النص المفهرس
صفحات 241-260
المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّفْسِيُ المَاتُور تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه ٥ ٢٤١ :- ولم تقف رحلاتهم على طلب العلم فحسب، بل رحلوا أيضًا لنشر ذلك العلم وبثه، فهذا مقاتل بن سليمان استقر في آخر حياته بالعراق متنقلا بين بغداد والبصرة، وكانت له مجالس علمية فيها وفي غيرها من البلاد التي رحل إليها (١). وكذلك يحيى بن سلّام الذي انتقل إلى بلاد المغرب التي كانت أرضًا بكرًا تحتاج إلى العلماء، فاستقر في القيروان بتونس ومكث بها حوالي عشرين سنة، بَثَّ فيها علمه، وألقى تفسيره، ونال مكانة مرموقة بين أهلها وحكامها، وكان من أوائل من بذر فيها التفسير وعلوم القرآن، ومن هنا كانت للمتقدمين من أهل المغرب والأندلس عناية بالغة بتفسيره (٢) . ثانيًا: توسع التفسير في عهد أتباع التابعين(٣): توسع التفسير في عهد الأتباع بصورة ملموسة، وكان لهذا التوسع معالم عديدة، من أبرزها : ١ - التوسع بإطالة العبارة في التفسير: وذلك أن تفسير أتباع التابعين لم يختلف عن تفسير مَن قبلهم، بل كثيرًا ما يكون هو تفسيرهم، والآراء هي آراء مشايخهم بمعانيها، إلا أنهم كثيرًا ما يستطردون في المعنى ويطيلون في العبارة، والناظر في هذه الموسوعة يلحظ ذلك عند المقارنة بين أتباع التابعين ومن قبلهم عند تفسير بعض الآيات. ٢ - توسع التفسير بشموله جميع ألفاظ القرآن وآياته: ذكرنا أن منهج السلف عمومًا هو تفسير ما أشكل من القرآن واحتيج إلى بيانه، لكن نظرًا لزيادة تلك الحاجة في ذلك العصر فقد ظهر في جيل أتباع التابعين من فسَّر جميع سوره وآياته ومعظم ألفاظه، يظهر ذلك جليًّا في تفسيري مقاتل بن سليمان، ويحيى بن سلّام، اللذين وصلانا عبر القرون واطلعنا على ذلك المنهج فيهما، ومصداق ذلك في هذه الموسوعة، حيث لا تكاد تجد آية من القرآن إلا ولمقاتل بن سليمان تفسير لها، بل إن بعض الآيات لم ينص على تفسيرها غيره. (١) وردت آثار عن مقاتل أنه رحل إلى مكة والشام وغيرهما وأنه كان يجلس للمتعلمين ويطلب منهم أن يسألوه، ينظر: تهذيب الكمال ٤٤٦/٢٨ - ٤٤٨، سير أعلام النبلاء ٧/ ٢٠٢. (٢) ينظر: تفسير أتباع التابعين: عرض ودراسة ص١٧٦. (٣) ينظر هذا المبحث بتوسع في: المرجع السابق ص٣١٥ - ٣٢١. تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه ٥ ٢٤٢ : المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقْسِيرُ الْخَاتُور ٣ - التوسع في الاستفادة من بعض مصادر التفسير: من صور توسع التفسير لدى أتباع التابعين التوسع في إعمال بعض مصادره التي كانت عند من قبلهم، فمن ذلك: أ - القرآن: حيث فاق أتباع التابعين مَن قبلهم في إعمال هذا المصدر، وكان من أبرزهم عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، الذي طرق شتّى مجالات تفسير القرآن بالقرآن، من بيان مجمل، وتوضيح مبهم، وإيضاح مشكل، والاستشهاد لمعنى آية بأخرى. كما برز قبله مقاتل بن سليمان، الذي برع في نوع جديد من علوم التفسير؛ وهو علم الوجوه والنظائر، وكان مَن بعده عيال عليه في هذا العلم، أيضًا ممن برز في هذا العلم من أتباع التابعين وأعمله في تفسيره يحيى بن سلّام. ب - السُّنَّة : أعمل الصحابة والتابعون هذا المصدر في التفسير، وكذلك أتباع التابعين، خصوصًا كبار محدثيهم، لذا زخرت مروياتهم بآثار السُّنَّة المفسرة للقرآن، والمبينة المشكله، أو الاستشهاد بها على بعض معاني الآية، أو ذكر بعض الآثار المرفوعة المتممة لمعنى الآية، ظهر ذلك جليًّا في تفسير يحيى بن سلّام، الذي أكثر من توظيف السُّنَّة في تفسير الآيات، أو تأييد معنى فيها أو تتميمه، أو ترجيحه، سواء كان ذلك من تفسيره أو تفسير غيره، ولعله بذلك أول من اعتنى بهذا الجانب مثل هذه العناية الكبيرة (١)، والله أعلم. ت - الإسرائيليات : توسع أتباع التابعين في إيراد الأخبار الإسرائيلية كثيرًا، ورَوَوْا غرائب فيما يتعلق بقصص الأنبياء والأمم السابقة، وأوردوا تفاصيل دقيقة في المبهمات، لا تجدها عند غيرهم، وفاقوا من قبلهم في ذلك من حيث الجملة، بل لا يبعد القول أنه لم يفُقْ أفرادهم أحد من المتقدمين في سرد القصص سوى السُّدِّي (ت: ١٢٧هـ)، ولعل سبب ذلك هو شغفهم بالجانب القصصي وتفاصيله من تعيين المبهمات وتسمية الذوات(٢)، (١) ينظر بيان ذلك موسعًا في: المرجع السابق ص ١٨٥. (٢) وهذا - أيضًا - واضح في أسباب النزول من توسع في السياق وتفاصيل للقصة، وسَوق روايات الأحداث العديدة في سياق واحد مع ربط بعضها ببعض. المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّفْسِِّيُ الخَاتُور ٥ ٢٤٣ % تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه خصوصًا أن المكثرين منهم كانوا أخباريِّين أعلامًا في القصص والتاريخ والسيرة، كالكلبي ومقاتل بن سليمان وابن إسحاق . هذه أهم المصادر التي توسع فيها أتباع التابعين، والأمثلة واضحة جلية في هذه الموسوعة على ذلك، والله أعلم. ثالثًا: تدوين التفسير لدى أتباع التابعين: يُعَدُّ عصر أتباع التابعين مرحلة فاصلة في تاريخ تدوين العلوم عمومًا، بسبب ما استجد في الحركة العلمية في ذلك العصر؛ من انتقال العلوم من مجرد التدوين إلى مرحلة التصنيف والتبويب والترتيب، وسيأتي في الفصل الثاني تفصيل ذلك. رابعًا: الاعتناء بعلوم القرآن، خصوصًا المتعلقة بالتفسير: ومن أهمها : أ - أسباب النزول: كان لأتباع التابعين اعتناء كبير بأسباب النزول، بل توسعوا في ذلك كثيرًا حتى فاقوا التابعين، نجد ذلك التوسع والاعتناء جليًّا عند كبار مفسريهم كالكلبي والمقاتلين وابن إسحاق، ويحيى بن سلام(١). ب - القراءات وتوجيهها: كان لأتباع التابعين اعتناء كبير بالقراءات، بل إن أغلب القراء العشرة ظهروا في جيلهم، أما مفسروهم فقد كانت عنايتهم بها أثناء التفسير قليلة، غير أن يحيى بن سلام أبرز هذا العلم كثيرًا في تفسيره، وفاق من قبله بالاعتناء بتوجيه القراءات، ولا عجب في ذلك فهو مقرئ فذّ، أخذ القراءات عن أصحاب الحسن البصري، وكان له اختيار فيها (٢). ت - الناسخ والمنسوخ: لأتباع التابعين حضورٌ واضحٌ في مسائل الناسخ والمنسوخ من الآيات في تفاسيرهم، خصوصًا مقاتل بن سليمان وابن زيد ويحيى بن سلّام، بل ذُكر منهم من (١) ينظر مبحث موسع عن ذلك في: كتاب تفسير أتباع التابعين ص ٣٣١ - ٣٣٧. (٢) ينظر: القراءات بإفريقية من الفتح إلى منتصف القرن الخامس الهجري ص ١٥٧ - ١٧٤، تفسير أتباع التابعين ص ١٨٥. تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه : ٢٤٤ % المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقَنِيُ المَاتُور صنّف في هذا العلم استقلالًا كمقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠هـ)، والحسين بن واقد (ت: ١٥٩هـ)، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت: ١٨٢م)، وغيرهم (١). ث - علم الوجوه والنظائر: بلغ هذا العلم الذروة على أيدي أتباع التابعين، برز ذلك عند مقاتل بن سليمان في تفسيره بجلاء، حيث برع في توظيف هذا الفن لبيان معنى الآيات، يليه في الاعتناء بهذا العلم يحيى بن سلّام (ت: ٢٠٠هـ) في تفسيره(٢)، بل ألّف كل منهما كتابًا في العلم استقلالاً، كما سيأتي في الفصل الثاني. وفي الموسوعة أمثلة واضحة لكل ما سبق. خامسًا: ظهور التفسير اللغوي: ظهر في عهد أتباع التابعين جمع من اللُّغويين كان لهم رأي واجتهاد في تفسير القرآن، كقطرب (ت: ٢٠٦هـ)، والفراء (ت: ٢٠٧هـ)، وأبي عبيدة (ت: ٢٠٩هـ)، وغيرهم، لكن كان الأصل في تفسير القرآن عندهم، وأساس بحثهم، وأصل مشاركتهم، والأسبق في طرحهم؛ هو النظر اللغوي؛ مما أوقعهم في ذكر معانٍ ضعيفة أو بعيدة عن مراد الآيات(٣)، بخلاف طريق السلف التي كان المقصود الأول لديهم هو بيان المعنى المراد (٤). وتجدر الإشارة إلى أن الاعتماد على الطريق العقلي - ومنه اللغوي - والتنكب عن طريق السلف في التفسير أدى إلى ظهور تفاسير المبتدعة في هذا العصر، كما سيأتي بيانه في التالي. سادسًا: بروز الانحراف في التفسير وظهور مؤلفات فيه: بعد ظهور فِرَق المبتدعة في أواخر عهد الصحابة وعهد التابعين أخذت بالتوسع والتشعب، واستفحل شرهم حتى بلغ مرحلة خطيرة في عهد أتباع التابعين، حين (١) ينظر مبحث موسع عن ذلك في: المرجع السابق ص ٣٢٤ - ٣٣٠. (٢) ينظر مبحث موسع عن ذلك في: المرجع السابق ص٣٣٧ - ٣٤١. (٣) ينظر: التفسير اللغوي للدكتور مساعد الطيار ص١٤٩ - ١٥٣. (٤) ومن هنا لم يعتن أئمة نقلة التفسير المأثور - كعبد الرزاق وعبد بن حميد والطبري وابن أبي حاتم - بنقل آرائهم في التفسير؛ لأنهم شاركوا في تفسير القرآن باتجاه آخر غير طريق السلف، كما أن المفسرين المتأخرين كانوا يميزونهم بإطلاق وصف ((أهل المعاني)) عليهم، بل إن بعض اللغويين كانوا يميزون أنفسهم بإطلاق وصف ((المفسرين)) و((أهل التفسير)) و((الفقهاء)) ونحوها على مفسري السلف، مما يدل على تمايز المنهجين، وأنهم يجعلون مفسري السلف نوعًا قسيمًا لهم في علم التفسير، وليسوا قسمًا منهم. ولهذا لم نورد أقوالهم في هذه الموسوعة تبعًا لصنيع أئمة نقلة التفسير. المدخل إلى مَوْسُوعَة التَّفَنَّةُ المَاتُور تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه ٥ ٢٤٥ %- بدأت تنشر آراءها، موظفة علم الكلام الذي برز حينئذ إثر ترجمة كتب الأمم السابقة، كذلك دُوِّنت مصنفات توضح معتقداتها وتُزَيُّنها للناس، حتى ولجت إلى كتاب الله تفسره حسب أهوائها ومعتقداتها، فبدأ ظهور تفاسير المعتزلة في أواخر هذا العصر، وما بعده، كتفسير أبي بكر بن كيسان الأصم (ت: قيل: ٢٠١هـ، وقيل: ٢٢٥هـ)، ويوسف بن عبد الله الشحام (ت: ٢٣٣هـ)(١). والأخطر من ذلك هو محاولتهم الدعوة إلى مذهبهم للوصول إلى بلاط الحكام، الذين كانوا في بداية هذا العصر صخرة قوية تحطم تلك المعتقدات، خصوصًا الخليفة المهدي الذي تنبه لخطر الزنادقة وأفناهم، لكن في أواخر هذا العهد استطاع المعتزلة الوصول إلى الحكام، فاتصلوا بالخليفة المأمون وتمكنوا من إقناعه بمعتقدهم، فكان عهده آخر عهد الأتباع، وفيه ((ظهرت البدع ظهورًا فاشيًا، وأطلقت المعتزلة ألسنتها، ورفعت الفلاسفة رؤوسها، وامتحن أهل العلم ليقولوا بخلق القرآن، وتغيرت الأحوال تغيرًا شديدًا))(٢). من جهة أخرى نجد بعض كبار مفسري أتباع التابعين قد اتهم ببعض تلك البدع مما أثر تأثيرًا سلبيًّا في مدى الإفادة منه، وقبول تفسيره ومروياته، ولعلنا نضرب مثالًا باثنين من أشهر مفسريهم، هما : أ - محمد بن السائب الكلبي: الذي قال عنه الذهبي: ((أجمعوا على تركه، واتهم بالأخوين: الكذب والرفض))(٣). لذا لم يحفل أغلب أئمة نقلة التفسير - كالطبري وابن المنذر وابن أبي حاتم - بتفسيره، ولا سيما ما يرويه، إلا القليل(٤)، ومن هنا لم تصل آثاره الاجتهادية في هذه الموسوعة إلى مستوى الطبقات الأولى من المكثرين، مع أنه من أئمة التفسير روايةً ودرايةً(٥) . ب - مقاتل بن سليمان: اتُّهم في عقيدته، بأنه كان مُجَسِّما يُشبِّه اللهَ بخلقه، كما عُرف عنه الكذب في (١) ينظر: التفسير اللغوي للدكتور مساعد الطيار ص٢٦٩، ٥٧٦. (٢) فتح الباري ٦/٧. (٣) تاريخ الإسلام ١٤ / ٤٤٨، العبر ٣٨/١. (٤) ينظر تفصيل ذلك في كتاب: تفسير أتباع التابعين ص٥١ - ٥٣. (٥) ينظر توضيح ذلك في: الدراسة التالية عن مفسري السلف ومراتبهم في التفسير. المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّفْسِيرُ الْجَاتُور تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه & ٢٤٦ % الحديث، لذا نجد أن أئمة المفسرين من نقلة التفسير المأثور اطّرحوا تفسيره روايةً ودرايةً (١)، إلا القليل منهم (٢). ومن هنا قَلَّ أن تجد أقواله في كتب أئمة نقلة التفسير المأثور، مع ما عرف عنه من علم واسع في التفسير حتى قال الشافعي (ت: ٢٠٤هـ): ((الناس عيال في التفسير على مقاتل بن سليمان))(٣)، يشهد لذلك ما تركه من عناوين كتب عديدة في التفسير وعلوم القرآن(٤)، ولولا أن تفسيره وصل إلينا كاملًا لضاع علمه، ولما وقفنا على تلك المكانة التي عرف بها في التفسير، بحيث يمكن القول بأنه أكثر أتباع التابعين تفسيرًا، كما سنرى في هذه الموسوعة المباركة التي تميزت بضم أغلب تفسيره، مما لا تكاد تجده في كتب التفسير المأثور المتقدمة، خصوصًا الدر المنثور (٥). (١) وفي هذا يقول الذهبي في السير ٧/ ٢٠١: ((قال ابن المبارك - وأحسن -: ما أحسن تفسيره لو كان ثقة! )) . (٢) ينظر تفصيل ذلك في كتاب: تفسير أتباع التابعين ص ٦٧ - ٧٠. (٣) تهذيب الكمال ٤٣٦/٢٨. (٤) ينظر: الفهرست لابن النديم ص٢٥٣، ٢٥٤، هدية العارفين ٤٧٠/٢، تاريخ التراث العربي ٨٥/١، تفسير أتباع التابعين، ص٦٦. (٥) وسيأتي مزيد بيان لذلك في الدراسة التالية عن مفسري السلف ومراتبهم في التفسير. مَوْسُكَبِ التَّفْسِيَّةُ المَاتُور المدخل إلى تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه ٥ ٢٤٧ : المبحث الخامس أبرز العوامل والأحداث التاريخية المؤثرة في تفسير السلف تقدم في المباحث السابقة عرض موجز لأهم الأحداث التاريخية في عهد السلف، إضافة إلى معالم التفسير في طبقات السلف الثلاث، وفي هذا المبحث نحاول الإلمام بأبرز تلك الأحداث والعوامل التاريخية التي كان لها الأثر الواضح في توسع تفسير القرآن وتطوره عما كان عليه في العهد النبوي، مع زيادة إيضاح بالأمثلة، وذلك فيما يلي : ٤ ١ - الفتوحات الإسلامية وانتشار الإسلام: تقدم أن الصحابة ◌ّ كانوا عربًا أقحاحًا، نزل القرآن بلغتهم وأساليبهم، فأدركوا معانيه، ولم يشكل عليهم إلا القليل مما احتاجوا إلى بيانه من الرسول وَّة، مما جعل التفسير النبوي الصريح قليلًا، وكان نطاق مرويات التفسير ضيقًا، إلا إنه حين دخل في الإسلام أمم من غير العرب أشكل عليهم فهم كثير منه بحكم كونهم ليسوا من أهل لغته العارفين لأساليبها، فاتجهوا إلى الصحابة يسألونهم عما كان عند الصحابة بدهيًّا واضحًا جليًّا، مما كان لا يُفسر بينهم لوضوحه، فاضطر الصحابة لبيانه لهم، وتفسير آيات كثيرة من كتاب الله لم يحتاجوا من قبل لتفسيرها وتوضيحها، فاتسع التفسير بذلك، وزادت مروياته كثيرًا . وغموض بعض معاني القرآن الواضحة لم تكن قصرًا على هؤلاء الأعاجم فحسب، بل كذلك نشأ جيل من العرب ظهر فيهم اللحن بسبب اختلاطهم بالعجم، وبعدوا عن لغة العرب الصافية، وأساليبها الرصينة، حتى قرؤوا القرآن لحنًا، وأوَّلوا معانيه خطًا، وصارت بعض ألفاظه من الغريب عندهم، مما كان واضحًا عند من قبلهم. تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه ٢٤٨ : المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّفْسِيُ الخَاتُوزِ وهكذا كلما بَعُد الزمان ازدادت العجمة، وازداد طلب شرح ألفاظ القرآن وأساليبه واحتاجوا إلى وضع قوانين للّغة تحفظ موازينها، فظهرت علوم اللغة من نحو وصرف وبلاغة واشتقاق وغيرها . من جانب آخر نجد أن مع هذه الفتوحات كثر احتكاك المسلمين بأهل الكتاب، واطلعوا على المزيد من كتبهم، وربما نقلوا عنهم(١). كذلك دخل في الإسلام فئام منهم، وبعضهم من أحبارهم وكبار علمائهم، يأتي على رأسهم كعب بن ماتع الحميري المعروف بكعب الأحبار (ت: ٣٢هـ)، ((الذي كان يهوديًّا، فأسلم بعد وفاة النبي ◌َّ﴿ وقدم المدينة من اليمن في أيام عمر ظه، فجالس أصحاب محمدٍ وَل فكان يحدثهم عن الكتب الإسرائيلية)) (٢)؛ التي ((كان - في الغالب - يعرف حقَّها من باطلها لسعة علمه وكثرة اطلاعه)) (٣) . ٢ - انتقال الصحابة إلى الأمصار المفتوحة: حين اتسعت الفتوحات في عهد عمر بن الخطاب ودخل في الإسلام شعوب تلك البلاد رغبوا في تعلم كتاب الله وأحكام شرعه، فأرسل قادةُ الجيوش إلى الخليفة ليسُدَّ لديهم هذه الخلة، ويكفيهم مؤونة هذه المهمة، فعن محمد بن كعب القرظي، قال: ((جمع القرآن في زمان النبي ◌ّ خمسة من الأنصار: معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وأبي بن كعب وأبو أيوب وأبو الدرداء، فلما كان زمن عمر بن الخطاب كتب إليه يزيد بن أبي سفيان: إن أهل الشام قد كثروا ورَبَلُوا (٤) وملؤوا المدائن، واحتاجوا إلى من يعلمهم القرآن ويفقههم، فأَعنِّي يا أمير المؤمنين برجال يعلمونهم، فدعا عمر أولئك الخمسة فقال لهم: إن إخوانكم من أهل الشام قد استعانوني بمن يعلمهم القرآن ويفقههم في الدين، فأعينوني رحمكم الله بثلاثة منكم، إن أجبتم فاستهموا، وإن انتدب ثلاثة منكم فليخرجوا، فقالوا: ما كنا لنتساهم، هذا شيخ كبير - لأبي أيوب -، وأما هذا فسقيم - لأَبي بن كعب -، فخرج معاذ وعبادة وأبو الدرداء، فقال عمر: ابدؤوا بحمص فإنكم ستجدون الناس على وجوه مختلفة، منهم (١) كما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه وجد زاملتين من كتب أهل الكتاب بعد اليرموك فكان يحدث منها . (٢) سير أعلام النبلاء ٤٨٩/٣. (٤) رَبَلوا: كثروا ونَمَوا. تاج العروس (ربل). (٣) تاريخ الإسلام ٢١٤/٢. المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّفْسِيرُ الْجَاتُور تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه : ٢٤٩ : من يلقن، فإذا رأيتم ذلك فوجهوا إليه طائفة من الناس، فإذا رضيتم منهم فليقم بها واحد وليخرج واحد إلى دمشق والآخر إلى فلسطين. وقدموا حمص فكانوا بها حتى إذا رضوا من الناس أقام بها عبادة، وخرج أبو الدرداء إلى دمشق، ومعاذ إلى فلسطين، وأما معاذ فمات عام طاعون عمواس، وأما عبادة فصار بعد إلى فلسطين فمات بها، وأما أبو الدرداء فلم يزل بدمشق حتى مات))(١). ولما مُصِّرت الكوفة أرسل إليها عمر نظُّه صحابيين جليلين من كبار الصحابة، فعن حارثة بن المضرب، قال: قرأت كتاب عمر بن الخطاب إلى أهل الكوفة: ((أما بعد فإني بعثت إليكم عمارًا [أي: ابن ياسر] أميرًا، وعبد الله [أي: ابن مسعود] معلِّمًا ووزيرًا، وهما من النجباء من أصحاب رسول الله وَّر فاسمعوا لهما واقتدوا بهما، وإني قد آثرتكم بعبد الله على نفسي أثرة))(٢). وعن عامر الشعبي: أن مهاجر عبد الله بن مسعود كان بحمص، فحدره عمر إلى الكوفة، وكتب إليهم: ((إني والله الذي لا إله إلا هو آثرتكم به على نفسي، فخذوا منه)) (٣). فأشاع ابن مسعود رضى الله العلم في أهل الكوفة، فكان أصحابه من كبار التابعين وأعلمهم بالقرآن والأحكام، حتى إن علي بن أبي طالب حين نزلها بعد وفاة ابن مسعود ورأى أصحابه قال فيهم: ((أصحاب عبد الله سرج هذه القرية))(٤). وهكذا البصرة ولَّى عمرُ أبا موسى الأشعري على أهلها، يعلِّمهم ويقضي بينهم، فعن أنس بن مالك أنه قال: ((بعثني الأشعري إلى عمر فقال لي عمر: كيف تركت الأشعري؟ فقلت له: تركته يعلم الناس القرآن، فقال: أما إنه كيِّس، ولا تسمعها إياه))(٥)، كما بعث إليهم عمران بن حصين (ت: ٥٢هـ)، فعن أبي الأسود الدؤلي قال: ((قدمت البصرة وبها عمران بن حصين، وكان عمر بعثه ليفقه أهلها)) (٦)، وكان أنس بن مالك (ت: ٩٣هـ) من أشهر من نزل البصرة من الصحابة، وطال مقامه فيها حتى كان آخرهم وفاة بها . (١) أخرجه ابن سعد في طبقاته ٣٥٦/٢، وابن عساكر في تاريخ دمشق ١٩٤/٢٦، ١٣٨/٤٧. (٣) المصدر السابق ١٥٧/٣. (٢) أخرجه ابن سعد في طبقاته ٦/ ٧. (٤) أخرجه ابن سعد في طبقاته ٦/ ١٠. (٥) أخرجه ابن سعد في طبقاته ٣٤٥/٢. (٦) أورده الحافظ ابن حجر في الإصابة، ت: مركز هجر للبحوث ٤٩٦/٧، وذكر أن الطبراني أخرجه بسند صحیح . تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّفْسِيرُ الْخَاتُور : ٢٥٠ % ٣ - فتنة مقتل عثمان ظه، والأحداث المترتبة على ذلك: وهي أعظم بلية، وأكبر رزية نُكب بها المسلمون بعد وفاة رسولهم بَّر، ولا زلنا نكتوي بآثارها إلى اليوم، افترق المسلمون إثرها إلى حزبين متناحرين، والحدث معلوم وليس هذا مقام بسطه؛ لكن نلخص أهم الأحداث الناتجة عن ذلك والتي أثّرت في التفسير تأثيرًا واضحًا فيما يلي: أ - انتقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ظُته من المدينة إلى الكوفة، وانتقال ابن عمه حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضيًّا معه، وتوليه البصرة له، وما نتج عن ذلك من نشر علمهما - لا سيما التفسير - في تلك البلاد، وظهور تلاميذ علي بن أبي طالب هناك، خصوصًا أن عليًّا ظُه كانت له مجالس علمية، وكان يحثهم على سؤاله عن القرآن والأحكام ويقول: ((سلوني، فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم، وسلوني عن كتاب الله، فواللهِ ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار، أم في سهل، أم في جبل)) (١)، وسيأتي مزيد بيان لذلك. ب - باستشهاد علي ظلاله عام ٤٠ هـ ومن بعده تنازل ابنه الحسن عن الخلافة لمعاوية، واجتماع المسلمين عليه نجد أن ابن عباس ◌ّما اعتزل الفتنة وما ترتب عليها، ورحل إلى الحجاز واستقر بها متفرغًا لنشر العلم، والتصدي لتفسير القرآن بقية عمره، فلزمه طلابه وعكفوا على دروسه، وهو في المقابل اعتنى بتأهليهم للفتوى، وأشرف على تصديهم للتفسير، حتى نبغوا ونقلوا علمه، فكان أكثر الصحابة رواية في التفسير، واجتهدوا وفق ما رباهم عليه، فكانوا أعلم السلف بالتفسير كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية (٢)، وكان منهم أكثر التابعين تفسيرًا للقرآن، كما تقدم. ت - كان للأحداث المتعاقبة المترتبة على تولى يزيد بن معاوية الخلافة أثر كبير في التفسير، ابتداء باستشهاد الحسين ظُه، ويوم الحرة، ثم وفاة يزيد وتصدع الدولة الأموية في فرعها السفياني، ثم قيام الفرع المرواني على يد عبد الملك بن مروان، الذي أطلق يد قواده في سفك الدماء وقتل العلماء لأجل تثبيت دعائم دولته، يظهر ذلك جليًّا في أعمال أميره على العراق الحجاج بن يوسف الثقفي، الذي قتل ابن الزبير ضِّها بمكة، وآذى ابن عمر وأنس بن مالك ﴿ّه، وقتل عددًا من مفسري التابعين وكبارهم، خصوصًا بعد وقعة دير الجماجم في فتنة ابن الأشعث، حيث تتبع (١) أخرجه ابن سعد في طبقاته ٣٣٨/٢. (٢) مقدمة في أصول التفسير ص٦١. المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقْنَسِيرُ المَاتُور تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه & ٢٥١ : من شارك فيها من القراء والعلماء، كأبي الجوزاء (ت: ٨٣هـ)، وعبد الله بن شداد بن الهاد (ت: ٨٣هـ)، وعبد الرحمن بن أبي ليلى (ت: ٨٣هـ)، وختم حياته بقتل سعيد بن جبير (ت: ٩٥هـ). ٤ - ظهور المبتدعة والفرق الضالة: وهو أثر من آثار فتنة مقتل عثمان رظُله، أفردناه لعظم شأنه وامتداد سيئ آثاره إلى يومنا هذا، حيث أدى إلى افتراق الأمة إلى حزبين بين علي ومعاوية ◌ًّا، وعلى إثره بدأ التفرق والتشرذم بظهور الخوارج والشيعة، وسرعان ما تبعتهما الفرق الأخرى، وأدى ذلك إلى ظواهر عديدة أثّرت في تاريخ التفسير، من ذلك: أ - ظهور الانحراف في التفسير: حين خرجت الخوارج أول الفرق الضالة عام ٣٧هـ، ظهر عن طريقهم أول انحراف في تفسير القرآن مبني على الجهل والتعصب والهوى، حيث أتوا من جهلهم بالقرآن، وكفَّروا عليًّا والصحابة، ((واعتلُّوا بقول الله رَى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقوله: ﴿فَقَائِلُواْ الَّتِى تَبْغِى حَتَّى تَّفِىّهَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، قالوا: فأمر الله رمّ وحكم بقتال أهل البغي، وترك عليٍّ قتالهم لمَّا حكم، وكان تاركًا لحكم الله سبحانه، مستوجبًا للكفر، لقول الله رَت: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾))(١)، فأرسل إليهم عليٍّ رَظُله حبر الأمة عبد الله بن عباس رضيًّا، فناظرهم، وأوضح لهم انحرافهم في فهم القرآن حتى عاد أكثرهم. ثم بعد استشهاد علي ظُه برزت الشيعة وغلَوا في عليٍّ وأبنائه، خصوصًا بعد استشهاد الحسين، وانشقوا عن جماعة المسلمين وصارت لهم الآراء والمعتقدات الخاصة، وحرفوا القرآن وفسّروه بأهوائهم ليوافق ضلالاتهم، ومن هنا كثر كذبهم على عَلِيٍّ وأئمتهم، واختلطت كثير من المرويات عن عليٍّ وأهل بيته بكذبهم وأباطيلهم . بل ربما كانوا أسبق بالانحراف في التفسير من غيرهم، فهذا عبد الله بن سبأ - رأس السبئية من فرقهم وموقد الفتنة - يتنقل بين البلدان ليبث الضلالات ويشعل (١) مقالات الإسلاميين ص ٤٥٢. المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّفْسِيرُ الْخَاتُور تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه ٥ ٢٥٢ % الفتن ويؤلب الناس على عثمان رُبه، مبتدئًا ذلك من خلال تحريف معاني القرآن مع نشر ذلك بين الطغام فيقول: ((لعجبٌ ممن يزعم أن عيسى يرجع، ويكذب بأن محمدًا يرجع، وقد قال الله رَى: ﴿إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لَرَاذُكَ إِلَى مَعٍَ قُل ◌َّ أَعْلَمُ مَن جَآءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِ ضَلَلِ مُّبِينٍ﴾ [القصص: ٥٨] فمحمد أحق بالرجوع من عيسى))، حتى قبلوا ذلك عنه، ووضع لهم الرجعة، ثم ادعى أن عليًّا كان وصيًّا وأن عثمان أخذها بغير حق، حتى جمع الغوغاء إلى المدينة فقتلوا عثمان بنعظه(١). وهكذا تتابعت حلقات المبتدعة، فظهرت القدرية في أواخر عهد الصحابة، وبعدهم المرجئة، والمعتزلة، والجهمية، كل حزب بما لديهم فرحون، يدعون إلى بدعتهم، ويتخذون من التأويل الباطل للنصوص سلاحًا يخدم أغراضهم الفاسدة ويؤيد باطلهم، وأصبح ذلك المنهج مطيّة لكل من يريد الخروج على عقيدة الأمة وشريعتها، وازدادت بذلك التفاسير المبتدعة والتأويلات الباطلة لكتاب الله رجمت . ب - مواجهة التأويلات المنحرفة للقرآن: نهض السلف لمواجهة هذا الخطر الداهم، ونشطوا في كشف حقيقته للناس بوسائل عديدة، من أهمها : ١ - هجر المنتمين إلى تلك البدع والتحذير منهم: فقد كان السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم أشداء في النكير على أهل البدع - كما سيأتي من أمثلة توضح ذلك -، خصوصًا من عاش منهم في العراق منشأ تلك البدع، وهذا واضح جلي من موقف الشعبي من الشيعة، وإبراهيم النخعي من المرجئة، وابن سيرين من القدرية. بل نسب إلى تلك الفرق المبتدعة مفسرون لهم باع في التفسير، ووقف منهم أهل العلم موقفًا شديدًا، مما أدى إلى قلة الرواية عنهم وعدم اعتداد الكثير بتفسيرهم، يظهر ذلك جليًّا في محمد بن السائب الكلبي (ت: ١٤٦هـ)، ومقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ)، وربما كان لما اتهم به عكرمة مولى ابن عباس من انتحال رأي الخوارج دور في قلة آثاره في التفسير مقارنة بمجاهد مع اتفاقهما في طول ملازمة ابن عباس والتفرغ للتفسير (٢)، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك. (١) ينظر: تاريخ الأمم والملوك للطبري ٣٤٠/٤. (٢) ينظر: تفسير التابعين ١٨٦/١. المدخل إلى ضَوْسُوعَة التَّقَنَّةُ الْخَاتُور تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه : ٢٥٣ % ٢ - الرد على المبتدعة من كتاب الله وسُنَّة نبيِّه ◌َّه: برز إثر ذلك ظواهر جديدة في التفسير، منها : - تنزيل الآيات القرآنية على الواقع: يظهر ذلك جليًّا في مثل قول سعد بن أبي وقاص في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧] قال: ((الحَرُورِيَّةُ هم الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، وكان يسميهم الفاسقين))(١). ومثله عبد الله بن عباس لما قيل له: قد تُكلِّم في القدر! فقال: ((أوَفعلوها؟! والله ما نزلت هذه الآية إلا فيهم: ﴿ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ ﴿٨ إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٨ - ٤٩] أولئك شرار هذه الأمة، لا تعودوا مرضاهم، ولا تصلوا على موتاهم، إن أريتني واحدًا منهم فقأت عينيه بأصبعي هاتين)) (٢). ونحوه ما ورد عن الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿فَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧]، أنَّه قال: ((نزلت في الخوارج))(٣). وكذا ما جاء أن قتادة قرأ هذه الآية: ﴿فَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْعٌ﴾ فقال: ((إن لم يكونوا الحَرُورِيَّةَ والسَّبَائِيَّة فلا أدري مَن هم؟!))(٤). وكذلك قول الزهري: ((إن الله أنزل على نبيِّه في القدرية: ﴿ الَّذِينَ قَالُواْ لِإِخْوَنِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْ﴾ [آل عمران: ١٦٨]))(٥). - التوسع في تفسير الآيات الواضحات التي كانت لا تفسر لوضوحها، خصوصًا أحكام العقيدة، مثال ذلك ما رواه طاووس قال: كنا جلوسًا عند ابن عباس، وعنده رجل من أهل القدر؛ فقلت: يا أبا عباس. كيف تقول فيمن يقول لا قدر؟ قال: أفي القوم أحد منهم؟ قلت: ولم؟ قال: آخذ برأسه ثم أقرأ عليه آية كيت، وآية كيت، (١) أخرجه البخاري (٤٧٢٨)، وابن جرير ٤٢٥/١٥، وابن أبي حاتم ٧١/١ - ٧٢. وعلَّقَ ابنُ كثير في تفسيره ٣٢٨/١ على قول سعد رضيه بقوله: ((وهذا الإسناد إن صحَّ عن سعد بن أبي وقاص ◌َلُله فهو تفسير على المعنى، لا أنَّ الآية أُرِيد منها التنصيص على الخوارج الذين خرجوا على عليّ بالنهروان؛ فإن أولئك لم يكونوا حال نزول الآية، وإنما هم داخلون بوصفهم فيها مع من دخل؛ لأنهم سُمُّوا خوارج لخروجهم عن طاعة الإمام والقيام بشرائع الإسلام)) . (٢) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٤٨٣ -، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة ٣/ ٥٩٧ (٩٤٨)، ٧١٢/٤ (١١٦٢)، ٨٢٣/٤ - ٨٢٤ (١٣٨٨)، والبيهقي في الكبرى ١٠/ ٣٤٥ (٢٠٨٨٠). (٣) ذكره يحيى بن سلام - كما في تفسير ابن أبي زمنين ٢٧٥/١ -. (٤) أخرجه عبد الرزاق ١١٥/١ - ١١٦، وابن جرير ٢٠٧/٥ - ٢٠٨ واللفظ له. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٨١١/٣. المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّفْسِيةُ المَاتُوزْ تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه : ٢٥٤ % حتى قرأ آيات من القرآن، حتى تمنيت أن يكون كل من تكلم في القدر شهده، فكان فيما قرأ: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِيّ إِسْرَِّيلَ فِى الْكِنَبِ لَنُفْسِدُنَّ فِ الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَنَعْلُنَّ عُلُوَّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤](١). وعن أيوب بن حسان، قال: سأل رجلٌ سفيان بن عُيَيْنَة عن القَدَرِيَّة. فقال: ((يا ابن أخي، قالت القدرية ما لم يقل الله رقم، ولا الملائكة، ولا النبيون، ولا أهل الجنة، ولا أهل النار، ولا ما قال أخوهم إبليس، قال الله رَى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ رَبُّ اَلْعَلَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩]، وقالت الملائكة: ﴿سُبْحَنَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢]، وقال النبيون: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَّعُودَ فِيهَا إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٨٩]، وقال أهل الجنة: ﴿اٌلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَنَنَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]، وقال أهل النار: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون: ١٠٦]، وقال أخوهم إبليس: ﴿رَبِّ ◌ِمَآ أَغْوَيْنَنِى﴾ [الحجر: ٣٩]))(٢). - التركيز على تفسير آيات الصفات وبيان الحق فيها، إذ كانت من أكثر الآيات التي تعمَّدها تحريف المبطلين، وشابتها شوائب المبتدعة المضلين، وذلك في أواخر عهود السلف، الذين نهضوا إلى بيان الحق فيها، وأن تلك الآيات واضحة المعنى عند الصحابة والتابعين، يثبتون ما فيها على ظاهرها دون تحريف أو تأويل، أو إنكار أو تشبيه، وعدم ورود تفسيرات جزئية لها لا يعني أنهم جهلوا معناها أو فوّضو العلم بمعناها إلى الله تعالى وحده. ومن أشهر الأمثلة على ذلك ما روى ابن عيينة أن ربيعة الرأي (ت: ١٣٦هـ) سُئل عن قوله: ﴿أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الفرقان: ٥٩]. كيف استوى؟ قال: ((الاستواءُ غيرُ مجهولٍ، والكيفُ غيرُ معقولٍ، ومن الله الرسالةُ، وعلى الرسول البلاغُ، وعلينا التصديقُ)) (٣)، وبنحوه روي أيضًا عن تلميذه الإمام مالك بن أنس (ت: ١٧٩هـ) (٤). هذه أبرز العوامل التاريخية التي أثرت في تفسير السلف، مما أدى إلى توسعه كثيرًا عما كان عليه في العهد النبوي، ومن ثم ظهور الآلاف من مرويات التفسير عن مفسري السلف كما سنرى في هذه الموسوعة . (١) الإبانة ١٦٢/٩/٢ - ١٦٣٠/١٦٣، والشريعة ١/ ٤٩٣/٤١٧، والسُّنَّة لعبد الله بن أحمد ص١٤١. (٢) أخرجه البيهقي في القضاء والقدر ٨٢٤/٣. (٣) أخرجه اللالكائي ص ٦٦٥. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((هذا الجواب ثابت عن ربيعة شيخ مالك)). مجموع الفتاوى ٣٦٥/٥. (٤) أخرجه اللالكائي (٦٦٤)، والبيهقي (٨٦٦)، وقال ابن حجر: سنده جيد. فتح الباري ١٣ / ٤٠٦، ٤٠٧. ٢٥٥ ٥ الفصل الثاني نقل تفسير السلف ومراحل تدوينه ويتضمن ما يلي: المبحث الأول: مرحلة الروايات الشفهية المبحث الثاني: مرحلة الكتابة والتدوين تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه ٢٥٦ : المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّفْسِيرُ الْخَاشُورُ نقل تفسير السلف ومراحل تدوينه مرَّ تفسير السلف في نقله وتداوله بمرحلتين رئيسيتين كسائر علوم الشريعة، هما مرحلة الروايات الشفهية والحفظ ابتداء، ثم مرحلة الكتابة والتدوين. وسوف نعرض لهاتين المرحلتين بشيء من التفصيل من خلال المبحثين التاليين: فَوْسُوعَة التَّفْسِسَةُ المَاتُوز المدخل إلى تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه : ٢٥٧ : المبحث الأول مرحلة الروايات الشفهية كان العرب قبل الإسلام يعتمدون في حفظ أيامهم وأشعارهم على الحفظ وقوة الذاكرة، حتى جاء الإسلام وقد نمت تلك الملكة لديهم وتميزوا بها، فأعملوها في حفظ القرآن والسُّنَّة، ونقل نصوصهما بألفاظهما، أما الكتابة والتدوين فإنها وإن كانت حاضرة عندهم لكنها بصورة محدودة، وقد أفاد النبي ◌َّ من وجود بعض الكَتَبَة في كتابة القرآن الكريم وتدوينه، وورد عنه النهي ابتداء عن كتابة ما سوى القرآن الكريم خشية اختلاطه بالقرآن الكريم الذي لم يكن قد جُمع بعد، ثم أذن بكتابتها في آخر حياته وَليّ(١). واستمر تناقل علوم الشريعة عن طريق الحفظ والمشافهة في عهد الصحابة ومن بعدهم، وكان هو الأساس في التعلم والتعليم، إلا أن الكتابة بدأت مع الأيام تتوسع وتنتشر لتكاثر الدواعي لها، حتى أصبحت الطريق الرئيس في التعلم، وفي ذلك يقول ابن الأثير: ((وكان اعتمادهم أولًا على الحفظ والضبط في القلوب والخواطر غير ملتفتين إلى ما يكتبونه، ولا معوِّلين على ما يُسطّرونه، محافظة على هذا العلم كحفظهم كتاب الله رَّك، فلما انتشر الإسلام، واتسعت البلاد، وتفرقت الصحابة في الأقطار، وكثُرت الفتوح، ومات معظم الصحابة، وتفرق أصحابهم وأتباعهم وقلَّ الضبط احتاج العلماء إلى تدوين الحديث وتقييده بالكتابة، ولعمري إنها الأصل، فإن الخاطر يغفل، والذهن يغيب، والذكر يُهمل، والقلم يحفظ ولا ينسى)) (٢). وقبل أن ننتقل إلى الحديث عن مرحلة الكتابة والتدوين يحسن أن نقف على طرق (١) ينظر ذلك بتوسع في: دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه ص٧١ - ٩١، بحوث في تاريخ السُّنَّة المشرفة ص ٢٨٧ - ٢٩٢. (٢) جامع الأصول من أحاديث الرسول ١/ ١٥. المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّفْسِيةُ المَاتُور تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه ٢٥٨٥ : تلقي التفسير عند السلف عبر طريق المشافهة والحفظ، والمنهج التعليمي لديهم في إلقاء دروس التفسير . طرق تلقي التفسير وأدائه مشافهة عند السلف: تقدم معنا كيفية تلقى الصحابة التفسير في عهد النبي وَله، وأن ذلك إما بأن يبتدئهم بتفسير الآية، أو أن يستشكلوا شيئًا من معاني الآيات فيسألون النبي وَّر، وعند النظر إلى مرويات التفسير عن الصحابة ربما يتبادر إلى الذهن السؤال عن كيفية تلقي التفسير وإلقائه في عهد الصحابة والتابعين، وفيما يلي إلماحة إلى شيء من ذلك من خلال استقراء بعض مرويات التفسير: ١ - مجالس التفسير الخاصة: كانت لبعض الصحابة مجالس علمية خاصة مع نجباء تلاميذهم، يتدارسون فيها القرآن ومعانيه، يقف فيها المعلم وقفات تربوية مع المتعلمين، فيبين لهم ويطلب آراءهم، ويشحذ أذهانهم بالمسائل العلمية، ويشجعهم وينمي لديهم ملكة التفسير، ويظهر هذا جليًّا من خلال المثال التالي في مجالس أمير المؤمنين عمر بن الخطاب نضالاته : عن ابن زيد قال: ((كان عمر بن الخطاب إذا صلى السُّبْحة(١) وفرغ دخل مِرْبدًا(٢) له، فأرسل إلى فِتْيانٍ قد قرؤوا القرآن، منهم ابن عباس، وابن أخي عُيَيْنة، قال: فيأتون فيقرؤون القرآن ويتدارسونه، فإذا كانت القائلة انصرف. قال: فمروا بهذه الآية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِّ﴾ [البقرة: ٢٠٦]، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]، فقال ابن عباس، لبعض من كان إلى جنبه: اقتتل الرجلان. فسمع عمر ما قال، فقال: وأيُّ شيء قلتَ؟ قال: لا شيء يا أمير المؤمنين. قال: ماذا قلت؟ اقتتل الرجلان؟ قال: فلما رأى ذلك ابن عباس، قال: أرى هاهنا مَنْ إذا أُمِر بتقوى الله أخذته العزة بالإثم، وأرى من يَشْري نفسه ابتغاء مرضاة الله؛ يقوم هذا فيأمر هذا بتقوى الله، فإذا لم يقبل وأخذته العزة بالإثم، قال هذا: وأنا أشتري نفسي فقاتله، فاقتتل الرجلان. (١) السُّبْحة: صلاة النافلة، النهاية (سبح). (٢) المِرْبد: فضاء وراء البيوت يُرتفق به، والمِرْبد أيضا كالحُجرة في الدار، لسان العرب (ربد). المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّفْسِيرُ الْمَاتُور تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه : ٢٥٩ % فقال عمر: لله تلادك(١) يا ابن عباس))(٢). ومشهور ما وقع لابن عباس رضيًّا في مجلس عمر نظُله مع أشياخ بدر (٣). ومثله أيضًا لدى عبد الله بن مسعود نظرته مع طلابه، فعن مسروق، قال: ((كان عبد الله يقرأ علينا السورة، ثم يحدثنا فيها، ويفسرها عامة النهار)) (٤). وأشهر من عُرف بتلك المجالس ابن عباس رضيًّا، حيث اعتنى بطلابه اعتناءً بالغًا، وتفرغ لهم تفرغًا تامًّا، وميَّزهم بمنهج تعليمي فذّ، يبث فيهم روح الثقة، ويشجعهم للتصدي للإفتاء والتفسير، فهذ أبو الجوزاء (ت: ٨٤هـ) يقول: ((جاورت ابن عباس في داره اثنتي عشرة سنة ما في القرآن آية الا وقد سألته عنها)). وقال مجاهد (ت: ١٠٢هـ): ((عرضت المصحف على ابن عباس، ثلاث عرضات، من فاتحته إلى خاتمته، أوقفته عند كل آية منه، وأسأله عنها))(٥)، وقال عكرمة (ت: ١٠٥ هـ): ((كان ابن عباس يجعل الكبل في رجلي على تعليم القرآن والفقه)) (٦)، وقال عطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤هـ): ((ما رأيت مجلسًا قط أكرم من مجلس ابن عباس أكثر فقهًا وأعظم جفنة منه، إن عنده أصحاب القرآن يسألونه، وعنده أصحاب الشعر يسألونه، وعنده أصحاب النحو يسألونه، كلهم يصدر في واد واسع))(٧)، ومن هنا نجد تميز تلاميذه بالتوسع في التفسير رواية ودراية أكثر من غيرهم(٨). وهكذا الأمر أيضًا لدى التابعين، فلا شك أن تلك الثروة الضخمة من تفسيرهم - وهم أكثر طبقات السلف تفسيرًا - لم ينقله تلاميذهم إلا عبر تلك المجالس العلمية، خصوصًا المكثرين منهم ممن اختص بتلاميذ يتفرغون لنقل تفسيره كمجاهد وقتادة والسدي. وكذا كان أتباعهم من بعدهم، وقد تقدم في معالم تفسير التابعين ملامح من تلك المجالس العلمية العامرة. (١) في مطبوعة الشيخ شاكر ٢٤٥/٤: لله بلادك. وعقّب على ذلك بقوله: في المطبوعة: (لله تلادك)) بالتاء في أوله، ولا معنى له، والصواب ما أثبت. وفي الدر المنثور: (لله دَرُّك)). والعرب تقول: (لله درُّ فلان، ولله بلاده)). (٢) أخرجه ابن جرير ٥٨٨/٣ - ٥٨٩. (٣) أخرجه البخاري ٤٢٩٤، وينظر أمثلة أخرى في: تفسير قوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن تَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ [البقرة: ٢٦٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبُّجَ اُلْجَهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣]. (٥) أخرجه ابن جرير ٧٥/١. (٤) أخرجه ابن جرير ١/ ٨٥. (٦) المعرفة والتاريخ ١/ ٥٢٧. (٨) ينظر: تفسير التابعين ٣٩١/١. (٧) المعرفة والتاريخ ٥٢٠/١. تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه المدخل إلى فَوْسُعَبْ التَّفَنَةُ الجَاتُور : ٢٦٠ : ٢ - مجالس التفسير العامة: يمكن أن يُمثّل لها بما جاء عن قتادة في قوله: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَلْمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩] قال: ذُكر لنا أن عبد الله بن مسعود أهديت له سقاية ذهب وفضة، فأمر بأخدود فخُدَّ في الأرض، ثم قذف فيه من جزل حطب، ثم قذف فيه تلك السقاية، حتى إذا أزبدت وانماعت، قال لغلامه: ادع من يحضرنا من أهل الكوفة. فدعا رهطًا، فلما دخلوا عليه قال: أترون هذا؟ قالوا: نعم، قال: ((ما رأينا في الدنيا شبيهًا للمهل أدنى من هذا الذهب والفضة حين أزبد وانماع))(١). وأوضح منه ما ذُكر عن ابن عباس طيّما الذي صرف جل همه وغاية وسعه في تفسير كتاب الله للعامة والخاصة مستغلًا المناسبات الجامعة، فعن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: ((شهدت ابن عباس وولي الموسم، فقرأ سورة النور على المنبر، وفسرها، لو سمعت الروم لأسلمت))(٢). وعن الحسن البصري قال: ((كان ابن عباس من الإسلام بمنزل، وكان من القرآن بمنزل، وكان يقوم على منبرنا هذا، فيقرأ البقرة وآل عمران، فيفسرهما آية آية))(٣)، وفي رواية: أن الحسن ذكر ابن عباس فقال: ((كان أول من عُرف بالبصرة صعد المنبر فقرأ البقرة وآل عمران وفسرهما حرفًا حرفًا. وكان مِثَجًّا يسيل غَرْبًا)) (٤). كذلك كان رُه يجلس في فناء الكعبة يستقبل أسئلة الوافدين، ويجيب المتعلمين، ففي أول قصة نافع بن الأزرق المشهورة أنه قدم مكة، فإذا هو بعبد الله بن عباس قاعدًا قريبًا من زمزم، وعليه رداء أحمر وقميص، وإذا ناس قيام يسألونه عن التفسير يقولون: ((يا ابن عباس، ما تقول في كذا وكذا؟ فيقول: هو كذا أو كذا، .. . ))(٥). ٣ - تصدي السلف للناس وطلب السؤال منهم: حرص بعض السلف على إبلاغ الناس ما حوت صدورهم من علم؛ خشية الوقوع في إثم كتمانه، وموتهم قبل إبلاغه، من هنا كانوا يتصدون للناس ويطلبون منهم أن (١) أخرجه ابن جرير ٢٤٨/١٥. (٢) أخرجه ابن جرير ١/ ٧٥. والحاكم ٣/ ٥٣٧، وأبو نعيم في الحلية ٣٢٤/١، وعنده أنه قرأ سورة البقرة. (٣) سير أعلام النبلاء ٣٤٤/٣. (٤) غريب الحديث لابن قتيبة ٣٥٤/٢. (٥) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ٢٤٨/١٠.