النص المفهرس

صفحات 141-160

المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقَنَّةُ الْخَاتُور
التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
١٤١ هـ
الضلالة، قوله في البقرة: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِى ◌ُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥]؛ يعني: في
ضلالتهم، نظيرها في يونس: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرَجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
[١١]؛ يعني: في ضلالتهم يعمهون، وقال في قَ: ﴿رَبََّا مَا أَطْغَيِّتُهُ، وَلَكِن كَانَ فِ ضَلَلٍ
يَعِيدٍ﴾ [٢٧]؛ يعني: ما أضللته. وقال في الصافات: ﴿بَلْ كُمْ قَوْمًا طَخِينَ﴾ [٣٠]؛
يعني: ضالين، وقال في صّ: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّغِينَ لَشَرَّ مَثَابٍ﴾ [٥٥]؛ يعني: للضالين
لشر مآب: مرجع، مثلها في ﴿عَمَّ يَتَسَاءَ لُونَ﴾ [النبأ: ١].
الوجه الثاني: طغيان؛ يعني: عصيان، فذلك قوله: ﴿أَذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾
[النازعات: ١٧]، يعني: إنه عصى الله، وقال أيضًا في طه: ﴿وَلَا تَطْغَوْاْ فِيهِ﴾ [٨١]،
يعني: لا تعصوا الله في رفع المن والسلوى.
والوجه الثالث: الطغيان؛ يعني: الارتفاع والكثرة، فذلك قوله في الحاقة: ﴿إِنَّا
لَمَّا طَفَا الْمَاءُ﴾ [١١]؛ يعني: لما كثر الماء وارتفع ﴿حَمَلْنَكُمْ فِىِ الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١].
والوجه الرابع: الطغيان؛ يعني: الظلم، فذلك قوله في النجم: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا
◌َى﴾ [١٧]، وقال في الرحمن: ﴿أَلَّ نَطْغَوْا فِى الْمِيزَانِ﴾ [٨]، يعني: لا تظلموا))(١).
وهذه التفسيرات التي ذكرها مقاتل بن سليمان للفظ الطغيان تفسيرات سياقية؛
أي: المراد بالطغيان في هذا السياق فحسب، وإن كانت لفظة الطغيان المأخوذة من
مادة طغى تدل على معنى لغوي واحد، وهو تجاوز الحد (٢)، ثم ينظر في نوع
التجاوز حسب السياق الذي ترد فيه، فعدل عن تفسير اللفظ بمدلولها اللغوي المباشر
إلى بيان المراد منها في ذلك السياق.
وكان تفسير السلف مقتصرًا على بيان معاني الألفاظ دون ما زاد على ذلك من
ذكر لطائف هذه اللغة أو غير ذلك مما زاده المتأخرون.
الموازنة بين تفسير السلف باللغة وتفسير اللغويين:
العلاقة بين تفسير السلف باللغة وتفسير اللغويين لا تخرج عن أحوال :
الأول: أن يتوافق قولهم مع أقوال الصحابة والتابعين، وهذا كثير.
(١) الوجوه والنظائر في القرآن الكريم ص٢١٤.
(٢) قال ابن فارس: ((الطاء والغين والحرف المعتل أصل صحيح منقاس، وهو مجاوزة الحد في
العصيان ... )). مقاييس اللغة، مادة: (طغى).

التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
٥ ١٤٢ %
المدخل إلى مُؤَسُوعَةُ التَّفْسِيّةُ الْمَانُوز
الثاني: أن يكون تفسيرهم اللغوي مبطلًا لتفسير السلف اللغوي، وهذا قليل جدًّا،
وتفسيرهم هذا لا يقبل.
قال أبو عبيدة (ت: ٢١٠ هـ): ((﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتََا﴾ [يوسف: ٣١]: أفعلت من العتاد،
ومعناه: أعدت لهن متكًا؛ أي: نمرقًا تتكئ عليه.
وزعم قوم أنه الأترج، وهذا أبطل باطل في الأرض، ولكن عسى أن يكون مع
المتكأ أترج يأكلونه، ويقال: ألق له متكًا))(١).
وهذا الاعتراض من أبي عبيدة (ت: ٢١٠هـ) غير مقبول، وكلام من فسر من السلف لا
يخرج عن احتمالين :
- الاحتمال الأول: أن يكون من لغة العرب مما لم يعرفه أبو عبيدة.
- الاحتمال الثاني: أن يكون مما أعد الأترج، وأشار إلى وجوده السكين،
فالسكين لا تعطى لتخريق المجلس، وإنما لتقطيع الفاكهة(٢).
الثالث: أن يكون في تفسيرهم اللغوي إضافة من قبيل التنوع، وهذا إذا كانت
الآية تحتمله، فإنه يصح تفسير اللفظ القرآني به .
جاء في كتاب ((العين)): ((والعَرْفُ: ريحٌ طيّبٌّ، تقول: ما أطيب عَرْفَهُ،
قال الله رَّ: ﴿عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٦]؛ أي: طيّبها))(٣).
والوارد عن مفسري السلف: عرَّفها: بيَّنها لهم، حتى إن الرجل ليأتي منزله منها
إذا دخلها كما كان يأتي منزله في الدنيا، لا يشكل عليه ذلك.
والمعنيان متغايران، لكنهما غير متناقضين، والآية تحتملهما على سبيل التنوع.
(١) مجاز القرآن ١/١٠٨ - ٣٠٩.
(٢) قال الطبري: ((وحكى أبو عبيد القاسم بن سلام قول أبي عبيدة، ثم قال: والفقهاء أعلم بالتأويل منه.
ثم قال: ولعله بعض ما ذهب من كلام العرب، فإن الكسائي كان يقول: قد ذهب من كلام العرب شيء
كثير انقرض أهله .
والقول في أن الفقهاء أعلم بالتأويل من أبي عبيدة كما قال أبو عبيد لا شك فيه، غير أن أبا عبيدة لم يبعد
من الصواب في هذا القول، بل القول كما قال من أن من قال لِلْمُتَّكَأٍ هو الأترج، إنما بينِ الْمُعَدَّ في
المجلس الذي فيه الْمُتَّكَأُ، والذي من أجله أعطين السكاكين؛ لأن السكاكين معلوم أنها لَا تُعَدُّ لِلْمُتَّكَأِ إلا
التخريقه، ولم يعطين السكاكين لذلك. ومما يبين صحة ذلك القول الذي ذكرناه عن ابن عباس، من أن
الْمُتَكَأَ هو المجلس)).
(٣) كتاب العين ١٢٢/٢.

المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقَسَِّيةُ المَاتُوز
التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
٥ ١٤٣ %=
الرابع: أن يرد عنهم المعنى اللغوي، ولا يكون واردًا عن مفسري السلف، وهذا
محله القبول؛ لأنهم أهل التخصص في هذا المقام.
قال الفراء (ت: ٢٠٧هـ): ((وقوله: ﴿لَن تُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيْنَتِ وَلَّذِى فَطَرَنّ﴾ [طه:
٧٢]، فـ(الذي) في موضع خفض؛ أي: وعلى الذي، ولو أرادوا بقولهم: ﴿وَالَّذِى
فَطَرَنَا﴾ القسم بها كانت خفضًا وكان صوابًا، كأنهم قالوا: لن نؤثرك والله))(١)
ذكر الفراء (ت: ٢٠٧هـ) احتمالين لغويين في تفسير (الواو)، وهما أن تكون واو
القسم، أو تكون واو العطف، وهذان الاحتمالان في تفسير (الواو) لم يرد عن أحد
من مفسري السلف.
قد يقال: ما الفرق بين هذا الحال والذي قبله؟ إن كان الذي قبله معنى يعرفه
السلف لكنهم لم يفسروا به الآية؛ فكذلك هذا؟
والجواب عن هذا: أنهم في الحال الذي قبل هذا لم يفسروا الآية بما فسرها به
اللغويون، ولكنهم فسروها بجنس ما فسرها به اللغويون، أما في هذا الحال فإنهم لم
يفسروها بجنس ما فسرها به اللغويون.
﴿ ٤ - المعلومات المتعلقة بالنزول (٢):
والمراد بها مجموعة من المعلومات التي لها علاقة بالآية من خارجها، كأسباب
النزول، وبيان قصص القرآن - أو إشارته إلى قصة ما، ويدخل في ذلك
الإسرائيليات -.
وهذه المصادر الكلية يستخدمها من جاء بعد الصحابة كما استخدموها .
ثم صار تفسير الصحابة الذي كان بآرائهم مصدرًا لمن جاء بعدهم من التابعين،
(١) معاني القرآن ١٣٨/٣.
(٢) هذا المصدر لم يُذكر عند من طرح هذا الموضوع سابقًا، وهنا ملحوظتان:
الأولى: أن هذه المعلومات موجودة في تفسير الصحابة والتابعين وأتباعهم؛ لذا لا يلزم إفرادها هنا .
الثانية: المعلومات في هذا القسم لا تخرج عن طرق الوصول إلى التفسير، وهما :
١ - ما يكون من قبيل النقل الذي لا يدخله رأي؛ كأسباب النزول الصريحة.
٢ - ما يدخله الرأي، وهو حمل الآية القرآنية على قصة من القصص، كتفسير فتنة سليمان ظل بالجسد في
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ، جَسَدًا ثُمَّ أَنَبَ﴾ [ص: ٣٤] أنه شيطان سلب ملكه. فهذا
الحمل على هذه القصة من باب الرأي، وإن كانت القصة من قبيل المنقول.
وبهذا تدخل الإسرائيليات هنا؛ لأنه إذا لم يرد عن المعصوم فيها شيء، فهي من قبيل اجتهاد المفسر.

التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقَنِيُ المَاتُور
: ١٤٤ %
وهكذا كان التابعون لمن جاء بعدهم من أتباع التابعين، ثم كان كذلك أتباع التابعين
لمن جاء بعدهم(١).
وعند هذه الطبقة توقف النقل في التفسير، وصارت هذه الطبقات الثلاث هي
المعتمدة في التفسير عند المحققين من علماء التفسير، وقلَّ الاجتهاد في الطبقة التي
تليهم، فلا تكاد تجد من كان مشهورًا بالقول بالتفسير حتى بروز ابن جرير الطبري،
وإن كنت ستجد كثيرين ممن كتب في التفسير، لكنه كان ناقلًا لأقوال هذه الطبقات
الثلاث، ولم يكن له رأي مستقل .
وتختلف هذه المصادر في أمرين :
الأول: مدى اعتماد المفسرين عليها .
الثاني: الأكثر استعمالاً منها .
والأول يعتمد على المفسر، والثاني يعتمد على نوع المصدر.
وإذا تأملت هذه المصادر عند مفسري السلف، واستقرأت تفسيرهم، فإنه سيظهر
لك أن اللغة هي أوسع المصادر استعمالًا عندهم، وعند من جاء بعدهم، فما من آية
إلا وهي محتاجة لبيان لغوي، لكن لا يلزم أن يكون لكل آيةٍ آيةٌ أخرى تفسرها، ولا
أن يكون لها حديث يبيِّنها، كما لا يلزم أن يكون له حالٌ متعلقٌ بالنزول يوضّح ما
فيها؛ إذ كثير من القرآن نزل ابتداءً غير مرتبط بحال معيَّنة(٢).
(١) يلاحظ أن هذه الطبقات صارت من المصادر النسبية، فالتفسير بالنسبة لمن قال به أوَّلًا من هذه
الطبقات اجتهاد ورأي، وبالنسبة لمن نقله عنهم، فهو نقلٌ لا رأي.
(٢) قبل الحديث المفصل عن هذه المصادر يحسن التنبيه على مجموعة من التقسيمات المهمة في هذا
المجال :
الأول: النظر في ما يدخله الاجتهاد وما لا يدخله الاجتهاد، وفي هذا تنبيهان:
١ - التفسير المبني على اللغة لما لا يحتمل إلا معنى واحدًا؛ لا يدخله الاجتهاد، بخلاف ما يحتمل أكثر
من معنى؛ فإنه يدخله الاجتهاد.
٢ - المنقول البحث؛ كأسباب النزول الصريحة لا مدخل فيها للرأي والاجتهاد، والمنقول النسبي كتنزيل
الآية على حدث معين هو اجتهاد بالنسبة لمن قال به أولًا، ثم يكون منقولًا لمن جاء بعده.
الثاني: عدم التداخل بين كون المصدر نقليًّا في الوصول إليه، وعقليًّا في التعامل معه، فمصدر الوصول إلى
القرآن هو النقل، لكن يدخل الرأي في مقام الاستدلال والوجوه والنظائر والاستشهاد ... ؛ إذ ليس كل ربطٍ
آية بآية يكون من قبيل التفسير، كما سيأتي.
وكذا اللغة، وسيلة الوصول إليها هو النقل، لكن التفسير بها حال تعدد المعاني المحتملة هو الرأي
والاجتهاد، وعلى هذا النظر قس بقية المصادر.

المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقْسِيرُ الْخَاتُور
التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
٥ ١٤٥ =
موقف السلف من تفسير القرآن الكريم بالإسرائيليات
الإسرائيليات: كل ما أُخِذَ عن بني إسرائيل (اليهود والنصارى) من غير طريق
النبي ◌َلچر.
والمراد بتفسير القرآن الكريم بها: الإفادة من مرويات بني إسرائيل(١) في بيان
بعض المعاني الواردة في قصص القرآن، أو ما يتعلق بها.
وذلك بأن يرجع المفسر إلى مروياتهم المكتوبة، أو أن يسأل علماءهم عنها،
فيتلقاها مباشرة، أو أن يسأل من عنده علم بها .
وقولنا: (في بيان بعض المعاني الواردة في قصص القرآن) فيه أمران:
الأول: أن الإفادة منهم إنما هي في هذه القصص فحسب.
الثاني: أن بعض القصص المجملة في القرآن قد يختلف تحديد معناها المراد
باختلاف الاعتماد على الخبر الإسرائيلي من عدمه، وسيظهر من خلال الدراسة ما
وقع من ذلك عند المفسرين.
وقولنا: (أو ما يتعلق بها)؛ أي: من الأمور التي تتعلق بالقصة، كسبب القصة
الذي لا ترد إليه الإشارة في القرآن، أو تعيين بعض المبهمات التي لا يضر الجهل
بها، أو غير ذلك مما لا علاقة له ببيان معنى الآية.
وقد ثبت عن النبي وَّل بيان بعض الأخبار الإسرائيلية الواردة في القرآن، مثل بيانه
تبديل يهود كلمة ((حطة)) بقولهم: حبة في شعرة(٢)، وبيانه لأذية قوم موسى له (٣)،
(١) بعض القصص التي تخص العرب القدماء؛ كأخبار قوم صالح وهود وشعيب؛ لم ترد من طريق بني
إسرائيل، وقد تدخل في الإسرائيليات، على سبيل التغليب، ولكن إفرادها أولى؛ ليعلم أنه لا يلزم أن تكون
كل قصص السابقين مأخوذة من أهل الكتاب.
(٢) رواه البخاري وغيره، ومن مواضعه في رواية البخاري له، ما رواه بسنده عن أبي هريرة بنظراته، يقول:
قال رسول الله وَ له: ((قيل لبني إسرائيل: ﴿وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَدًا وَقُولُواْ حِظَةٌ﴾ [البقرة: ٥٨]، فبدلوا، فدخلوا
يزحفون على أستاههم، وقالوا: حبة في شعرة))، وهو برقم (٤٦٤١) باب وقولوا حطة من كتاب التفسير.
(٣) روى البخاري بسنده عن أبي هريرة عن النبي وَّ، قال: ((إن موسى كان رجلًا حييًّا ستيرًا، لا يرى من
جلده شيء استحياءً منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا: ما يستتر هذا التستر، إلا من عيب بجلده: إما =

التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
& ١٤٦ .
المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقْسِيُ المَاتُور
وبيانه لقصة موسى مع الخضر(١).
وكان فعله هذا ◌َّ مع قوله ◌َّ: ((وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)) (٢) أكبر
مندوحة للصحابة والتابعين في أن يلجوا هذا الباب.
والقرآن قد أخبر عن بعض أخبار السابقين: بعضها مفصّل، وبعضها مجمل، ولا
سبيل إلى معرفة تفاصيل المجمل، أو زيادة تفاصيل المفصل إلا الرواية والخبر.
والرواية: إما أن تكون عن المعصوم، وإما أن لا تكون كذلك.
فإن كانت عن المعصوم من طريق صحيح معتبر، فإنها مقبولة بلا ريب، وإن
كانت عن غير طريق المعصوم، فلا تُقبل إلا ببرهان علمي معتبر، وكذا لا تُرَدُّ إلا
ببرهان علمي معتبر، ولا يكفي في ردِّها كونها من ((مرويات بني إسرائيل)).
ومن هنا فإننا نجد الصحابة والتابعين وأتباعهم يذكرون هذه الإسرائيليات،
ويستشهدون بها في التفسير، وقد تأتي عنهم مجملة، وقد تكون مفصلة، ولو
استقرأنا من روي عنه إسرائيليات في هذه الطبقات لظهر لنا جماعة منهم ممن يروون
هذه الإسرائيليات.
ومن أمثلة الأعلام الذين روي عنهم ما يأتي:
١ - في قوله تعالى: ﴿وَأَثْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِىّ ءَاتَيْنَهُ ءَايَئِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ
الشَّيْطَنُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٥]، ورد في تعيين هذا الشخص أقوالٌ،
منها أن المقصود ((بلعام بن باعوراء)) رجل من بني إسرائيل، وقد ورد ذلك عن ابن
(٣)
مسعود وابن عباس ومجاهد، وعكرمة والسدي
= برص وإما أدرة: وإما آفة، وإن الله أراد أن يبرِّئه مما قالوا لموسى، فخلا يومًا وحده، فوضع ثيابه على
الحجر، ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه وطلب
الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى انتهى إلى ملا من بني إسرائيل، فرأوه عريانًا أحسن ما
خلق الله، وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر، فأخذ ثوبه فلبسه، وطفق بالحجر ضربًا بعصاه، فوالله إن بالحجر
لندبًّا من أثرٍ ضربه، ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا، فذلك قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَذِينَ ءَاذَوْ مُوسَى فَبَرََّهُ
اللّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩]))، برقم (٣٤٠٤)، باب حديث الخضر مع موسى، كتاب
أحاديث الأنبياء.
(١) رواها البخاري برقم (٣٤٠١)، باب حديث الخضر مع موسى، كتاب أحاديث الأنبياء.
هذا، ولم تسلم بعض هذه الروايات الثابتات في الصحاح من نقد بعض المتعالمين أو المغرضين، فما بالك
بغيرها مما لم يُرو بوجه صحيح عن النبي ◌ِّ.
(٢) رواه البخاري برقم (٣٤٦١)، باب ما ذكر عن بني إسرائيل كتاب أحاديث الأنبياء.
(٣) ينظر: تفسير الطبري ١٠ / ٥٦٨.

المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّفَنَِّيُ المَاتُور
التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
٥ ١٤٧ %=
وقصته معروفة، وإن اختلفوا في تفاصيلها، وفي تحديد زمنه، فإن هذا الاختلاف
لا يؤثر في كونها من قصص بني إسرائيل .
٢ - اختلف المفسرون من السلف في تعيين الشجرة التي أكل منها آدم وزوجه
حواء(١)، في قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥].
فقيل: هي السنبلة، وورد ذلك عن ابن عباس من طريق عكرمة ومجاهد وسعيد بن
جبير، وعن أبي مالك غزاون الغفاري، وعطية، وقتادة، وعن أبي الجلد إجابة على
سؤال ابن عباس له، وعن وهب بن منبه اليماني، ومحارب بن دثار، والحسن
البصري .
وقيل: الكرمة (العنب)، وقد ورد من رواية السدي عن ابن عباس، ومن طريق
السدي عن أشياخه عن ابن عباس أو ابن مسعود، وعن السدي - أيضًا -، وعن
جعدة بن هبيرة، وعن سعيد بن جبير، وعن محمد بن قيس .
وقيل: التينة، نسبه ابن جريج إلى بعض أصحاب النبي ◌ُّ من دون تعيين.
ومن هنا نجد أن الكتب التي عُنيت بنقل المأثور عن الصحابة والتابعين وأتباعهم
لا تكاد تخلو من ذكر الإسرائيليات التي فسَّر بها هؤلاء الأسلاف كتاب الله تعالى،
فقد دخلت الإسرائيليات في تفسير القرآن منذ عهد الصحابة، ثم كثرت الرواية عند
من بعدهم، ولم يروا في ذلك غضاضة، مع العلم بما في بعضها من اختلاف أو من
قضايا مشكلة في منطوق الروايات.
قال القاسمي (ت: ١٣٣٢هـ): ((وأما ما كان إسرائيليًّا، وهو الذي أخذ جانبًا وافرًا من
التنزيل العزيز، فقد تلقى السلف شرح قصصه، إما مما استفاض على الألسنة ودار
من نبئهم، وإما من المشافهة عن الإسرائيليين الذين آمنوا ... ومع ذلك فلا مغمز
على مفسرينا الأقدمين في ذلك، طابق أسفارهم أم لا))(٢).
وقال: (( ... والقصد أن الصالحين كانوا يتقبلون الروايات على عِلَّاتِها للملاحظة
المارة، لصفاء سريرتهم. فلا ينبغي إلا تفنيد الموضوع منها، لا الحط من مقامهم
وقرض أعراضهم. كيف وقد تلقى الصحابة ومن بعدهم الإسرائيليات وحكوها، بل
(١) تفسير الطبري، ط. دار هجر ١ / ٥٥١ - ٥٥٦.
(٢) محاسن التأويل ٤١/١.

التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقَسِيرُ الْخَاتُوز
دولا
٥ ١٤٨ %
بعضهم اقتنى أسفارها وأدمن مطالعتها، لما استبان له من البشائر النبوية، وتحقق
تحريفهم»(١).
قال القاسمي (ت: ١٣٣٢هـ): ((وقال وليُّ الله الدهلويّ - قُدِّس سِرُّه - في أصول
التفسير، في فصل الكلام على معرفة أسباب النزول:
شرط المفسر أمران :
الأول: ما تعرض له الآيات من القصص، فلا يتيسر فهم الإيماء بتلك الآيات إلا
بمعرفة تلك القصص .
والثاني: ما يخصص العام من القصة، أو مثل ذلك من وجوه صرف الكلام عن
الظاهر، فلا يتيسر فهم المقصود من الآيات بدونها .
ومما ينبغي أن يعلم أن قصص الأنبياء السالفين لا تذكر في الحديث إلا على
سبيل القلة، فالقصص الطويلة العريضة التي تكلف المفسرون روايتها، كلها منقولة
عن علماء أهل الكتاب إلا ما شاء الله تعالى. انتهى.
فإذن، لا يخفى أن من وجوه التفسير معرفة القصص المجملة في غضون الآيات
الكريمة، ثم ما كان منها غير إسرائيليٍّ. كالذي جرى في عهده ◌َّ، أو أخبر عنه.
فهذا تكفّل ببيانه المحدثون. وقد رووه بالأسانيد المتصلة، فلا مغمز فيه.
وأما ما كان إسرائيليًّا، وهو الذي أخذ جانبًا وافرًا من التنزيل العزيز، فقد تلقى
السلف شرح قصصه، إما مما استفاض على الألسنة ودار من نبئهم، وإما من
المشافهة عن الإسرائيليين الذين آمنوا. وهؤلاء كانوا تلقفوا أنباءها عن قادتهم. إذ
الصحف كانت عزيزة لم تتبادلها الأيدي، كما هو في العصور الأخيرة. واشتهر ضنّ
رؤسائهم بنشرها لدى عمومهم، إبقاء على زمام سيطرتهم، فيروون ما شاؤوا غير
مؤاخذين ولا مناقشين. فذاع ما ذاع))(٢).
ويظهر من سبر تعامل السلف مع الإسرائيليات وأقوالهم فيها ما يأتي:
الأول: كان مرادهم بإيرادها بيان المعنى العام للآية، وأن الوارد عند بني إسرائيل
لا يختلف عن المعنى الإجمالي فيها .
(١) محاسن التأويل ٤٢/١. وقد ذكر ذلك في فصل نفيس تحت عنوان: ((قاعدة في قصص الأنبياء
والاستشهاد بالإسرائيليات)) ٤٠/١ - ٥٠.
(٢) محاسن التأويل للقاسمي، تعليق: محمد فؤاد عبد الباقي ٤١/١.

المدخل إلى فُؤَسُوعَة التَّفْسِيَةُ الْخَاشُورُ
التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
: ١٤٩ °-
الثاني: أن التفاصيل لا تُصدَّق ولا تُكذّب إلا بخبر الصادق المعصوم، ولا يكفي
في قبولها ورودها في مرويات بني إسرائيل.
الثالث: أن نَهْيَ من نَهَى من الصحابة والتابعين منصبٌّ على واحد من احتمالين:
- الاحتمال الأول: ما كان فيه طلب الاهتداء، أو على كثرة سؤالهم، وعلى هذا
يُحْمَل ما ورد عن ابن مسعود وابن عباس.
- الاحتمال الثاني: كثرة سؤالهم، وطلب ما عندهم من الغرائب، وعلى هذا
يحمل ما ورد عن الأعمش في شأن مجاهد(١) حيث كان يتقيه الكوفيون لروايته
المرويات بني إسرائيل، ومما ورد من غرائبه في ذلك:
عن الأعمش، قال: ((كان مجاهد لا يسمع بأعجوبة إلا ذهب لينظر إليها؛ ذهب
إلى حضرموت ليرى بئر برهوت، وذهب إلى بابل - وعليه وال - فقال له مجاهد:
تعرض علي هاروت وماروت، فدعا رجلًا من السحرة فقال: اذهب به، فقال
اليهودي: بشرط أن لا تدعو الله عندهما. قال: فذهب به إلى قلعة، فقطع منها
حجرًا، ثم قال: خذ برجلي، فهوى به حتى انتهى إلى جوبة، فإذا هما معلقين
منكسين كالجبلين، فلما رأيتهما قلت: سبحان الله خالقكما، فاضطربا، فكأن الجبال
تدكدكت، فغشي علي وعلى اليهودي، ثم أفاق قبلي، فقال: قد أهلكت نفسك
وأهلكتني)»(٢).
وقد سار كثير من علماء التفسير على نقل هذه الإسرائيليات وتداولها من غير نكير
لكثير منها، ولم يقع النكير المطلق إلا عند بعض المفسرين، كالرازي وأبي حيان،
ثم استقر الأمر عند كثير من المعاصرين على هذا المنهج (٣) .
(١) لم يتوقف كثير من العلماء عن قبول تفسير مجاهد، ولا كانوا يتقونه كما نقل أبو بكر ابن عياش، بل
كان إمام التابعين في التفسير، حتى قال سفيان الثوري: ((إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به)).
(٢) سير أعلام النبلاء ٤٥٦/٤.
(٣) يمكن تقسيم الناس في هذا إلى أقسام:
١ - مفسرون ينقلونها دون اعتراض، وهذا كثير في كتب التفسير.
٢ - مفسرون اعترضوا على كثير منها، إن لم يكن كلها، ومنهم الرازي وأبو حيان.
٣ - قوم عرَّضوها للنقد والتقويم، ولم يتركوها بالكلية، ولا انتقدوها بالكلية كذلك، ومنهم ابن كثير.
محاسن التأويل ١/ ٤٢. وقد ذكر ذلك في فصل نفيس تحت عنوان: ((قاعدة في قصص الأنبياء والاستشهاد
بالإسرائيليات)) ٤٠/١ - ٥٠.

التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
& ١٥٠ %=
المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّفْسِيُ المَاتُورُ
المبحث الرابع
طرق السلف في التعبير عن المعنى
الأصل في التفسير أن يكون بيانًا للمفسر بما يطابقه في المعنى، قال الطبري:
((والخاسرون جمع خاسر، والخاسرون: الناقصون أنفسهم حظوظها بمعصيتهم الله
من رحمته ... وقد قيل: إن معنى ﴿أُوْلَبِّكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ [البقرة: ٢٧]؛ أولئك هم
الهالكون. وقد يجوز أن يكون قائل ذلك أراد ما قلنا من هلاك الذي وصف الله
صفته بالصفة التي وصفه بها في هذه الآية بحرمان الله إياه ما حرمه من رحمته
بمعصيته إياه وكفره به. فحمل تأويل الكلام على معناه دون البيان عن تأويل عين
الكلمة بعينها، فإن أهل التأويل ربما فعلوا ذلك لعلل كثيرة تدعوهم إليه))(١).
وإن كان هذا هو الأصل إلا أن المفسر قد يعدل عن ذلك إلى بيان معنى الآية
بطرق أخرى؛ كالتمثيل للمعنى العام، أو العدول إلى ذكر أحداث أو أشخاص على
جهة النزول، أو التعبير بلازم المعنى، أو التفسير بجزء المعنى، أو التفسير السياقي،
وكل هذه الأنواع يرجع فيها الخلاف إلى معنى واحد، لكن المفسر يريد أن يبين معنى
خاصًا، فيقع الاختلاف في العبارات من أجل ذلك، وفيما يلي بيان هذه الأنواع:
٤ ١ - التعبير بالمثال:
ويرد التعبير بالمثال حينما يكون اللفظ أو الحكم عامًّا، فيذكر المفسرون أمثلة
لذلك اللفظ أو الحكم لا على سبيل التخصيص(٢).
(١) تفسير الطبري، تحقيق: د.عبد الله التركي ١/ ٤٤٢، وقال ابن تيمية: ((فتذكر أقوالهم في الآية فيقع في
عباراتهم تباين في الألفاظ، يحسبها من لا علم عنده اختلافًا، فيحكيها أقوالًا، وليس كذلك. فإن منهم من
يعبر عن الشيء بلازمه أو نظيره، ومنهم من ينص على الشيء بعينه، والكل بمعنى واحد في كثير من
الأماكن، فليتفطن اللبيب لذلك، والله الهادي)).
(٢) لا يُحكم على عبارات السلف في مثل هذا المقام بالتخصيص إلا بقرينة؛ إذ الأولى أن يُحمل كلامهم =

،فَوْسُعَة التَّفْسِيُ المَاتُور
المدخل إلى
التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
٥ ١٥١ %
ومثاله: في قوله تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اَللَّهُ بِضُرٍّ فَلَ كَاشِفَ لَهُ: إِلَّا هُوٌّ وَإِن
يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: ١٧].
قال ابن عطية (ت: ٥٤٢هـ): ((قال السدي: ((الضر)) هاهنا المرض، والخير العافية.
قال القاضي أبو محمد: وهذا مثال، ومعنى الآية الإخبار عن أن الأشياء كلها
بيد الله؛ إن ضر فلا كاشف لضره غيره، وإن أصاب بخير فكذلك أيضًا لا راد له
ولا مانع منه)) (١).
* ٢ - التعبير بالنزول:
وهو على قسمين :
الأول: أن تكون العبارة صريحة في السببية.
ومثاله: ما رواه مسلم بسنده عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن
جبير، عن ابن عباس، قال: ((لما نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَينَ﴾
[الشعراء: ٢١٤]، ورهطك منهم المخلصين، خرج رسول الله وَّل حتى صعد الصفا،
فهتف: ((يا صباحاه))، فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد، فاجتمعوا إليه،
فقال: ((يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني عبد مناف، يا بني
عبد المطلب))، فاجتمعوا إليه، فقال: ((أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا
الجبل، أكنتم مصدقي؟)) قالوا: ما جربنا عليك كذبًا، قال: ((فإني نذير لكم بين يدي
عذاب شديد))، قال: فقال أبو لهب: تبًّا لك أما جمعتنا إلا لهذا، ثم قام، فنزلت
هذه السورة: (تبت يدا أبي لهب وقد تب). كذا قرأ الأعمش(٢) إلى آخر
السورة)»(٣).
الثاني: أن تكون العبارة غير صريحة في السببية .
ومثاله: ما رواه مسلم بسنده عن عروة بن الزبير، أن عبد الله بن الزبير، حدثه ((أن
رجلًا من الأنصار خاصم الزبير عند رسول الله وَّر، في شراج الحرة التي يسقون بها
= على التمثيل؛ لكثرة ورود أسلوب التمثيل عنهم، بل هو من أكثر أنواع الاختلاف الواردة عنهم كما حكى
ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في مقدمة في أصول التفسير.
(١) المحرر الوجيز، الطبعة القطرية الأولى ١٤٧/٥.
(٢) أي: بزيادة لفظ: (قد)، وهي قراءة شاذة.
(٣) صحيح مسلم ١/ ١٩٣، باب قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَينَ﴾

المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقَسَةُ المَاتُون
التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
= ١٥٢ %=
النخل، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر، فأبى عليهم، فاختصموا عند
رسول الله وَ﴾، فقال رسول الله وَلو للزبير: ((اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى
جارك))، فغضب الأنصاري، فقال: يا رسول الله أن كان ابن عمتك فتلون وجه
نبي الله وَّر، ثم قال: ((يا زبير اسق، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر)).
فقال الزبير: والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ
حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ [النساء: ٦٥]))(١).
وفي كلا الحالين يُعدُّ ذكر السبب مثالًا للمعنى العام الوارد في الآية، لذا قال
العلماء: ((العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب)).
: ٣ - التعبير باللازم:
المقصود باللازم: ما يلزم من اللفظ (إما من جهة اللغة وإما من جهة اللفظ في
ذلك السياق)، وهو أشبه بأن يكون كالنتيجة للمعنى المنصوص عليه في الآية، فيشير
إليه المفسر للتنبيه على أنه مراد في الخطاب، وإن لم يُنصَّ عليه بعينه، وإنما يضطر
المفسر لسلوك هذا السبيل لخفاء اللازم على المتعلم.
ومثاله: ما قاله ابن القيم (ت: ٧٥١هـ): ((وكذلك قول من قال: الْمَخْصُودُ: ((الذي لا
يَعْقِرُ اليد)) ((ولا يَرِدُ اليد منه شوك)) ((ولا أذى فيه)) فسَّره بلازم المعنى. وهكذا غالب
المفسرين يذكرون لازم المعنى المقصود تارة، وفردًا من أفراده تارة، ومثالًا من
أمثلته، فيحكيها الجمَّاعون للغث والسمين أقوالًا مختلفة، ولا اختلاف بينها)) (٢).
٤ ٤ - التعبير بجزء المعنى:
تأتي بعض ألفاظ اللغة دالة على مجموعة معان، فإذا اجتمعت أُدِّيت بذلك
اللفظ، وهذا مبني على معرفة الفروق بين الألفاظ، وهو من أصول فقه اللغة، ومن
أمثلة ذلك الفرق بين العلم والمعرفة، والمرح والفرح، والكذب والمين ... إلخ من
الألفاظ المتقاربة المعاني .
ومما يدل على أهمية معرفة هذا النوع من التعبير أنك تجد بعض أهل البدع
يعمدون إلى قصر اللفظ على جزء معناه ليوافق رأيهم البدعي، ومن ذلك تفسير
(١) صحيح مسلم ١٨٢٩/٤، باب وجوب اتباعه وَ ل.
(٢) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، لابن القيم، تحقيق: زائد بن أحمد النشيري ٣٤٥/١.

المدخل إلى مُؤْسُوَةِ التَّقَيِّيِّيّةُ الْخَاتُوز
التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
& ١٥٣ هـ
المعتزلة للفظ (الإذن) في مثل قوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ، بَيْنَ الْمَرْءِ
وَزَوْجِهِ، وَمَا هُم بِضَآرِينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢].
وتفسيرهم للإذن بأنه (العلم) فقط، فيه قصر للفظ على جزء من معناه ليوافق رأيهم
في خلق أفعال العباد، وأن الله - بزعمهم - لا يخلق الشَّرَّ.
والصحيح أن هذا من الإذن الكوني، والأمور الكونية من خلق الله، ويقع فيها ما
يُحبه الله وما لا يُحبه، والإذن فيه معنيان متلازمان: (العلم) (والإباحة)، وبهما يكون
إذنًّا، ولا يصلح تصوره فضلًا عن وجوده بأحدهما دون الآخر.
ومن أمثلته - أيضًا - ما ذكره ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) في تفسير لفظ (تبارك)، قال:
((وقال بعض المفسرين: يمكن أن يقال: هو من البروك، فيكون ((تبارك)) ثبت ودام
أزلًا وأبدًا، فيلزم أن يكون واجب الوجود؛ لأن ما كان وجوده من غيره لم يكن
أزليًّا .
وهذا قد يقال: إنه جزء المعنى، فتبارُكُه سبحانه يجمع هذا كلَّه: دوام وجوده،
وكثرة خيره، ومجده، وعلوه، وعظمته، وتقدُّسه، ومجيء الخيرات كلها من عنده،
وتبريكه على من شاء من خلقه.
وهذا هو المعهود من ألفاظ القرآن كلها أنها تكون دالة على جملة معان، فيعبِّر
هذا عن بعضها، وهذا عن بعضها، واللفظ يجمع ذلك كله، وقد ذكرنا ذلك في غير
هذا الموضع))(١).
٥ - التفسير السياقي:
التفسير السياقي: هو المراد باللفظة في سياق معين؛ إذ قد يكون المعنى اللغوي
هو المراد لغة وسياقًا، وقد يكون المراد به في السياق نوعًا مما ينطبق عليه المعنى
اللغوي، فيكون ذلك هو المعنى السياقي المراد.
ومن الأمثلة التي توضح ذلك أنك إذا قلت: المراد بالعاديات من قوله تعالى:
﴿وَالْعَدِيَتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات: ١]: التي تعدو كان ذلك تفسيرًا لفظيًّا، وإذا قلت: المراد
بالعاديات: الخيل كان ذلك تفسيرًا سياقيًّا؛ أي: المراد بالتي تعدو في هذا السياق؛
ولا يقال: الإبل؛ لأن الإبل لا تضبح إذا عدت؛ فالضبح تنفس الخيل.
(١) جلاء الأفهام ص ٣٠٧.

المدخل إلى مُؤَسُوعَة التَّقَسَّسَةُ الْخَاشُور
التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
١٥٤ %=
وقد يرد عنهم تفسير لفظي، ويرد - أيضًا - تفسير سياقي، وقد يقع الاختلاف في
التفسير السياقي بعد اتفاقهم على التفسير اللفظي، ولذلك أمثلة منها: في قوله
تعالى: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس: ٢٠]، فالسبيل عندهم - باتفاق - هو الطريق، وهذا
هو التفسير اللفظي، لكن أي طريق هو في هذا السياق؟ هذا ما وقع فيه الاختلاف،
وقد ورد عن السلف تفسيران :
الأول: يَسَّرَ له طريق خروجه من بطن أمه.
الثاني: يَسَّرَ له طريق الخير والشر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ إِمَا شَاكِرًا
وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣](١).
(١) ينظر: تفسير الطبري ٢٤/ ١١١.

المدخل إلى مُؤَسُوعَة التَّفْسَسَيُ المَاتُور
التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
: ١٥٥ %
المبحث الخامس
أنواع التفسير المأثور
أنواع تفسير السلف:
يمكن تقسيم التفسير الذي وجد عند السلف من خلال نظرين: النظر إلى ما
رووه، والنظر إلى ما قالوه بالاجتهاد.
كما يلاحظ وجود معلومات في تفاسيرهم هي من باب علوم السورة، كاسمها
وفضلها - إن كان لها ذلك - ومكان نزولها، أو هي من علوم الآية، كفضلها، ولقبها
الذي يصطلحون عليه، أو تكون من باب الاستنباط الخارج عن حد التفسير.
أما التفسير عندهم فتقسيمه كما يأتي :
النوع الأول: التفسير المنقول:
١ - ما يروونه عن النبي ◌َّه من تفسيراته(١).
٢ - ما يُروى عنهم من أسباب النزول الصريحة.
٣ - ما يرويه التابعون عن الصحابة.
٤ - ما يرويه أتباع التابعين عن التابعين.
النوع الثاني: التفسير بالرأي :
١ - ما يحكونه من أسباب النزول غير الصريحة.
٢ - ما يكون له عندهم أكثر من وجه في المعنى.
٣ - ما يربطون الآية به من القصص.
(١) الحديث هنا عن طبقة الصحابة، وليس عن واحد منهم، لذا لا يلزم ذكر نقل أحدهم عن الآخر، وإن
كان يدخل في التفسير المنقول بالنسبة للناقل منهم.

التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
١٥٦ %=
المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّفْسِيَةُ الْخَاتُور
وسأذكر ذلك مفصّلًا بالأمثلة الدالة عليه مما ورد عن الصحابة ثم مما ورد عن
التابعين وأتباعهم.
النوع الأول: التفسير المنقول:
أولًا: ما يروونه عن النبي ◌َلّ من تفسيراته الصريحة:
إن ما يرويه الصحابي عن النبي ◌ُّ من تفسيراته الصريحة تعد من التفسير النبوي،
لا من تفسير الصحابي(١)؛ لأن مهمة الصحابي في مثل هذا النقل؛ لذا لا يتميز عن
الذين جاءوا بعده إلا بكونه هو الراوي مباشرة، فكل مفسر من الصحابة ومن جاء
بعدهم يذكر تفسير الرسول وَل# ويأخذ به، ولا اختلاف بينهم في ذلك.
ومن أمثلة نقلهم التفسير النبوي:
ما رواه البخاري (ت: ٢٥٦هـ) عن عائشة (ت: ٥٨هـ) قالت: قال رسول الله وَله:
((ليس أحد يحاسب إلا هلك. قالت: قلت: يا رسول الله - جعلني الله فداءك -:
فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾
أليس يقول الله رَت: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِنَبَهُ بِيَمِينِهِ،
[الانشقاق: ٧ - ٨] ؟
قال: ذاك العرض، يعرضون، ومن نوقش الحساب هلك))(٢).
أما إذا كان من كلام النبي ◌َّ - غير المباشر في التفسير، فذلك مبناه اجتهاد
المفسر في الربط بين معنى الآية ومعنى الحديث، والأحاديث تختلف قربًا وبعدًا من
حيث وضوح ارتباطها بالآي، وقد سبق ذكر أمثلة لهذا .
لا تخلو رواية التابعي أو تابع التابعي عن النبي ◌َّ من حالين:
الأولى: أن يذكر تفسير النبي وَّر بالإسناد إليه.
الثانية: أن يرفعه إلى النبي وَّ دون إسناد، فيكون مرسل تابعي أو مقطوع تابع
التابعي، حسبما هو مقرر في علم مصطلح الحديث، ولكل نوع حكمه المعروف عند
(١) تجد أن بعض من كتب في مرويات الصحابة يدخل ما رووه عن النبي وَّ من التفسير، بل قد يدخل ما
هو أبعد من ذلك، وهو بعض الأحاديث التي رواها الصحابي عن النبي ◌ُ ◌ّ، وهي تناسب معنى بعض
الآية. ينظر على سبيل المثال: تفسير أم المؤمنين عائشة، جمع: الدكتور عبد الله أبو السعود بدر ص١٦٦ ،
رقم (١٨٥/٢٦)، رقم (١٨٨/٣٩)، رقم (١٨٩/٤١)، رقم (٢١٨/٤٣)، رقم (٦٧، ٦٨)، وغيرها كثير.
(٢) رواه البخاري في كتاب التفسير من صحيحه، باب: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ من سورة الانشقاق،
رقم الحديث (٤٩٣٩).

المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّفْسِيرُ المَاتُور
التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
: ١٥٧ %=
أهل العلم، وهو قليل جدًّا في التفسير المنقول عن النبي ◌َّ في طبقة التابعين
وأتباعهم .
ومن أمثلة ما ورد من مرسلات التابعين ما رواه الطبري بسنده عن قتادة، عن
الحسن، قال: بلغنا أن نبي الله وَّر، قال له قائل، أو رجل: يا رسول الله، ما
السبيل إليه؟ قال: ((من وجد زادًا وراحلةً))(١).
ثانيًا: ما يروى عنهم من أسباب النزول الصريحة:
أسباب النزول الصريحة مما لا يتأتى إلا بالأثر، وهي مما يؤخذ عن الصحابة، إذ
لا يمكن أن يخترع سبب نزول الآية ما، وما دام الأمر كذلك، فإن أسباب النزول
الصريحة مما يكون بالنقل لا الاجتهاد.
والأصل في ذلك أن الصحابي إذا نصَّ على سبب النزول فإن قوله حجة؛ لأنه
ممن شهد التنزيل، أو رواه عن من شهده. ومنازعته في بعض الأمثلة - لاعتبار فيها
- لا يخرج هذا الأصل عن كونه أصلًا معتبرًا عند أهل العلم.
وقد يرويه الصحابي عن صحابي آخر، ومن أمثلة هذا ما روى البخاري عن ابن
عباس (ت: ٦٨هـ) في سبب نزول قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِىِ لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١]،
قال ابن عباس: ((لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِنَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، صعد النبي وَّ
على الصفا، فجعل ينادي: يا بني فهر، يا بني عدي لبطون قريش، حتى اجتمعوا،
فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب
وقريش، فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم
مصدقي؟
قالوا: نعم! ما جربنا عليك إلا صدقًا .
قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد.
فقال أبو لهب: تَبًّا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟!
فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ ﴿﴿ مَآ أَغْنَ عَنْهُ مَالُهُ، وَمَا كَسَبَ﴾
[المسد: ١ - ٢])) (٢).
(١) تفسير الطبري، تفسير الآية ٩٧ من سورة آل عمران ٤٢/٦.
(٢) رواه البخاري في كتاب التفسير من صحيحه في مواضع منها: سورة الشعراء برقم (٤٧٧٠)، وسورة
المسد برقم (٤٩٧١)، ورقم (٤٩٧٢)، فيه عبارة: ((فأنزل الله))، ورقم (٤٩٧٣).

التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
: ١٥٨ %
المدخل إلى مُؤَسُوعَةُ التَّقْسِي الْمَانُور
وابن عباس لم يحضر هذه الواقعة قطعًا؛ لأنه لم يولد بعد، فيكون رواها عن
غيره من الصحابة الذين قد حضروها، أو سمعوها ممن حضرها، والله أعلم.
تعبير الصحابة عن سبب النزول:
وغالبًا ما تكون عبارتهم الصريحة في ذلك: ((فأنزل الله))، أو عبارة ((فأنزلت)) أو
عبارة ((فنزلت)) الدالة على التعقيب.
ومن أمثلة ذلك :
١ - ما رواه البخاري عن ابن مسعود (ت: ٣٢هـ) في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ
أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَّكُمْ﴾ [فصلت: ٢٢]، قال: ((كان رجلان من قريش وَخَتَنُّ (١) لهما من
ثقيف، أو رجلان من ثقيف وختن لهما من قريش في بيت، فقال بعضهم لبعض :
أترون أن الله يسمع حديثنا؟!
قال بعضهم: يسمع بعضه. وقال بعضهم: لئن كان يسمع بعضه لقد يسمع كله،
فأنزلت: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَّكُمْ وَلَا أَبْصَرَّكُمْ﴾ [فصلت: ٢٢]))(٢).
٢ - روى البخاري (ت: ٢٥٦هـ): عن خباب (ت: ٣٧هـ)، قال: ((جئت العاص بن وائل
السهمي أتقاضاه حقًّا لي عنده، فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد بَّه. فقلت:
لا، حتى تموت، ثم تبعث.
قال: وإني لميت ثم مبعوث؟! قلت: نعم.
قال: إن لي هناك مالًا وولدًا، فأقضيكه، فنزلت: ﴿أَفَرَءَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِثَايَيِّنَا وَقَالَ
لَأُوتَيْنَ مَالَاً وَوَلَدًا لَ أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ أَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٧ - ٧٨])(٣).
٣ - روى البخاري (ت: ٢٥٦هـ) عن ابن عمر (ت: ٧٣هـ) قال: «لما توفي عبد الله [ابن
أبي بن سلول] جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله وَلَه، فسأله أن يعطيه
قميصه يكفن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله وَ يّر ليصلي،
(١) قال في القاموس المحيط: ((الخَتْنُ: القطع، وبالتحريك: الصهر، أو كل من كان من قبل المرأة كالأب
والأخ)).
(٢) رواه البخاري في كتاب التفسير من صحيحه، باب: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَّكُمْ﴾ من
سورة فصلت، رقم الحديث (٤٨١٦).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب التفسير من صحيحه، باب ﴿أَفَرَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بَِابَيِّنَا وَقَالَ لَأُوتَيْنَ مَالَا
وَلَدًا﴾ من سورة مريم، رقم الحديث: ٤٧٣٢، وينظر ما بعدها من الروايات، فهي في القصة نفسها، وقد
ورد في الرواية رقم (٤٧٣٣) التي تليها عبارة: ((فأنزل الله)).

المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّفْسِي المَاتُور
التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
& ١٥٩ %=
فقام عمر، فأخذ بثوب رسول الله وَله، فقال: يا رسول الله، تصلي عليه، وقد نهاك
ربك أن تصلي عليه؟!
فقال رسول الله وَّ: ((إنما خيرني الله، فقال: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن
تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠]، وسأزيد على السبعين)).
قال: إنه منافق. قال: فصلى عليه رسول الله وَله، فأنزل الله: ﴿وَلَا تُصَلّ عَلَىَّ أَحَدٍ
مِنْهُم مَاتَ أَبَدًا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]))(١).
وقد يرد غير هذه العبارات مما يوحي بسبب النزول المباشر، ويؤخذ ذلك من
العبارة وسياقها، ومن أمثلة ذلك:
ما أخرجه البخاري (ت: ٢٥٦هـ) عن ابن عباس (ت: ٦٨هـ)، عن عمر بن الخطاب
(ت: ٢٣هـ) أنه قال: ((لما مات عبد الله بن أبي بن سلول دعي له رسول الله ◌َّيقول ليصلي
عليه، فلما قام رسول الله وَله وثَبْتُ إليه، فقلت: يا رسول الله، أتصلي على ابن
أبي، وقد قال يوما كذا وكذا وكذا؟! قال: أعدد عليه قوله. فتبسم رسول الله وَثّل،
وقال: أخّر عني يا عمر. فلما أكثرت عليه قال: إني خيرت، فاخترت، لو أعلم أني
إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها. قال: فصلى عليه رسول الله وَلخير، ثم
انصرف. فلم يمكث إلا يسيرًا حتى نزلت الآيتان من براءة: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىَ أَحَدٍ مِّنْهُم
مَاتَ أَبَدًا﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ فَسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤].
قال: فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله وَّل، والله ورسوله أعلم))(٢).
والأصل في هذه الأسباب الصريحة التي يرويها الصحابة مباشرة، أو يرويها
بعضهم عن بعض أنها في حكم المرفوع، إلا إذا ظهر ما يدل على أن الصحابي
قالها باجتهاد، وهو لا يقصد سبب النزول المباشر، بل يريد أن ما ذكره يدخل في
حكم الآية، وهذا يعرف في محله من المثال.
ومن أمثلة ذلك:
١ - ما روى البخاري (ت: ٢٥٦هـ) عن عبد الله بن مسعود، قال: ((قال رجل: يا
رسول الله، أي الذنب أكبر عند الله؟
(١) أخرجه البخاري في كتاب التفسير من صحيحه، باب: ﴿أُسْتَغْفِرُ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرُ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ
سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ من سورة التوبة، رقم الحديث (٤٦٧٠).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب التفسير من صحيحه، باب ﴿أَسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ
سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ من سورة التوبة، رقم الحديث (٤٦٧١).

التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقْسِيَةُ الْخَاشُور
ـ ١٦٠ هـ
قال: ((أن تدعو الله ندًّا، وهو خلقك)). قال: ثم أي؟
قال: ((ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك)). قال: ثم أي؟
قال: ((ثم أن تزاني بحليلة جارك)).
فأنزل الله رغم تصديقها: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ
الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَنَامًا﴾ الآية [الفرقان: ٦٨]))(١).
فعبارة: (فأنزل الله) التي قالها ابن مسعود لا يريد بها سبب النزول المباشر،
وذلك ظاهر من النص.
٢ - وما روى مسلم (ت: ٢٦١ هـ) عن شقيق بن عقبة، عن البراء بن عازب، قال:
((نزلت هذه الآية: (حافظوا على الصلوات وصلاة العصر) فقرأناها ما شاء الله، ثم
نسخها الله، فنزلت: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الضَلَوَتِ وَالصَّلَوْةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨].
فقال رجل - كان جالسًا عند شقيق - له: هي إذن صلاة العصر.
فقال البراء: قد أخبرتك كيف نزلت، وكيف نسخها الله، والله أعلم)) (٢).
وليست عبارة (فنزلت) مما يراد به سبب النزول كما هو ظاهر من خلال النص؛
لأن المراد ذكر نزول الآية الناسخة، وليس بيان أن سبب نزول الآية الناسخة هو
نزول الآية التي نسخت.
وبهذا تعلم أنه ليس هناك عبارات يمكن أن يجزم بها على الإطلاق؛ لأن
الصحابة ومن جاء بعدهم من التابعين وتابعيهم يتسامحون في إطلاق مثل هذه
العبارات.
وسبب النزول الصريح يبنى عليه التفسير، ولا تجوز مخالفته، بل يكون دليلاً على
بطلان التفسير الذي يخالف ما دل عليه السبب، ومن أمثلة ذلك ما ورد في سبب
نزول قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ الْبُيُّونَ مِن ◌ُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىُّ وَأَتُواْ
الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَبِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]، فقد ورد عن البراء، قال: ((كانوا إذا أحرموا في
الجاهلية أتوا البيت من ظهره، فأنزل الله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ◌ُهُورِهَا
(١) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الديات، باب قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا
فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣]، برقم (٦٨٦١).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر،
برقم (٦٣٠).