النص المفهرس

صفحات 181-200

٥ ١٨١ .
تاريخ تفسير السلف
ومراحل تدوينه
إعداد
د. خالد بن يوسف الواصل

مُؤْسُوعَة التَّفْسِيُ المَاتُور
المدخل إلى
٢ ١٨٣
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
مقدمة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :
فقد تعرَّفنا في الدراسة السابقة على التفسير المأثور، ومعناه وطبقاته، ومصادره،
وأهميته ومدى حجيته، وفي هذه الدراسة نحاول أن نقف على ما يتعلق بتاريخ تفسير
السلف ومراحل تدوينه، من خلال فصلين اثنين:
الفصل الأول: نشأة التفسير المأثور ومراحله.
الفصل الثاني: نقل تفسير السلف ومراحل تدوينه.

١٨٥ %
الفصل الأول
نشأة التفسير المأثور ومراحله
ويتضمن ما يلي:
المبحث الأول: التفسير في عهد النبوة
المبحث الثاني: التفسير في عهد الصحابة
المبحث الثالث: التفسير في عهد التابعين
المبحث الرابع: التفسير في عهد أتباع التابعين

تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
٥ ١٨٦ :-
المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقْسِيُ المَاتُونْ
ساولاه
نشأة التفسير المأثور ومراحله
تقدم أن التفسير المأثور يشمل التفسير النبوي وتفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم،
ومن هنا فإن مراحل تاريخه تنتظم في أربعة عهود:
المرحلة الأولى: عهد النبوة.
المرحلة الثانية: عهد الصحابة.
المرحلة الثالثة: عهد التابعين.
المرحلة الرابعة: عهد أتباع التابعين.
وفي هذا الفصل دراسة مقتضبة عن التفسير في كل عهد من تلك العهود، مع
عرض موجز لأهم الأحداث التاريخية في كل منها، وبيان معالم التفسير من خلالها،
ثم ختامه بأهم تلك الأحداث المؤثرة في التفسير، وقبل ذلك يحسن توضيح طريقة
تحديد طبقات السلف في التمهيد التالي :

المدخل إلى مُؤْسُوَكَةُ التَّفْسِّيُ المَاتُور
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
٥ ١٨٧
تمهيد
طبقات السلف في التفسير
تقدم معنا أن مصطلح السلف نعني به ثلاث طبقات؛ الصحابة والتابعين وتابعيهم،
وكل طبقة من تلك الطبقات تنقسم إلى طبقتين فأكثر، ويلاحظ أن بين هذه الطبقات
تداخلًا كبيرًا، يصعب تحديد مبدأ كل منها ومنتهاها على وجه الدقة، لذا اختلفت في
ذلك مناهج أهل العلم ممن كتب في طبقات الصحابة والتابعين وتابعيهم، من حيث
حجم الطبقة ومنتهاها ومن يندرج تحتها، وليس المقام هنا لبسط ذلك، إذ المقصود
بيان انقسام السلف إلى طبقات، والمسألة اصطلاح اجتهادي، ولا مشاحة في
الاصطلاح، لذا سألتزم خطًّا مختلفًا - فيما يظهر لي - في تحديد مبدأ كل طبقة
ومنتهاها (١)، أُرى أن ذلك أنسب لدراسة طبقات مفسري السلف من وجهة تاريخية؛
فقد جعلتُ مدد الطبقات متقاربة؛ فيما بين الستين إلى السبعين سنة، مستأنسًا في
ذلك بما جاء في قول الرسول وَله: ((أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم
من يجوز ذلك))(٢)، وجعلت منتهى كل طبقة يوافق حدثًا له أثره في تاريخ
المسلمين (٣)، مع مراعاة وجود السمة الغالبة على أعلام الحياة العلمية في تلك
الطبقة، ويبقى خروج بعض الأعلام عن تلك الصفة أمرًا نسبيًّا ضئيلاً لا يؤثر في
(١) أكثر من عرف بالاعتناء بهذا العلم وتنوعت مناهجهم في الطبقات كثرة وقلة؛ هم المحدثون، وذلك
لمعرفة اتصال الأسانيد ومن ثم الحكم عليها، والحكم على الأسانيد ليس من مقاصد معرفة طبقات
المفسرين. ومن هنا نجد أن نظام الطبقات يختلف باختلاف المترجم لهم، والفن المقصود بإبراز الترجمة
فيه؛ لذا اختلف تنظيم الطبقات في مؤلفات الذهبي باختلاف فنِّها، فنظام طبقات القراء الكبار، يختلف عن
تذكرة الحفاظ، وعن سير أعلام النبلاء. ينظر: مقدمة د. بشار عواد للسير ١٠٥/١، ١٠٦. وعليه لم ألتزم
هنا بطريقة المحدثين، أو بتنظيم كتاب معين؛ لأن موضوع دراستنا هنا في التفسير وطبقات المفسرين،
ونظرًا لقلتهم - مقارنة بالمحدثين - كان اختيار الطبقات على نطاق ضيق.
(٢) أخرجه الترمذي ٤٤٥/٥، وصححه الألباني لغيره في السلسلة الصحيحة ٣٨٦/٢ (٧٥٧).
(٣) وإن لم يكن له أثره المباشر في تاريخ العلم في تلك الطبقة، وإنما جاء التأريخ به للتعريف.

تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّفْسِيرُ الْخَاشُور
: ١٨٨ هـ
ذلك العموم، بل هو أصل التداخل والتشعب بين الطبقات ومشكلته.
وذلك لأن نسبة شخص معين إلى طبقة معينة أو تاريخ معين باعتبار تاريخ وفاته
غير دقيق، لاختلاف أعمار الجيل الواحد ما بين معمر وقصير العمر(١)، لذا كان
الأدق النظر باعتبارات عدة، من تاريخ مولد الشخص إلى الطبقة التي عاصرها معظم
سني عمره إلى سنة وفاته للخروج بتحديد أدق لطبقته (٢).
وعليه؛ اخترت مبدأ ومنتهى طبقات السلف في التفسير؛ باعتبار كون أهل الطبقة
المقصودة هم الأغلب والمقدمون وجمهور أهل العلم في تلك الطبقة، إضافة إلى
الضابط الأصيل في تعريف الصحابي، والتابعي، وتابع التابعي، مع مراعاة التواريخ
المتعلقة بذلك؛ كتاريخ الميلاد، وتاريخ بدء طلب العلم، وتاريخ الوفاة؛ فخَلصتُ
إلى هذه الطبقات :
أولًا: طبقة الصحابة:
من خلافة أبي بكر الصديق عام (١١هـ) إلى نهاية خلافة عبد الله بن الزبير عام
(٧٣هـ): وهم طبقتان:
أ - كبار الصحابة: في عصر الخلفاء الراشدين (١١ - ٤٠ هـ).
ب - صغار الصحابة: في عصر الدولة الأموية السفيانية (٤١ - ٧٣هـ).
ثانيًا: طبقة التابعين:
في عصر الدولة الأموية المروانية (٧٣ - ١٣٢هـ)، ونظرًا لكثرتهم وامتدادهم منذ
عهد النبوة جعلتهم على ثلاث طبقات:
أ - كبار التابعين: وهم الذين أدركوا زمن النبوة ولم يروا النبي ◌ّ، ويعرفون
بـ (المخضرمين)، وقد أدركوا كبار الصحابة .
ب - أواسط التابعين: (٧٣ - حدود عام ١٠١ هـ: عام وفاة عمر بن عبد العزيز).
(١) من أوضح الأمثلة لذلك علمان من أعلام صغار التابعين؛ هما: إبراهيم النخعي وسليمان التيمي فإنهما
ولدا في حدود عام ٤٦هـ، ثم توفي النخعي مبكرًا عام ٩٦هـ ـ وهذا ضمن أواخر حدود طبقة كبار التابعين -،
بينما طال العمر بالتيمي فتوفي في حدود عام ١٤٣ هـ - وهذا ضمن حدود أوائل طبقة كبار أتباع التابعين -،
فلو حددنا طبقة كل منهما بتاريخ وفاته لكان بينهما بونّا شاسعًا وهما متقاربان مولدًا!
(٢) ومن هنا فاعتبار ابن جرير (ت: ٣١٠هـ) - مثلاً - من أهل القرن الرابع غير دقيق.

المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقْسِي الْخَاتُوز
٥ ١٨٩ :
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
ت - صغار التابعين: (١٠٢ - حدود عام ١٣٢هـ: عام سقوط الدولة الأموية).
ثالثًا: طبقة أتباع التابعين:
في عهد الدولة العباسية الأول - الذي يُعدُّ العصر الذهبي لها - إلى ولاية المأمون
(١٣٢ - حدود عام ٢٠٠هـ). وهم ثلاث طبقات:
أ - طبقة كبار أتباع التابعين: ١٣٢ - ١٥٨ هـ (عام وفاة أبي جعفر المنصور).
ب - الطبقة الوسطى من أتباع التابعين: ١٥٩ - ١٩٣هـ (عام وفاة هارون الرشيد).
ت - طبقة صغار أتباع التابعين: ١٩٤ - ٢١٨هـ (عام وفاة المأمون).

تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
المدخل إلى مُؤْسَسُوعَة التَّفْسِيرُ الْخَاتُور
زواج
٢ ١٩٠ .
المبحث الأول
التفسير في عهد النبوة
أرسل الله النبي محمدًا وَّ بلسان قومه كما هي سُنَّته رَّ في بعث الرسل: ﴿وَمَآ
أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ، لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]، وأنزل معه القرآن بلغة
نَزَّلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ﴿ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ
العرب: ﴿وَإِنَّهُ لَنَغْزِيلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ (٢) نَـ
بِلِسَانٍ عَرَبِّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥]، فجاء على سَنن أساليبهم وطريقة كلامهم،
(١٩٤)
فبلّغه الرسول وَّه قومَه كما أمره ربه رَّت: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبٌِّ﴾
[المائدة: ٦٧]، وأنذرهم به وكل من بلغه القرآن: ﴿وَأُوْحِىَ إِلَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَكُم بِهِ، وَمَنْ
[الأنعام: ١٩].
من هنا يمكن القول بأن التفسير المأثور نشأ مع نزول القرآن الكريم، إذا كان
هؤلاء العرب يفهمون كلام الله ولا تخفى عليهم عموم معانيه، وعلى إثر ذلك
تفاوتت مواقفهم تجاه نبي الله وكتابه، ما بين معترض عليه كافر به، وموافق مؤمن به
- وهم الصحابة رضوان الله عليهم -، ولا شك أن إيمان الصحابة ناتج عن فهم
كامل، واقتناع تام بما سمعوه من الرسول وَل*، ولا غرو فقد كانوا أهل العربية وبني
بجدتها، لا تخفى عليهم ما تحويه من فنون البيان وأساليب القول، وقد نزل القرآن
على نمطها، غير أنه سما عليهم جميعًا بدقة التعبير، وقوة المعاني، ورصانة
الألفاظ، وسحر البيان، فانبهروا بطريقته، وولعوا بأسلوبه، ووعوا معانيه، وأدركوا
مراميه، فكانوا يتلقفونه من فيّ الرسول وَله فيتعلمونه ويعملون به مباشرة، فعن ابن
مسعود رضيالله قال: ((كنا إذا تعلمنا من النبي وَّ عشر آياتٍ من القرآن لم نتعلم العشر
التي نزلت بعدها حتى نعلم ما فيها))، قيل لشريك: مِن العمل؟ قال: نعم(١)، وروى
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ٧٥٥/١، كتاب فضائل القرآن، ح (٢٠٩٩)، تحقيق:
مقبل الوادعي، ط. دار الحرمين بمصر، ١٤١٧ هـ.

المدخل إلى مَوْسُوعَةُ التَّعَنِيَةُ الْجَاتُور
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
& ١٩١ %-
أبو عبد الرحمن السلمي قال: ((حدثنا من كان يُقرئنا من أصحاب النبي ◌َّ أنهم
كانوا يقترئون من رسول الله وَّ عشر آيات، فلا يأخذون في العشر الأخرى، حتى
يعلموا ما في هذه من العلم والعمل، قالوا: فعلمنا العلم والعمل))(١).
بل كانوا شديدي الحرص على فهم معاني القرآن الكريم وتدبر ما فيه من الأوامر
والنواهي، فعن القاسم بن عوف قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: ((لقد عشنا
برهة من دهرنا وأحدنا يُؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد بَّ فنتعلم
حلالها وحرامها، وآمرها وزاجرها وما ينبغي أن يقف عنده منها، كما تعلمون أنتم
اليوم القرآن، ثم لقد رأيت اليوم رجالًا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما
بين فاتحته إلى خاتمته، ما يدري ما آمره ولا زاجره، وما ينبغي أن يقف عنده منه
فينثره نثر الدَّقل))(٢).
ولم يحتج الصحابة ◌ّ - بمقتضى سليقتهم العربية - إلى تكلف فهم القرآن،
وعلم ظواهره، وإدراك ظواهر معانيه؛ لأن أكثر آيات القرآن واضحة المعنى، قال أبو
عبيدة معمر بن المثنى (ت: ٢٠٩هـ): (( ... لم يحتج السلف ولا الذين أدركوا وحيه إلى
النبي ◌َّر أن يسألوا عن معانيه لأنهم كانوا عرب الألسن، فاستغنوا بعلمهم به عن
المسألة عن معانيه، وعما فيه مما في كلام العرب مثله من الوجوه والتلخيص، وفي
القرآن مثل ما في الكلام العربي من وجوه الإعراب، ومن الغريب، والمعاني ... ))(٣).
لكن تبقى آيات قد يُشكل فهمها عليهم إذا فسروها بمقتضى معناها اللغوي العام،
فكانوا يلجؤون إلى النبي وَّ فيبيِّنه لهم أتم بيان، ويوضح ما أشكل عليهم.
مثال ذلك: ما رواه ابن مسعود رضّبه، قال: لما نزلت ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوَّأْ
إِيَمْنَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، قلنا: يا رسول الله، أينا لا يظلم نفسه؟ قال: ((ليس كما
تقولون ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيمَنَهُم ◌ِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] بِشِرْكِ، أولم تسمعوا إلى قول لقمان
لابنه: يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم)) (٤). وفي رواية قال: لما نزلت:
﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوَاْ إِيَمَنَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] قال أصحاب النبي ◌َّ: أينا لم
يلبس إيمانه بظلم؟ فنزلت ﴿لَا تُشْرِكِ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]))(٥) .
(١) مسند الإمام أحمد ٤٦٦/٣٨، ط. مؤسسة الرسالة.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك ٦١٧/٤ (٨٧٠٩)، والبيهقي في السنن الكبرى ١٧١/٣.
(٣) مجاز القرآن ١/ ٨.
(٥) صحيح البخاري ١٦٣/٤.
(٤) صحيح البخاري ٤ / ١٤١.

تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
فَوْسُوعَة التَّقْسِيةُ المَاتُور
المدخل إلى
١٩٢ :-
في هذا الحديث فوائد مهمة متعلقة بهذا المبحث، من ذلك:
١ - أن الصحابة ما كانوا يتفهمون ما نزل من القرآن بمقتضى لغتهم، ويُعملون
أذهانهم في معرفة معناه، ولم ينكر عليهم النبي ◌َّ، مما يدل على أن التفسير
الاجتهادي (بالرأي) وجد منذ ذلك العهد (١).
٢ - أن هناك تدارس لآيات القرآن كان يقع بين الصحابة، فإن أشكل عليهم
رجعوا إلى النبي ◌َّ فيما احتاجوا إليه(٢).
٣ - أن تلك المدارسات قد تكون منذ العهد المكي، فسورتا الأنعام ولقمان من
السور المكية(٣).
ومع هذا فتبقى مثل تلك الآيات التي أشكلت على الصحابة قليلة؛ مقارنة بما
فهموه من تلقاء أنفسهم، ومن هنا كانت الآيات التي فسرها النبي وَلّ تفسيرًا صريحًا
قليلة، والأحاديث النبوية في التفسير الصريح المباشر معدودة (٤)، ولو تتبعت المقبول
من تلك الأحاديث فهو قليل جدًّا، وبالتالي لا يسلم لك من الآيات التي فسرها
النبي ◌َّ تفسيرًا صريحًا إلا القليل المعدود(٥). والله أعلم.
أنواع التفسير النبوي:
تبيَّن لنا مما سبق أنه لم تكن هناك حاجة لأن يفسر النبي وَ ل# كل آيات القرآن
وألفاظه؛ لوضوح عموم معانيه غالبًا إلا ما أشكل على الصحابة رضوان الله عليهم،
وهو ما يوصف بالتفسير الصريح.
إلا أن هناك جزءًا آخر من تفسير النبي ◌َّ للقرآن، وهو المتمثل في سُنَّته القولية
والفعلية والتقريرية، فهي في عمومها تفسر القرآن، وهو ما يسمى بالتفسير غير
(١) ينظر: شرح مقدمة في أصول التفسير، للدكتور مساعد الطيار ص٤٣.
(٢) ينظر: المرجع السابق، نفس الصفحة.
(٣) وقد وردت آثار تؤكد تدارس الصحابة للقرآن آنذاك، كحديث ابن مسعود رضي الله: ((كنا إذا تعلمنا من
النبي ◌َّ* عشر آياتٍ من القرآن لم نتعلم العشر التي نزلت بعدها حتى نعلم ما فيها))، وقصة إسلام عمر،
واجتماع المسلمين بدار الأرقم. ينظر: دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه ص٤٨.
(٤) وقد جَمَعت هذه الموسوعة أحاديث التفسير النبوي الصريح وشبه الصريح؛ المكرر منها وغير المكرر،
والصحيح والضعيف والمنكر والمرسل والمقطوع بل والموضوع فبلغت (٢٤٧٥) حديثًا، فسّرت (٩٥٣) آية
فقط من مجموع آي القرآن البالغ (٦٢٣٦)؛ أي: ما نسبته حوالي ١٥٪ من آي القرآن.
(٥) مع ملاحظة أن أغلب هذه الآثار تفسير جزئي للآية وليس لكل الآية.

المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّفْسِيَةُ الْخَاتُور
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
٥ ١٩٣ %
المباشر، أو التفسير غير الصريح، وهو المراد من قول الشافعي (ت: ٢٠٤) وَخَّتُهُ:
((جميع السُّنَّة شرح للقرآن))(١)، وهي أكثر بكثير من التفسير الصريح المباشر،
ويلاحظ أن السيوطي تخُّ ألمح إلى النوعين تطبيقًا، ففي كتابه الإتقان لما ختمه
بمبحث طبقات المفسرين قال: ((وإذ قد انتهى بنا القول فيما أردناه من هذا الكتاب
فلنختمه بما ورد عن النبي ◌َّ من التفاسير المصرح برفعها إليه غير ما ورد من
أسباب النزول لتستفاد فإنها من المهمات))(٢). ثم أورد حوالي ٢٣٩ حديثًا مرفوعًا،
وختم هذا المبحث بقوله: ((فهذا ما حضرني من التفاسير المرفوعة المصرح برفعها
صحيحها وحسنها، ضعيفها ومرسلها ومعضلها، ولم أعول على الموضوعات
والأباطيل)) (٣). وقصد بذلك التفسير النبوي الصريح، لكن لما جاء إلى تفسيره الدر
المنثور حشد آلاف الأحاديث المرفوعة، متضمنة الأحاديث السابقة، فناهزت ثلث
الكتاب، مما يدل أنه أراد أن يستقصي تفسير القرآن بكل ما ورد في السُّنَّة من
تفسير نبوي صريح أو غير صريح(٤)، فيتضمن ذلك ما يجتهد المفسر في وصل
حديث بتفسير آية لما يلمح بينهما من صلة معينة، أو لما تتضمنه الأحاديث من
فضائل ومواعظ متصلة بموضوع الآية، ولا شك أن هذا باب واسع جدًّا، ويصعب
استيعابه، إضافة إلى اختلاف أنظار المفسرين فيه؛ فمن مكثر كابن مردويه
والسيوطي في الدر المنثور، ومن مقلِّ كابن جرير، ومن متوسط بين ذلك كابن أبي
حاتم وابن كثير (٥).
(١) ينظر: البرهان في علوم القرآن ١/ ٦، الإتقان في علوم القرآن ٢٨/٤، ط. المجمع ١٩٠٦/٥، وينظر
في تعضيد ذلك: مجموع فتاوى ابن تيمية ٤٣١/١٧ - ٤٣٢، الموافقات للشاطبي ٢٣٠/٣، ت: مشهور
سلمان .
(٢) الإتقان، ط. المجمع ٢٣٤٧/٦.
(٣) الإتقان، ط. المجمع ٢٤٥١/٦.
(٤) سبقه في هذا المقصد الحافظ ابن مردويه في تفسيره المفقود، والذي خالف نظراءه من نقلة التفسير
المأثور - كابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم - في التوسع فيه والعناية به دون العناية بآثار الصحابة،
بينما ندرت لديه آثار التابعين، ولا تكاد تجد شيئًا عن أتباعهم، وقد تقدم ذلك عند الحديث عنه في مصادر
الموسوعة، وينظر: الإمام ابن مردويه ومنهجه في تفسيره، د. محمد بن عبد الله الخضيري، مجلة
الدراسات القرآنية، ع ٣، ص ٤٢.
وقد أفاد ابن كثير والسيوطي كثيرًا من تفسيره في هذا الباب.
(٥) ومن هنا لم ننهج استقصاء هذا الباب في هذه الموسوعة واستيعابه، وحاولنا التوسط فهذبنا كثيرًا مما
أورده السيوطي مما رأينا أن صلته بتفسير الآية بعيدة. ينظر: منهج الموسوعة (اللجنة الإشرافية بالموسوعة).

تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقْسِيُ المَاتُور
٥ ١٩٤
مسألة: توجيه ما ورد عن ابن تيمية بأن النبي وَّر فسَّر جميع القرآن:
أورد ابن تيمية في مقدمته في أصول التفسير ما ظاهره أن الرسول وَ ل# فسَّر للناس
جميع القرآن، حيث قال: ((يجب أن يُعلم أن النبي ◌َّ بَيَّنَ لأصحابه معاني القرآن
كما بيَّن لهم ألفاظه، فقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] يتناول هذا
وهذا))(١) .
وهذا يشكل مع ما سبق من أنه لم يوجد من التفسير النبوي إلا قليل!
وقد حاول كثير من المعاصرين توجيه ذلك وبيانه(٢).
ويمكن توجيه كلامه رحمه الله تعالى بما يلي:
١ - أنه أراد ما فسَّره النبي وَّه بأقواله، سواء نصَّ على الآية - وهو التفسير
الصريح - أو لم ينص عليها، وما بيَّن معناه بأفعاله في عباداته ومعاملاته وسلوكه
وأخلاقه، ومنه قول عائشة: ((كان خلقه القرآن))، أو ما فسره بتقريره، وهو ما سوى
ذلك مما أقرَّ عليه الصحابة في فهمهم للقرآن بمقتضى لغتهم. وعلى ذلك يُعلم أن
الرسول وَل# لم يُتوفَّ إلا وجميع القرآن مفهوم واضح لعموم الصحابة رضيّه، ولا
يصح أن يقال أن هناك آيات خفي معناها على الصحابة(٣).
٢ - أن ما أشار ابن تيمية إليه هنا هو مما يذكره كثيرًا في معرض الرد على
المبتدعة الذين وظّفوا القول بأن الرسول وَ﴿ لم يفسر جميع القرآن ليزعموا أن
الصحابة والسلف غاب عنهم معاني آيات لم يفسرها النبي وَّ، ومنها آيات أسماء الله
وصفاته، ومن ثَمَّ ينتقلون إلى نتيجة أن الخلف ظهر لهم تفسير ما خفي على
الصحابة، فكان شيخ الإسلام يحتج عليهم ببطلان المقدمة التي بنوا عليها دعواهم،
وأن الصحابة فهموا عن الرسول 18َلجميع القرآن(٤)، قال تخُّهُ في كتابه ((بغية
(١) مقدمة في أصول التفسير، ص ٩. وقد صرح بنحو ذلك في مواضع أخرى من مصنفاته، ينظر: مجموع
فتاوى ابن تيمية ٣٠٨/١٣، ١٥٩/٥ - ١٦٣، الجواب الصحيح ٣٩/٣، بغية المرتاد ص ٣٣٠.
(٢) يأتي على رأسهم د.محمد حسين الذهبي تَّتُهُ في كتابه التفسير والمفسرون ٣٩/١ - ٤٤، الذي جعل
في المسألة خلافًا على قولين، واستدل لكل منهما، ثم ناقشها ورجح ما رآه راجحًا، وتبعه كثير ممن ذكر
المسألة من المعاصرين، وكما أورد المسألة كثير ممن شرح مقدمة شيخ الإسلام، ولم أقف على من رجح
القول بأن النبي ◌َّه فسر القرآن للصحابة آية آية ولفظًا لفظًا.
(٣) ينظر: التعليقات البهية على مقدمة في أصول التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية، لأبي عمر القلموني
ص١١، منشور في شبكة المعلومات الرقمية العالمية (الإنترنت).
(٤) ينظر: شرح مقدمة في أصول التفسير، للدكتور مساعد الطيار، ص٤٤ - ٤٦

المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّفْسِيُ المحَاتُور
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
٤ ١٩٥ %=
المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية))(١): ((وهل يتوهم عاقل أنهم كانوا
إنما يأخذون منه مجرد حروفه وهم لا يفقهون ما يتلوه عليهم ولا ما يقرؤونه ولا
تشتاق نفوسهم إلى فهم هذا القول ولا يسألونه عن ذلك ولا يبتدئ هو بيانه لهم؟!
هذا مما يُعلم بطلانه أعظم مما يُعلم بطلان كتمانهم ما تتوفر الهمم والدواعي على
نقله، ومن زعم أنه لم يبيِّن لهم معاني القرآن أو أنه بيَّنها وكتموها عن التابعين فهو
بمنزلة من زعم أنه بيَّن لهم النص على عليٍّ وشيئًا آخر من الشرائع والواجبات وأنهم
كتموا ذلك ... إلخ)).
طريقة تلقي التفسير في العهد النبوي:
عند التأمل في أحاديث التفسير يتبين لنا أن الصحابة كانوا يتلقون التفسير النبوي
الصريح المباشر بطريقتين(٢):
الأولى: أن يبتدئهم عليه الصلاة والسلام بالتفسير:
ومن أمثلتها :
١ - عن أبي هريرة رَظُله، عن النبيِوَّل، قال: ((قيل لبني إسرائيل: ﴿وَادْخُلُواْ
الْبَابَ سُخَدًا وَقُولُواْ حِظّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨]. فدخلوا يزحفون على أستاههم، فبدلوا،
وقالوا: حطةٌ، حبةٌ في شعرةٍ)) (٣) .
٢ - عن أَبِي سعيد بن المُعَلَّى ظَبه، قال: كنت أصلي في المسجد، فدعاني
رسول الله وَّ﴿ فلم أجبه، فقلت: يا رسول الله، إِني كنت أصلي، فقال: ((ألم
يقل الله: ﴿أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحِيْكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤])). ثم قال لي:
(لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن، قبل أن تخرج من المسجد)). ثم أخذ
بيدي، فلما أراد أن يخرجٍ، قلت له: ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في
القرآن، قال: ((﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ هي السبع المثاني، والقرآن العظيم
الذي أوتيته)) (٤) .
(١) ص٣٣١.
(٢) ينظر: مقالات في علوم القرآن وأصول التفسير ص١٣٩.
(٣) رواه البخاري (٤٤٧٩)، ومسلم (٣٠١٥).
(٤) رواه البخاري (٤٤٧٤).

تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقْسِيُ المَاتُورُ
١٩٦ .
الثانية: سؤال الصحابة: بأن يسأله الصحابة عن المعنى المراد فيجيبهم:
ومن أمثلتها :
١ - عن أبي ذر، قال: سألت رسول الله وَ له عن قول الله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ
تَّجْرِى لِمُسْتَقَرِّ لَّهَا﴾ [يس: ٣٨]؟ قال: ((مستقرها تحت العرش))(١).
٢ - وعن عائشة ◌َّا قالت: قال رسول الله وَله: ((ليس أحدٌ يحاسب إلا هلك))،
قالت: قلت: يا رسول الله جعلني الله فداءك، أليس يقول الله رقم: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ
فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٧، ٨] قال: ((ذاك العرض
يعرضون، ومن نوقش الحساب هلك))(٢).
كِتَبَهُ, بِيَمِينِ،
اجتهاد الصحابة في التفسير:
مما سبق يعلم أن الصحابة فسروا القرآن والرسول وَله بين أظهرهم(٣)، ولا يخلو
الحال من أمرين :
الأول: أن يستدرك عليهم فهمهم، ويبين لهم المعنى المراد:
ومن ذلك ما جاء عن عدي بن حاتم رَظُه، أنه قال: لما نزلت: ﴿حَتَّى يَتَبَيِّنَ لَكُمْ
اُلْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] قال له عدي بن حاتم: يا رسول الله،
إني أجعل تحت وسادتي عقالين: عقالًا أبيض وعقالًا أسود، أعرف الليل من
النهار، فقال رسول الله وَ له: ((إن وسادتك لعريضٌ، إنما هو سواد الليل، وبياض
النهار)) (٤).
(١) رواه البخاري (٤٨٠٣)، ومسلم (١٥٩).
وعند مسلم: عن أبي ذر أن النبي ◌َّ قال يومًا: «أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟» قالوا: الله ورسوله أعلم
قال: ((إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدةً، فلا تزال كذلك حتى يقال لها:
ارتفعي، ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعةً من مطلعها، ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت
العرش، فتخر ساجدةً، ولا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي، ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعةً
من مطلعها، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئًا حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش، فيقال لها:
ارتفعي أصبحي طالعةً من مغربك، فتصبح طالعةً من مغربها))، فقال رسول الله وَّر: «أتدرون متى ذاكم؟ ذاك
حين ﴿لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيَمَنُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِ إِيَمَنِهَا خَيْرٌ﴾ [الأنعام: ١٥٨])). (١٥٩).
(٢) رواه البخاري (٤٩٣٩).
(٣) لكن هذا كان في حال الحاجة إلى الاجتهاد، وعدم تمكنهم من مراجعته، وفي قضايا جزئية معيَّنة،
ينظر: زاد المعاد، لابن القيم ٣٩٤/٣.
(٤) رواه البخاري (٤٥٠٩)، ومسلم (١٠٩٠).

المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقْسِيَةُ الْخَاتُور
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
٥ ١٩٧ .
والرسول وَل# لم يمنع عديًّا من أن يفهم القرآن على ما عنده من معرفة اللسان
العربي(١)؛ لأن فهمه من جهة اللغة صحيح، لكنه بيَّن له المعنى اللغوي الآخر الذي
لم يذهب إليه عديٌّ، وهو بياض النهار وسواد الليل، ولو كان فهم القرآن ابتداءًا غير
جائز لهم لنبههم وَّ على ذلك، وذلك لم يرد مع تكرر الوقائع المشابهة الواقعة
عديٍّ قُله .
الثاني: أن يقرَّ فهمهم:
ومن ذلك: ما ورد عن عمرو بن العاص أنه قال: لما بعثه رسول الله وَلّ عام
ذات السلاسل، قال: فاحتلمت في ليلةٍ باردةٍ شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت
أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمنا على
رسول الله وَلّ ذكرت ذلك له، فقال: ((يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنبٌ؟))
قال: قلت: نعم يا رسول الله، إني احتلمت في ليلةٍ باردةٍ شديدة البرد، فأشفقت
إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول الله رَّن: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ
رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] فتيممت، ثم صليت. فضحك رسول الله وّل ولم يقل
(٢)
شيئًا (٢).
وهذه التفسيرات معتمدة - كما هو ظاهر - على الرأي، لكنهم كانوا يرجعون إلى
النبيِ وَل14، وبهذا يمكن القول بأن بداية التفسير بالرأي كانت في عهد النبي وَّ،
ولكنه الرأي الذي يستند إلى دليل صحيح.
معالم التفسير في العهد النبوي:
مما تقدم نستخلص أهم معالم التفسير النبوي وملامحه فيما يلي:
١ - أن النبي ◌َّو لم يفسر جميع آيات القرآن تفسيرًا صريحًا، آية آية، ولفظًا
لفظًا، لعدم حاجة الصحابة إلى ذلك.
٢ - أن النبي ◌َّ تُوفي وقد تم بيان جميع القرآن لعموم الصحابة من خلال تفسيره
الصريح وغير الصريح، ومما فهمه الصحابة رضوان الله عليهم بمقتضى لغتهم
وفطرتهم السليمة .
(١) وفي الأثر دليل على اعتماد اللغة في تفسير القرآن المجيد.
(٢) رواه أحمد في مسنده (١٧٨١٢)، ٣٤٦/٢٩، وهو حديث صحيح، وينظر: تفسير ابن كثير: ٢٦٩/٢.

تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
٥ ١٩٨ %
المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّفْسِيَةُ المَانُور
٣ - بدأ في العهد النبوي فهم بعض الصحابة لبعض الآيات على وجه من وجوه
التأويل، والتفسير بالرأي والاجتهاد المستند إلى الأدلة الصحيحة.
٤ - كان التفسير النبوي جزءًا من السُّنَّة والأحاديث النبوية التي تلقاها الصحابة
عن النبي ◌َّ مشافهة ضمن عموم مسائل الشريعة، وبلغوها كذلك لمن بعدهم كما
سمعوا، ومن ثَمَّ لم يتم تدوين التفسير النبوي في عهد النبي وَّ كسائر أحاديث
السُّنَّة، وسيأتي مزيد بيان لهذا في مبحث تاريخ تدوين التفسير المأثور.

المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّفْسِيرُ الْخَاتُور
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
٥ ١٩٩ .
المبحث الثاني
التفسير في عهد الصحابة
توفي النبي ◌َّ، في الثاني عشر من ربيع الأول عام ١١ من الهجرة، بعد أن تم
الوحي وعَلِم عموم الصحابة ◌َّه معاني القرآن، من خلال بيانه وَل﴾، أو مما تبين
لهم بمقتضى فهمهم للغتهم التي نزل بها القرآن، كما تقدم بيانه في المبحث السابق،
وقد حمل الصحابة ◌ّ لواء تبليغ الدين وسائر علوم الشريعة بعد وفاته وَ لّ، ومن
ذلك القرآن وتفسيره، ويمكننا القول: إن عهدهم يمتد منذ وفاة الرسول وَل إلى مقتل
ابن الزبير ◌ّها عام ٧٣هـ، وهو آخر خليفة صحابي(١)، وقد عاصر الصحابة بُّه
عهدين تاريخيين أساسيين، هما: عهد الخلفاء الراشدين، وعهد الدولة الأموية
السفيانية .
وقد كان عهدًا حافلًا بالتفسير، تطور فيه التفسير تطورًا كبيرًا، ولعلنا نجمل بعض
ملامح التفسير في هذه العهود التاريخية من خلال الحديث عن كل عهد في المطالب
التالية :
(١) يلاحظ أنه بعد ذلك العهد لم يبق إلا قلة من الصحابة، لم يكن لهم أي دور يذكر في الحياة السياسية،
كما لم يكن لهم أثر بارز في التفسير سوى مرويات معدودة في أحكام القرآن وبعض الآيات؛ خصوصًا عن
أنس بن مالك له، مما يعضد اختيارنا كون هذه السنة هي حد منتهى عصر الصحابة.

تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
٥ ٢٠٠ .
المدخل إلى مُؤَسُوعَة التَّقَسَّةُ المَاتُور
المطلب الأول
التفسير في عهد كبار الصحابة (عصر الخلفاء الراشدين)(١)
يمتد عصر الخلفاء الراشدين من خلافة أبي بكر الصديق عام ١١هـ إلى استشهاد
علي بن أبي طالب وتولي ابنه الحسن الخلافة ثم تنازله لمعاوية عام ٤١هـ، رضي الله
عنهم أجمعين.
وهو أنصع عهود التاريخ الإسلامي بعد العهد النبوي، وأكثرها أثرًا وتأثيرًا، في
عموم مناحي الحياة السياسية والدينية والعلمية، ومن ذلك التفسير وعلوم القرآن
عمومًا، وسنتحدث عن تاريخ التفسير في عهود الخلفاء الأربعة بشيء من التفصيل
فيما يلي.
* ١ - عهد أبي بكر الصديق بظلاله (١١ - ١٣هـ):
تولى أبو بكر رضيبه الخلافة بعد وفاة النبي ◌َّل، التي حدث إثرها هزةٌ عنيفة
للمسلمين بارتداد أغلب قبائل العرب، فكانت أول امتحان يُبتلى به الصحابة بعد وفاة
حبيبهم ◌َّة، لكن سرعان ما تجاوزها خليفة المسلمين أبو بكر الصديق بحزمه
وحنكته مع سائر الصحابة ، حيث انشغلوا بحرب المرتدين وتثبيت دعائم
الدولة، وذلك في أقل من سنتين، ثم تفرغوا بعد ذلك لنشر الإسلام في الأمم
والبلاد الأخرى، وانطلقوا فاتحين لقلوب العباد قبل فتح البلاد، لكن ما لبث أن
توفي أبو بكر ظُله عام ١٣ هـ، بعد سنتين ونصف من مبدأ خلافته، وهي مدة قصيرة
جدًّا ذات مشاغل عظيمة تنوء بها الجبال، تحمَّلها خليفة رسول الله وَّه والصحابة
وقاموا بها حق القيام، ولا شك أن مثل تلك الأعمال العظام تشغل عن غيرها، لذا
لم يكن هناك أثر واضح في التفسير في عهده، ولعل أبرز الأحداث التاريخية
(١) أفدت كثيرًا في مسائل هذا المبحث من دروس د. مساعد الطيار على الشبكة العالمية عن تاريخ
التفسير : .http://vb.tafsir.net/tafsir 30300/#.VIUpxfkrI2w