النص المفهرس

صفحات 281-300

، فَوْسُوعَة التَّفْسِيُ المَاتُور
المدخل إلى
مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
٥ ٢٨١ %
مقدمة
تقدم في مبحث تاريخ تفسير السلف ذكر طبقات السلف الثلاث؛ الصحابة
والتابعين وتابعيهم، والعهد الذي عاصرته كل طبقة، كما ذكرنا الطبقات الزمنية لكل
منهم، ففي الصحابة طبقتا كبارهم وصغارهم، وفي التابعين طبقة المخضرمين، وكبار
التابعين، وأواسطهم وصغارهم، وفي أتباع التابعين: طبقة كبار أتباع التابعين
وأواسطهم وصغارهم.
أما في هذا المبحث فسوف نستعرض طبقات مفسري السلف باعتبار الكثرة
والقلة (١) في مقدار آثار تفسيرهم النظري الاجتهادي دون النقلي الروائي(٢)، وذلك
من خلال موسوعة التفسير المأثور، حيث تيسر لي بفضل الله رك أن أحصي تفسير
كل مفسري السلف المذكورين في الموسوعة، بصورة أحسب أنها أقرب إلى الدقة
والمصداقية؛ لأمور، من أهمها :
١ - اعتماد هذا الإحصاء على موسوعة التفسير المأثور التي شملت كل
مصادره المطبوعة، وما تبقى من مصادره المفقودة، وبالتالي شمول هذا الإحصاء
الذي لم يقتصر على مصدر واحد فقط كما هو حاصل في أغلب الإحصاءات
المعاصرة.
٢ - اعتماد الموسوعة منهجًا دقيقًا في تجزئة الآثار يعتمد على تفسير المفردة القرآنية
الواحدة (المنهج التحليلي)، وهذا ما لا تجده في كتب نقلة التفسير المأثور(٣)،
(١) اتبعت في ذلك المعنى اللغوي للطبقة وهو ((عبارة عن القوم المتشابهين)). مقدمة ابن الصلاح
ص ٥٠٠.
(٢) وقد جرت الموسوعة في تحديد التفسير النقلي من الاجتهادي بناء على ظاهر ما نقله أئمة نقَلَة التفسير
المأثور في كتبهم كعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وغيرهم، فطالما نسبوا القول لأحد
السلف ولم يُشِرْ إلى أنه يرويه عن غيره فالقول له بناء على ظاهره. وستأتي أمثلة ومناقشة للمسألة في هذا
البحث عند الحديث عن الربيع بن أنس، وينظر أيضًا: تفسير أتباع التابعين ص١٥٣.
(٣) تميز ابن أبي حاتم في تفسيره بهذا المنهج تميزًا واضحًا، لكن لم يتحقق فيه المنهج الوارد في (٣).

مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
٥ ٢٨٢ :
المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّفْسِيرُ الْمَاتُور
التي كثيرًا ما تورد الأثر كاملًا، وفيه تفسير عدد من مفردات القرآن(١).
٣ - اعتمدت في بيان مقدار تفسير كل مفسر إحصاء ما ورد في الموسوعة في فقرة
تفسير الآية فحسب، وتركت ما ذكر في الآثار المتعلقة بالآية؛ لأنها غالبًا ما تكون
آثارًا عامة لم تُسق لتفسير الآية، وإنما رأى فيها مصنفو المصادر تعلقًا بمعنى الآية
فألحقوه بتفسيرها، وهو كثير عند ابن أبي حاتم والسيوطي في الدر المنثور، بخلاف
فقرة تفسير الآية في الموسوعة التي أدرجنا فيها الآثار التي يظهر أنها مسوقة لتفسير
الآية (٢)، من خلال كون المفسر قصد الحديث عن الآية بأن ينص عليها، أو يذكر
لفظًا يختص بها ونحو ذلك(٣).
مما تقدم يتبين لك أن ما جاء في الدراسات الإحصائية المعاصرة قد أخل بسبب
أو أكثر من الأسباب السابقة التي أحسب أنها بمجموعها توقفنا على صورة أدق
لمقدار التفسير المأثور عن السلف.
وبعد أن انتهيت من الإحصاءات وفق المنهج السابق تحصل لدي مقدار التفسير
لكل واحد من السلف(٤).
وبناء على ذلك جعلت أقسام السلف باعتبار الكثرة والقلة في التفسير على ثلاث
طبقات :
- الطبقة الأولى: المكثرون من مفسري السلف: وهم من تجاوز تفسيرهم
الاجتهادي ٥٠٠ أثر.
(١) وهو جلي عند السيوطي في الدر المنثور الذي كثيرًا ما يجمع الآثار التفسيرية المفصلة الواردة في
المصادر عن مفسر واحد من طريق واحدة، ويسوقها مساقًا واحدًا في رواية واحدة.
(٢) هذا بصرف النظر عن حقيقة كلامه عن الآية أهو تفسير صريح أم استنباط وتدبر أم غير ذلك، مما يبحثه
المعاصرون .
(٣) وهو المنهج الذي تميز به ابن جرير الطبري. ولا يخفى أن المسألة تعتمد على الاجتهاد ومن ثم قد
تتباين وجهات النظر في ذلك.
(٤) لا يخفى أن هذا جهد بشري لا يمكن أن يكون دقيقًا ١٠٠٪، لاختلاف النظر في تحديد
التفسير الاجتهادي من النقلي، أو التفسير المباشر وما سواه، أو تجزئة الآثار، أو فوات سابق في المصادر
أو الآثار، ولما قد يحصل من خلل في الإحصاء والعد، إلى غير ذلك، لكن حسبي أني اجتهدت حسب
الطاقة، وتحريت الدقة قدر الإمكان، ومن ثم فإن المحصلة إن لم تكن دقيقة جدًّا فإنها مؤشر يوضح مقدار
تفسير كل مفسر بصورة تقريبية لن تختلف كثيرًا عن الواقع، والله أعلم.

المدخل إلى مُؤْسُوَكَة التَّفْسِيُ المَاتُوز
مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
٥ ٢٨٣ :
- الطبقة الثانية: المقلّون من مفسري السلف: وهم من تجاوز تفسيرهم
الاجتهادي ١٠٠ أثر في التفسير دون أن تبلغ ٥٠٠.
- الطبقة الثالثة: المشاركون في التفسير من السلف(١): وهم من لم يبلغ تفسيرهم
الاجتهادي ١٠٠ أثر.
وكل طبقة من هذا الطبقات جعلتها على طبقات كما سيأتي، وبالله التوفيق.
(١) وأنبه على أنه أمر اصطلحت عليه من خلال واقع الإحصاءات المتحصلة لدي، وإلا فهناك من السلف
من ذُكر أنهم من المفسرين، لكن لم تبلغ آثاره الحد المذكور لأسباب حاولت بيان أبرزها أثناء ترجمة
بعضهم، كما سيأتي في طبقة المشاركين في التفسير.

٠ ٢٨٥ %
الفصل الأول
المكثرون من مفسري السلف
الطبقة الأولى من المكثرين: من بلغت آثارهم التفسيرية في الموسوعة أكثر
من ٤٠٠٠ أثر.
الطبقة الثانية من المكثرين: من بلغت آثارهم التفسيرية في الموسوعة ما
بين ٢٠٠٠ - ٤٠٠٠ أثر.
الطبقة الثالثة من المكثرين: من بلغت آثارهم التفسيرية في الموسوعة ما
بين ١٠٠٠ - ٢٠٠٠ أثر.
الطبقة الرابعة من المكثرين: من بلغت آثارهم التفسيرية في الموسوعة ما
بين ٥٠٠ - ١٠٠٠ أثر.

المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقَنَّةُ الْجَاتُور
مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
٥ ٢٨٧
توطئة
ذكرت سابقًا أن من تجاوز تفسيره الاجتهادي ٥٠٠ أثر أدرجته ضمن المكثرين في
التفسير .
ومن خلال الإحصاءات التي بين يدي وجدت تفاوتًا كبيرًا بينهم، جعلني أعيد
النظر في مدى صلاحية إدراجهم جميعًا في طبقة واحدة، ومن هنا آثرت أن أسلكهم
في أربع طبقات، كما يلي:
الطبقة الأولى من المكثرين: من بلغت آثارهم التفسيرية في الموسوعة أكثر من
٤٠٠٠ أثر .
الطبقة الثانية من المكثرين: من بلغت آثارهم التفسيرية في الموسوعة ما بين
٢٠٠٠ - ٤٠٠٠ أثر.
الطبقة الثالثة من المكثرين: من بلغت آثارهم التفسيرية في الموسوعة ما بين
١٠٠٠ - ٢٠٠٠ أثر.
الطبقة الرابعة من المكثرين: من بلغت آثارهم التفسيرية في الموسوعة ما بين
٥٠٠ - ١٠٠٠ أثر.

مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
٥ ٢٨٨
فَوْسُوعَةُ التَّفْسَِّةُ الْجَاتُور
المدخل إلى
الطبقة الأولى من المكثرين في التفسير من السلف
(من تجاوزت آثارهم التفسيرية ٤٠٠٠ أثر)
من خلال إحصاءات الموسوعة تحصّل لدينا أن أكثر السلف تفسيرًا أربعةٌ :
من الصحابة: عبد الله بن عباس (ت: ٦٨هـ).
من التابعين: من أواسطهم: مجاهد بن جبر (ت: ١٠٢هـ).
ومن صغارهم: قتادة بن دعامة (ت: ١١٧هـ).
ومن أتباع التابعين: مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ).
وفيما يلي ترجمة موجزة لكل منهم، تبيّن شيوخه وتلاميذه ومكانته في العلم
والرواية ثم منزلته في التفسير، وأهم الطرق التي وصل إلينا تفسيره عبرها، وأسباب
كثرة تفسيره؛ مرتبين بحسب وفياتهم:

فَوْسُوعَة التَّفْسِيرُ الْخَاتُوز
المدخل إلى
مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
٢٨٩ .
أولًا
عبد الله بن عباس
(١)
عنهما (ت: ٦٨هـ)
رضى
عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي، ابن عم الرسول وَّر، وأمه لبابة
بنت الحارث الهلالية، أخت أم المؤمنين ميمونة.
ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وتوفي الرسول وَ ل وله من العمر ثلاث عشرة سنة،
وعليه فهو معدود في صغار الصحابة.
منزلته في العلم ومصادره:
صحب ابن عباس الرسول 80* نحوًا من ثلاثين شهرًا، اجتهد فيها وأخذ عن
الرسول ◌َ﴿ قدرًا من العلم، وحدث عنه بجملة صالحة.
وبعد وفاة الرسول ◌َل# استدرك ما فاته من العلم عن طريق كبار الصحابة
وعلمائهم، جاء عنه أنه قال: ((لما قبض رسول الله وَ له قلت لرجل من الأنصار:
هلم فلنسأل أصحاب رسول الله وَّ فإنهم اليوم كثير، قال فقال: واعجبا لك يا ابن
عباس أترى الناس يفتقرون إليك وفي الناس من أصحاب رسول الله وَّر من فيهم؟
قال: فتركت ذلك وأقبلت أسأل أصحاب رسول الله وَّله عن الحديث، فإن كان
ليبلغني الحديث عن الرجل فآتي بابه وهو قائل، فأتوسد ردائي على بابه تسفي الريح
علي التراب فيخرج فيراني فيقول لي: ((يا ابن عم رسول الله ما جاء بك؟ ألا أرسلت
إلي فآتيك؟ فأقول: لا، أنا أحق أن آتيك فأسأله عن الحديث، فعاش ذلك الرجل
الأنصاري حتى رآني وقد اجتمع الناس حولي ليسألوني فيقول: هذا الفتى كان أعقل
مني)) (٢)، وقال رظُله: ((كنت ألزم الأكابر من أصحاب رسول الله وَّ من المهاجرين
(١) تنظر ترجمته: طبقات ابن سعد ٣٦٥/٢ - ٣٧٢، تهذيب الكمال ١٥٤/١٥، سير أعلام النبلاء ٣/
٣٣٢، تهذيب التهذيب ٢٧٦/٥.
(٢) طبقات ابن سعد ٢/ ٣٦٧.

مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
: ٢٩٠ .
المدخل إلى فَوْسُوعَة التَّقَسَِّةُ الْخَاتُور
والأنصار فأسألهم عن مغازي رسول الله وَ ل# وما نزل من القرآن في ذلك، وكنت لا
آتي أحدًا منهم إلا سُرَّ بإتياني؛ لقربي من رسول الله وََّ، فجعلت أسأل أبي بن
كعب يومًا، وكان من الراسخين في العلم عما نزل من القرآن بالمدينة فقال: نزل بها
سبع وعشرون سورة وسائرها بمكة))(١).
قرأ القرآن على: أبي بن كعب، وزيد بن ثابت.
وأخذ العلم عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وزيد بن
ثابت، وغيرهم ﴿ه، وجمع علمهم حتى صار حبر الأمة وترجمان القرآن، فعن
عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: ((كان ابن عباس قد فات الناس بخصال: بعلم
ما سبقه، وفقه فيما احتيج إليه من رأيه، وحلم ونسب ونائل، وما رأيت أحدًا كان
أعلم بما سبقه من حديث رسول الله وَّل منه، ولا أعلم بقضاء أبي بكر وعمر
وعثمان منه، ولا أفقه في رأي منه، ولا أعلم بشعر ولا عربية ولا بتفسير القرآن ولا
بحساب ولا بفريضة منه، ولا أعلم بما مضى ولا أثقف رأيًا فيما احتيج إليه منه،
ولقد كان يجلس يومًا ما يذكر فيه إلا الفقه، ويومًا التأويل، ويومًا للمغازي، ويومًا
الشعر، ويومًا أيام العرب، وما رأيت عالمًا قط جلس إليه إلا خضع له، وما رأيت
سائلًا قط سأله إلا وجد عنده علمًا))(٢).
مكانته فى التفسير وآثاره:
تقدم أن ابن عباس من صغار الصحابة، ومع ذلك فقد سبقهم في علم التفسير
حتى صار من أعلمهم، شهد بذلك كبار الصحابة ومن بعدهم، فهذا ابن مسعود رضي الله
يقول: ((لو أن ابن عباس أدرك أسناننا ما عشره منا رجل، نعم ترجمان القرآن ابن
عباس))(٣)، وقال عنه علي بن أبي طالب: ((كأنما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق))(٤).
وقد بلغت آثار ابن عباس في الموسوعة (٨٩٢٢) أثرًا، وهو عدد كبير جدًّا لا
يضاهيه أحد من الصحابة أو يقاربه أو يبلغ معشاره! (٥) .
(٢) طبقات ابن سعد ٣٦٨/٢.
(١) طبقات ابن سعد ٣٧١/٢.
(٣) طبقات ابن سعد ٣٦٦/٢.
(٤) البرهان في علوم القرآن ١/ ٨، وينظر ثناء طلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وأُبي بن كعب،
وأم سلمة، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وجابر بن عبد الله رضيّه على علمه، في: طبقات ابن
سعد ٣٦٩/٢ - ٢٧١.
(٥) ولكن مما يلزم ذكره على ما جمع في الموسوعة من آثار ابن عباس خاصة:
=

المدخل إلى مُؤْسُوكَة التَّفَسَّسَةُ المَاتُور
مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
٢٩١ .
أسباب تقدم ابن عباس في التفسير:
لعل من أبرز أسباب سبق ابن عباس في التفسير وتقدمه ما يلي (١):
١ - دعاء النبي وَّ له، حين قال: ((اللَّهُمَّ علمه الكتاب))(٢). وفي رواية: ((اللَّهُمَّ
فقِّه في الدين وعلمه التأويل)»(٣).
٢ - اعتناؤه بعلم التفسير واستفراغ جهده فيه.
٣ - أخذه العلم عن كبار علماء الصحابة، خصوصًا عمر وعلي وأبي بن كعب وزيد بن
ثابت رضيه، فجمع علمهم جميعًا، واستدرك بذلك ما فاته من العلم زمن النبي وَّر.
٤ - دقة فهمه، وقوة اجتهاده، ورجاحة عقله (٤).
٥ - اعتناؤه بتلاميذه وحرصه على نشر علمه بينهم، ومن ثم اعتناء تلاميذه بنشر
علمه .
٦ - تأخر وفاته نسبيًّا. قال ابن تيمية: ((وقد مات ابن مسعود في سنة ثلاث
وثلاثين على الصحيح، وعمّر بعده ابن عباس ستًّا وثلاثين سنة، فما ظنك بما كسبه
من العلوم بعد ابن مسعود؟!))(٥).
فاجتماع هذه الأسباب فيه صيرته أعلم الصحابة بتفسير القرآن، وأكثرهم آثارًا فيه،
نعم هناك من الصحابة من بلغ شأوًا بعيدًا في هذا العلم كابن مسعود وعلي رضيًّا، لكن
لم تجتمع لهم هذه الأسباب كما اجتمعت لابن عباس حتى بلغت آثاره ذلك المبلغ،
بل هو من أكثر السلف عامة آثارًا في التفسير كما سيتبين لنا في إحصاءات الموسوعة.
تلاميذ ابن عباس:
تقدم في مبحث تاريخ التفسير أنه بعد استشهاد علي، وتنازل الحسن عن الخلافة
لمعاوية رضي الله عنهم أجمعين عام ٤١هـ؛ انتقل ابن عباس رضيًّا إلى مكة متفرغًا
= - كثرة الطرق في تفسير بعض الآيات، وهي داخلة ضمن الإحصاءات نظرًا لمكانة تفسير ابن عباس.
- أنها لم تعم جميع آيات القرآن.
(١) ينظر بتوسع: تفسير التابعين ٣٧٢/١ - ٣٩٥.
(٣) رواه أحمد ٢٦٦/١، ٣١٤.
(٢) رواه البخاري ٢٦/١ (٧٥).
(٤) وتقدم في الدراسة السابقة أن عمر بن الخطاب رضيبه فطن لذلك، فأدنى مجلسه، وقرب منزلته، وأعلى
مكانته .
(٥) مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية ص٤١. وينظر: البرهان في علوم القرآن ١/ ٨.

مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
٥ ٢٩٢ .
المدخل إلى مُؤْسُوَكَةُ التَّقْسِيُ الْخَاتُورُ
لنشر العلم ومتصديًا لتفسير القرآن، وقد تميز بمنهج تعليمي فذّ مع طلابه، حيث كان
يحثهم على تحصيل العلم، ويربيهم على الاجتهاد، ويشجعهم على الإفتاء، فتخرّج
عليه أبرز أعلام مفسري التابعين، يأتي على رأسهم مجاهد بن جبر (ت: ١٠٢ هـ)،
وسعيد بن جبير (ت: ٩٥هـ)، وعكرمة (ت: ١٠٥م)، والضحاك بن مزاحم (ت: ١٠٤هـ)، وعطاء بن
أبي رباح (ت: ١١٤هـ)، وطاووس بن كيسان (ت: ١٠٦هـ)، وأبو مالك الغفاري (ت: ٩١ - ١٠٠هـ)،
وأبو صالح باذام (ت: ١٢٠هـ)، وعطية العوفي (ت: ١١٢هـ)، وأبو الجوزاء (ت: ٨٣هـ)، وغيرهم.
طرق تفسير ابن عباس:
قال السيوطي: ((وقد ورد عن ابن عباس في التفسير ما لا يحصى كثرة وفيه
روايات وطرق مختلفة))(١)، وفي هذه الموسوعة ورد الكثير منها، لكن أهمها وأكثرها
ورودًا ما يلي :
١ - طريق علي بن أبي طلحة(٢): بلغت الآثار التي رويت عن ابن عباس من هذه
الطريق (١٤٥٧) أثرًا.
٢ - طريق عطية العوفي: بلغت الآثار التي رويت عن ابن عباس من هذه الطريق
(١٢٩٦) أثرًا(٣).
٣ - طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى آل زيد بن ثابت،
عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس(٤)، وقد اصطلحنا على ذكرها في
الموسوعة اختصارًا بـ ((طريق ابن إسحاق بسنده))، وبلغت الآثار التي رويت عن ابن
عباس من هذه الطريق (١٢٨).
٤ - طريق إسماعيل السُّدّي عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس(٥): بلغت
الآثار التي رويت عن ابن عباس من هذه الطريق (١٤٧).
(١) الإتقان في علوم القرآن ٤/ ٢٣٧.
(٢) وقد يختصر في الموسوعة فيقال: من طريق علي. وتقدم في منهج التخريج الحديث عنها وحكمها.
(٣) وقد يختصر في الموسوعة فيقال: من طريق عطية، أو من طريق العوفي. وتقدم في منهج التخريج
الحديث عنها وحكمها .
(٤) قال السيوطي في الإتقان ٢٣٧/٤: ((ومن ذلك طريق ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد مولى آل
زيد بن ثابت عن عكرمة أو سعيد بن جبير - عنه، هكذا بالترديد وهي طرق جيدة وإسنادها حسن وقد أخرج
منها ابن جرير وابن أبي حاتم كثيرًا وفي معجم الطبراني الكبير منها أشياء)).
(٥) قال السيوطي في الإتقان ٢٣٨/٤ فيما نقل عن الخليلي في الإرشاد: ((وتفسير إسماعيل السدي، يورده =

فَوْسُ عَبْ التَّفْسِي المَاتُور
المدخل إلى
مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
: ٢٩٣ :-
٥ - طريق سعيد بن جبير(١): بلغت الآثار التي رويت عن ابن عباس من هذه
الطريق (٦٢٢).
٦ - طريق عكرمة: بلغت الآثار التي رويت عن ابن عباس من هذه الطريق
(٦٣٩) .
٧ - طريق مجاهد: بلغت الآثار التي رويت عن ابن عباس من هذه الطريق
(٣٠٢) .
٨ - طريق الضحاك: بلغت الآثار التي رويت عن ابن عباس من هذه الطريق (٣٠٦).
٩ - طريق الكلبي عن أبي صالح: بلغت الآثار التي رويت عن ابن عباس من هذه
الطريق (١٦٢).
١٠ - طريق عطاء بن أبي رباح: بلغت الآثار التي رويت عن ابن عباس من هذه
الطريق (١٦). أما من طريق عطاء (مهملًا دون تعيينه) فقد بلغت الآثار التي رويت
عن ابن عباس من هذه الطريق (٢٠٦).
١١ - طريق عطاء الخراساني: بلغت الآثار التي رويت عن ابن عباس من هذه
الطريق (١٩٢).
= بأسانيد إلى ابن مسعود وابن عباس. وروى عن السدي الأئمة، مثل الثوري وشعبة. ولكن التفسير الذي
جمعه، رواه أسباط بن نصر. وأسباط لم يتفقوا عليه. غير أن أمثل التفاسير تفسير السُّدي)). ثم قال
السيوطي: ((وتفسير السُّدي الذي أشار إليه يورد منه ابن جرير كثيرًا من طريق السُّدي عن أبي مالك وعن أبي
صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود وناس من الصحابة هكذا، ولم يورد منه ابن أبي حاتم شيئًا
لأنه التزم أن يخرج أصح ما ورد، والحاكم يخرج منه في مستدركه أشياء ويصححه، لكن من طريق مرة عن
ابن مسعود وناس فقط، دون الطريق الأول، وقد قال ابن كثير: إن هذا لإسناد يروي به السدي أشياء فيها
غرابة)). وقد وهم السيوطي في قوله بأن ابن أبي حاتم لم يورد من هذه الطريق شيئًا، بل أورد كثيرًا كما
سنرى في هذه الموسوعة، وقد قال الحافظ ابن حجر قبله في التهذيب ٣١٥/١: ((قد أخرج الطبري وابن
أبي حاتم وغيرهما في تفاسيرهم، تفسير السُّدي، مفرقًا في السور، من طريق أسباط بن نصر عنه)). وقد
استغرب الشيخ أحمد شاكر دعوى السيوطي فقال بعد أن نقل كلام ابن حجر: ((وأول ما نشير إليه في هذه
الأقوال: التناقض بين قولي الحافظ ابن حجر والسيوطي، في أن ابن أبي حاتم أخرج تفسير السدي مفرقًا
في تفسيره، كما صنع الطبري، في نقل الحافظ، وأنه أعرض عنه، في نقل السيوطي. ولست أستطيع الجزم
في ذلك بشيء، إذ لم أرَ تفسير ابن أبي حاتم [لم يطبع حينئذ]. ولكني أميل إلى ترجيح نقل ابن حجر، بأنه
أكثر تثبتًا ودقة في النقل من السيوطي)). تفسير الطبري، تحقيق: الشيخ شاكر ١٥٦/١، حاشية (٢).
(١) قال السيوطي في الإتقان في علوم القرآن ٢٣٧/٤: ((ومن جيد الطرق عن ابن عباس طريق قيس عن
عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عنه وهذه الطريق صحيحة على شرط الشيخين وكثيرًا ما يخرج منها
الفريابي والحاكم في مستدركه)).

مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
٢٩٤
المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقْسِيُ المَاتُورُ
ثانيًا
مجاهد بن جبر (ت: ١٠٢هـ)
(١)
أبو الحجاج مجاهد بن جبر المكي، مولى السائب بن أبي السائب المخزومي
((شيخ القراء والمفسرين)) (٢) من التابعين، ولد في أواخر عهد عمر نظابه، وعليه فهو
في عِداد الطبقة الوسطى من التابعين.
مكانته في التفسير وآثاره:
روى مجاهد عن أبي هريرة، وعائشة، وابن عمر، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد
الخدري، وغيرهم.
واختص بابن عباس - فأكثر وأطاب - حيث أخذ عنه القرآن، قال رَخَّتُهُ: ((عرضت
القرآن على ابْن عباس ثلاثين مرة))(٣)، ولم يكتف بعرض القرآن؛ بل أخذ عنه
تفسيره، فقرأ عليه قراءة تفهم، قال تَخْتُهُ: ((عرضت القرآن ثلاث عرضات على ابن
عباس، أقفه عند كل آية، أسأله: فيم نزلت؟ وكيف كانت؟)) (٤)، وعن ابن أبي مليكة
قال: ((رأيت مجاهدًا يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه، فيقول له ابن
عباس: اكتب، قال: حتى سأله عن التفسير، كله))(٥).
ولا شك أن ملازمة مجاهد لحبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس لها دور
كبير في صقل شخصيته وتكوينه العلمي، مما نتج عنه تَبَوُّؤ مجاهد مكانة عظيمة بين
مفسري التابعين، قال خصيف: ((كان مجاهد أعلمهم بالتفسير))، وقال قتادة: ((أعلم
من بقي بالتفسير مجاهد))(٦). وقد أثنى عليه المتقدمون والمتأخرون، فقال سفيان
(١) ينظر في ترجمته: المعرفة والتاريخ ٧١٠/١، طبقات ابن سعد ٤٦٦/٥، تهذيب الكمال ٢٣٣/٢٧،
سير أعلام النبلاء ٤ /٤٤٩، تفسير أتباع التابعين ٩٠/١ - ١٣٦.
(٢) سير أعلام النبلاء ٤ /٤٤٩.
(٤) سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٤٩.
(٦) تهذيب الكمال ٢٣٣/٢٧.
(٣) تهذيب الكمال ٢٣٣/٢٧.
(٥) تفسير الطبري ١/ ٨٥.

المدخل إلى مُؤَسُوعَةُ التَّفْسِيَةُ الْحَاتُون
مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
٢٩٥ %=
الثوري: ((إذا جاءك التفسير عن مجاهد، فحسبك به))(١)، وقال أيضًا: ((خذوا التفسير
من أربعة: سعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك))(٢)، ووصفه ابن تيمية بأنه
آية في التفسير، وقال: ((ولهذا يعتمد على تفسيره الشافعي والبخاري وغيرهما من
أهل العلم، وكذلك الإمام أحمد وغيره ممن صنف في التفسير، يكرر الطرق عن
مجاهد أكثر من غيره)) (٣).
والناظر في تفسيره يرى مصداق ذلك، فقد كان تَخَّتُهُ ذا نظر ثاقب، واجتهاد
رصين، ودقة في إبراز المعاني، واستنباط الدقائق، وتوسع في التفسير، ما لا تجده
عند كثير من أقرانه، وقد بلغت آثار تفسيره في الموسوعة (٤٧٤٤) أثرًا، تشهد بعلو
كعبه في التفسير، وتميزه في التأويل .
* أسباب تقدم مجاهد في التفسير وكثرة آثاره (٤):
لا شك أن لتلك المكانة التي بلغها مجاهد في التفسير أسبابًا وعوامل عديدة،
لعل من أبرزها :
١ - صحبته لابن عباس رضيًّا وطول ملازمته له: حتى كان أخص تلاميذه به، لا
سيما في كونه عرض القرآن عليه كاملًا قراءة وتفسيرًا عدة مرات، عرض سؤال
وتفهم، كما تقدم.
٢ - تفرغه للتفسير النظري: إذ تخصص فيه، واستفرغ جهده، ولم يشتغل بغيره
كما اشتغل به، وفي ذلك يقول: ((استفرغ علمي القرآن))(٥)، بل إنه لم يشتغل كثيرًا
برواية تفسير غيره، حتى أقرب العلماء إليه، فقد كان من أقل تلاميذ ابن عباس رواية
عنه مع أنه من أكثرهم أخذًا عنه.
٣ - توسعه في الاجتهاد، والاستنباط: فقد استفاد ذلك من شيخه ابن عباس رضيها،
وتميز عن أقرانه فيه، فكان من أكثرهم إعمالًا للرأي في التفسير، ومن أميزهم في
بيان المشكل منه .
٤ - عناية تلاميذه بنقل تفسيره، ونشر تراثه وروايته لمن بعده، يأتي على رأسهم
عبد الله بن أبي نجيح (ت: ١٣٢هـ)، الذي روى أغلب تفسيره حيث بلغت في الموسوعة
(١) تفسير الطبري ١/ ٨٥.
(٣) مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية ص ١٠.
(٥) سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٥٢.
(٢) سير أعلام النبلاء ٤٥١/٤.
(٤) ينظر: تفسير التابعين ١٢٥/١ - ١٣٥.

مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
المدخل إلى مُؤَسُوعَة التَّقْسِيةُ المَاتُوز
٢٩٦ .
(٢٣٤٤) رواية، يليه ابن جريج (ت: ١٥٠هـ) الذي بلغت مروياته عن مجاهد في
الموسوعة (٣٦٦) أثرًا .
٥ - كتابته للتفسير: وتقدم ما عرف عنه من حرصه على التدوين عند مساءلته
الشيخه، وهكذا كان تلاميذه يكتبون عنه، قال عبيد المُكتب: ((رأيتهم يكتبون التفسير
عند مجاهد))(١)، ومن هنا اشتهر عن مجاهد أن له كتابًا في التفسير.
٦ - اشتغاله بالإقراء والقراءات: فقد كان تَخَّتُهُ مقرئ أهل مكة، قرأ عليه: ابن
كثير، وابن محيصن المكيَّان، كما قرأ عليه أبو عمرو البصري، وغيرهم(٢). ولا
شك أن للتضلع في علم القراءات أثرًا في فهم القرآن وتفسيره، وقد كان مجاهد
مدركًا لذلك، فكان يتأسف على أنه لم يقرأ بقراءة ابن مسعود حتى تفيده في فهم
الآيات، وفي ذلك يقول تَخْتُهُ: ((لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود لم أحتج أن أسأل
ابن عباس عن كثير من القرآن مما سألت))(٣).
٧ - عدم دخوله في الفتن: كما حصل لبعض أقرانه كسعيد بن جبير، لذا لم
يعرف عنه أنه شارك في نحو ذلك أو دعا إليه، بل ورد عنه خلافه، وحريّ بالعالم
إذا سلِم من الفتن أن يتصدى للعلم ويتصدر للتعليم، ويقبل عليه الناس دونما
عوائق، كما كان مجاهد دَخَُّهُ .
٨ - تأخر وفاته: حيث طال به العمر حتى بلغ ٨٣ سنة، وتوفي بمكة وهو ساجد
عام ١٠٢ هـ، وقيل: ١٠٤ هـ (٤)، وقيل غير ذلك. ولا شك أن لطول العمر أثرًا في أن
يأخذ عنه عدد كبير من التلاميذ، وأن يدركه الأصاغر فضلًا عن الأكابر.
(١) أخرجه الدارمي في سننه ٤٣٩/١.
(٢) سير أعلام النبلاء ٤ / ٤٥٠.
(٣) أخرجه الترمذي في سننه ٢٠٠/٥ (٤٣٩).
(٤) وقد اعتمدت الموسوعة وفاته عام ١٠٢ هـ.

فَوْسُ عَبْ التَّفْسِيَةُ الْجَاتُون
المدخل إلى
مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
٥ ٢٩٧ .
ثالثًا
قتادة بن دعامة (ت: ١١٧هـ)(١)
قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز، أبو الخطاب السدوسي، البصري، الضرير،
الأكمه. مولده في سنة ستين(٢)، وعداده في صغار التابعين.
روى عن عبد الله بن سرجس، وأنس بن مالك، وأبي الطفيل ضيه، كما روى عن
أبي العالية، وسعيد بن المسيب، وأبي عثمان النهدي، ومطرف بن عبد الله بن
الشخير، والشعبي، والحسن البصري.
مكانته في العلم والتفسير:
كان قتادة من أوعية العلم، وممن يضرب به المثل في قوة الحفظ، وهو رأسٌ
في الحديث والتفسير والخلاف، فعن أحمد بن حنبل أنه ذكر قتادة فأطنب في
ذكره فجعل ينشر من علمه، وفقهه، ومعرفته بالاختلاف والتفسير، وغير ذلك،
وجعل يقول: ((عالم بتفسير القرآن، وباختلاف العلماء))؛ ووصفه بالحفظ
والفقه(٣)، وقال الذهبي عنه: ((حافظ العصر، قدوة المفسرين والمحدثين)) (٤). وقال
أيضًا: ((وكان قتادة أيضًا رأسًا في العربية، والغريب، وأيام العرب، وأنسابها))(٥).
ولا شك أن لهذه الأمور أثرًا في كثرة تفسيره، خصوصًا أنه سمع الكثير في التفسير
حتى قال عن نفسه: ((ما في القرآن آية إلا وقد سمعت فيها شيئًا))(٦).
مقدار تفسير قتادة وأسباب كثرته:
بلغت آثاره التفسيرية في الموسوعة (٥٧٢٦) أثرًا، فكان أكثر التابعين تفسيرًا
(١) ينظر في ترجمته: طبقات ابن سعد ٢٢٩/٧، تهذيب الكمال ٤٩٨/٢٣، تاريخ الإسلام ٣٠١/٣، سير
أعلام النبلاء ٢٦٩/٥، تهذيب التهذيب ٣٥١/٨، تفسير التابعين: ٢٥٢/١.
(٢) سير أعلام النبلاء ٢٦٩/٥.
(٣) تهذيب الكمال ٥١٥/٢٣.
(٤) سير أعلام النبلاء ٢٦٩/٥.
(٦) تهذيب الكمال ٥١١/٢٣، تاريخ الإسلام ٣٠٢/٣.
(٥) تاريخ الإسلام ٣٠٣/٣.

مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّفْسِيُ الخَاتُون
=
٢٩٨ %=
لآيات القرآن على الإطلاق (١)، مع أنه ليس بأشهرهم لأسباب عدة، نوجز أبرزها
فما يلي :
١ - ما تقدم من قوة حافظته، وكثرة ما سمع في التفسير. وهذا يعلل كثرة مروياته
في التفسير، ونزول الآيات، والنسخ، واستشهاده بالسُّنَّة وأقوال المتقدمين أثناء
تفسيره، حتى فاق أقرانه من التابعين.
٢ - تعدد مصادره، وكثرة شيوخه، فقد أخذ عن أهل بلده بالبصرة، خصوصًا
أنس بن مالك رضيبه، وكذلك الحسن البصري الذي لازمه ثنتي عشرة سنة (٢)، حتى
تأثر به في طرح التفسير بأسلوب وعظي ومنهج تربوي مؤثر. كذلك رحل خارج
البصرة فأخذ عن سعيد بن المسيب بالمدينة فكان مِن أكثر مَن روى تفسيره.
٣ - عناية تلاميذه بنقل تفسيره، ونشر تراثه وروايته لمن بعده، يأتي على رأسهم
سعيد بن أبي عروبة (ت: ١٥٦م)، الذي بلغت مروياته عنه في الموسوعة (٢٩٣٨) رواية،
يليه معمر بن راشد (ت: ١٥٣هـ) الذي بلغت مروياته عنه في الموسوعة (١٤٦٤) رواية.
٤ - عدم دخوله في الفتن، مع أنه من أهل العراق الذي كان مصدرًا للفتن
والقلاقل آنذاك، والتي كان من أشدها فتنة ابن الأشعث، فلم يشارك قتادة في مثل
تلك الفتن بل كان على منهج شيخه الحسن البصري، في البعد عنها والسلامة منها .
٥ - تقدمه في اللغة، وعلومها، ومن هنا تميز تفسيره بالاستشهاد بالشعر وبيان
اشتقاق الألفاظ ومعاني لغات العرب، كما تميز أسلوبه بجزالة الألفاظ، وجمال
العبارة، وبلاغة القول.
في المقابل كانت هناك أمور يتوقع أن تؤثر في تفسير قتادة لكن لم يحصل شيء
من ذلك(٣)! من أبرزها :
١ - قوله بالقدر: قال ابن سعد عن قتادة: ((كان ثقة مأمونًا، حجة في الحديث،
(١) المشهور في كتب تاريخ التفسير والتراجم أن مجاهدًا هو أكثر التابعين آثارًا في التفسير، وهذا صحيح
من جهة كثرة روايات تفسيره وطرقه المختلفة؛ خصوصًا عند ابن جرير، لكن بالنظر إلى كثرة الآيات
المفسَّرة وكثرة الأقوال المختلفة في التفسير فقد كشفت الموسوعة أن قتادة يفوقه في ذلك، والناظر في
تفسير كثير من الآيات في هذه الموسوعة لا يكاد يجد لمجاهد قول فيها، بينما ينفرد قتادة عنه بتفسيرها،
والله أعلم.
(٢) تهذيب الكمال ٢٣ /٥١٤.
(٣) وهذا يستدعي دراسةً وافيةً لبيان أسباب عدم تأثر قتادة بذلك، بينما في المقابل تأثر غير قتادة بمثل تلك
الأسباب - كعكرمة ومقاتل بن سليمان والكلبي وغيرهم - بقلة ما روي عنه في التفسير مع شهرتهم فيه.

المدخل إلى مُؤْسُوكَة التَّفْسِيُ الخَاتُور
مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
٢٩٩ %
وكان يقول بشيء من القدر))(١)، وقال العجلي: ((كان يقول بشيء من القدر، وكان
لا يدعو إليه، ولا يتكلم فيه))(٢)، ومن هنا اشتد موقف بعض معاصريه منه كطاووس
الذي كان إذا أتاه قتادة فرَّ منه(٣)؛ لكن لم يكن ذلك الموقف هو السائد منه، قال
الذهبي عنه: ((وكان يرى القدر - نسأل الله العفو -، ومع هذا؛ فما توقف أحد في
صدقه، وعدالته، وحفظه، ولعل الله يعذر أمثاله ممن تلبس ببدعة يريد بها تعظيم
الباري وتنزيهه، وبذل وسعه، والله حكم عدل لطيف بعباده، ولا يُسأل عما يفعل،
ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعُلِم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر
ذكاؤه، وعرف صلاحه وورعه واتباعه؛ يُغفر له زلله، ولا نضلِّله ونطرحه وننسى
محاسنه، نعم، ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك))(٤). وهذا
الذي قاله الذهبي هو موقف الأئمة تجاه تفسير قتادة ومروياته، فقد تناقله نقلة التفسير
وسُوِّدَت بمروياته كتب التفسير المأثور فكان من أكثر التابعين آثارًا في التفسير.
ومع كل ما قيل فقد جاء عنه روايات في التفسير تخالف هذا المعتقد مما يدل
على رجوعه عن ذلك، والله أعلم.
٢ - عدم التفرغ للتفسير، فقد كان تَخْتُ رأسًا في علوم عدة كما تقدم.
٣ - لم يُعمَّر طويلًا! مقارنة بمفسري التابعين المكثرين الآخرين. قال الذهبي:
((ومات سنة سبع عشرة ومائة، وقيل: سنة ثماني عشرة بواسط، وله سبع وخمسون
سنة زَحْ تُهُ)) (٥)
٤ - الجمع بين الرواية والدراية، فقد روى كثيرًا من تفسير الحسن البصري
وسعيد بن المسيب، وقبلهم تفسير ابن مسعود بظلاله(٦).
٥ - قلة الاجتهاد والقول بالرأي، ومن هنا جاء عنه قوله: ((ما أفتيت بشيء من
رأيي منذ عشرين سنة))(٧).
(١) الطبقات الكبرى ٢٢٩/٧.
(٢) الثقات للعجلي ص٣٨٩.
(٣) شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة ٧٠٤/٤. (٤) سير أعلام النبلاء ٢٧١/٥.
(٥) تاريخ الإسلام ٣٠٢/٣. وقد اعتمدت الموسوعة وفاته عام ١١٧ هـ.
(٦) ينظر: تفسير التابعين ٢٨٢/١.
(٧) تاريخ الإسلام ٣٠٢/٣. وفي رواية أخرى: ما أفتيت برأيي منذ ثلاثين سنة. وعن أبي هلال قال:
سألت قتادة عن مسألة، فقال: لا أدري. فقلت: قل برأيك. قال: ما أفتيت برأيي منذ أربعين سنة. ينظر:
تهذيب الكمال ٥٠٩/٢٣.

مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
: ٣٠٠ °
فَوْسُوعَة التَّفْسِيَةُ الْخَاتُور
المدخل إلى
رابعًا
مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠)(١)
مقاتل بن سليمان البلخي الأزدي مولاهم، ولد عام ٨٠هـ بمدينة بلخ بخراسان،
وتوفي عام ١٥٠ هـ بالبصرة.
وهو في عداد كبار أتباع التابعين، وقد روى عن نافع مولى ابن عمر، والضحاك،
ومجاهد، وابن سيرين، وعطاء بن أبي رباح، وعطية العوفي، وزيد بن أسلم،
(٢).
وغيرهم
منزلته في الرواية وعقيدته:
محله عند المحدثين الكذب، حتى أجمعوا على تركه، كما ذكر الذهبي(٣)، وعن
وكيع (ت: ١٩٧هـ) أنه قال: ((كان كذابًا، ليس حديثه بشيء)). وقال ابن سعد (ت: ٢٣٠هـ):
((وأصحاب الحديث يتقون حديثه وينكرونه))(٤).
كذلك اتُّهم في عقيدته، بأنه كان مُجَسِّما يُشبِّه اللهَ بخلقه، فعن أبي حنيفة (ت: ١٥٠هـ)
أنه قال: ((أتانا من المشرق رأيان خبيثان: جهم معطّل، ومقاتل مشبِّه)).
ولأجل كذبه وعقيدته تُرك حديثه والرواية عنه. ومع ذلك فقد كان واسع المعرفة
والاطلاع.
مكانته وآثاره في التفسير:
أما تفسيره فله شأن آخر، حيث أثنى عليه كثير مِن معاصريه ومَن بعدهم. قال
(١) ينظر في ترجمته: طبقات ابن سعد ٢٦٣/٧، تهذيب الكمال ٤٣٥/٢٨، سير أعلام النبلاء ٢٣٢/١٣،
ميزان الاعتدال ١٧٣/٤، تهذيب التهذيب ٢٧٩/١٠، كتاب تفسير أتباع التابعين: عرض ودراسة، ص٦٢ -
٨٧.
(٢) ينظر: طبقات ابن سعد ٢٦٣/٧، ميزان الاعتدال ١٧٣/٤، تهذيب التهذيب ٢٧٩/١٠.
(٤) طبقات ابن سعد ٢٦٣/٧.
(٣) سير أعلام النبلاء ٧/ ٢٠٢.