النص المفهرس

صفحات 201-220

فَوْسُكَبِ التَّفْسَسِيرُ الْجَاتُور
المدخل إلى
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
٢٠١٥ .
المتعلقة بالقرآن في عهده هو استشهاد عدد من قراء الصحابة رضي في حروب
الردة(١)، وما ترتب على ذلك من أمره زيد بن ثابت بجمع القرآن في مصحف
واحد، فكان من أجل أعماله المتعلقة بالقرآن أثناء خلافته نظ ◌ُله .
ونظرًا لقصر مدة خلافته وانشغاله ربُه مع سائر الصحابة خلالها فقد قَلَّ المروي
في التفسير عنهم جميعًا في ذلك العهد، ومن هنا فالمروي عن أبي بكر ◌َظُنُه في
التفسير قليل جدًّا (٢)، ومن أشهر تلك المرويات(٣):
- ما رواه الشعبي أنه نظرته، قال في الكلالة: ((أقول فيها برأيي، فإن كان صوابًا
فمن الله: هو ما دون الولد والوالد)) قال: فلما كان عمر رَُّه، قال: إني لأستحيي
من الله أن أخالف أبا بكرٍ (٤).
- وجاء عنه أنه قال: ((أي أرضٍ تقلني، وأي سماءٍ تظلني، إذا قلت في القرآن ما
لا أعلم))(٥).
وهذان الأثران عنه ظُله يفيدان درسًا تربويًّا، أنه ينبغي عدم التجرؤ على التفسير
إلا بعلم يغلب على الظن صحته، وفي هذا تأصيل لما ينبغي أن يكون عليه المفسر.
- ومن أمثلة استدراكاته: ما رواه قيس بن أبي حازم، عن أبي بكرِ الصديق، أنه
(١) وفيهم من كان من كبار قراء الصحابة، وربما كان لهم باع في التفسير كما هو الحال في الإقراء، منهم
سالم مولى أبي حذيفة (ت: ١٢ هـ)، الذي قال عنه ابن عمر كما في صحيح البخاري ٧١/٩: ((كان سالم
مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الأولين، وأصحاب النبي ( 18 في مسجد قباء فيهم أبو بكر، وعمر، وأبو
سلمة، وزيد، وعامر بن ربيعة))، وأثنى عليه رسول الله وَّر في الحديث الذي أخرجه البخاري أيضًا ٢٧/٥،
فقال: ((استقرئوا القرآن من أربعة، من عبد الله بن مسعود - فبدأ به - وسالم مولى أبي حذيفة، وأُبي بن
كعب، ومعاذ بن جبل)). فربما كان ذِكره مع هؤلاء الثلاثة الذين هم من كبار علماء الصحابة إشارة إلى أنه
مثلهم، وتقدمه في الصلاة بكبار المهاجرين يؤيد ذلك، ولا شك أن استشهاده مبكرًا طوى كثيرًا من علمه.
والله أعلم.
(٢) ولا يعني ذلك عدم علمه بالقرآن! كيف وهو أول الصحابة إسلامًا وأكثرهم مجالسةً للنبي وَّ؟! ولكن
الأمر أنه توفي مبكرًا، ولم يتفرغ في خلافته القصيرة ذات المشاغل العظيمة للتصدي للتعليم. وفي ذلك
يقول السيوطي: ((الرواية عن الثلاثة [يعني: أبا بكر وعمر وعثمان] نزرة جدًّا، وكان السبب في ذلك تقدم
وفاتهم، كما أن ذلك هو السبب في قلة رواية أبي بكر ظُه للحديث، ولا أحفظ عن أبي بكر رَظُله في
التفسير إلا آثارًا قليلة جدًّا لا تكاد تجاوز العشرة)). الإتقان ٢٣٢٥/٦.
(٣) ينظر: دروس د. مساعد الطيار على الشبكة العالمية عن تاريخ التفسير
http://vb.tafsir.net/tafsir30300/#.V1UpxfkrI2w.
(٤) تفسير ابن جرير الطبري ٦/ ٤٥٧.
(٥) السابق: ١/ ٧٢.

المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّفْسِيُ المَاتُوز
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
=
٥ ٢٠٢ .
قال: يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم
مَنْ ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، وإني سمعت رسول الله وَله يقول: ((إن الناس
إذا رأوا ظالمًا، فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقابٍ منه))(١).
والخلاصة: أن قلة التفسير المروي في عهد أبي بكر ظُه يرجع لأمور، من
أبرزها :
- قِصَر مدة خلافة أبي بكر ◌َُّه، وانشغاله مع سائر الصحابة بالجهاد وتوطيد
دعائم الدولة، وبدء الفتوحات.
- قرب العهد بعصر النبوة وكون الناس لم يزالوا على طبيعتهم وسليقتهم اللغوية،
فلم تظهر الأسباب الداعية إلى التوسع في التفسير، كما حصل لاحقًا .
﴾ ٢ - عهد عمر بن الخطاب رضي الله (١٣ - ٢٣هـ):
تولى عمر بالله الخلافة بعد أن أظل الإسلام ربوع الجزيرة العربية من جديد،
وانطلق الصحابة فاتحين البلاد خارج الجزيرة، وما هي إلا سنوات قلائل حتى قضوا
على مملكتي فارس، والروم، أعظم دول العالم آنذاك، فاتسعت الدولة الإسلامية،
وفتحت الدنيا أمام المسلمين، فواجه عمر عهدًا جديدًا، وحضارات مختلفة،
قابلها رضاُله بحكمة وحسن قيادة، وذلك في شتى مناحي الحياة، في الحكم والإدارة
والاقتصاد والحرب والبناء، وكذلك التعليم بمختلف علومه وفنونه، بل يمكننا
القول: إن عهد عمر بن الخطاب يمثل المرحلة التأسيسية للتعليم المنظم، خصوصًا
في التفسير، الذي عني به ظُه عناية فائقة مع انشغاله الكبير بأمور الدولة، مما أدى
إلى تطور التفسير وتعليمه، وتأصيل أصوله وآدابه، يتمثل ذلك في معالم عديدة، لعل
من أبرزها ما يلي:
١ - ضبط الكلام في الشريعة عمومًا، ومن ذلك ضبط باب الاجتهاد في التفسير،
وقصره على المؤهلين لذلك، فقد كان عمر رَالله ((يسأل ويُسأل عن معاني الآيات
الدقيقة))(٢)، ويطلب المعنى الصحيح والتفسير الراجح، مع الشواهد من لغة العرب،
ويشجع على ذلك، وستأتي أمثلة عديدة في المعالم التالية.
(١) أخرجه أحمد (١)، ١٧٧/١، ورواه أبو داود (٤٣٣٨)، والترمذي (٣٠٧٥).
(٢) مجموع الفتاوى ١٦ / ٤١٧.

مُؤْسُعَبْ التَّفْسِيَةُ الْمَاتُون
المدخل إلى
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
٥ ٢٠٣ %
٢ - تشجيع الفتية النابهين لتعلم القرآن وتفسيره، يبرز ذلك في رعاية عمر
لعبد الله بن عباس رضيها تعليمًا وأدبًا وسلوكًا، وتشجيعه على خوض غمار التفسير؛
لِما رأى فيه من النجابة والفطنة ورجاحة العقل وحب العلم وتطلبه، فكان يوجهه
ويطلب رأيه في دقائق التفسير، ويستشيره في الأمر إذا أهمَّه ويقول له: ((غص
غواص))(١)، بل كان يدخله مجلسه مع أشياخ بدر حتى اعترض بعضهم، فأوقفهم
عمر على سبب ذلك(٢)، وحتى أن أباه العباس بن عبد المطلب بنظُبه قال له: ((أيّ
بني، إن أمير المؤمنين يدعوك ويقربك ويستشيرك مع أصحاب رسول الله وَ ليته،
فاحفظ عني ثلاث خصال: اتق لا يجربن عليك كذبة، ولا تفشين له سرًّا، ولا
تغتابن عنده أحدًا))(٣).
فكان من آثار هذه الرعاية الكريمة نبوغ ترجمان القرآن، وحبر الأمة عبد الله بن
عباس رضيّها وتصدره في علم القرآن فيما بعد، حتى كان أبرز الصحابة وأكثرهم رواية
فيه .
٣ - من معالم القيادة الحكيمة والإدارة الفذة لعمر نظبه توجيه كل صحابي للمكان
المناسب له، فبعث القادة والمعلمين والمربين إلى الأمصار المفتوحة، فكان من
نتائج ذلك بروز علماء الصحابة في مجالسهم ومدارسهم العلمية وتخرج نابغي
التابعين على أيديهم(٤)، فهذا ابن مسعود ظُّه أرسله إلى أهل الكوفة فلبث بين
ظهرانيهم حتى تخرج على يديه من كبار فقهاء التابعين ومفسريهم أمثال علقمة النخعي
(ت: ٦٣هـ) ومسروق (ت: ٦٣هـ)، وأبقى معه في المدينة نفرًا من كبار الصحابة للفتيا
والقضاء والمشورة والإقراء والتفسير، وتعليم من يفد إليها، خصوصًا علي بن أبي
(١) سير أعلام النبلاء ٣٤٦/٣.
(٢) فعن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فقال بعضهم: لم تدخل هذا الفتى معنا ولنا
أبناء مثله؟ فقال: ((إنه ممن قد علمتم)) قال: فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم قال: وما رأيته دعاني يومئذ إلا
لِيريهم مني، فقال: ما تقولون في ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾ وَرَأَيْنَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِ دِينِ اللَّهِ
أَفْوَاجًا﴾، حتى ختم السورة، فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وقال بعضهم:
لا ندري، أو لم يقل بعضهم شيئًا، فقال لي: يا ابن عباس، أكذاك تقول؟ قلت: لا، قال: فما تقول؟
قلت: هو أجل رسول اللهِ وَّ أعلمه الله له: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ﴾ فتح مكة، فذاك علامة أجلك:
﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرُهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. قال عمر: ((ما أعلم منها إلا ما تعلم)). أخرجه البخاري
١٤٩/٥.
(٣) المعجم الكبير للطبراني ٢٦٥/١٠.
(٤) وسيأتي تفصيله في مبحث أبرز العوامل والأحداث التاريخية المؤثرة في تفسير السلف.

تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
: ٢٠٤.
المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقْسِيرُ الْخَاتُور
طالب(١)، وأُبي بن كعب، الذي تخرج على يديه في القراءة والتفسير أمثال أبي
العالية (ت: ٩٠ه)، كما تخرج عليه في القراءة حبر الأمة ابن عباس.
٤ - النص على أهمية التفسير اللغوي كمصدر للتفسير، وذلك من خلال الإفادة
من لغة العرب وشعرها في تفسير القرآن - وهو المنهج الذي أعمله ابن عباس رضيًّا
بعد ذلك وتوسع فيه وأشاعه وربى تلاميذه عليه - حيث ورد عن عمر ما يدل على
عنايته بهذا الاتجاه، من ذلك ما رواه أبو الصَّلْتِ الثقفي أن عمر بن الخطاب قرأ
هذه الآية: ﴿وَمَن يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ بنصب الراء، وقرَأها بعضُ
مَن عنده من أصحاب رسول الله وَّ: (حَرِجًا) بالخفض، فقال عمر: ابْغُوني رجلاً
من كِنانة، واجعَلوه راعيًا، وليكنْ مُدْلِجيًّا. فأتَوه به، فقال له عمر: يا فتى، ما
الحِرِجَةُ فيكم؟ قال: الحَرِجَةُ فينا: الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصلُ إليها
راعيةٌ ولا وحْشِيَّةٌ ولا شيء. فقال عمر: كذلك قلبُ المنافق لا يصلُ إليه شيءٌ من
الخير(٢).
بل روي ذلك صريحًا من قوله فيما ذكره سعيد بن المسيب، حيث قال: بينما
عمر بن الخطاب ظُبه على المنبر قال: يا أيها الناس، ما تقولون في قول الله رجل:
﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفِ﴾ [النحل: ٤٧] فسكت الناس، فقال شيخ من بني هذيل: هي لغتنا
يا أمير المؤمنين، التخوف التنقص. فخرج رجل فقال: يا فلان، ما فعل دَيْنك؟
قال: تخوفته؛ أي: تنقصته، فرجع فأخبر عمر فقال عمر: أتعرف العرب ذلك في
أشعارهم؟ قال: نعم، قال شاعرنا أبو كبير الهذلي يصف ناقة تنقص السير سنامها
بعد تَمَكِهِ (٣) واكتنازه:
تَخَوَّفَ الرَّحْلُ مِنْهَا تَامِكًا قَرِدًا كما تخوف عود النبعة السفن
(١) اشتهر علي رضاُّه في المدينة في خلافة عمر وعثمان بالفتيا والقضاء ومشورة الخلفاء وربما الإقراء، ولم
أقف - حسب علمي - على روايات تفيد تصدره للتفسير أثناء ذلك، مع طول ذلك العهد وكونه أكثر تفرغًا
من عهد خلافته، ومن ثم وجود تلاميذ لازموه حينئذ، إلا أن يكون ابن عباس فقد روي عنه قوله: ((ما
أخذت من تفسير القرآن فعن علي بن أبي طالب))، وما اشتهر من تصديه للتفسير فقد كان أيام خلافته
بالكوفة، كما سيأتي في مبحث أبرز العوامل والأحداث التاريخية المؤثرة في تفسير السلف، والمسألة
تحتاج إلى بحث وتتبع، والله أعلم.
(٢) أخرجه ابن جرير ٩ / ٥٤٤، ٥٤٥.
(٣) تمك السنام: طال وارتفع. كما في الصحاح للجوهري (تمك).

المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّفْسِيُ الخَاتُور
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
٥ ٢٠٥ %
فقال عمر: يا أيها الناس، عليكم بديوانكم شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم
ومعاني كلامكم (١).
٥ - وقوف عمر رحظّه صخرةً شامخةً وسدًّا منيعًا أمام المتنطعين، ممن يخوض في
متشابه القرآن، ويسأل عما فيه تعنتًا، فيَضل ويُضل، فعن نافع مولى عبد الله، أن
صبيغًا العراقي جعل يسأل عن أشياء من القرآن في أجناد المسلمين حتى قدم مصر،
فبعث به عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب رضيّها فلما أتاه الرسول بالكتاب فقرأه
فقال: أين الرجل؟ فقال: في الرحل، قال عمر: أبصر أن يكون ذهب فتصيبك مني
به العقوبة الموجعة، فأتاه به، فقال عمر: تسأل مُحْدَثَةً! فأرسل عمر إلى رطائب من
جريد، فضربه بها حتى ترك ظهره دبرة، ثم تركه حتى برأ، ثم عاد له، ثم تركه حتى
برأ، فدعا به ليعود له، قال: فقال صبيغ: إن كنت تريد قتلي، فاقتلني قتلًا جميلًا،
وإن كنت تريد أن تداويني، فقد والله برأت، فأذن له إلى أرضه، وكتب إلى أبي
موسى الأشعري رضاُله أن لا يجالسه أحد من المسلمين، فاشتد ذلك على الرجل،
فكتب أبو موسى إلى عمر: أن قد حسنت توبته، فكتب عمر: أن ائذن للناس
بمجالسته(٢) .
مما سبق يمكن القول: إن عمر رضيُله يمثل مرحلة مهمة في تاريخ التفسير، تركه
كثير ممن كتب فيه، فقد أوتي ظُله من العلم والفهم والاستنباط، حتى نزلت آيات
عديدة موافقة له (٣)، وقد أكد أصلًا عظيمًا من أصول التفسير، وهو الرجوع إلى
لسان العرب وشعرهم، وشجع المؤهلين على الاجتهاد في التفسير، وعلى رأسهم
ابن عباس ◌ِّها، وفي المقابل وقف سدًّا منيعًا أمام المتنطعين وأهل الأهواء، كل
ذلك يبوئ عمر رضيبه مكانة عظيمة في التفسير وأصوله.
ويكفي دلالة على ذلك ما روي أن كبار مفسري الصحابة كابن مسعود وابن
عباس ◌ّ كانوا يقفون عند قوله، وما جاء أن عامة علم ابن عباس من ثلاثة:
(١) الكشف والبيان ((تفسير الثعلبي)) ١٩/٦، تفسير القرطبي ١١٠/١٠.
(٢) أخرجه الدارمي ١/ ٢٥٤. وأخرج نحوه ابن عساكر ٢٣/ ٤١٢ من طريق السَّائِب بن يزيد أنَّ رجلًا قال
العمر: إنِّي مررتُ برجلٍ يسألُ عن تفسير مُشْكِل القرآن ... الأثر. كما أخرجه الدارمي ٥٤/١ من طريق
سليمان بن يسار: وفيه بلفظ: فجعل يسأل عن مُتَشابِهِ القُرْآن.
(٣) تنظر موافقات عمر في: الإتقان ١٢٧/١، في النوع العاشر: فيما أنزل من القرآن على لسان بعض
الصحابة.

تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
٥ ٢٠٦ .
المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّفْسِي الْحَاتُون
عمر، وعلي، وأُبي(١).
ونختم الحديث عن ذلك العهد الميمون ببيان أنه توفي فيه عدد من علماء
الصحابة، من أبرزهم: معاذ بن جبل(٢)، وأبي بن كعب(٣)، ثم استشهاد عمر بنظ ◌ُبه.
٣ - عهد عثمان بن عفان رضي عنه (٢٣ - ٣٥هـ):
تولى عثمان الخلافة بعد استشهاد عمر عام ٢٣هـ، وقد انتظمت أمور الدولة،
وتوطدت أركانها، فأكمل ما بدأه صاحباه أبو بكر وعمر ظه، من فتوحات، وبناء
وتعليم، فكانت الحياة العلمية على مثل ما كانت عليه في عهد عمر، فابن مسعود في
الكوفة مقرئًا ومعلمًا ومربيًّا، ومثله أبو الدرداء بدمشق، وأبو موسى بالبصرة، وكذلك
حذيفة بن اليمان، وفي المدينة علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت ...
ولعل من أبرز الأعمال المتعلقة بالقرآن التي كانت في عهده هو جمع القرآن
الكريم، وإرسال نسخ منه إلى الأمصار، وتوحيد الناس على مصدر واحد وأداء
واحد في القراءة وفق العرضة الأخيرة، وحسم مادة الخلاف في ذلك(٤)، بعد ما كاد
الناس أن يكفِّر بعضهم بعضًا (٥)، ولا شك أن لهذا العمل أثره الكبير في التفسير
والقراءات وعلوم القرآن كلها كما هو ظاهر ومعلوم، وهو من أهم أعمال عثمان
المتعلقة بالقرآن، أما التفسير فالمروي عنه قليل جدًّا (٦)، ويظهر أنه لم يتصد للتفسير
(١) تفسير القرطبي ١٠/ ١١٠.
(٢) من نجباء الصحابة، وشهد له النبي 18 بأنه أعلم الأمة بالحلال والحرام - كما عند أحمد ١٨٤/٣،
٢٨١، والترمذي (٣٧٩٣، ٣٧٩٤)، وابن ماجه (١٥٤) - وخلّفه على أهل مكة بعد فتحها يقرئهم ويفقههم،
ثم أرسله إلى اليمن قاضيًا ومعلمًا، وأرسله عمر إلى الشام مجاهدًا ومعلمًا حتى أدركته المنية هناك في
طاعون عمواس عام ١٨ هـ، وله بضع وثلاثون سنة، قال عنه عمر حين خرج إلى الشام: لقد أخل خروجه
بالمدينة وأهلها في الفقه، وفيما كان يفتيهم به، ولقد كنت كلمت أبا بكرٍ أن يحبسه لحاجة الناس إليه، فأبى
علي، وقال: رجلٌ أراد وجهًا - يعني: الشهادة - فلا أحبسه، وقد أثنى عليه وعلى علمه كبراء الصحابة حتى
قال عنه ابن مسعود: ((إن معاذًا كان أمةً قانتًا لله حنيفًا)). فلما روجع في ذلك قال: ((إن الأمة: معلم الخير،
والقانت: المطيع، وإن معاذًا، كان كذلك))، ومناقبه كثيرة، ولعل لتقدم وفاته أثر في قلة المرويات عنه.
(٣) عام ١٩ هـ، وقيل: في عهد عثمان عام ٣٢هـ، وقيل غير ذلك على اختلاف كبير في سنة وفاته،
وستأتي ترجمته في الدراسة التالية.
(٤) ينظر حديث حذيفة بن اليمان في: صحيح البخاري (٤٩٨٨).
(٥) ينظر: الفتح ١٧/٩، ١٨. وكان ذلك في أوائل سني خلافة عثمان، كما حرره الحافظ ابن حجر.
(٦) يشكل على هذا ما ذكره السيوطي بقوله: ((اشتهر بالتفسير من الصحابة عشرة: الخلفاء الأربعة، وابن
مسعود وابن عباس وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وأبو موسى الأشعري وعبد الله بن الزبير، أما الخلفاء =

المدخل إلى مُؤْسُوكَة التَّقْنَسِيرُ الْخَاتُور
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
٥ ٢٠٧ .
كما تصدى للإقراء (١)، ومن هنا يمكننا القول: إن الإقراء في عهده كان أشهر من
التفسير، وربما كان لنسخ المصاحف وإرسالها إلى الأمصار وأمر الناس بالقراءة
وفقها وترك ما سواها وتوحيدهم على مصدر واحد أثر كبير في الانشغال بالإقراء.
وقد توفي في عهده عدد من كبار علماء الصحابة، منهم: عبد الله بن مسعود
(ت: ٣٢هـ)، وأبو الدرداء (ت: ٣٢هـ)، وسلمان الفارسي (ت: ٣٤هـ)، وحذيفة بن اليمان
(ت: ٣٥هـ)، ومن كبار التابعين كعب الأحبار (ت: ٣٢هـ). ولا شك أن لذلك أثرًا كبيرًا في
الحياة العلمية عمومًا، والتفسير خصوصًا.
وقد خُتم عهد عثمان بحدث كان له الأثر الكبير في حياة الأمة بعد ذلك، وهو ما
حصل من تأليبٍ عليه من قِبَل أهل الفتنة حتى أفضوا إلى قتله واستشهاده، ومن ثَمَّ
افتراق الأمة، واقتتال المسلمين فيما بينهم، وما ترتب على ذلك من أحداث دامية
ومستديمة، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
٤ - عهد علي بن أبي طالب رَّه (٣٥ - ٤٠هـ):
بعد استشهاد عثمان رضيه تولى الخلافة علي بن أبي طالب رضيبه؛ لكن سرعان ما
نوزع في ذلك، فوقع الاختلاف والفرقة بين المسلمين، وتطورت الأحداث حتى
اضطر رتُبه إلى الانتقال إلى الكوفة، واقتتل المسلمون فيما بينهم، فكان أعظم
البلايا على الأمة، ومن ثم نبتت نابتة الفرق الضالة بخروج الخوارج عليه، وظهور
الشيعة واستمر الغلو بهم إلى أن وصلوا إلى ما وصلوا إليه، ثم استشهد علي نض اله
عام ٤٠هـ، واستخلف ابنه الحسن بن علي ◌ّها، الذي تنازل بالخلافة لمعاوية بن
أبي سفيان طّها، فانتهت الخلافة الراشدة وقامت الدولة الأموية في فرعها السفياني،
واجتمع المسلمون مرة أخرى بعد اختلاف، وتوحد صفهم بعد فرقة.
أما التفسير في عهد عليٍّ رَُّله فإنه حين نزل الكوفة - وكان حبرها ابن مسعود قد
= فأكثر من روي عنه منهم علي بن أبي طالب والرواية عن الثلاثة نزرة جدًّا، وكان السبب في ذلك تقدم
وفاتهم)). الإتقان ٢٣٢٥/٦. وستأتي محاولة تعليل ذلك في خاتمة مبحث ((مفسرو السلف ومراتبهم في
التفسير)).
(١) كان عثمان رُبه من كبار علماء الصحابة؛ خصوصًا في الإقراء والفقه والفتيا، أما الإقراء فأثره ظاهر،
إذ تعود إليه كثير من أسانيد القراء، وأما في الفقه والفتيا فقد قلَّت المرويات عنه، قال ابن جرير معللًا
ذلك: ((لم يكن له أصحاب يُعرفون، والمبلغون عن عمر فتياه ومذاهبه وأحكامه في الدين بعده كانوا أكثر
من المبلغين عن عثمان والمؤدين عنه)). نقله ابن القيم في إعلام الموقعين، ت: طه عبد الرؤوف ٢٠/١.

تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقْسِيةُ المَاتُورُ
٥ ٢٠٨ %
توفي قبل ذلك ببضع سنين - وجد بيئة مختلفة عن بيئة المدينة النبوية، ومجتمعًا
جديدًا له خصائصه المختلفة، مما دعاه إلى أن يبث علمه بينهم، ويتصدى لتفسير
القرآن بين ظهرانيهم بصورة أوضح مما كان عليه في المدينة، وربما أدى ذلك إلى
التأكيد على بعض من أصول التفسير وآداب المفسر والتنبيه عليها، لعلنا نستشفها من
خلال المواقف التالية عنه رض اته(١) :
- عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: انتهى علي بن أبي طالبٍ نَظُبه إلى
رجلٍ يقص فقال: ((أعلمت الناسخ من المنسوخ؟)) قال: لا، قال: ((هلكت
وأهلكت))(٢)
فهذا تنبيه منه ظه على أن من شروط المفسِّر أن يلم بالناسخ والنسوخ من
القرآن؛ لأن عدم معرفته يؤثر في فهم المعنى(٣).
- عن أبي الصهباء البكري أن علي بن أبي طالب رَظ ◌ُبه قال وهو على المنبر: ((لا
يسألني أحد عن آية من كتاب الله إلا أخبرته))، فقام ابن الكواء، وأراد أن يسأله عما
سأل عنه صبيغ عمر بن الخطاب رضيله، فقال: ما الذاريات ذروًا؟ قال علي:
((الرياح)) (٤).
نجد هنا أنه ربما كان لاختلاف الأحوال والبيئة دور في كون عليٍّ نَظُه يجيب هنا
عمن يسأله في القرآن تعنتًا (٥)، بخلاف ما كان عليه الأمر في عهد عمر رضيُله.
- عن سعيد بن المسيب قال: قال علي رحْلُله لرجلٍ من اليهود: ((أين جهنم؟))
فقال: البحر، فقال: ((ما أراه إلا صادقًا، ﴿وَالْبَحْرِ الْسَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦]، (وَإِذَا الْبِحَارُ
سُجِرَتْ) مُخَفَّفَةً(٦).
(١) ينظر: دروس د. مساعد الطيار على الشبكة العالمية عن تاريخ التفسير
http://vb.tafsir.net/tafsir30300/#.V1UpxfkrI2w.
(٢) أخرجه النحاس، في الناسخ والمنسوخ: ٤٨/١، والبيهقي في سننه الكبرى ٢٠٠/١٠ (٢٠٣٦٠).
(٣) والنسخ هنا حسب مفهوم المتقدمين، وهو يعم: الكلي (الاصطلاحي لدى المتأخرين)، والجزئي نحو
تخصيص العام، وتقييد المطلق، وبيان المجمل، ورفع الحكم الشرعي ... إلخ. ينظر: الموافقات ٣٤٤/٣
- ٣٤٥.
(٤) تفسير ابن جرير الطبري ٢١/ ٤٨١.
(٥) جاء في رواية عبد الرزاق الطويلة في تفسيره ٢٣٤/٣: أن عليًّا ظُبه أجابه ابتداء: ((ويلك سل تفقهًا،
ولا تسأل تعنتًا)).
(٦) تفسير ابن جرير الطبري ٢١ / ٥٦٧.

المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقْنَسِيرُ الْخَانُور
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
& ٢٠٩ %
وفي هذا الأثر تنبيه على ضابط قبول أخبار أهل الكتب السابقة عن أمور الغيب،
فقد قبل ما قاله اليهودي لما وجد له من شاهد من كتاب الله تعالى.
- عن ابن عباسٍ، قال: ((بينما أنا في الحجر جالسٌ، أتاني رجلٌ يسأل عن
﴿وَالْعَدِيَتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات: ١] فقلت له: الخيل حين تغير في سبيل الله، ثم تأوي
إلى الليل، فيصنعون طعامهم، ويورون نارهم. فانفتل عني، فذهب إلى علي بن أبي
طالبِ رَّه وهو تحت سقاية زمزم، فسأله عن ﴿وَالْعَدِيَتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات: ١] فقال:
سألت عنها أحدًا قبلي؟ قال: نعم، سألت عنها ابن عباسٍ، فقال: الخيل حين تغير
في سبيل الله، قال: اذهب فادعه لي؛ فلما وقفت على رأسه قال: تفتي الناس بما
لا علم لك به، والله لكانت أول غزوةٍ في الإسلام لبدرٌ، وما كان معنا إلا فرسان:
فرسٌ للزبير، وفرسٌ للمقداد فكيف تكون العاديات ضبحًا. إنما العاديات ضبحًا من
عرفة إلى مزدلفة إلى منَّى؛ قال ابن عباسٍ: فنزعت عن قولي، ورجعت إلى الذي
قال علي تط﴿به))(١).
ففي هذا الأثر دلالة على بروز ضوابط الترجيح وقواعده، كما يدل على بروز
احتمال تعدد دلالة النص القرآني .
ولقد كان علي ◌َّه عالمًا بالقرآن إقراءًا وتفسيرًا، روي عنه أنه قال: ((ألا أحد
يسألني عن القرآن؟ فوالله لو أعلم اليوم أحدًا أعلم به مني، وإن كان من وراء البحور
لأتيته)) (٢). وهو أكثر الخلفاء آثارًا في التفسير، ولعل السبب في ذلك تأخر وفاته إلى
عهد نشأت فيه حاجة أكبر لبيان القرآن، خصوصًا بعد انتقاله إلى مجتمع جديد
يختلف عن مجتمع المدينة، إضافة إلى ما برز في خلافته من فتن وقلاقل تطلبت
النظر في القرآن واستخراج أحكامه، كمسألة الخلاف بين الصحابة(٣)، وخروج
الخوارج وغلو الشيعة فيه، وستأتي أمثلة لبعض ذلك عند الحديث عن العوامل
التاريخية المؤثرة في التفسير.
وقيل أيضًا: إن من أسباب ذلك أن الخلافة لم تشغله مبكرًا، وكان متفرغًا أكثر
من غيره ممن سبقه من الخلفاء الكرام.
(١) تفسير ابن جرير ٢٤/ ٥٧٣.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢٢٤٦/٧.
(٣) ينظر مثلًا إلى قول عليّ بن أبي طالب: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال
لهم الله رَجَل: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ عِلٍ﴾.

تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
٥ ٢١٠ هـ
المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقَنِي الْحَاتُون
ومما يجدر ذكره أن في خلافته علا نجم ابن عباس في علم التفسير، بتصديه له
في مجامع جديدة كالكوفة والبصرة، خصوصًا بعد مناظرته الخوارج وإقناع أغلبهم
بالرجوع إلى جماعة المسلمين.
معالم التفسير في عهد كبار الصحابة:
من خلال ما سبق من دراسة تاريخية للتفسير في عهد الخلفاء الراشدين يمكننا
تجلية أبرز معالم التفسير في ذلك العهد الراشد، وذلك في النقاط التالية:
أولًا: ظهور مجالس التفسير، وما يمكن وصفه بالتعليم المنظم، حيث كان لبعض
الصحابة مجالس خاصة للتفسير، كعمر وابن مسعود رضيًا(١). وترتب على ذلك آثار
من أهمها: أن التفسير صار علمًا مستقلًّا قائمًا بذاته.
ثانيًا: بروز بعض مصادر التفسير: ويتجلى ذلك فيما يلي:
١ - بروز الاجتهاد في التفسير بصورة جلية، وبروز القول بالرأي المحمود، بل
والتشجيع على الخوض فيه، كما رأينا في مواقف عمر مع ابن عباس ﴿ ﴿ه.
٢ - بروز بدايات التفسير اللغوي ووضع أسسه، كما تقدم في توجيهات عمر بنظ له .
٣ - ظهور بدايات دخول الإسرائيليات في التفسير، وهذا من خلال سؤالات
الصحابة لبعض أهل الكتاب ومن أسلم منهم، كسؤالات ابن عباس وأبي هريرة رضيها
لكعب الأحبار، ومن خلال رجوع بعضهم لكتب أهل الكتاب، كما وقع من
عبد الله بن عمرو بن العاص ميًّا، ولكن كان هذا قليلاً بالنسبة للعصور التالية.
٤ - مما سبق يمكن القول: إن للتفسير في عهد الخلفاء الراشدين مصدرين
رئيسين: السُّنَّة، والاجتهاد، وكل منهما مصدر كلي، سواء في تفسير آي الأحكام أو
الأخبار. ومصدر ثالث جزئي متعلق بآي الأخبار؛ وهو الإسرائيليات.
ثالثًا: الإشارة إلى مسائل متعلقة بالخلاف في التفسير وضوابط القبول والترجيح
فيه: من ذلك :
١ - بروز الاستدراك على القول الضعيف أو المرجوح في التفسير، كما تقدم في تنبيه
أبي بكرِ رَُّله في تفسير قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا
اُهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، وفي استدراك عليٍّ رَُّله على ابن عباس في تفسير العاديات.
(١) وسيأتي مزيد أمثلة وإيضاح في مسألة طرق تلقي التفسير وأدائه مشافهة عند السلف.

المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقَنِّيُ المَاتُور
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
٥ ٢١١ :-
٢ - بروز الاحتمالات المتعددة للنص القرآني، واختلاف التنوع في تفسيراتهم،
كما رأينا في تفسير العاديات بين علي وابن عباس رضيًّا، بل والتنبيه على أهمية معرفة
ذلك، يتضح ذلك في قول أبي الدرداء ◌َظ ◌ُله: ((إنك لن تفقه كل الفقه حتى ترى
للقرآن وجوهًا))(١) .
٣ - ظهور مبادئ الترجيح، باعتماد الأحوال المتعلقة بالتنزيل، كما في قصة
تفسير العاديات.
٤ - التنبيه على ضابط قبول أخبار أهل الكتب السابقة عن أمور الغيب، كما
يتضح من رد عليٍّ ظّه على جواب اليهودي حين سأله: أين جهنم؟
رابعًا: بيان بعض آداب المفسر والعلوم التي يحتاجها: من ذلك:
١ - التحذير من الخوض في تفسير القرآن بغير علم، مع تطبيق ذلك واقعيًّا،
يتضح ذلك من قول أبي بكر تَظُه: ((أيّ أرضٍ تقلني، وأيّ سماءٍ تظلني، إذا قلت
في القرآن ما لا أعلم))، وموقف عمر نظاله عندما قال في قوله تعالى: ﴿وَقَضْبًا
٢٨
وَزَيْتُنَا وَنَخْلَا (﴿ وَحَدَابِقَ غُلبَا لإ
وَفَكِهَةً وَأَبَّ﴾ [عبس: ٢٨ - ٣١] كل هذا قد علمناه، فما
الأب؟ ثم ضرب بيده، ثم قال: لعمرك إن هذا لهو التكلف، واتبعوا ما يتبين لكم
في هذا الكتاب. قال عمر: وما يتبين فعليكم به، وما لا فدعوه(٢).
٢ - التنبيه على أهمية إلمام المتصدي للتفسير ببعض علوم القرآن كالناسخ
والمنسوخ، كما يتضح ذلك من موقف علي مع الرجل القاص.
خامسًا: ظهور بدايات البحث عن المشكل تعنتًا في عهد عمر، والتوسع في ذلك
في عهد علي، من خلال تجرؤ بعض أهل الأهواء، بسبب الظروف والأحوال التي
اكتنفت مدة خلافته .
سادسًا: ظهور الآراء التفسيرية المبنية على المعتقد، ومن ثَمَّ بداية وقوع الانحراف
في التفسير، وذلك في أواخر خلافة علي بنظ ◌ُبته (٣).
(١) طبقات ابن سعد ٣٥٧/٢، وفي تفسير البغوي ٤٦/١: ((قال حمادٌ: قلت لأيوب: ما معنى قول أبي
الدرداء رضُله؟ فجعل يتفكر فقلت: هو أن ترى له وجوهًا فتهاب الإقدام عليه فقال: هو ذاك، هو ذاك)).
(٢) تفسير ابن جرير ٢٤/ ١٢٣.
(٣) سيأتي مزيد تفصيل وأمثلة لذلك في مبحث ((أبرز العوامل والأحداث التاريخية المؤثرة في تفسير
السلف)).

المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّفْسِيةُ المَاتُور
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
٥ ٢١٢ .
سابعًا: كان التفسير قائمًا على الرواية الشفهية كسائر علوم الشريعة، ثم دوّن
ضمن ما دوّن من السُّنَّة، ومن هنا لم يظهر تدوين خاصٌ بالتفسير.
ثامنًا: تدرج التوسع في التفسير وتطوره حسب حاجة الناس إلى ذلك، وكلما بعد
الزمان والمكان عن عهد النبوة ومنازل الوحي كانت الحاجة أشد، يظهر ذلك جليًّا
من خلال الموازنة بين عهد أبي بكر ظُبه، وعهد علي بن أبي طالب ظُبه الذي
تصدى للتفسير بعد انتقاله إلى الكوفة، وبادر إلى توضيح بعض معاني القرآن، عندما
رأى حاجة الناس إلى ذلك.

المدخل إلى مُؤْسُوَةُ التَّقَنَّةُ المَاتُور
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
٥ ٢١٣ .
المطلب الثاني
التفسير في عصر صغار الصحابة، وكبار التابعين
(عصر الدولة الأموية السفيانية)(١)
يشمل هذا العهد في الواقع طبقتين متعاصرتين من طبقات السلف، هم طبقة
صغار الصحابة، وطبقة كبار التابعين؛ خصوصًا المخضرمين منهم؛ لأنهم في الأصل
من جيل الصحابة وفي أسنانهم، وأقرانٌ لهم من حيث الإدراك الزمني، لكن لم
يشرفوا بصحبة النبي وَّ؛ فلم يُعَدُّوا في طبقتهم (٢). وجعلناه عهد صغار الصحابة
لأنهم هم الأغلب ممن بقي من الصحابة، ومن بقي من كبار الصحابة توفي في أول
هذا العهد كأبي موسى الأشعري (ت: ٨٤٤)، وسعد بن أبي وقاص (ت: ٥٥هـ) جنيهًا.
يمتد هذا العهد من بداية حكم معاوية بن أبي سفيان رضيًّا عام ٤٠هـ إلى استشهاد
ابن الزبير رضيًّا عام ٧٣هـ، ويتكوّن من ثلاثة عهود: عهد معاوية (٤١ - ٦٠هـ) وعهد
ابنه يزيد (٦١ - ٦٤ هـ)، وعهد ابن الزبير (٦٦ - ٧٣هـ).
أولًا: عهد معاوية بن أبي سفيان:
أزهى عهد في عصر الدولة الأموية السفيانية هو عهد خلافة معاوية نظافته؛ الذي
استقبله المسلمون استقبالاً حسنًا، واجتمعت كلمتهم عليه بعد الفرقة والاختلاف،
(١) وهذا من باب التغليب وإلا فإن ابن الزبير حكم خلالها بضع سنين.
(٢) وامتدادهم يشمل القرن الأول بأكمله؛ لأن منهم من أدرك الجاهلية وامتد به العمر إلى أواخر القرن
الهجري الأول، كأبي عثمان النهدي (ت: ٩٥هـ)، وأبي رجاء العطاردي (ت: ١٠٥ هـ)، وفي المقابل نجد أن
منهم من توفي في عهد الخلفاء الراشدين ككعب الأحبار (ت: ٣٢هـ) كما تقدم. كما أن منهم من أدرك
النبي ◌َّ* وتوفي في آخر القرن الأول كأبي العالية (ت: ٩٠هـ)، أو قبلها بقليل، وكأبي وائل (ت: ٨٢هـ)،
ومنهم من توفي في هذا العهد أو بعده بقليل كمسروق (ت: ٦٢هـ) وعلقمة (ت: ٦٣هـ)، وابن أخيه الأسود بن
يزيد (ت: ٧٥هـ)، ومنهم من ولد في بداية الخلافة الراشدة وامتد به العمر إلى آخر القرن كسعيد بن المسيب
(ت: ٩٤هـ)، لكن أستطيع القول أن أغلبهم كان في هذه الدولة أو بعدها بقليل، وقَلَّ منهم من عمِّر إلى آخر
القرن. لذا رأيت أن الأولى إدراجهم ضمن هذا العهد.

المدخل إلى مُؤَسُوعَةُ التَّفْسِيُ المَاتُور
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
٥ ٢١٤ %
فاستقرت الأمور، وعادت حركة الفتوحات في المشرق والمغرب، كما عادت الحياة
العلمية تدب من جديد، خصوصًا في التفسير الذي شهد طفرة كبيرة، بتفرغ حبر
الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ◌ًّا له، واعتزاله السياسة، فاستقر في مكة
معلمًا للوافدين على حرم الله، وكانت مجالسه التفسيرية منارًا لطلبة العلم من شتى
الأرجاء، فتتلمذ على يديه في تلك المدة أعظم مفسري التابعين، ونشأت طبقة
المكيين في التفسير الذين شغلوا مع شيخهم أغلب تفسير السلف، بل كانوا أعلم
الناس به، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((وأما التفسير فإن أعلم الناس به أهل
مكة؛ لأنهم أصحاب ابن عباس، كمجاهد وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن
عباس وغيرهم من أصحاب ابن عباس))(١).
في جهة أخرى نجد تلاميذ ابن مسعود في الكوفة، تصدروا مجالسها علمًا
وعملًا، وتعليمًا وأدبًا وسلوكًا بعد وفاة شيخهم، فكانوا مصداق ما قال عنهم علي بن
أبي طالب حين رآهم فقال: ((أصحاب عبد الله سُرُج هذه القرية))(٢)، حيث كانوا
منارة الفقه والفتيا والتفسير كما قال عنهم؛ إلا أن بعضهم تورع عن التفسير ولم
يخض فيه كثيرًا كما سيأتي بيانه. وهم طبقة الكوفيين الذين قال عنهم ابن تيمية بعد
أن ذكر أعلم الناس بالتفسير أهل مكة: ((كذلك أهل الكوفة من أصحاب ابن مسعود،
ومن ذلك ما تميزوا به على غيرهم)) (٣).
أما المدينة النبوية فكانت ولا زالت في ذلك العهد هي المهد الأول للتعليم
الإسلامي، وأقام فيها عدد من كبار علماء الصحابة، توفي أغلبهم في ذلك العهد،
يأتي على رأسهم: زيد بن ثابت (ت: ٤٥هـ)، وسعد بن أبي وقاص (ت: ٥٥هـ)، وأم
المؤمنين عائشة (ت: ٥٧هـ)، وأبو هريرة (ت: ٥٧هـ)، وأبو موسى الأشعري (ت: ٤٤هـ)،
وعمران بن حصين (ت: ٥٢هـ) بالبصرة، والحسن بن علي بن أبي طالب (٤٩هـ).
ثانيًا: عهد يزيد بن معاوية، وعبد الله بن الزبير:
خلَف معاوية رَظُه ابنُه يزيد عام ٦٠هـ، ليبدأ عهد جديد من الفتن والمحن
والقلاقل التي كان أعظم بلاياها مقتل الحسين بن علي بن أبي طالب رضيًّا عام
٦١ هـ، فازداد أوار الفتنة، وعاد الخلاف بين المسلمين أشد مما سبق، واتسع الحَرق
(١) مقدمة في أصول التفسير ص ٢٤.
(٣) مقدمة في أصول التفسير ص ٢٤.
(٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ١٠/٦.

المدخل إلى مَوْسُوعَة التَّفْسِيَة المَاتُون
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
& ٢١٥ %
على الراقع، وما لبث أن توفي يزيد فجأة عام ٦٤هـ، فدعا عبد الله بن الزبير ضيها
إلى نفسه وبويع بالخلافة، وتمكن من ضمِّ معظم الدولة الإسلامية تحت خلافته،
وكادت الأمور أن تستوسق له، إلا أن بني أمية جمعوا صفوفهم بعد أن كاد أن
يضمحل أمرهم، وولوا أمرهم مروان بن الحكم الذي ما لبث أن توفي عام ٦٥هـ بعد
أن انتظمت له الشام ومصر، وخلفه ابنه عبد الملك بن مروان، ولا زال نجمه في
صعود، بينما غدت الأمور تضيق على ابن الزبير ﴿ًّا إلى أن حُصر في مكة وقُتل عام
٧٣هـ، فاستقل بالخلافة عبد الملك وآله، فكان ابن الزبير مَّا آخر خليفة وحاكم من
الصحابة، وحُقَّ لنا أن نؤرخ بمقتله انتهاء عهد الصحابة.
وقد توفي أغلب من بقي من علماء الصحابة في ذلك العهد أو قريبًا منه، يأتي
على رأسهم أم المؤمنين أم سلمة (ت: ٦٢هـ) آخر أمهات المؤمنين وفاة، رضي الله عنهن
جميعًا، وعبد الله بن عمرو بن العاص (ت: ٦٥هـ)، وعبد الله بن عباس (ت: ٦٨هـ)،
والبراء بن عازب (ت: ٧٢هـ)، وعبد الله بن الزبير (ت: ٧٣هـ)، وعبد الله بن عمر (ت: ٧٣هـ)،
وأبو سعيد الخدري (ت: ٧٤هـ)، وجابر بن عبد الله (ت: ٧٨هـ)، وامتد العمر بأبي أمامة
(ت: ٨٦هـ)، وسهل بن سعد الساعدي (ت: ٨٨هـ)، وأنس بن مالك (ت:٩٣هـ)، رضي الله
عنهم أجمعين.
كذلك توفي في ذلك العهد أغلب كبار التابعين المخضرمين ممن يُروى عنهم
بعض التفسير؛ وجُلّهم من تلاميذ ابن مسعود بنظُه، كعلقمة بن قيس النخعي الكوفي
(٦٢ هـ)، والربيع بن خثيم الثوري الكوفي (٦٢هـ)، ومسروق بن الأجدع الهمداني
الكوفي (٦٣هـ)، وأبي ميسرة عمرو بن شرحبيل الهمداني الكوفي (٦٣هـ)، وعَبيدة
السلماني الكوفي (٧٢هـ)، ومرة بن شراحيل الهمدانى الكوفي (٧٦هـ)، وعمرو بن
مَيْمُون الأَوْدي الكوفي (٧٤هـ)، وأبي عبد الرحمن السُّلمي الكوفي (٧٤هـ)،
والأسود بن يزيد النخعي الكوفي (٧٥هـ)، وشُرَيْح القاضي أبي أُمَيَّةَ بن الحارث
الكنديّ (٧٨هـ)، كما توفي فيه أبو الأَسْود الدُّؤَلِي البصري (٦٩هـ)، وعُبَيْد بن عُمَيْر
اللَّيْئِيُّ المكيّ الواعظ المفسر (٧٤هـ)، وامتد العمر بأبي وائل شَقِيق بن سَلَمة الأسدي
(٨٢هـ)، وزِرُّ بن حُبَيش الأسدي الكوفي (٨٣هـ)، وأبو العالية رُفيع بن مهران
الرياحي البصري (٩٠هـ) - أكثر كبار التابعين تفسيرًا -، ومُطَرِّف بن عبد الله بن
الشِّخِّير البصري (٩٥هـ)، وأبو رجاء عمران بن ملحان العطاردي البصري (١٠٥ هـ)،
وغيرهم.

تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقْسَِّةُ الْخَاتُور
=
٥ ٢١٦ .
معالم التفسير في عهد عصر الدولة الأموية السفيانية (عهد صغار
الصحابة وكبار التابعين):
أولًا: التخصص في التفسير والتفرغ لبثه وتعليمه مع ظهور مجالس التفسير
العامة :
تقدم أن أغلب كبار الصحابة في عهد الخلفاء الراشدين لم يتفرغوا التفرغ التام
لتعليم التفسير والتصدي له فيما يظهر، حيث انشغلوا بأمور ذات أولوية من الجهاد
والفتوحات ونشر الإسلام وتعليم الناس أسس الدين والإقراء وغيره، هذا إضافة
لقرب العهد بالنبوة وأكثر الناس على سليقتهم اللغوية مع عدم فشو اللحن بصورة
جلية مما ترتب عليه عدم الاحتياج للتوسع في التفسير ابتداء، غير أن الأمر أخذ
بالانحدار كلما بعد الزمان والمكان عن عهد النبوة، حتى جاء هذا العهد، وقد
اتسعت رقعة الدولة الإسلامية، ودخل في دين الله الكثير من مختلف الشعوب
بمختلف اللغات، واحتاجوا إلى تعلم كتاب الله وفقه معانيه، فكان لزامًا أن يتصدى
لذلك علماء الأمة ويتصدروا لتعليم الناس، ويُعدُّوا من يرث هذا العلم بعدهم ويبثه،
فانبرى لذلك حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ◌ًّا، الذي تفرغ في مكة
لنشر العلم وعقد مجالس للتفسير خاصة لتلاميذه، وأخرى عامة لمن يرد عليه من
الناس خصوصًا زوار الحرم من الآفاقيين، ففسر القرآن لطلابه، ولسائليه، كما سيأتي
تفصيله في الفصل الثاني، ومن هنا كان ابن عباس أكثر الصحابة تفسيرًا، لا يقاربه
أحد فيما روي عنه أو يدانيه، وتخرج على يديه كبار مفسري التابعين، وعلى رأسهم
مجاهد بن جبر وعكرمة وسعيد بن جبير وغيرهم، الذين حملوا لواء هذا العلم
ونشروه، وسيأتي في المعالم التالية مآثر أخرى لحبر الأمة إضافة لما سبق من تفرغه
للتفسير وتصديه لتعليمه وتربية طلابه على ذلك. ومن هنا يمكن القول: إن علم
التفسير استقل في هذا العصر استقلالًا واضحًا، وأصبح علمًا يُقصد بذاته.
ثانيًا: ظهور التدوين في التفسير استقلالًا:
تقدم أن التفسير في عصر الخلفاء الراشدين كان قائمًا على الرواية الشفهية كسائر
علوم الشريعة، وأنه لم يظهر تدوين خاصٌّ بالتفسير، أما في هذا العهد فقد ظهرت
البدايات الأولى لتدوين التفسير، يظهر ذلك جليًّا من خلال كتابة مجاهد التفسير عن
ابن عباس وكذلك سعيد بن جبير، وغيرهما، بل جاء عن شيخهم ما يدل على حثهم

المدخل إلى مُؤَسُوعَة التَّقَسَةُ الْخَاتُوز
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
٥ ٢١٧ :
على تقييد العلم عمومًا - ومن ضمنه التفسير - فقد روي عن ابن عباس قوله: ((قيدوا
العلم بالكتاب))(١) وسيأتي الحديث عن ذلك مفصلًا في الفصل الثاني.
ثالثًا: مصادر التفسير في هذا العصر وتأصيل بعضها:
مصادر التفسير في هذا العصر هي القرآن والسُّنَّة وتفسير كبار الصحابة، ويظهر
ذلك جليًّا لدى تلاميذ ابن مسعود ظ ◌ُه الذين نقلوا أقواله، كذلك تأصل التفسير
اللغوي، وتوسع الاجتهاد في التفسير، ولعلنا نوضح شيئًا من ذلك فيما يلي:
١ - توسع باب الاجتهاد في التفسير: تقدم أن في عصر الخلفاء الراشدين برز
الاجتهاد في التفسير بصورة جلية، والقول بالرأي المحمود، بل والتشجيع على
الخوض فيه، كما رأينا في مواقف عمر مع ابن عباس ﴿ًّا. وقد توسع ذلك جدًّا في
هذا العصر، من خلال تعليم ابن عباس لطلابه التفسير وتشجيعهم للتصدي له
وإعمال أذهانهم في استنباط معانيه، وقد جاء في السير آثار عديدة توضح ذلك، منها
ما روي عن مجاهد، أن ابن عباس قال لسعيد بن جبير: حدِّث، فقال: أُحدث
وأنت هاهنا؟ فقال: ((أوليس من نعمة الله عليك أن تتحدث وأنا شاهد؟! فإن أصبت
فذاك، وإن أخطأت علمتك))(٢).
٢ - التفسير اللغوي: تقدم أيضًا أن التفسير اللغوي برز جليًّا في عصر الخلفاء
الراشدين، وقد استوى على سوقه في هذا العصر على يد ابن عباس الذي كان إذا
سئل عن عربية القرآن أنشد الشعر كما ذكر عكرمة مولاه عنه(٣)، وقصة نافع بن
الأزرق الحنفي (ت: ٦٥هـ) وسؤالاته له في ذلك مشهورة، وكان يقول: ((إذا قرأ أحدكم
شيئًا من القرآن فلم يدر ما تفسيره فليلتمسه في الشعر، فإنه ديوان العرب)) (٤).
٣ - الإسرائيليات: تقدم أن ظهور بدايات دخول الإسرائيليات في التفسير كانت
في العصر السابق، من خلال أسئلة بعض الصحابة لبعض من أسلم من أهل
الكتاب، كأسئلة ابن عباس وأبي هريرة رضيّ لكعب الأحبار، أو من خلال ما وجدوا
من كتب أهل الكتاب، كما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص حتها، وقد كان
(١) جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر ٣١٠/١.
(٢) الطبقات الكبرى، لابن سعد، ط. دار صادر ٢٥٦/٦.
(٣) فضائل الصحابة، للإمام أحمد بن حنبل ٩٧٣/٢.
(٤) السنن الكبرى، للبيهقي ١٠ / ٤٠٧.

مَوْسُعَة التَّفْسَِّةُ المَاتُور
المدخل إلى
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
٥ ٢١٨ %=
استشهادهم بالإسرائيليات في التفسير متناسبًا مع اهتمامهم بعلم التفسير ومروياتهم
فيه؛ لذا كان أكثرهم مرويات في التفسير أكثرهم استشهادا بالإسرائيليات، وهو
يطي (١)
عبد الله بن عباس
رابعًا: الاعتناء بعلوم القرآن:
ظهر في هذا العصر الاعتناء بصورة جلية ببعض علوم القرآن، خصوصًا المكي
والمدني الذي رويت فيه روايات عديدة عن ابن عباس وابن الزبير ثه (٢).
خامسًا: توسع الانحراف في التفسير:
كان ظهور الآراء التفسيرية المبنية على المعتقد،، وبداية وقوع الانحراف في
التفسير في أواخر خلافة علي ظه كما تقدم، وقد زاد هذا الانحراف في هذا
العصر، خصوصًا مع كثرة خروج هؤلاء المبتدعة على الدولة وانعزالهم عن أهل
العلم، ويظهر ذلك جليًّا في الخوارج والشيعة .
أيضًا ظهرت في هذا العصر فرقة القدرية فتصدى لهم علماء الصحابة ينقضون
أقوالهم من الكتاب والسُّنَّة، ويحذرون منهم، وستأتي أمثلة لذلك عند الحديث عن
أبرز العوامل والأحداث التاريخية المؤثرة في تفسير السلف.
سادسًا: كثرة السؤال عن المشكلات في القرآن تعنتًا:
كان ظهور بدايات البحث عن المشكل تعنتًا في عهد الخلفاء الراشدين كما
تقدم، وتوسع في آخره بسبب الظروف والأحوال التي طرأت، وقد استمر ذلك
التوسع في عصر صغار الصحابة اطرادًا مع اتساع الانحراف عن الدين وظهور
البدع والمبتدعة .
وكثير من تلك الأسئلة كانت من باب التعنت والمعارضة والمماراة والسؤال عما
لا يعني السائل، فمن ذلك ما جاء عن مجاهد وسعيد بن جبير وغيرهما عن ابن
عباس أنه حدث أن الهدهد كان مهندسًا، يدل سليمان ظلَّل على الماء، إذا كان
بأرض فلاة طلبه فنظر له الماء في تخوم الأرض، كما يرى الإنسان الشيء الظاهر
(١) ينظر: بحث ((رواة الإسرائيليات في تفسير ابن جرير الطبري ومقدار مروياتهم)): د.نايف بن سعيد
الزهراني، العدد الأول من مجلة جامعة الباحة ١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥م، ص ٤٣ - ٤٤.
(٢) وهي مبثوثة في الموسوعة في مقدمة كل سورة، ويظهر أنها نسخ مروية عنهما .

المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّفْسَةُ المَاتُور
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
: ٢١٩ %
على وجه الأرض، ويعرف كم مساحة بُعده من وجه الأرض، فإذا دلهم عليه أمر
سليمان ◌ُالَّلِ الجان فحفروا له ذلك المكان حتى يستنبط الماء من قراره، فنزل
سليمان ◌ُالَّ بفلاة من الأرض، فتفقد الطير ليرى الهدهد، فلم يره، فقال: ﴿مَالِى
لَّ أَرَ الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَآِبِينَ﴾. فسمع ذلك رجل من الخوارج، يقال له
(نافع بن الأزرق)، وكان كثير الاعتراض على ابن عباس، فقال له: قف يا ابن
عباس، غُلبت اليوم، قال: ولم؟ قال: إنك تخبر عن الهدهد أنه يرى الماء في تخوم
الأرض، وإن الصبي ليضع له الحبة في الفخ، ويحثو على الفخ ترابًا، فيجيء
الهدهد ليأخذها فيقع في الفخ، فيصيده الصبي. فقال ابن عباس: لولا أن يذهب
هذا فيقول: رددت على ابن عباس، لما أجبته! فقال له: ويحك، إنه إذا نزل القدر
عمي البصر، وذهب الحذر، فقال له نافع: والله لا أجادلك في شيء من القرآن
أبدًا (١).
وعن أبي اليقظان قال: خرج رجل من أسلاف المسلمين يطلب علم السماء،
ومبتدأ الأشياء، ومجاري القضاء، وموقع القدر المجلوب، وما قد احتجبه الله ريم
من علم الغيوب، التي لم ينزل الكتاب بها، ولم تتسع العقول لها. وما طلبه حتى
انتهى إلى بحر العلوم ومعدن الفقه وينبوع الحكمة عبد الله بن العباس تَخَّتُهُ، فلما
انتهى بالأمر الذي ارتحله إليه وأقدمه عليه قال له: اقرأ آية الكرسي، فلما بلغ: ﴿وَلَا
يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَآءً﴾. قال: أمسك يا ابن أخي فقد بلغت ما تريد،
فقد أنبأك الله أنه لا يحاط بشيء من علمه، قال له الرجل: يرحمك الله إن الله قد
استثنى، فقال: ﴿إِلَّ بِمَا شَآءً﴾، فقال عبد الله: صدقت؛ ولكن أخبرني عن الأمر
الذي استثناه من علمه وشاء أن يظهره لخلقه أين يوجد ومن أين يعلم؟ قال: لا
يوجد إلا في وحي، ولا يعلم إلا من نبي، قال: فأخبرني عن الذي لا يوجد في
حديث مأثور ولا كتاب مسطور أليس هو الذي نبأ الله لا يدركه عقل ولا يحيط به
(١) تفسير ابن كثير ١٩٥/٦. وخبر نافع هذا في سؤالاته لابن عباس عن غريب القرآن طالبًا الشواهد من
لغة العرب وإجابة ابن عباس له مستشهدًا بالشعر؛ خبر مشهور، بل ذكر الحافظ ابن حجر أنه هو السائل في
الحديث الذي رواه البخاري ٧١٣/٨ - ٧١٤) قائلًا لابن عباس: ((إني أجد في القرآن أشياء تختلف عليَّ،
قال: ﴿فَلَآ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَيِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات:
٢٧]، ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، فقد كتموا في هذه
الآية ... الحديث، قال ابن حجر: ((كان هذا الرجل هو نافع بن الأزرق الذي صار بعد ذلك رأس الأزارقة
من الخوارج، وكان يجالس ابن عباس بمكة ويسأله ويعارضه)). فتح الباري ٧١٦/٨.

تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّفْسِيُ المَاتُوز
٥ ٢٢٠ :
علم؟ قال: بلى، قال ابن عباس: فإن الذي تسأل عنه ليس محفوظًا في الكتب، ولا
محفوظًا عن الرسل، فقام الرجل وهو يقول: لقد جمع الله لي علم الدنيا والآخرة،
فانصرف شاكرًا(١) .
بل ورد عن ابن عباس ما يدل على استيائه أحيانًا من هذه الأسئلة المتعنتة، فعن
القاسم بن محمد أن رجلًا جاء إلى ابن عباس فسأله عن الأنفال، فقال ابن عباس:
كان الرجل ينفل الفرس وسرجه، فأعاد عليه، فقال مثل ذلك، ثم أعاد عليه، فقال
مثل ذلك، فقال ابن عباس: تدرون ما مثل هذا؟ هذا مثل صبيغ الذي ضربه
عمر رَّته، أما لو عاش عمر لما سأل أحد عما لا يعنيه(٢).
سابعًا: تورع البعض عن التفسير:
مع توسع ابن عباس في التفسير وتشجيعه لتلاميذه في الاجتهاد فيه فإننا نجد في
هذا العصر من انتهج عكس ذلك، خصوصًا أهل الكوفة أصحاب ابن مسعود، قال
إبراهيم النخعي (٩٦هـ)، عنهم: ((كان أصحابنا يتقون التفسير ويهابونه)). وقد رويت
عنهم روايات تدل على ذلك، فهذا مسروق بن الأجدع (ت: ٦٣هـ) يقول: ((اتقوا التفسير
فإنما هو الرواية عن الله))، ولما سأل ابنُ سيرين (١١٠هـ) عبيدَةَ السلماني (٧٢هـ) عن
آية قال له: ((عليك بالسَّداد فقد ذهب الذين علموا فيما أُنزل القرآن))، ولهذا عُرف
عن كبار التابعين في طبقة الكوفيين قلة الروايات التفسيرية عنهم، ولعل للفتن التي
دارت حولهم أثرًا في ذلك، إضافة إلى تقدم وفاتهم ونشوئهم في وقت مبكر
والصحابة متوافرون بحيث لم يُحتج إلى علمهم، كذلك كان لتربية ابن مسعود لهم
على العناية بالآثار والتقليل من الآراء أثر في ذلك.
وهذا التوقف عن التفسير والتحرج عن الخوض فيه لا يعني أنهم لا يفهمون
معاني القرآن، وإنما هو مسلك خاص سلكوه تورعًا منهم، مع قيام غيرهم به فكأنهم
قد كفوا ذلك الأمر، ولهم أسوة ببعض الصحابة في هذا المسلك (٣).
وقد جاء من تلاميذهم من أواسط التابعين من سلك مسلكهم كالشعبي وإبراهيم
النخعي، وتبعهم على هذا المسلك بعض كبار التابعين في المدينة كسعيد بن
(١) الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة ٤٢١/٢/١ - ٤٢٢ /٣٤٥.
(٢) الإبانة ٣٣٣/٤١٧/١، والموطأ ١٩/٤٥٥/٢.
(٣) ينظر: شرح: د. مساعد الطيار لمقدمة ابن تيمية في أصول التفسير ص٢٩٨.