٦٣/٣، تهذيب التهذيب ٤٥٤/٤، تفسير الضحاك لمحمد شكري الزاويتي ٤٣/١ - ١٣٦. (٢) وقد اعتمدت الموسوعة وفاته عام ١٠٥ هـ. (٣) فقد روي عنه قوله: ((كنت ابن ثمانين سنة جلدًا غزّاء)). ينظر: سير أعلام النبلاء ٦٠٠/٤. (٤) طبقات ابن سعد ٣٠١/٦. (٥) الكامل في ضعفاء الرجال ١٥٢/٥. وينظر: مشاهير علماء الأمصار ص ٣٠٨. (٦) رجحه الشيخ أحمد شاكر (ت: ١٣٧٦ هـ)، واستدل به على أنه تابعي ثقة مأمون، وأكَّده بما رُوِي أنه مات وقد بلغ الثمانين أو جاوزها. ينظر: مسند الإمام أحمد ٤/ ٦٧ بتحقيق: أحمد شاكر، حاشية الحديث (٢٢٦٢). (٧) تهذيب الكمال ٢٩٥/١٣، تهذيب التهذيب ٤٥٤/٤. لكن رُدَّ قول أبي جناب الكلبي بأنه ضعيف. ينظر: ميزان الاعتدال ٣٧١/٤. مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير : ٣٠٦ :- مُؤْسُ عَبْ التَّفْسِيَةُ الْحَانُوز المدخل إلى فقال: ((وبعضهم يقول: لم يلق ابن عباس - فالله أعلم -(١))). ومن هذا الخلاف ترتب الخلاف في عدِّه ضمن التابعين أو أتباعهم(٢). لكن لا يُختلف في كونه من ضمن جيل التابعين (٣) وأنه عاصر مئات الصحابة، وبالتالي إمكانية رؤيته لبعضهم (٤) وروايته عنه (٤). روى عنه: إسماعيل بن أبي خالد، وأبو رَوْق عطية بن الحارث الهمداني، وجويبر بن سعيد، وأبو سنان سعيد بن سنان، وسلمة بن نبيط، وعبد الملك بن ميسرة، وعبيد بن سليمان، وعلي بن الحكم، وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، ومقاتل بن حيان، وغيرهم. منزلته في العلم والتفسير: كان الضحاك ((من أوعية العلم))(٥)، وقد اعتنى بالقرآن واشتهر بتفسيره، وعُرف به، قال ابن حبان: ((وكان ممن عنى بعلم القرآن عناية شديدة، مع لزوم الورع))، وتقدم قول ابن عدي عنه: ((وإِنَّما اشتهر بالتفسير)) (٦). وقد أثنى على تفسيره جمع من المتقدمين والمتأخرين، فقال سفيان الثوري (ت: ١٦١هـ): ((خذوا التفسير من أربعة: سعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، (١) سير أعلام النبلاء ٤ /٥٩٩. (٢) لم يعدَّه الدكتور محمد عبد الله الخضيري من التابعين، حيث لم يورده في كتابه الحافل ((تفسير التابعين)) ضمنهم، وصرّح في مواضع منه بأنه من أتباعهم - ينظر: ٥٨٥/٢، ٦٩٤، ٩٥٤ - ثم أكّد ذلك في دراسته الماتعة الموسومة بـ((التفسير بالأثر بين ابن جرير وابن أبي حاتم)) ص٨٨. لكن التصريح بأنه تابعي مروي عن بعض كبار أئمة الحديث المتقدمين، كابن أبي حاتم الذي أورد رواية عن مقاتل بن حيان ثم قال: ((وكان مقاتل ما فسَّر؛ فسَّره عن رجال من التابعين، منهم الضحاك بن مزاحم، وجابر بن زيد)). ينظر: تفسير ابن أبي حاتم ٥١٨/٢ برقم (٢٧٥٠). وهو صنيع أشهر المصنفين في الرجال وطبقاتهم، كابن سعد الذي أدرجه ضمن الطبقة الثانية ممن روى عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس، وغيرهما. ينظر: طبقات ابن سعد ٢٤٦/٦، ٣٠٠، وكذلك الذهبي الذي سلكه في الطبقة الثانية من التابعين. ينظر: سير أعلام النبلاء ٢٨٧/٤، ٥٩٩، المعين في طبقات المحدثين ص ٣٧. (٣) بل وفي طبقة أواسط التابعين حيث توفي عام ١٠٥ هـ على أعلى تقدير - وقد جاوز الثمانين، فهو قرين مجاهد بن جبر (ت: ١٠٢ هـ) مولدًا ووفاةً على وجه التقريب. (٤) ينظر مبحثًا موسعًا عن ذلك في كتاب: تفسير اتباع التابعين: عرض ودراسة ص ٣٤ - ٤٠. (٥) سير أعلام النبلاء ٤/ ٥٩٨. (٦) الكامل في ضعفاء الرجال ١٥٢/٥. وقال الذهبي في ترجمته: ((صاحب التفسير)). سير أعلام النبلاء ٤/ ٥٩٨، تاريخ الإسلام ٦٣/٣. المدخل إلى مُؤَسُوعَةُ التَّقْسِيُ المَاتُور مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير ٥ ٣٠٧ % والضحاك))(١)، وقال ابن كثير: ((كان الضحاك إمامًا في التفسير)) (٢). أما مقدار ما وصلنا من تفسيره فقد بلغت آثاره من التفسير الاجتهادي في الموسوعة (٢١٤٣) أثرًا، وهي حصيلة كبيرة مقارنة بمفسرين آخرين مشاهير من التابعين، كعكرمة. أسباب تقدمه في التفسير وكثرة آثاره: ١ - تفرغه لعلم التفسير رواية ودراية: ففي باب الرواية سنده من أشهر أسانيد الرواية عن ابن عباس(٣)، أما في تفسيره الاجتهادي فهو تفسير يبلغ الذروة، أثنى عليه كثير من المتقدمين والمتأخرين كما تقدم . ٢ - اعتناء تلاميذه بنقل تفسيره: خصوصًا جويبر بن سعيد الأزدي (٤)، وأبو روق، وعبيد بن سليمان. ٣ - البعد عن الفتن: حيث عاصر كثيرًا من الفتن التي عصفت بالأمة، لكن لم يرد أنه شارك في أي منها، بل كان يبتعد عن الحكام، والعمل لهم(٥). ٤ - طول عمره: حيث توفي وقد جاوز الثمانين من عمره، أمضاها في التعليم والتفسير ونشره. ٥ - اعتناء نقلة التفسير بنقل تفسيره: يأتي على رأسهم ابن جرير الذي نقل أغلب (٦) تفسيره(٦) . (١) سير أعلام النبلاء ٤٥١/٤. (٢) البداية والنهاية ٢٣٠/٩. (٣) لكن حكم بانقطاعه عند جمهور المحدثين باعتبار عدم صحة سماع الضحاك من ابن عباس، وعلى التسليم بذلك فقد أجيب بأن الضحاك أخذ تفسير ابن عباس من سعيد بن جبير، فالواسطة معلومة، وعليه فالسند متصل. ومع كل ذلك فأسانيد التفسير والنسخ التفسيرية المشهورة لها تعامل آخر عند المحدثين المتقدمين، كما سيأتي في بحث ((منهج المحدثين في نقد مرويات التفسير)). (٤) وهو أكثر من روى عن الضحاك مع ضعفه. (٥) فقد عزا السيوطي في الدر المنثور ٤٤١/١١ عند تفسير قوله تعالى: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ إلى عَبد بن حُمَيد، وابن المنذر أن سلمة بن نبيط قال: بعث عبد الرحمن بن مسلم إلى الضحاك فقال: اذهب بعطاء أهل بخارى فأعطهم فقال: اعفني، فلم يزل يستعفيه حتى أعفاه، فقال له بعض أصحابه: ما عليك أن تذهب فتعطيهم وأنت لا ترزؤهم شيئًا، فقال: لا أحب أن أعين الظلمة على شيء من أمرهم. (٦) بحسب إحصاء د. محمد بن عبد الله الخضيري فقد بلغت آثار تفسير الضحاك عند ابن جرير (١٤٣٩) أثرًا، وعليه فهو في المرتبة الخامسة بين التابعين بعد مجاهد وقتادة والسدي والحسن. ينظر: بحث التفسير بالأثر بين ابن جرير وابن أبي حاتم ص ٨٧، ٨٨، مجلة الدراسات القرآنية (تبيان لاحقًا)، ع٤. مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير المدخل إلى مُؤْسُوَةِ التَّفْسِيةُ المَاتُوز : ٣٠٨ هـ ومع تقدم الضحاك في التفسير لكن لم تبلغ آثار تفسيره مبلغ الطبقة الأولى في المرويات، ولذلك أسباب لعل من أبرزها : ١ - كثرة اشتغاله بالرواية خصوصًا عن ابن عباس، وتقدم أن طريق الضحاك من أشهر طرق روايات ابن عباس، ومن أكثرها نقلًا له. ٢ - قلة تنقل الضحاك، حيث لم يرد في سيرته ما يدل على ذلك. ولا شك أن لذلك دورًا في ضعف انتشار تفسيره. ٣ - يظهر من سيرة الضحاك شدة الورع والبعد عن الناس، فقد يكون لذلك دور في ضعف انتشار تفسيره. والله أعلم. فَوْسُوبَة التَّفْسِيَةُ المَاتُور المدخل إلى مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير ٥ ٣٠٩ : ثانيًا الحسن البصري (ت: ١١٠هـ)(١) هو الحسن بن أبي الحسن، البصري، أبو سعيد، مولى زيد بن ثابت، وقيل غير ذلك، واسم أبي الحسن يسار، يقال: إنه من سبي ميسان، سكن المدينة، وأُعتق فيها، وتزوج في خلافة عمر، فولد له بها الحسن عام ٢١هـ. واسم أم الحسن: خيرة، مولاة أم سلمة أم المؤمنين رضيَّا . نشأ الحسن بوادي القرى فانفتق لسانه بالفصاحة والبعد عن العجمة واللحن، وعاصر خلافة عثمان بالمدينة وسمعه يخطب، وشهد يوم الدار وله ١٤ سنة، ثم حُبِّب إليه الجهاد في مقتبل شبابه فرحل إلى خراسان مجاهدًا في خلافة معاوية، ثم اتجه إلى العلم، واستقر في البصرة، حتى صار عالمها ومفتيها، إلى توفي بها عام ١١٠ هـ. منزلته في العلم والتفسير: تقدم أنَّ الحسن نشأ بالمدينة ورأى علي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، وعائشة، وغيرهم من الصحابة ﴿ه، لكن لم يصح سماعه إلا من بعضهم كأنس بن مالك، وعمران بن حصين، والمغيرة بن شعبة، وسمرة بن جندب، وأبي بكرة الثقفي، والنعمان بن بشير، وجابر، وذلك لأنه لم يطلب الحديث في صباه، وإن كان يروي عن كثير من الصحابة لكن كثيرًا منها مرسل، قال الذهبي: ((وكان يدلس ويرسل ويحدث بالمعاني، ومناقبه كثيرة ومحاسنه غزيرة، كان رأسًا في العلم والحديث، إمامًا مجتهدًا كثير الاطلاع، رأسًا في القرآن وتفسيره، رأسًا في الوعظ والتذكير، رأسًا في الحلم والعبادة، رأسًا في الزهد والصدق، رأسًا في (١) ينظر في ترجمته: طبقات ابن سعد ٧/ ١٥٦، تهذيب الكمال ٦/ ٩٧، سير أعلام النبلاء ٥٦٣/٤، تهذيب التهذيب ١٣٤/١، تفسير التابعين ٢٠٠/١. مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير المدخل إلى مُؤَسُوعَةُ التَّفْسِيرُ الْخَاتُوزِ : ٣١٠ %= الفصاحة والبلاغة، رأسًا في الأيد والشجاعة))(١). كما كان تَخْتُهُ مقرئا فذًّا رأسًا في الإقراء. وتفسير الحسن يبلغ الذروة من حسن البيان وقوة التأثير، وقد تناقله أهل العلم فيما بينهم، حتى وصلتنا آثاره فبلغت في الموسوعة (٣٢٧٢) أثرًا، ولعل من أهم أسباب تقدمه وبلوغه هذه المرتبة (٢) ما يلي: ١ - فصاحته، وحسن تعبيره، وقوة تأثيره في الأسماع: ولا شك أن مثل تلك المواعظ أدعى لانتشارها وشيوعها وحرص الناس على سماعها وتناقلها، ومن هنا كانت أقوال الحسن مصادر لكتب في عدة فنون كالزهد واللغة والأدب وغيرها . ٢ - تصدره للتعليم، وحرصه على نشره، وتصديه للتفسير والوعظ، والتذكير بين العامة: ولا شك أن مثل ذلك أدعى للتناقل والانتشار. ٣ - حرصه على كتابة العلم: ومن هنا جاء عنه ((أنه كان لا يرى بكتاب العلم بأسًا، وقد كان أملى التفسير فَكُتِب))(٣). ٤ - قوة الاستنباط والاجتهاد في التفسير: وهذا ظاهر من استطراده في تفسير الآية واتخاذها سبيلًا للوعظ والترهيب والترغيب. ٥ - تفننه في مختلف العلوم والفنون: فهو المقرئ والفقيه والمفسر والعالم بلغة العرب وغريبها، ولا شك أن الجامع لهذه العلوم أقدر على الاجتهاد والاستنباط، خصوصًا إذا جمع مع ذلك الفصاحة والتعبير المؤثر. ٦ - البعد عن الفتن: حيث عاصر كثيرًا من الفتن التي عصفت بالأمة، خصوصًا فتنة ابن الأشعث التي خرج فيها عامة قراء الكوفة والبصرة وعلمائهما، لكنه نهى عن ذلك، وإن كان أُجبِر على الخروج بعد ذلك لكنه تمكن أن ينجو منهم، ومن هنا بقي في موضعه يعلم ويدعو ويعظ، بينما سقط كثير ممن خرج في الفتنة أو تخفى وطورد. ٧ - طول عمره: حيث توفي عام ١١٠ هـ وله ٨٨ سنة، أمضاها في تعليم الناس وإرشادهم. ٨ - تداعي كبار نقلة التفسير وغيرهم على نقل تفسيره وحِكَمِه: يأتي على رأسهم (١) تاريخ الإسلام ٢٦/٣. (٣) جامع بيان العلم وفضله ١/ ٣٢٣. (٢) ينظر: تفسير التابعين ٢٢٠/١. المدخل إلى مَوْسُوعَة التَّفْسِيُ المَاتُور مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير : ٣١١ :- يحيى بن سلّام، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وغيرهم، حتى ربما استطردوا فنقلوا حِكَمه ومواعظه التي هي خارجة عن معنى التفسير. ومع تقدم الحسن في التفسير لكن لم تبلغ مرويات تفسيره مبلغ الطبقة الأولى في المرويات، ولذلك أسباب لعل من أبرزها : ١ - عدم تخصص أحد تلاميذه بالرواية عنه: كما وقع لابن عباس ومجاهد وقتادة، إضافة إلى أن بعض من نقل عنه نسخة من تفسيره كان من كبار المبتدعة، وهو عمرو بن عبيد (١). ٢ - اشتغاله بالفقه والأحكام وتصدره للفتوى وتنوع علومه، مما جعله غير متفرغ للتفسير بخاصة، ولا شك أن من كان كذلك كان إنتاجه التفسيري أقل. ٣ - تأخره في طلب العلم وعدم حرصه على الرحلة لطلبه، وقلة أسفاره حتى قيل أنه لم يحج إلا مرتين، وبالتالي قلة مشايخه، مما فوَّت عليه إدراك كبار علماء الأمة بالتفسير خصوصًا ابن عباس، فقد ذُكر أن الحسن لم يصح سماعه منه (٢). (١) نقل من هذه النسخة يحيى بن سلام لكن لا يكاد غيره ينقل عنها . (٢) ينظر: سير أعلام النبلاء ٤ / ٥٦٦. مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير ٣١٢ : فَوْسُوعَة التَّقْسِيَةُ المَاتُور المدخل إلى ثالثًا إسماعيل السُّدِّيّ (ت: ١٣٧هـ)(١) إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السُّدِّيّ، أبو محمد القرشي الكوفي الأعور، مولى زينب بنت قيس بن مخرمة، وقيل: مولى بني هاشم، أصله حجازي، سكن الكوفة، وكان يقعد في سُدَّة باب الجامع بالكوفة، فلُقِّب السُّدِّيّ(٢). وهو في عداد صغار التابعين . وقد ثبتت روايته عن أنس بن مالك، وفي سماعه من ابن عباس نظر، وقيل: إنما رآه، ورأى أبا هريرة وابن عمر وغيرهم ظّم. كما روى عن أبي عبد الرحمن السلمي، ومرة بن شراحيل الهمداني (مرة الطيب) صاحب ابن مسعود، وعن أبي مالك غزوان الغفاري، وأبي صالح باذام. روى عنه: شعبة، والثوري، وزائدة، وإسرائيل، والحسن بن صالح، وأبو عوانة، وأسباط بن نصر، والمطلب بن زياد، وأبو بكر بن عياش، وآخرون. منزلته في التفسير: اشتهر السُّدِّيّ بالتفسير وعُرف به، قال العجلي: ((عالم بالتفسير راوية له))، وقال الذهبي: (الإمام، المفسر)) (٣). وقد ورد انتقاد للسُّدِّيّ في تفسيره من بعض التابعين كالشعبي(٤)، لكن في المقابل (١) ينظر في ترجمته: تهذيب الكمال ١٣٢/٣، تاريخ الإسلام ٣٧١/٣، سير أعلام النبلاء ٢٦٤/٥، تفسير التابعين: ٣٠٠/١. (٢) تهذيب الكمال ١٣٢/٣. ويعرف بالسُّدي الكبير، تمييزًا عن السُّدي الصغير، قال الذهبي في تاريخ الإسلام ٣٧٢/٣: ((فأما السُّدي الصغير فهو محمد بن مروان، أحد المتروكين، معاصر لوكيع)). والصغير هو راوي تفسير الكلبي. ينظر: ميزان الاعتدال ٣٢/٤. (٣) سير أعلام النبلاء ٢٦٤/٥. (٤) قال عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت: سمعت الشعبي، وقيل له: إن إسماعيل السُّدي قد أُعطي حظًّا من = مُوْسُبعَةُ التَّفْسِيَةُ الْخَاتُور المدخل إلى مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير ٥ ٣١٣ : أثنى عليه أغلب أهل العلم: فهذا إسماعيل بن أبي خالد (ت: ١٤٣هـ) - من أقرانه - يقول عنه: ((كان السُّدِّيّ أعلم بالقرآن من الشعبي)) (١). ومر إبراهيم النخعي (ت: ٩٦هـ) بالسدي، وهو يفسر، فقال: ((إنه ليفسر تفسير القوم))(٢). والحق أن إسماعيل السُّدِّيّ كان رأسًا في التفسير روايةً ودرايةً، بل هو من أكثر تابعي الكوفة روايةً ودرايةً فيه(٣)، ففي باب الرواية روى كثيرًا من تفسير ابن مسعود وابن عباس وغيرهما من الصحابة بسنده المشهور عن مرة الهمداني، وعن أبي مالك وأبي صالح (٤)، بل هو أكثر العراقيين رواية لتفسير هذين الصحابيين الجليلين(٥). كذلك كان مكثرًا في رواية أسباب النزول. أما في باب التفسير النظري الاجتهادي فقد كانت له أيضًا منزلة كبيرة، - وإن كان باب الرواية عليه أغلب (٦) - ووصلنا عنه آثار كثيرة، بلغت في الموسوعة (٣١٧٨) أثرًا . ولعل أبرز الأسباب في كثرة تفسيره ما يلي (٧): ١ - تفرغه للتفسير وانقطاعه له، فقلما تجد له آثارًا في سوى التفسير، لذا كان يوصف بالمفسر ونحو ذلك. ٢ - كثرة مصادره واهتمامه بالرواية، وهذا واضح في كثرة مروياته لأسباب النزول والإسرائيليات. ٣ - كثرة روايته للإسرائيليات حتى فاق المشاهير من رواة الإسرائيليات ككعب ووهب، في الرواية والسرد والاستطراد، والإطالة والإغراب. = علم القرآن، قال: إن إسماعيل قد أعطي حظًا من جهل بالقرآن. قال الإمام الذهبي معقبًا: ((ما أحد إلا وما جهل من علم القرآن أكثر مما علم، وقد قال إسماعيل بن أبي خالد: كان السُّدي أعلم بالقرآن من الشعبي رحمهما الله)). سير أعلام النبلاء: ٢٦٥/٥. (١) تاريخ الإسلام ٣٧٢/٣. (٢) تاريخ الإسلام ٣٧٢/٣، وقد قال بعض المعاصرين: إن هذا الكلام من النخعي خرج مخرج الذم، بناء على مفهوم كلام أحد رواة الأثر، وأنه قصد بالقوم المرجئة. ينظر: التقرير في أسانيد التفسير ص٩٨. (٣) تفسير التابعين ٣٠٠/١. (٤) وقد تقدم الحديث عنه في طرق تفسير ابن عباس. (٥) تفسير التابعين ٣٠٣/١. (٦) المرجع السابق ٣٠٢/١. (٧) المرجع السابق ١/ ٣٠٠. مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقْسِي الْخَاتُور & ٣١٤ % ٤ - عناية تلميذه أسباط بن نصر بنقل تفسيره وتفرغه لذلك. ٥ - تأخر وفاته حيث امتد به العمر حتى عام ١٢٧هـ، واحتاج الناس في ذلك العهد أكثر إلى التفسير، خصوصًا في الكوفة - بلد السُّدِّيّ - التي قلَّ فيها المتصدّون للتفسير . ومع تقدم السُّدِّيّ في التفسير لكن لم تبلغ آثار تفسيره الاجتهادي مبلغ الطبقة. الأولى، ولذلك أسباب لعل من أبرزها : ١ - غلبة تفسيره الروائي النقلي على التفسير الدرائي الاجتهادي. ٢ - الوسط العلمي في عهد التابعين بالكوفة والذي كان يقوم على التورع عن الخوض في تفسير القرآن والتوسع فيه، ومن هنا كان انتقاد الشعبي للسدي، ولا بد لمثل ذلك أن يؤثر في قبول تفسير السُّدِّيّ، والله أعلم. المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّفْسَِّةُ المَاتُور مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير : ٣١٥ : رابعًا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت: ١٨٢هـ)(١) عبد الرحمن بن زيد بن أسلم القرشي العدوي - بالولاء - المدني، نشأ في المدينة النبوية، في أسرة علم وعمل، فجده ((أسْلَم)) (ت: ٨٠هـ) مولى عمر بن الخطاب من كبار التابعين وثقاتهم روى له الجماعة(٢)، وأبوه ((زيد بن أسْلَم)) (ت: ١٣٦هـ) من الطبقة الوسطى من التابعين، ومن ثقات علماء المدينة في الحديث والتفسير، روى له الجماعة أيضًا (٣). روى عن أبيه زيد بن أسلم، وعن محمد بن المنكدر (ت: ١٣٠هـ)، وأبي حازم سلمة بن دينار (ت: بعد ١٤٠هـ)، وغيرهم. وعنه عبد الله بن وهب (ت: ١٩٧هـ)، ووكيع بن الجراح (ت: ١٩٧هـ)، وسفيان بن عيينة (ت: ١٩٨هـ)، وعبد الرزاق الصنعاني (ت: ٢١١هـ)، وأصبغ بن الفرج (ت: ٢٢٥هـ)، وغيرهم. وهو ضعيف الرواية عند أهل الحديث، ضعَّفه أحمد، ويحيى بن معين، وابن المديني، والبخاري، وأبو داود، والنسائي، وغيرهم(٤)، قال أبو حاتم: ((ليس بقوي في الحديث، كان في نفسه صالحًا، وفي الحديث واهيًا))(٥). مكانته في التفسير وآثاره: أما في التفسير فله شأن آخر، فهو من أعلام مفسري تبع الأتباع، أخذ علم التفسير عن أبيه، قال الذهبي: ((كان عبد الرحمن صاحب قرآن وتفسير، جمع تفسيرًا (١) ينظر في ترجمته: تهذيب الكمال ١١٤/١٧، تاريخ الإسلام ٩٠٤/٤، سير أعلام النبلاء ٣٤٩/٨، تهذيب التهذيب ١٦١/٦، تفسير أتباع التابعين ص١٤٨. (٢) تنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء ٤ /٩٨. (٣) تنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء ٣١٦/٥. (٤) تهذيب التهذيب ٦/ ١٦١. (٥) تهذيب الكمال ١١٨/١٧، تهذيب التهذيب ٦/ ١٦١. مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقَنِيةُ المَاتُوز : ٣١٦ :- في مجلد، وكتابًا في الناسخ والمنسوخ (١))(٢)، ولم يصل إلينا هذا التفسير، وهو مبثوث في كتب المتقدمين من نقلة التفسير المأثور. وتفسيره يبلغ الذروة، لذا اعتنى به أئمة التفسير، واحتفوا به احتفاءً عظيمًا، لا سيَّما ابن جرير، وابن أبي حاتم (٣)، وقد بلغت آثاره في الموسوعة (٢٢٠٩) آثار. أسباب تقدمه في التفسير وكثرة آثاره: ١ - تفرغه لعلم التفسير: حيث اشتهر به وارتضوه فيه دون الرواية، كما تقدم. ٢ - استقراره بالمدينة النبوية: التي كانت - هي ومكة - محط رحلات المسلمين عمومًا، وطلبة العلم خصوصًا، لذا نجد أن أغلب من نشر علمه من تلاميذه هم من الطارئين على المدينة. ٣ - اعتناء تلاميذه بنقل تفسيره: يأتي على رأسهم عبد الله بن وهب المصري (ت: ١٩٧ هـ)، الذي روى أغلب تفسيره، ثم أصبغ بن الفرج المصري (ت: ٢٢٥هـ). ٤ - طول عمره: حيث امتد به العمر إلى أن توفي عام ١٨٢ هـ. ٥ - اعتناء كبار نقلة التفسير بنقل تفسيره: خصوصًا ابن جرير، ثم ابن أبي حاتم . (١) ولم يصلنا ناسخه، لكن نسبته إليه مشهورة. ينظر: الفهرست ص٢٥٣. (٢) سير أعلام النبلاء ٣٤٩/٨. (٣) ينظر: تفسير أتباع التابعين: عرض ودراسة ص١٥١ - ١٥٥. مُوَسُوعَة التَّفْسِيَةُ المَاتُوز المدخل إلى مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير ٥ ٣١٧ : خامسًا يحيى بن سلّام (ت٢٠٠هـ)(١) يحيى بن سلّام بن أبي ثعلبة التيمي، أبو زكريا البصري، ثم المغربي القيرواني، ولد بالكوفة عام ١٢٤هـ، وانتقل إلى البصرة فتلقى العلم عن علمائها من تلاميذ الحسن البصري (ت: ١١٠هـ) وقتادة (ت: ١١٧هـ)، خصوصًا: سعيد بن أبي عروبة (ت: ١٥٦هـ)، وشعبة بن الحجاج (ت: ١٦٠هـ)، وحماد بن سلمة (ت: ١٦٧هـ)، والمبارك بن فضالة (ت: ١٦٦ هـ) . ورحل إلى الكوفة فأخذ عن سفيان الثوري (ت: ١٦١هـ)، وإلى المدينة فأخذ عن مالك (ت: ١٧٩هـ)، وإلى مصر فأخذ عن ابن لهيعة (ت: ١٧٤هـ)، والليث بن سعد (ت: ١٧٥ هـ)، كما أخذ القراءات عن أصحاب الحسن البصري، وكان له اختيار في القراءة عن طريق الآثار. وانتقل في آخر حياته إلى إفريقية (القيروان)، ومكث بها حوالي عشرين سنة، بَثَّ فيها علمه، وألقى تفسيره، ونال مكانة مرموقة بين أهلها وحكامها، وفي أواخر حياته خرج إلى الحج، وعند عودته توفي بمصر عام ٢٠٠ هـ. منزلته في العلم والتفسير: أثنى عليه أهل العلم، فقال أبو عمرو الداني (ت: ٤٤٤هـ): ((كان ثقةً ثبتًا، عالمًا بالكتاب والسُّنَّة، وله معرفة باللغة والعربية)»(٢). وقد جمع وصنَّف تصانيف عدة، ففي علوم القرآن يُنسب إليه كتاب ((التصاريف: تفسير القرآن مما اشتبهت أسماؤه (١) ينظر في ترجمته: سير أعلام النبلاء ٣٩٧/٩، ميزان الاعتدال ٣٨١/٤، غاية النهاية في طبقات القراء ٣٧٣/٢، مقدمة تحقيق تفسير يحيى بن سلام ١١/١، رسالة ((منهج يحيى بن سلام في التفسير)) لهاشم الخولي، تفسير أتباع التابعين ص ١٧٥ - ١٨٨. (٢) سير أعلام النبلاء ٩/ ٣٩٧، غاية النهاية في طبقات القراء ٣٧٣/٢، مقدمة تحقيق تفسير يحيى بن سلام ١/ ٠١٣ المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّفْسِيُ الحَاتُورُ مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير : ٣١٨ : وتصرفت معانيه)) (١)، و(تفسير القرآن)). وفي الحديث له كتاب ((الجامع))، كذلك له اختيارات في الفقه(٢). أما تفسيره فقد ألَّفه بإفريقية وأثنى عليه أهل العلم، فقال أبو عمرو الداني: ((سكن أفريقية دهرًا، وسمع الناس بها كتابه في تفسير القرآن، وليس لأحد من المتقدمين مثله))(٣)، وقد اعتنى به الأندلسيون والمغاربة اعتناءً كبيرًا؛ حتى ذُكرت له عندهم مختصرات عِدَّة، من أشهرها: مختصر ابن أبي زَمَنِين (ت: ٣٩٩هـ) (٤). أما عند المشارقة فلم أقف على أحد من أئمة نقلة التفسير المسند - كالطبري وابن المنذر وابن أبي حاتم - يروي عنه! سواء من تفسيره الاجتهادي أو النقلي، ولعل سبب ذلك عدم وقوفهم على تفسيره (٥). ويظهر أن نسخ تفسير يحيى بن سلام الكاملة قد فقدت بعد ذلك، لذا لم نجد المعتنين بالتفسير المأثور من المتأخرين ينقل عنه، كابن كثير (ت: ٧٧٤هـ)، وكذا السيوطي (ت: ٩١١هـ) في ((الدر المنثور)) الذي لم ينقل عنه شيئًا من تفسيره النقلي أو الاجتهادي. لكن شاء الله أن تبقى أجزاء متفرقة منه في مهده الأول (تونس)، ظلت حبيسة في مكتباتها، إلى أن هيَّأ الله له الدكتورة الفاضلة هند شلبي التي قامت بجمع متفرقه، وتحرير نصِّه، وتحقيق أجزائه، وأصدرت ما تم من سوره في مجلدين؛ من سورة النحل إلى سورة الصافات(٦)، وقد اعتمدنا عليه في استخراج تفسير يحيى بن سلام في هذه الموسوعة، وأما السور الأخرى فقد استُخرج من مختصره تفسير ابن أبي زمنين، كما تقدم، وبهذا ترصَّعت موسوعة التفسير المأثور بهذه الميزة عن مثيلاتها، فبلغت آثار تفسير يحيى (٢٦٢٨) أثرًا، لا تكاد تجد أي منها في كتب التفسير المأثور المسندة . (١) طبع بتحقيق: د.هند شلبي، الشركة التونسية، ١٩٧٩ م. وينظر: بيان مدى نسبته إليه في كتاب تفسير أتباع التابعين ص ٣٥١. (٢) ينظر: مقدمة تحقيق تفسير يحيى بن سلام ١٣/١. (٣) غاية النهاية في طبقات القراء ٣٧٣/٢. (٤) طبع بتحقيق: عبد الله حسين بن عكاشة، ومحمد مصطفى الكنز، الفاروق الحديثة للطباعة والنشر، ط ١، ١٤٢٣/ ٢٠٠١م، ٥ أجزاء. (٥) لكن أورد آثارًا من تفسيره بعض المفسرين المشارقة المتأخرين، من أبرزهم: الماوردي (ت: ٤٥٠هـ). ينظر: تفسير أتباع التابعين ص ١٧٧ . (٦) صدر عام ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤م، عن دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ٩١٣ صفحة في مجلدين. المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقْنَسِيرُ الْخَاشُور مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير : ٣١٩ % أسباب تقدمه في التفسير وكثرة المروي عنه: هناك أسباب عدة أدت إلى كثرة آثار تفسير يحيى بن سلام، لعل من أبرزها : ١ - التخصص في علم التفسير رواية ودراية: فقد كان يحيى بن سلام عالمًا متفننًا، لكن يظهر أن أغلب علمه تركز في التفسير حتى صار يعرف به أكثر من غيره. ٢ - التصنيف في التفسير: وهو من أوسع المجالات التي تحفظ للعالِم علمه، ولولا أن يحيى صنّف تفسيره، ثم وصوله إلينا لما وقفنا إلا على النزر اليسير من تفسيره . ٣ - كثرة رحلاته، وبالتالي تعدد مصادره، فقد رحل إلى كثير من البلاد وأخذ عن مختلف أعلام عصره كما تقدم، ولا شك أن لذلك دورًا كبير في تنوع علمه وكثرة اجتهاده . ٤ - قدرته على الاستنباط والاجتهاد في التفسير: وهو ناتج عن السبب السابق. ومع ما تقدم من تبوؤ يحيى بن سلّام مكانة مرموقة في التفسير إلا أنه لم يبلغ مرتبة الطبقة الأولى من المكثرين في التفسير في هذه الموسوعة، ولعل من أبرز أسباب ذلك ما يلي: ١ - عدم وصول تفسيره كاملًا إلينا . ٢ - أن تفسير يحيى بن سلّام لم يكن كله من اجتهاده وإنما شطره من أقواله، والشطر الآخر مما يعزوه إلى مفسري السلف؛ إن لم يكن أغلبه. مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير المدخل إلى مُؤَسُوعُ التَّقَسَّسَةُ الْخَاتُور ٥ ٣٢٠ : الطبقة الثالثة من المكثرين في التفسير من السلف (من تجاوزت آثارهم التفسيرية ١٠٠٠ أثر دون أن تبلغ ٢٠٠٠) وقد تحصل لدينا من خلال إحصاءات الموسوعة اندراج ثلاثة من مفسري السلف في هذه الطبقة، كلهم من طبقتي التابعين وأتباعهم: فمن التابعين: سعيد بن جبير (ت: ٩٥هـ)، وعكرمة مولى ابن عباس (ت: ١٠٥هـ). ومن أتباع التابعين: عبد الملك ابن جُرَيْج (ت: ١٥٠هـ). وهذه ترجمة موجزة لكل منهم تبين مكانته في التفسير وأسباب كثرة تفسيره، وفي المقابل أسباب عدم بلوغه مرتبة الطبقة الأولى من المكثرين، مرتبين بحسب وفياتهم :