النص المفهرس

صفحات 121-140

، فَسُوعَة التَّفْسِيةُ المَاتُور
المدخل إلى
التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
١٢١ :
المطلب الثالث
المراد بالسلف
السلف في اللغة: كل من سبقك.
وأما في الاصطلاح هنا، فيمكن أن نحددهم من خلال دليلين:
الأول: الحديث النبوي الوارد في تفضيل القرون في قوله وَّير: ((خير الناس قرني
ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه
شهادته))، فقرن: الصحابة، والذين يلونهم التابعون، والذين يلونهم أتباع التابعين .
وانطلاقًا من هذا الحديث ذهب كثير من العلماء إلى تحديد مصطلح السلف الخَيِّر
الصالح بجيل الصحابة والتابعين وأتباعهم(١).
(١) الحديث رواه البخاري في الصحيح في كتاب المناقب برقم (٣٦٥١)، باب فضل أصحاب النبي وكثير،
ومسلم في الصحيح في كتاب فضائل الصحابة برقم (٢٥٣٣). قال ابن حجر في فتح الباري في شرحه لحد
ألفاظ الحديث: ((قوله: ((خير أمتي قرني))؛ أي: أهل قرني، والقرن أهل زمان واحد متقارب اشتركوا في
أمر من الأمور المقصودة، ويقال: إن ذلك مخصوص بما إذا اجتمعوا في زمن نبي أو رئيس يجمعهم على
ملة أو مذهب أو عمل، ويطلق القرن على مدة من الزمان، واختلفوا في تحديدها من عشرة أعوام إلى مائة
وعشرين لكن لم أر من صرح بالسبعين ولا بمائة وعشرة، وما عدا ذلك فقد قال به قائل ... وقد وقع في
حديث عبد الله بن بسر عند مسلم ما يدل على أن القرن مائة وهو المشهور، وقال صاحب المطالع: القرن
أمة هلكت فلم يبق منهم أحد ... ولم يذكر صاحب ((المحكم)) الخمسين وذكر من عشر إلى سبعين، ثم
قال: هذا هو القدر المتوسط من أعمار أهل كل زمن، وهذا أعدل الأقوال وبه صرح ابن الأعرابي وقال:
إنه مأخوذ من الأقران، ويمكن أن يحمل عليه المختلف من الأقوال المتقدمة ممن قال: إن القرن أربعون
فصاعدًا، أما من قال: إنه دون ذلك فلا يلتئم على هذا القول والله أعلم. والمراد بقرن النبي وص ير في هذا
الحديث الصحابة ... وقد ظهر أن الذي بين البعثة وآخر من مات من الصحابة مائة سنة وعشرون سنة أو
دونها أو فوقها بقليل على الاختلاف في وفاة أبي الطفيل، وإن اعتبر ذلك من بعد وفاته وم له فيكون مائة سنة
أو تسعين أو سبعًا وتسعين، وأما قرن التابعين فإن اعتبر من سنة مائة كان نحو سبعين أو ثمانين، وأما الذين
بعدهم؛ فإن اعتبر منها كان نحوًا من خمسين، فظهر بذلك أن مدة القرن تختلف باختلاف أعمار أهل كل
زمان والله أعلم. واتفقوا أن آخر من كان من أتباع التابعين ممن يقبل قوله من عاش إلى حدود العشرين
ومائتين، وفي هذا الوقت ظهرت البدع ظهورًا فاشيًا، وأطلقت المعتزلة ألسنتها، ورفعت الفلاسفة رؤوسها،
وامتحن أهل العلم ليقولوا بخلق القرآن، وتغيرت الأحوال تغيرًا شديدًا، ولم يزل الأمر في نقص إلى الآن . =

التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
٥ ١٢٢ %=
المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقَسَّةُ المَاتُور
قال النووي في شرح هذا الحديث: ((اتفق العلماء على أن خير القرون قرنه وقعليه،
والمراد أصحابه))، ثم قال: ((والصحيح أن قرنه وَلّر الصحابة، والثاني التابعون،
والثالث تابعوهم))(١).
الثاني: أن العلماء الناقلون للمأثور؛ كعبد الرزاق (ت: ٢١١هـ)، والطبري (ت: ٣١٠هـ)،
وابن المنذر (ت: ٣١٨هـ)، وابن أبي حاتم (ت: ٣٢٧هـ)، وغيرهم نقلوا - مع تفسير النبي وَ ل
- تفسير هذه الطبقات الثلاث، ولا يكادون ينقلون أقوال الطبقة التي بعدهم، وعلى
هذا جرى العمل بعدهم عن المتأخرين من المفسرين.
= وظهر قوله وَل: ((ثم يفشو الكذب)) ظهورًا بينًا حتى يشمل الأقوال والأفعال والمعتقدات، والله المستعان)).
فتح الباري لابن حجر ٦/٧.
(١) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، للنووي ١٦ / ٨٥.

المدخل إلى مُؤَسُوعَةُ التَّفْسِيُ المَاتُور
التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
٥ ١٢٣ .
المطلب الرابع
التعريف بطبقات مفسري السلف
الطبقة الأولى: طبقة الصحابة:
الصحابي: من لقي النبي ◌َّ مؤمنًا، ومات على ذلك(١).
ولم يشتهر من الصحابة في التفسير سوى القليل، وأشهرهم به على الإطلاق حبر
الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن العباس بن المطلب (ت: ٦٨هـ)، ثم يأتي بعده في عدد
المروي عنه ابن مسعود (ت: ٣٢هـ)، ثم علي بن أبي طالب (ت: ٤٠هـ)، ثم عمر بن
الخطاب (ت: ٢٣هـ)، ثم أُبي بن كعب (ت: ١٩ هـ، وقيل غيرها).
ولا يلزم أن يكون من ذكر في كتب الطبقات بأنه مفسر أن يكون كذلك، ويظهر
أن لعده في المفسرين أسبابًا خاصة بكل واحد منهم، فعبد الله بن الزبير (ت: ٧٣هـ) ممن
عد في طبقات المفسرين، مع أن المروي عنه قليل جدًّا، فما الاعتبار الذي جعل به
عبد الله بن الزبير مفسرًا(٢)؟
إن أغلب ما ورد عنه يتعلق بمكان نزول السور (٣)، وفي المنقول عنه ما يتعلق
بأحكام الحج وآثار تتعلق بمكة (٤)، وفيه بعض القراءات الواردة عنه(٥)، وغيرها من
المسائل المتنوعة المتعلقة بالآيات، وبالجملة، فليس المنقول عنه كثيرًا .
فالمفسر من الصحابة: من كان له آراء في التفسير، وكان متصديًا له. كما سبق في
تعريف المفسر.
(١) ينظر: معرفة أنواع علوم الحديث لابن الصلاح ص٣٩٦، تحقيق: عبد اللطيف الهميم وماهر الفحل.
(٢) يقول الأستاذ عادل نويهض في كتابه معجم المفسرين ٣٠٧/١: ((ويعد من مشاهير مفسري القرآن الكريم
من الصحابة)).
(٣) ينظر: الدر المنثور: ٤٦/١، ٤١٢/٣، ٣/٤، ١١٩، ٣٣٩، ٣٩٦، ٣/٦، ٢٨٨، ٣٨٩، ٤٤٩،
٥٣٤، ٣٩٧/٧، ٤٥٦، ٦٨٩، ٨/ ١٥١، ٢١٣، ٢٨٨، ٣٤٢، ٣٧٩، ٣٨٩، ٤٩٧، ٥٤٧، ٥٥٣، ٦٤١.
(٤) ينظر: الدر المنثور: ٣٠٠/١، ٥٢٥، ٥٢٩، ٥٣٩، ٥٥٨، ٥٦٢، ٢٦٦/٢، ٢٧٤، ١٥١/٤، ٣٣/٦.
(٥) ينظر: الدر المنثور ٤/١، ٣٣٧/٣، ٦٥١/٧، ٨/ ١٦٢، ٣٣٧، ٤٣٥، ٤٨٢.

التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقَنَّةُ المَاتُورُ
١٢٤ هـ
ولا يعني هذا التقييد في التعريف أن من كانت الرواية عنه قليلة كأبي بكر الصديق
وعثمان بن عفان، أنهم لا يفهمون معاني القرآن، وإنما المراد أن الرواية عنهم
قليلة .
ويُعدُّ الصحابة في الطبقة الأولى من المجتهدين في التفسير، ولتفسيرهم ميزة على
تفسير من جاء بعدهم، ولا يعدلهم في هذه المميزات أحد.
: الطبقة الثانية: طبقة التابعين:
التابعي: من لقي الصحابي، وهو مؤمن، ومات على ذلك(١).
واختلف في اشتراط الرواية عن الصحابي.
وقد كان المفسرون في طبقة التابعين أكثر منهم في طبقة الصحابة وأتباع التابعين.
ويمكن أن ندوِّن بعض الملاحظات:
١ - أن بعضهم ينتمي إلى أكثر من مدينة، فأخذ عن علمائها من الصحابة،
وتنوعت مداركه بهذا، فالحسن البصري (ت: ١١٠هـ) نشأ في المدينة، ثم استقر في
البصرة، وكذا أبو العالية (ت: ٩٣هـ).
وسعيد بن جبير (ت: ٩٣هـ) نشأ في الكوفة، وأخذ التفسير عن ابن عباس في مكة
(ت: ٦٨ هـ).
وجابر بن زيد (ت: ٩٣هـ) نشأ بالبصرة وتتلمذ على ابن عباس (ت: ٦٨هـ) في التفسير.
وأبو صالح باذام كان في مكة، ثمَّ انتقل إلى الكوفة واستقر بها .
وكذلك الحال في بعض أتباع التابعين، فمقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠هـ) كان ببلخ، ثم
انتقل إلى بغداد واستقرَّ بها .
وسفيان الثوري (ت: ١٦١هـ) كان في العراق، ثم في مكة.
وهكذا غيرهم ممن لو تُتُبِّعت سيرتهم، ونُظِر في التنوع الجغرافي الذي سكنوه،
فإنه محلُّ بحث للنظر في أثره على المفسر إن وُجِدَ.
٢ - أن مصادرهم هي مصادر الصحابة عينها، ولم يتغير منهجهم عن منهج
الصحابة، كما لم يتغير عند مفسري أتباع التابعين، بل كانت هذه الطبقات الثلاث
مدرسة واحدة، وليسوا عدة مدارس، كما يظنه بعض الباحثين، وإنما يتمايزون بكثرة
(١) ينظر: معرفة أنواع علوم الحديث لابن الصلاح ص٤٠٥، تحقيق: عبد اللطيف الهميم وماهر الفحل.

فَوْسُعَة التَّفْسِي الْخَاتُور
المدخل إلى
التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
٥ ١٢٥ %
الأخذ بمصدر أو قلَّته فحسب، ولذا لا تكاد تفرق بين عباراتهم، ولا في طريقتهم
في التفسير، إلا وجود نزر يسير من أثر البيئة أو الأحداث التي تحصل عليهم، فترى
في تعبيرهم ما يناسب تلك الأحداث والوقائع، وإن لم يشيروا إليها صراحة، ومن
ذلك:
ما رواه الطبري بسنده عن الزهري (ت: ١٢٤هـ)، أن ابن الزبير (ت: ٧٣هـ)، قال: ((إنما
سمي البيت العتيق؛ لأن الله أعتقه من الجبابرة))، وكأنه يشير إلى ما وقع بينه وبين
الحجاج (ت: ٩٥هـ)، وأن الحجاج لن يغلب على البيت، لكن كان ما قدَّره الله، والله
أعلم.
وقد تكون هذه الواقعة هي سبب اتجاه ابن الزبير إلى هذا التفسير دون تفسير
العتيق بالقديم، وهو الوجه الثاني، والوجهان صحيحان محتملان، والله أعلم.
٣ - أنهم يفسرون حسب القراءة التي يقرؤون بها، فالمكيون يقرؤون بما آلت إليه
قراءة ابن كثير؛ لأنه أخذها عن مجاهد (ت: ١٠٥هـ) عن ابن عباس (ت: ٦٨هـ) عن أبي بن
كعب (ت: ١٩هـ وقيل غيرها)، والكوفيون عندهم قراءة ابن مسعود (ت: ٣٢هـ) وقراءة علي
(ت: ٤٠هـ)، والشاميون قراءة أبي الدرداء (ت: ٣٢هـ)، وهكذا.
ومن أمثلة ذلك ما رواه الطبري بسنده عن عاصم، عن زر ((﴿وما هو على الغيب
بظنين﴾ قال: في قراءتنا بمتهم، ومن قرأها ﴿يِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤] يقول: ببخيل)) (١).
الطبقة الثالثة: طبقة أتباع التابعين:
تابع التابعي: هو من لقي التابعي، وهو مؤمن، ومات على ذلك(٢).
واختلف في اشتراط الرواية عن التابعي.
وممن برز في هذه الطبقة: مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠هـ)، ومقاتل بن حيان
(ت: ١٥٠هـ)، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت: ١٨٢هـ)، وسفيان بن عيينة (ت: ١٩٨ هـ).
وقد ظهر في زمن أتباع التابعين مشاركة بعض اللغويين وبعض أهل البدع، وكان
لمن شارك في التفسير من أهل اللغة؛ كالفراء (ت: ١٠٧هـ)، وأبي عبيدة معمر بن المثنى
(ت: ٢١٠هـ) أثر في المصنفات التي ستأتي بعد ذلك.
(١) تفسير الطبري، تحقيق: التركي ١٦٨/٢٤.
(٢) ينظر: معجم لغة الفقهاء ص ١٧٧.

المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقْسِيرُ الْخَاتُوز
التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
: ١٢٦ .
وبعد طبقة أتباع التابعين اعتمد أئمة السُّنَّة على أقوال المفسرين في هذه الطبقات
الثلاث، وقلَّ فيهم التصدي للتفسير، حتى ظهر ابن جرير الطبري (ت: ٣١٠هـ) الذي أبرز
أسلوب المفسر الناقد والمرجح بين الأقوال.

المدخل إلى مُؤَسُوعَةُ التَّقْسِيُ المَاتُور
التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
٢ ١٢٧
المبحث الثاني
أهمية تفسير السلف
المطلب الأول
أهمية تفسير الصحابة
ذكر العلماء أسبابًا تدل على أهمية الرجوع إلى تفسيرهم، ومن أهمها :
١ - أنهم شهدوا التنزيل، وعرفوا أحواله:
لقد كان لمشاهدتهم التنزيل، ومعرفة أحواله أكبر الأثر في علو تفسيرهم وصحته،
إذ الشاهد يدرك من الفهم ما لا يدركه الغائب.
وفي حجية بيان الصحابة للقرآن، قال الشاطبي: ((وأما الثاني: مباشرتهم للوقائع
والنوازل، وتنزيل الوحي بالكتاب والسُّنَّة، فهم أقعد في فهم القرائن الحالية،
وأعرف بأسباب التنزيل، ويدركون ما لا يدركه غيرهم بسبب ذلك، والشاهد يرى ما
لا يراه الغائب.
فمتى جاء عنهم تقييد بعض المطلقات، أو تخصيص بعض العمومات، فالعمل
عليه على الصواب، وهذا إن لم ينقل عن أحدهم خلاف في المسألة، فإن خالف
بعضهم فالمسألة اجتهادية))(١) .
ومعرفة أسباب النزول لازمة لمن أراد علم القرآن؛ لأن الجهل بأسباب النزول
موقع في الشبه والإشكالات، ومورد للنصوص الظاهرة مورد الإجمال حتى يقع
الاختلاف .
وإنما يقع ذلك؛ لأن معرفة أسباب النزول بمنزلة مقتضيات الأحوال التي يفهم بها
(١) الموافقات للشاطبي ١٢٨/٤.

المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّفْسِيةُ المَاتُوز
التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
١٢٨ :-
الخطاب، وإذا فات نقل بعض القرائن الدالة فات فهم الكلام جملة، أو فهم شيء
منه .
ومعرفة أسباب النزول رافعة لكل مشكل في هذا النمط، فهي من المهمات في
فهم الكتاب بلا بد، ومعنى معرفة السبب هو معنى مقتضى الحال(١).
ويدل على ذلك: ما رواه أبو الشيخ وابن مردويه والحاكم عن ابن عباس (رض ◌ّا)
قال: ((أتي برجل من المهاجرين الأولين - وقد شرب الخمر - فأمر به عمر أن يجلد،
فقال: لم تجلدني؟! بيني وبينك كتاب الله، قال: وفي أي كتاب الله تجد أن لا
أجلدك؟
قال: فإن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ
فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣]، فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وأحسنوا؛
شهدت مع رسول الله: بدرًا، وأُحدًا، والخندق، والمشاهد.
فقال عمر: ألا تردون عليه؟
فقال ابن عباس: هؤلاء الآيات نزلت عذرًا للماضين، وحجة على الباقين، عذرًا
للماضين؛ لأنهم لقوا الله قبل أن حرم الله عليهم الخمر، وحجة على الباقين؛ لأن الله
يقول: ﴿إِنَّمَا اُلْخَّرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَصَابُ وَالْأَوْلَمُ﴾ [المائدة: ٩٠] حتى بلغ الآية الأخرى))(٢).
فانظر كيف خفي على هذا البدري ظ ◌ُه حكم هذه الآية لما لم يكن يعلم سبب
نزولها، وكيف أنها لم تشكل على من علم سبب نزولها؟ فنزلها منزلتها، وبيَّن معناها .
٢ - أنهم عرفوا أحوال من نزل فيهم القرآن:
يقول الشاطبي - في بيان أهمية معرفة الأحوال في التفسير -: ((ومن ذلك: معرفة
عادات العرب في أقوالها وأفعالها ومجاري أحوالها حالة التنزيل، وإن لم يكن ثمَّ
سبب خاص، لا بد لمن أراد الخوض في علم القرآن منه، وإلا وقع في الشبه
والإشكالات التي يتعذر الخروج منها إلا بهذه المعرفة))(٣).
(١) الموافقات بتصرف ١٤٦/٤.
(٢) رواه البيهقي في السنن الكبرى ٨/ ٣٢٠ من طريق أبي الشيخ، وابن مردويه كما في الدر المنثور ٣/
١٧٤، والحاكم في المستدرك في كتاب الحدود ٤١٧/٤، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم
يخرجاه، وقال الذهبي في تلخيص المستدرك: فيه ابن فليح لا أعرفه. صحيح البخاري برقم (٤٥١٩).
(٣) الموافقات ٤/ ١٥٤.

المدخل إلى مُؤَسُوعَة التَّفْسِيَةُ الْخَاتُوز
التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
: ١٢٩ هـ
ومن الأمثلة التي تدل على أهمية معرفة أحوالهم في التفسير:
ما رواه البخاري (ت: ٢٥٦هـ) في تفسير قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَنْ
تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، عن ابن عباس (ت: ٦٨هـ)، قال: ((كانت
عُكَاظٌ وَمَجَنَّةُ وَذُو الْمَجَازِ أسواقًا في الجاهلية، فتأثموا أن يتجروا في المواسم،
فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَنْ تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]؛ في
مواسم الحج))(١).
ومثله ما رواه البخاري (ت: ٢٥٦هـ) عن عائشة (ت: ٥٨هـ)، قالت: «كانت قريش ومن
دان دينها يقفون المزدلفة، وكانوا يسمون الْحُمْسَ، وكان سائر العرب يقفون
بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيّه ◌َلّ أن يأتي عرفات، ثم يقف بها، ثم يفيض
منها، فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]))(٢).
٣ - أنهم أهل اللسان الذي نزل به القرآن:
لمّا كان القرآن نزل بلغتهم، فإنهم أعرف به من غيرهم، وهم في مرتبة الفصاحة
العربية، فلم تتغير ألسنتهم، ولم تنزل عن رتبتها العليا في الفصاحة، لذا فهم أعرف
من غيرهم في فهم الكتاب والسُّنَّة، فإذا جاء عنهم قول أو عمل واقع موقع البيان
صح اعتماده من هذه الجهة (٣).
كما أن ما نقل عنهم من كلام أو تفسير فإنه حجة في اللغة، وفيه بيان لصحة
الإطلاق في لغة العرب، قال ابن حجر: ((استشكل ابن التين قوله: (ناسًا من الجن)
من حيث إن الناس ضد الجن.
وأجيب بأنه على قول من قال: إنه من ناس: إذا تحرك، أو ذكر للتقابل، حيث
قال: (ناس من الناس)، (وناسًا من الجن)، ويا ليت شعري، على من
يعترض؟!)) (٤).
(١) صحيح البخاري برقم (٤٥١٩)
(٢) صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾
[البقرة: ١٩٩]، برقم (٤٥٢٠).
(٣) ينظر: الموافقات للشاطبي ٤ /١٢٨.
(٤) فتح الباري ٢٤٩/٨ في شرح أثر عبد الله بن مسعود في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلِ أُدْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّنِ
أُوْلَكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء]،
دُونِهِ، فَلَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنَكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا
قال: كان ناس من الإنس يعبدون ناسًا من الجن، فأسلم الجن، وتمسك هؤلاء بدينهم.

المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقْسِيُ المَاتُورُ
التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
٥ ١٣٠ %
٤ - حسن فهمهم:
إن من نظر في أقوال الصحابة في التفسير متدبرًا لهذه الأقوال، ومتفهمًا لمراميها،
وعلاقتها بتفسير الآية، فإنه سيتبين له ما آتاهم الله من حسن البيان عن معاني القرآن،
من غير تكلف في البيان، ولا تعمق في تجنيس الكلام، بل تراهم يلقون الألفاظ
بداهة على المعنى، فتصيب منه المراد.
وكان مما عزّز لهم حسن الفهم: ما سبق ذكره من الأسباب التي دعت إلى
الرجوع إلى تفسيرهم من: مشاهدة التنزيل، ومعرفة أحوال من نزل فيهم القرآن،
وكونهم أصحاب اللسان الذي نزل به القرآن، مع ما لهم من معرفة بأحوال صاحب
الشريعة وَلّ مما كان يعينهم على فهم المعنى المراد، وكذا حسن الاستنباط.
ولا ريب أن قولهم في التفسير أولى بالقبول من تفسير من بعدهم، فهم أعلم
الأمة بمراد الله؛ فعليهم نزل، وهم أول من خوطب به من الأمة، وقد شاهدوا
تفسيره من الرسول و 8- علمًا وعملًا، وهم العرب الفصحاء على الحقيقة، فلا يعدل
عن تفسيرهم ما وجد إليه سبيل(١).
إن هذه المزية توجب على دارس التفسير أن يرجع إلى أقوالهم، وأن يفهم
تفسيراتهم، ليعتمد عليها في التفسير، ويبني عليها مسائل الآيات وفوائدها .
٥ - سلامة قصدهم:
لم يقع بين الصحابة خلاف يؤثر في علمهم، بحيث يوجه آراءهم العلمية إلى ما
يعتقدونه، وإن كان مخالفًا للحق، بل كان شأن الخلاف بينهم إظهار الحق، لا
الانتصار للنفس أو المذهب الذي ذهب إليه.
لقد ظهر فيمن بعدهم من أصحاب العقائد الباطلة؛ كالخوارج، والمرجئة،
والجهمية، والمعتزلة، وغيرهم مجانبة الحق، وكثر الخلاف بسبب كثرة الآراء
الباطلة، مما جعل القرآن عرضةً لتحريف معناه، إذ يصرفه أصحاب هذه المذاهب
الباطلة إلى مذاهبهم، وهذا مما سلم منه جيل الصحابة، فلم يتلوث بمثل هذه
الخلافات .
(١) ينظر: إغاثة اللهفان لابن القيم ٢٤٠/١.

المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقْسِيرُ الْجَاتُور
التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
=
& ١٣١ هـ
ولهذا جاء تفسيرهم بعيدًا عن مشكلات التأويل المنحرف، وصرف اللفظ القرآني
إلى ما يناسب المذهب، أو غيرها من الانحرافات في التفسير.
وإذا تبيَّنت لك قيمة تفسير الصحابي، فانظر إلى واقع بعض من يَدْرُس التفسير أو
يُدَرِّسه، فإنك ستجده لا يُعنى بإيراد أقوالهم، وكثيرًا ما تراه يكتفي بأن ينسب التفسير
إلى المتأخرين من اللغويين والمفسرين، ويتقوَّى بهم؛ كالزجاج (ت: ٣١١هـ)،
والزمخشري (ت: ٥٣٨هـ)، وابن عطية (ت: ٥٤٢هـ)، والقرطبي (ت: ٦٧١هـ)، وأبي حيان
(ت: ٧٤٥هـ)، وابن كثير (ت: ٧٧٤هـ)، والآلوسي (ت: ١٢٧٠هـ)، وغيرهم، ويتجاهل أن ما
ذكروه إنما هو قول لأحد الصحابة.
إن في هذا المسلك ما يقطع على طالب العلم شرف الوصول إلى علوم هؤلاء
الصحابة وأفهامهم، بل قد يجعله ينظر إلى أقوالهم نظر المقلل من شأنها، ويرى أن
تفسيراتهم سطحية، لا عمق فيها، ولا تقرير !!
وهذا خطأ محض، ومجانبة الصواب، وإنما كان سبيل أهل العلم الراسخين فيه
أنهم (يتكثرون بموافقة الصحابة)، وانظر كم الفرق بين أن يقال: هذا قول ابن عباس
(ت: ٦٨هـ) في الآية، أو أن يقال: هذا قول الزجاج (ت: ٣١١هـ)، أو قول ابن عطية
(ت: ٥٤٢هـ) أو قول غيرهم في الآية؟
فانظر إلى من ستميل نفسك، وأي قول سيطمئن له قلبك؟

التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
المدخل إلى مُؤْسُوعُ التَّقْسِي الْخَاشُور
٢ ١٣٢ :
المطلب الثاني
أهمية تفسير التابعين وأتباعهم
هذا الموضوع من الأهمية بمكان؛ لأن بعض الباحثين لا يعتبر هذا المصدر،
ويقع عنده تشكيك في اعتماده، فضلًا عن أهميته، ويمكن إجمال القول في هذا
الأمر من خلال النقاط الآتية:
الأولى: أن التابعين وأتباعهم وعاءٌ لتفسيرات الصحابة.
التابعون وأتباعهم طريق إلى تفسير الصحابة ﴿ه أجمعين، وقد كانوا وعاءً
لتفسيراتهم، وحملوها لمن بعدهم.
ومن خَبَر الروايات، ووازن بينها، فإنه سيجد اتفاقات كثيرة بين تفسيرات التابعين
وأتباعهم وتفسيرات الصحابة، وإن لم ينسبوها للصحابة.
وأقوال بعض التابعين في هذا المقام تدلُّ على ذلك، منها :
١ - قال الترمذي (ت: ٢٧٩هـ): ((وأما الذي روي عن مجاهد وقتادة وغيرهما من أهل
العلم أنهم فسروا القرآن، فليس الظن بهم أنهم قالوا في القرآن أو فسروه بغير علم
أو من قبل أنفسهم. وقد روي عنهم ما يدل على ما قلنا، أنهم لم يقولوا من قبل
أنفسهم بغير علم .
حدثنا الحسين بن مهدي البصري، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن
قتادة، قال: ما في القرآن آية إلا وقد سمعت فيها شيئًا))(١).
٢ - وروى الطبري (ت: ٣١٠هـ) بسنده عن الشعبي، قال: ((والله ما من آية إلا قد
سألت عنها، ولكنها الرواية عن الله))(٢).
الثانية: وهي ناشئة عن الأولى: أن المنهج الذي سلكه الصحابة في التفسير،
والمصادر التي اعتمدوها لم تتغير عند التابعين وأتباعهم، فلم يبدلوا أو يزيدوا في
(١) سنن الترمذي، تحقيق: الدكتور بشار عواد معروف، نشر: دار الغرب ٥٠/٥.
(٢) تفسير الطبري، ط. هجر ١/ ٨١.

المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقْسِيرُ الْخَاتُور
التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
: ١٣٣ %=
ذلك، ولم يظهر عندهم مصادر أخرى غير التي كانت عند الصحابة، وهذا مما يُعزِّز
أقوالهم في التفسير، ويقوِّي قبولها .
الثالثة: أن عدم اعتماد أقوالهم (اجتهادهم) يلزم منه انقطاع حلقة من حلقات
التفسير، وهذا الانقطاع يلزم منه أنَّ فهم القرآن قد انقطع على الأمة، فيكون العصر
الذي عاشه هؤلاء حلقة فرغ فيها علم التفسير، ولم يكن له من يتصدى له.
وهذا مع كونه خلاف الواقع؛ إذ المتصدون للتفسير في هاتين الطبقتين كثيرون إلا
أننا نجد من يهوّن من تفسير علماء هاتين الطبقتين، ويرى أنه غير ملزم بأقوالهم(١).
الرابعة: أن العلماء الذين دوَّنوا التفسير المأثور عن السلف(٢) قدّ اعتمدوا النقل
عن هذه الطبقات الثلاث، وتتابعهم على هذا الفعل إيناسٌ بحجيّة هاتين الطبقتين مع
الصحابة، والله أعلم.
الخامسة: أن التابعين وأتباعهم في عصر الاحتجاج اللغوي، وكثير من التابعين
ممن يُحتجُّ بكلامهم في اللغة، والآخرون منهم لم تُعهد عليهم عُجمة في الفهم
العربي للقرآن، وأقلُّ أحوالهم - خصوصًا أتباع التابعين - أنهم نقلة للغة كحال كثير
من اللغويين الذين اعتنوا بجمع اللغة كالخليل بن أحمد الفراهيدي (ت: ١٧٥هـ) وصنيعُه
في كتاب ((العين))، فهم مشاركون للغويين في سماع اللغة من العرب، وفي نقلهم لها
من خلال تفسيراتهم اللغوية .
(١) الحديث هنا عن النظر إلى التزام تفسير هاتين الطبقتين من حيث الجملة، ولا يعني أن قول الواحد
منهم ملزمٌ، إلا إذا لم يوجد له مخالف في عصره.
(٢) مثل الطبري وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبي الشيخ، وغيرهم.

التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
: ١٣٤
المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقْسِيَةُ الْخَاشُور
المبحث الثالث
مصادر تفسير السلف
المراد بمصادر التفسير: المراجع الأولية التي يرجع إليها المفسر عند تفسيره
للقرآن(١).
وبالنظر إلى المفسرين الأولين من الصحابة، فإنه يمكننا أن نرصد عددًا من
المصادر الكلية الأولية التي اعتمدوها، وصارت باقية لمن جاء بعدهم، وهي:
١٤ - القرآن:
وتفسير القرآن بالقرآن أقسام:
الأول: ما لا يتصور فيه وقوع الاختلاف.
الثاني: ما ورد عن النبيِ وَّ.
وهذان القسمان حجة.
الثالث: تفسير المفسرين، والأصل في تفسير المفسرين للقرآن بالقرآن أنه يعتمد
على الاجتهاد؛ فلا يلزم أن يكون صحيحًا دائمًا، ولا هو الراجح دائمًا .
وتفسير القرآن بالقرآن يقوم على وجود رابط بين الآيتين؛ مثل:
١ - اتفاق الحدث واختلاف التعبير.
٢ - حمل اللفظة المتفقة في الآيتين على معنى لغوي واحد. ومثال ذلك، كما أنه
من أمثلة اعتمادهم على القرآن في التفسير؛ ما رواه الطبري بسنده عن عمر بن
(١) قد تطلق (مصادر التفسير) على كتب التفسير، وليست هي المرادة هنا، وإنما المراد هنا المصادر
الأولية التي يرجع إليها أي مفسر، وقد سماها شيخ الإسلام (طرق التفسير)، وسماها الزركشي في البرهان
(مآخذ التفسير)، وسماها الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير (استمداد علم التفسير). ينظر: مقالات في
علوم القرآن وأصول التفسير، لمساعد الطيار ص ١٢٧ .

المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّفْسِيرُ الْمَاتُور
التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
١٣٥ %
الخطاب رضُبه في قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا النَّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧]، قال: هما
الرجلان يعملان العمل فيدخلان به الجنة، وقال: ﴿أَحْشُرُواْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ﴾
(١).
.
[الصافات: ٢٢]، قال: ضرباءهم
ففسّر التزويج بالتصنيف، ثم حمل التزويج في آية ﴿وَإِذَا النَّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ على معنى
الزوجية في آية ﴿أَحْشُرُواْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٢٢].
٢ - السُّنَّة:
وتفسير القرآن بالسُّنَّة نوعان، وذلك بالنظر إلى المفسر:
الأول: التفسير بالسُّنَّة المباشر ((التفسير النبوي))، وهو: أن يعمد النبي وَّه إلى آية
يذكرها في كلامه أو يشير إليها، ثم يبيِّن معناها أو يسألونه عما يخفى عليهم من
القرآن، فيبيِّنه لهم، ومن أمثلة سؤالات الصحابة لرسول الله وَّر عن التفسير،
وسؤالات من بعدهم لهم عنه ما رواه مسلم في ((صحيحه))، عن مسروق قال: ((إنا
سألنا عبد الله عن هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ
رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٩]، فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله وَّل،
فقال: أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة
حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع عليهم ربهم اطَّلَاعَةً، فقال: هل
تشتهون شيئًا؟
فقالوا : أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث
مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب، نريد أن ترد
أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى.
فلما رأى أن ليس لهم حاجة تُرِكُوا))(٢).
والقدر الوارد عن النبي ◌َّ من التفسير النبوي المباشر قليل جدًّا، والآثار
المرفوعة إليه وَ لّ شاهدة بهذا .
وإن قال قائل: إن بعض العلماء حكى أن تفسير الصحابي مرفوع، وهذا يعني أنه
تلقاه من النبي ◌ّ فالجواب عن ذلك من وجهين:
(١) تفسير الطبري ١٤١/٢٤.
(٢) رواه الإمام مسلم في صحيحه، برقم (١٨٨٧).

المدخل إلى مُؤَسُوعَةُ التَّقَنِيَةُ الْخَاتُور
التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
: ١٣٦ %
الأول: أنه قد ثبت اجتهاد الصحابة في بيان معاني القرآن، ولم يكونوا ينسبونها
إلى النبي ◌َّر.
الثاني: أن العادة الغالبة عليهم أنهم إذا كان معهم بيان نبوي لأي أمر من الأمور
أن ينسبوه للنبي وَّر، ولما لم يقع هذا فيما فسروه أو اختلفوا فيه، مع كثرته دل ذلك
على عدم وجود نص مباشر منه وَّر في كثير من الآيات(١).
ومن أمثلة ذلك: ما رواه الطبري بسنده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، حدثه
قال: ((بينما أنا في الحجر جالس، أتاني رجل يسأل عن ﴿وَالْعَدِيَتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات:
١]، فقلت له: الخيل حين تغير في سبيل الله، ثم تأوي إلى الليل، فيصنعون
طعامهم، وَيُورُونَ نارهم. فانفتل عني، فذهب إلى علي بن أبي طالب رَظُه وهو
تحت سقاية زمزم، فسأله عن ﴿وَالْعَدِيَتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات: ١]، فقال: سألت عنها
أحدًا قبلي؟ قال: نعم، سألت عنها ابن عباس، فقال: الخيل حين تغير في
سبيل الله، قال: اذهب فادعه لي؛ فلما وقفت على رأسه قال: تفتي الناس بما لا
علم لك به، والله لكانت أول غزوة في الإسلام لبدر، وما كان معنا إلا فرسان:
فرس للزبير، وفرس للمقداد فكيف تكون العاديات ضبحًا. إنما العاديات ضبحًا من
عرفة إلى مزدلفة إلى منَّى؛ قال ابن عباس: فنزعت عن قولي، ورجعت إلى الذي
قال علي رضا ◌ُبه))(٢).
(١) من ذلك ما روى مسلم بسنده عن عبد الله بن عباس، أن عمر بن الخطاب، خرج إلى الشام، حتى إذا
كان بِسَرْعَ لقيه أهل الأجناد: أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام، قال ابن
عباس فقال عمر: ادع لي المهاجرين الأولين فدعوتهم، فاستشارهم، وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام،
فاختلفوا فقال بعضهم: قد خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه، وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب
رسول الله و 98، ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء، فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادع لي الأنصار
فدعوتهم له، فاستشارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم، فقال: ارتفعوا عني، ثم قال:
ادع لي من كان هاهنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فدعوتهم فلم يختلف عليه رجلان، فقالوا: نرى
أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء، فنادى عمر في الناس: إني مصبح على ظهر، فأصبحوا عليه،
فقال أبو عبيدة بن الجراح: أفرارًا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة - وكان عمر يكره
خلافه - نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كانت لك إبل فهبطت واديًا له عُدْوَتَانِ، إحداهما
خصبة والأخرى جدبة؛ أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله، قال:
فجاء عبد الرحمن بن عوف، وكان متغيبًا في بعض حاجته، فقال: إن عندي من هذا علمًا، سمعت
رسول الله ◌َ* يقول: ((إذا سمعتم به بأرض، فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا فرارًا
منه)) قال: فحمد الله عمر بن الخطاب ثم انصرف.
(٢) تفسير الطبري، ط. دار هجر ٢٤ / ٥٧٣.

المدخل إلى مُؤْسُوَ التَّقْنَسِيرُ المَاتُور
التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
٥ ١٣٧ %
وظاهر من هذا الأثر أن هذين الصحابيين الجليلين لم يكن عندهما بيان نبوي
مباشر بالمراد بالعاديات، إذ لو كان عند أحدهما لنصَّ عليه، كما هو المعروف من
أحوالهم في الاختلاف، ولما كان الأمر راجعًا إلى الاجتهاد؛ وقع الاختلاف بينهما
في المراد بالعاديات، ثم رجع ابن عباس (ت: ٦٨هـ) إلى قول شيخه علي بن أبي طالب
(ت: ٤٠ هـ).
والثاني: التفسير بالسُّنَّة غير المباشر، وهو: أن يعمد المفسر باجتهاده إلى كلام
للنبي وَّ ليس فيه ذكر آية، فيجعله تفسيرًا لها .
ومن ذلك ما روى البخاري عن عائشة رضيها قالت: ((كان رسول الله يكثر أن يقول
في ركوعه وسجوده: سبحانك اللَّهُمَّ ربنا وبحمدك، اللَّهُمَّ اغفر لي، يتأول
القرآن))(١) .
٣ - اللغة:
كان التفسير باللغة أغلب تفسير السلف، وكان ذلك قبل بروز علماء العربية،
واعتنائهم بتدوين اللغة؛ لذا فالحاجة للرجوع إلى تفسيراتهم اللغوية أصلٌ مقدَّم على
الرجوع إلى أقوال أهل اللغة.
والصحابة - على وجه الخصوص - من أهل اللسان الذي نزل به القرآن،
وتفسيرهم بلسانهم معتبر غير معترض عليه من جهة اللغة.
وأما التابعون، فكان فيهم من هو عربي محض، وهو في اللسان كالصحابة،
وكان فيهم من هو من الموالي، وهؤلاء ممن تعلم العربية من مخاطبات الصحابة
الذين علموهم؛ كعكرمة (ت: ١٠٥هـ) مولى ابن عباس (ت: ٦٨هـ)، فقد كان من البربر، لكن
لم يؤثر في تفسيره، ولا تفسير غيره؛ ما هو مخالف للعربية، ومن زعم ذلك في
بعض الأمثلة، فإنه يرد عليه بأن إدراك هذا المباشر للغة العرب أعلى من إدراك من
أخذها من الكتب، وكذا كان الحال في تفسير أتباع التابعين، فإنهم ما يزالون
يعيشون في عصر الاحتجاج باللغة إلا صغارهم، وأقل أحوالهم أن يكونوا نقلةً للغة،
وبالجملة، فإن ما ينقل عنهم من التفسير المعتمد على اللغة حجة من جهة اللغة.
وترجيح أحد المحتملات التفسيرية المنقولة عن السلف حال الاختلاف لا يعني رد
(١) صحيح البخاري: كتاب تفسير القرآن، باب التسبيح والدعاء في السجود، برقم (٤٩٦٨).

المدخل إلى مُؤَسُوعَةُ التَّقْسِيةُ المَاتُور
التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
٥ ١٣٨ %
المعنى المفسر به من جهة اللغة؛ لأن النظر في هذا إلى ترجيح أحد المحتملات من
جهة التفسير(١)؛ فإذا قام مفسر بالترجيح بين أقوال السلف المعتمدة على اللغة،
ورجح أحد المعاني على غيره، فإن ترجيحه لا يعني رد المعنى الأول من جهة
اللغة، وإنما يعني رده من جهة التفسير فقط، فلو رجح مفسر أن النجم ما نجم من
نبات الأرض، فلا يعني هذا أن يرد معنى أن النجم نجم السماء عند العرب، وكذا
العكس .
وإنما يحكم برده للمعنى اللغوي إذا نص على ذلك، ومثال ذلك ما وقع من
الطبري (ت: ٣١٠هـ) في تفسير قوله تعالى: ﴿خِتَمُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٦]، فقد أورد
ثلاثة أقوال عن السلف :
الأول: ممزوج مخلوط، خِلْطُهُ مِسْكٌ.
الثاني: آخر شربهم مسك.
الثالث: طينته مسك؛ أي: غطاؤه الذي يغطى به.
ثم قال: ((وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب قول من قال: معنى ذلك: آخره
وعاقبته مسك؛ أي: هي طيبة الريح، إن ريحها في آخر شربهم يختم لها بريح
المسك .
وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصحة؛ لأنه لا وجه للختم في كلام
العرب إلا الطبع والفراغ، كقولهم: ختم فلان القرآن: إذا أتى على آخره، فإذا كان
لا وجه للطبع على شراب أهل الجنة، يفهم إذا كان شرابهم جاريًا، جري الماء في
الأنهار، ولم يكن مُعَتَّقًّا في الدِّنَانِ، فيطين عليها وتختم، تعين أن الصحيح من ذلك
الوجه الآخر، وهو العاقبة والمشروب آخرًا، وهو الذي ختم به الشراب. وأما الختم
بمعنى: الْمَزْج، فلا نعلمه مسموعًا من كلام العرب))(٢).
فالطبري - في هذا المثال - رد معنى لغويًّا واردًا عن ابن مسعود (ت: ٣٢هـ)، ورده
هذا - مع إمامته - غير مقبول؛ لأن قول ابن مسعود حجة لغوية.
وقد يكون تفسير السلف غير مطابق للمعنى اللغوي، فيحتاج الناظر في كلامهم إلى
أن يضم إليه ما تقتضيه لغة العرب وأسرارها؛ وذلك بالنظر في أمور:
(١) ينظر: التفسير اللغوي للقرآن الكريم، للدكتور مساعد الطيار ص ٦١١.
(٢) تفسير الطبري ٢١٩/٢٤.

المدخل إلى فُؤَسُوعَة التَّقْسِيُ الْحَاتُوزِ
التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
٥ ١٣٩ هـ
الأول: تحرير معنى اللفظة في اللغة، ويكون ذلك بالاستعانة بكتب اللغة، ككتاب
(العين)) للخليل بن أحمد (ت: ١٧٣هـ)، وكتاب ((جمهرة اللغة)) لابن دريد (ت: ٣٢١هـ)،
وكتاب ((تهذيب اللغة)) للأزهري (ت: ٣٧٠هـ)، وكتاب ((مقاييس اللغة)) لابن فارس
(ت: ٣٩٥هـ)، وغيرها .
كما يحسن أن يستعين بكتب غريب القرآن؛ كـ((مجاز القرآن)) لأبي عبيدة
(ت: ٢١٠هـ)، و((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ت: ٢٧٦هـ)، و«مفردات ألفاظ القرآن)» للراغب
الأصفهاني (ت: ٥٠٢هـ)، و((عمدة الحفاظ)) للسمين الحلبي (ت: ٧٥٦هـ)، وغيرها .
ويستعين كذلك بأقوال المفسرين المحققين في اللغة؛ كالطبري (ت: ٣١٠هـ)، وابن
عطية (ت: ٥٤٦هـ)، وأبي حيان (ت: ٧٤٥هـ)، والطاهر بن عاشور (ت: ١٣٩٤هـ)، وغيرهم.
الثاني: البحث في العلاقة بين تفسير اللفظة عند السلف ومعناها المطابق في
اللغة؛ ليتبين له مراد السلف من تفسيرهم.
وسيظهر له بالبحث علاقة تفسير السلف بأصل معنى اللفظة في اللغة، وقد نبَّه
على هذه الفكرة مجموعة من العلماء؛ منهم الشوكاني (ت: ١٢٥٠هـ) حيث قال: (( ...
واشدد يدك في تفسير كتاب الله على ما تقتضيه اللغة العربية، فهو قرآن عربي كما
وصفه الله، فإن جاءك التفسير عن رسول الله وَّه فلا تلتفت إلى غيره، وإذا جاء
نهر الله بطل نهر معقل (١).
وكذا ما جاء عن الصحابة ◌ّ فإنهم من جملة العرب ومن أهل اللغة، وممن
جمع إلى اللغة العلم بالاصطلاحات الشرعية، ولكن إذا كان معنى اللفظ أوسع مما
فسروه به في لغة العرب، فعليك أن تضم إلى ما ذكره الصحابي ما تقتضيه لغة
العرب وأسرارها))(٢).
(١) نهر معقل: نهر منسوب إلى الصحابي معقل بن يسار. ينظر: معجم البلدان، لياقوت الحموي، ط. دار
صادر ٣٢٣/٥، والروض المعطار في خبر الأقطار، للحميري، تحقيق: إحسان عباس ص٥٣٨. وقال
الثعالبي في معنى هذا المثل: ((نهر الله: من أمثال العامة والخاصة: إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، وإذا
جاء نهر الله بطل نهر عيسى. ونهر معقل بالبصرة، ونهر عيسى ببغداد، وعليهما أكثر الضياع الفاخرة،
والبساتين النزهة ببغداد. وإنما يريدون بنهر الله: البحر والمطر والسيل، فإنها تغلب سائر المياه والأنهار،
وتطم عليها، ولا أعرف نهرًا مخصوصًا بهذه الإضافة سواهما)». ثمار القلوب في المضاف والمنسوب،
للثعالبي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم ص ٣٠ - ٣١.
(٢) فتح القدير، للشوكاني ٤ /٣٠٩.

المدخل إلى مُؤْسُوعُ التَّقْنِسَةُ المَاتُون
التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
ـي ١٤٠ هــ
فالشوكاني (ت: ١٢٥٠هـ) يشير إلى وقوع تفسيرات لا تطابق المعنى اللغوي، فقد يكون
معنى اللفظ في لغة العرب أوسع كما ذكر.
ومن أمثلة ذلك: ما ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِى
اُلْأَرْضِ مُرَغَمَا كَثِيرًا وَسَعَةٌ﴾ [النساء: ١٠٠]: قال القرطبي: ((اختلف في تأويل الْمُرَاغَم،
فقال مجاهد: الْمُرَاغَمُ: المُتَزَحْزَحِ.
وقال ابن عباس والضحاك والربيع وغيرهم: الْمُرَاغَمُ: المُتَحَوَّل والمَذْهَب.
وقال ابن زيد: والْمُرَاغَمُ: الْمُهَاجَرُ، وقاله أبو عبيدة.
قال النحاس: فهذه الأقوال متفقة المعاني. فالمراغم المذهب والمتحول في حال
هجرة، وهو اسم الموضع الذي يراغم فيه، وهو مشتق من الرَّغَام. ورَغِمَ أنف
فلان؛ أي: لصق بالتراب. وراغمت فلانًا هجرته وعاديته، ولم أبال إن رَغِم أنفه.
وقيل: إنما سمي مُهَاجَرًا ومُرَاغَمًا؛ لأن الرجل كان إذا أسلم عادى قومه وهجرهم،
فسمى خروجه مُرَاغَمًا، وسمى مصيره إلى النبي بَّ هجرة. وقال السدي: الْمُرَاغَمُ:
المُبْتَغى للمعيشة. وقال ابن القاسم: سمعت مالكًا يقول: الْمُرَاغَمُ: الذهاب في
الأرض .
وهذا كله تفسير بالمعنى، وكله قريب بعضه من بعض، فأما الخاص باللفظة، فإن
المراغم موضع المراغمة كما ذكرنا، وهو أن يرغم كل واحد من المتنازعين أنف
صاحبه بأن يغلبه على مراده، فكأن كفار قريش أرغموا أنوف المحبوسين بمكة، فلو
هاجر منهم مهاجر لأرغم أنوف قريش لحصوله في منعة منهم، فتلك المنعة هي
موضع المراغمة. ومنه قول النابغة:
كطود يلاذ بأركانه
عزيز المراغم والمهرب))(١)
الثالث: قد يرد التفسير لبيان المراد باللفظة في السياق، ولا يكون فيه تحرير
معنى اللفظ في اللغة، ويكثر هذا الصنيع عند من كتب في الوجوه والنظائر؛ لأنهم
يحرصون على المراد باللفظة في السياق دون بيان معناها من جهة اللغة، والتعرف
على معناها من جهة اللغة يفيد في الربط بين المعنى السياقي والمعنى اللغوي للفظة.
ومن أمثلة ما ورد في هذا الموضوع ما ذكره مقاتل من وجوه لفظة (الطغيان)
ونظائرها، قال: ((تفسير الطغيان على أربعة وجوه: فوجه منها: الطغيان؛ يعني:
(١) الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي ٣٤٦/٥ - ٣٤٧، وأصله عند ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٢٨/٤.