النص المفهرس

صفحات 101-120

فَوْسُ عَبْ التَّفْسِمُ الْجَاتُور
المدخل إلى
٠١٢
تمهيد
تمهيد
لمَّا كان تفسير السلف للقرآن هو مادة هذه الموسوعة لزمنا - قبل إيراده - أن نقدم
بدراسات علمية، توضح المراد بالسلف وطبقاتهم، والتفسير المأثور عنهم، وبيان
أهميته، ومصادره، ومدى حجيته، وكذلك تاريخه، ومراحل تدوينه، مع بيان
المبرزين في التفسير منهم، ومراتبهم فيه كثرة وقلة.
كذلك توجهت عنايتنا للترجمة لأئمَّةِ التفسير: ابن جرير وابن عطية وابن تيمية
وابن القيم وابن كثير، وبيان طريقة تعاملهم مع آثار السلف، ومنهجهم في نقلها
وتوجيهها ونقد بعضها والترجيح بين المختلف منها، مع توضيح مستندات التفسير
التي استندوا إليها في ترجيحهم ونقدهم.
ولمَّا كانت أغلب مصادر التفسير المأثور هي كتب المحدثين من نقلة التفسير
المأثور ختمنا بدراسة توضح منهجهم في نقله ونقده.
كل ذلك تجده في المباحث التالية:
١ - التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره وأنواعه وحجيته، إعداد:
أ. د. مساعد بن سليمان الطيار.
٢ - تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه، إعداد: د. خالد بن يوسف الواصل.
٣ - مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير، إعداد: د. خالد بن يوسف الواصل.
٤ - التَّعريفُ بأئمَّةِ التفسير الخمسة وطريقةُ تعاملهم مع آثار السلف، إعداد:
د. نايف بن سعيد الزهراني.
٥ - مستندات التفسير: تعريفُها وتصنيفُها وتعاملُ الأئمَّةِ معها، إعداد: د. نايف بن
سعيد الزهراني .
٦ - منهج المحدثين في نقد مرويات التفسير، إعداد: د. محمد صالح محمد
سليمان .

٥ ١٠٣ .
التفسير المأثور
تعريفه وبيان أهميته
ومصادره وأنواعه وحجيته
أ. د. مساعد بن سليمان الطيار (١)
(١) هذا المبحث مجموع مما في كتب المؤلف عن تعريف التفسير المأثور وأهميته وحجيته ومنزلته
في أصول التفسير وطرقه.

مُؤَسُوعَة التَّفْسِيَةُ المَاتُور
المدخل إلى
التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
٥ ١٠٥ %
المبحث الأول
تعريف التفسير المأثور
المطلب الأول
تعريف التفسير المأثور
أ - باعتبار مفرديه:
جرت العادة على تعريف المصطلحات العلمية المركبة من مضاف ومضاف إليه
بتعريف المفردات قبل الإضافة، ثم تعريفها حال الإضافة؛ ليتبين المراد من
المصطلح .
ومن ثم، فإن أمامنا مصطلحان:
- التفسير .
- المأثور.
أولًا: تعريف التفسير:
التفسير من مادة: (فسَّر)، ومعانيها تدور حول الكشف والإيضاح والبيان.
ومعنى قولهم: فسَّر الكلام؛ أي: وضَّحه، وأبان عن المراد به(١) .
والمراد بالتفسير هنا (تفسير القرآن)، وعلى هذا :
التفسير في الاصطلاح: بيان معاني القرآن الكريم.
وخرج بقولنا: (بيان معاني) ما كان بيانًا لغير المعاني، كبيان كيفية الأداء الذي
(١) ينظر - مثلاً -: مقاييس اللغة لابن فارس، الفاء والسين والراء.

التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
: ١٠٦ %
المدخل إلى مُؤَسُوعَةُ التَّفْسِيُ المَاتُور
هو من علم القراءات، أو بيان عدد آي السورة الذي هو من علم عد الآي، أو بيان
الفوائد المستنبطة، الذي يدخل في باب الاستنباط.
ثانيًا: تعريف المأثور:
المعروف من لفظة مأثور: ما أُثرَ عن السابقين، وتحديد زمن معيَّن إنما هو
اصطلاح.
وبتتبّع مصطلح ((مأثور)) و((المأثور)) في كتب المتقدمين؛ نجد أنه يُطلق على ما
أُثرَ عن الرسول وَ﴾، أو على ما أثر عن الصحابةِ، أو على ما أثر عن السلف
من الصحابة والتابعين وأتباعهم، فكل هذه الطبقات الثلاثة تدخل في هذا
المصطلح، وقد ينزلون إلى من هم دونهم فيعبّرون عنه بالسلف كطبقة أحمد بن
حنبل (ت: ٢٢٤هـ).
ب - باعتبار تركيبه:
وبناء على ما تقدم يكون معنى التفسير المأثور: بيان معاني القرآن الكريم الوارد
عن رسول الله وَّر أو صحابته وتابعيهم وتابعي تابعيهم.
ج - المقصود بالمأثور في الموسوعة:
المقصود بالمأثور في الموسوعة ما أثر عن رسول الله وَّله وصحابته وتابعيهم
وتابعي تابعيهم ممن توفي حوالي عام ٢٠٠هـ فما دون؛ وذلك لأمرين:
الأول: قول الرسول وَ﴾: ((خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم
ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته))، وسيأتي بيان وجه دلالة هذا
الحديث على أهمية تفسير هذه القرون، والكلام على حجيته.
الثاني: أن كل من نقل التفسير المأثور وقف عند جيل أتباع التابعين، كعبد بن
حميد (ت: ٢٤٩هـ)، وابن جرير (ت: ٣١٠هـ)، وابن أبي حاتم (ت: ٣٢٧هـ) وغيرهم.
وتتابع العلماء من بعدهم على هذا إلى السيوطي (ت: ٩١١هـ) في الدر المنثور الذي
هو أصل هذه الموسوعة، دليل على صحة هذا الاعتبار في التفسير المأثور، لذا
يمكن أن يقال: إن هذا هو الاصطلاح السائد في معنى التفسير المأثور.

المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقْسِيُ المَاتُور
التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
٥ ١٠٧
المطلب الثاني
نقد مصطلح التفسير المأثور
في كتب علوم القرآن وأصول التفسير المعاصرة
إن التعبير الدقيق بالمصطلحات العلمية من الأمور العلمية اللازم تحقيقها؛ لأن
المصطلح العلمي يعبِّر عن مفهوم علمي محدد، لا يدخل فيه غيره؛ فإذا لم يضبط
المصطلح وقع الاضطراب والخلل في فهم مدلوله وبناء النتائج عليه، ومن هذه
المصطلحات التي حدث فيها الخلل مصطلح ((التفسير المأثور))، كما يظهر ذلك في
الكلام على أمرين يتعلقان به، وهما : أنواعه، وحكمه.
أما أنواعه، فقد حدّها من ذكر هذا المصطلح من المعاصرين بأربعة، وهي:
(تفسير القرآن بالقرآن، وبالسُّنَّة، وبأقوال الصحابة وبأقوال التابعين)(١). وبعض
هؤلاء يحكون الخلاف في تفسير التابعين؛ هل هو من قبيل المأثور أو لا؟(٢).
وأما حكمه، فبعض من درج على هذا المصطلح ينتهي إلى وجوب الأخذ به(٣).
وأقدم من رأيته نصَّ على كون هذه الأربعة هي التفسير بالمأثور هو الشيخ
محمد بن عبد العظيم الزرقاني (ت: ١٣٦٧هـ)، حيث ذكر تحت موضوع ((التفسير بالمأثور))
ما يلي: ((هو ما جاء في القرآن أو السُّنَّة أو كلام الصحابة تبيانًا لمراد الله من كتابه))،
ثم قال: ((وأما ما ينقل عن التابعين ففيه خلاف بين العلماء: منهم من اعتبره من
المأثور لأنهم تلقوه من الصحابة غالبًا، ومنهم من قال: إنه من التفسير بالرأي))(٤).
ثم جاء بعده الشيخ محمد حسين الذهبي (ت: ١٣٩٧هـ) فذكر هذه الأنواع الأربعة
(١) انظر على سبيل المثال: مناهل العرفان ١٢/٢، ١٣، التفسير والمفسرون للذهبي ١٥٤/١، مباحث في
علوم القرآن لمناع القطان .
(٢) انظر مثلًا: مناهل العرفان ١٣/٢، التفسير والمفسرون ١٥٤/١، مباحث في علوم القرآن لمناع القطان
ص ٣٤٧.
(٣) انظر مثلًا: مباحث في علوم القرآن ص ٣٥٠، وهذا ما يفهم من عبارة الزرقاني.
(٤) مناهل العرفان ١٢١٣/٢.

المدخل إلى مُؤَسُوعَة التَّقَسَّةُ المَاتُوز
التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
١٠٨٥ %
تحت مصطلح ((التفسير المأثور))، وعلَّل لدخول تفسير التابعي في المأثور بقوله:
((وإنما أدرجنا في التفسير المأثور ما روي عن التابعين وإن كان فيه خلاف: هل هو
من قبيل المأثور أو من قبيل الرأي؟ لأننا وجدنا كتب التفسير المأثور كتفسير ابن
جرير وغيره لم تقتصر على ما ذكر مما روي عن النبي وم 18 وما روي عن الصحابة،
بل ضمّت إلى ذلك ما نقل عن التابعين في التفسير))(١).
منشأ الخطأ في هذا المصطلح:
لم يسبق هؤلاء المعاصرين أحد من العلماء أدخل (القرآن) في المأثور، ولا عدَّه
بهذه القسمة الثلاثية كما عند الزرقاني، أو الرباعية، كما عند الذهبي، والذي ظهر
لي أنهم استفادوا من مصدر سابق لهم، لكنهم غيَّروا مصطلحه من (أحسن طرق
التفسير)(٢) إلى اعتبارها (تفسيرًا مأثورًا)، ومن هنا نشأ هذا المصطلح.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير))، ثم شرع
في بيانها، وهي القرآن فالسُّنَّة فأقوال الصحابة ثم ختم بأقوال التابعين.
وقال الزرقاني: ((التفسير المأثور: هو ما جاء في القرآن أو السُّنَّة أو كلام
الصحابة بيانًا لمراد الله تعالى من كتابه)).
قال الذهبي (ت: ١٣٩٧هـ): «ما هو التفسير المأثور؟
يشمل التفسير المأثور ما جاء في القرآن نفسه من البيان والتفصيل لبعض آياته،
وما نُقل عن الرسولِ وَ له، وما نُقِل عن الصحابة رضوان الله عليهم، وما نُقِل عن
التابعين، من كل ما هو بيان وتوضح لمراد الله تعالى من نصوص كتابه الكريم)).
وبهذه الموازنة يظهر لك أنها كانت (طرق تفسير)، وليست (تفسيرًا مأثورًا)، وإن
كان جلها يدخل في التفسير المأثور عدا القرآن.
والذي يدل على اعتمادهم على كلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨هـ) الذي سماها طرقًا: أنه
حكى في تفسير التابعين الاختلاف في حجيته، فنقله الذهبي على أنه اختلاف بينهم
في هل هو مأثور أو ليس بمأثور؟
قال الزرقاني: ((أما ما ينقل عن التابعين ففيه خلاف العلماء منهم من اعتبره من
(١) التفسير والمفسرون ١٥/١. قلت: وضمت - كذاك ــ أتباع التابعين.
(٢) مقدمة في أصول التفسير، تحقيق: عدنان زرزور، ص ٩٣.

فَوْسُونَبِ التَّفْسِيَّةُ المَاتُور
المدخل إلى
التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
٥ ١٠٩ %
المأثور؛ لأنهم تلقوه من الصحابة غالبًا، ومنهم من قال: إنه من التفسير بالرأي)).
وقال الذهبي: ((وإنما أدرجنا في التفسير المأثور ما رُوِيَ عن التابعين - وإن كان
فيه خلاف: هل هو من قبيل المأثور أو من قبيل الرأي - لأننا وجدنا كتب التفسير
المأثور، كتفسير ابن جرير وغيره، لم تقتصر على ذِكْر ما رُوِيَ عن النبيِ وَّ وما
رُوِيَ عن أصحابه، بل ضمت إلى ذلك ما نُقِل عن التابعين في التفسير)).
ولو تأملت النقلين السابقين، فإنك ستجد أنهما يحكيان الخلاف في كون تفسير
التابعي مأثورًا أم لا؟
وهما يرجعان إلى رسالة شيخ الإسلام الذي حكى الخلاف في الطريق الرابع من
طرق التفسير، وهو تفسير التابعين؛ حكى حجية تفسير التابعي، وليس في كونه
مأثورًا أو غير مأثور.
قال ابن تيمية: ((وقال شعبة بن الحجاج وغيره: أقوال التابعين في الفروع ليست
حجة، فكيف تكون حجة في التفسير؟ يعني: أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن
خالفهم، وهذا صحيح، أما إذا أجمعوا على الشيء فلا يرتاب في كونه حجة؛ فإن
اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض ولا على من بعدهم، ويرجع في
ذلك إلى لغة القرآن، أو السُّنَّة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة في ذلك)).
إذن؛ لم يكن المصدر الذي نقلوا منه يتكلم عن مصطلح (المأثور)، ولا عن حكم
(المأثور)، وإنما كان يتكلم عن (طرق التفسير)، وكان منها (تفسير التابعين)، ثم بيَّن
الخلاف في حجيته دون تفصيل .
وإن كان هذا التأصيل صحيحًا، فإن اصطلاح شيخ الإسلام أدق من اصطلاح
المعاصرين، وأصح حكمًا .
فهذه الأنواع الأربعة لا إشكال في كونها طرقًا، كما أنه لا إشكال في أنها أحسن
طرق التفسير، وهناك غيرها مما لم يُذكر، ومن ثمَّ، فمن أراد أن يفسر القرآن، فعليه
الرجوع إلى هذه الطرق.
: تقويم مصطلح (التفسير المأثور):
يندرج تحت مصطلح المعاصرين أمران:
الأول: ما يتعلق بصحة دخول هذه الأنواع في مسمى (المأثور).
الثاني: ما يتعلق بالنتيجة المترتبة عليه.

التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
١١٠ %
المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّفْسِسَةُ المَاتُور
وفي كلا الموضوعين تفاصيل تحتاج إلى تجلية وتوضيح؛ لكثرة ما وقع من اللبس
فيهما، بسبب عدم دقّة المصطلحين على هذه القسمة الرباعية، وسأذكر بعض ذلك
هنا .
أولًا: ما يتعلق بصحة دخول هذه الأنواع في مسمى (المأثور):
إن جعل التفسير بالمأثور أربعة أنواع غير دقيق؛ إذ لا ينطبق عليها جميعها، بل
يدخل فيها ما ليس منها، ويخرج منها ما هو من جنسها، لذا فهو مصطلح غير جامع
ولا مانع لسببين :
السبب الأول: أن المأثور - كما سبق - هو ما أثر عمن سلف، ويطلق في
الاصطلاح على ما أثر عن النبي ◌َّه والصحابة ومن بعدهم من التابعين وتابعيهم.
فهل ينطبق هذا على تفسير القرآن بالقرآن؟
إن تفسير القرآن بالقرآن لا نقل فيه حتى يكون طريقه الأثر، بل هو داخل ضمن
تفسير من فسّر به :
] فإن كان المفسِّر به الرسولِ و18َ فهو من التفسير النبوي، وحقُّه القبول، ولا
مجال للرأي فيه .
) وإن كان المفسِّر به الصحابي، فهو اجتهاد منه، ويأخذ حكم تفسير الصحابي.
) وإن كان المفسِّر به التابعي، فهو اجتهاد منه، ويأخذ حكم تفسير التابعي.
■ وإن كان المفسِّر به من هو دونهم، فيأخذ حكم تفسيرهم كذلك.
وليست المسألة هنا عن كيفية وصول القرآن إلينا، وهي النقل، لكن الكلام عن
كيفية التعامل مع هذا المنقول، وربط بعض آياته ببعض، وهذا الربط على سبيل
التفسير والبيان هو من اجتهاد المفسر، وليس كل اجتهاد ملزمًا، بل نعود إلى شرائط
القبول للأقوال، فنُعمِلها هنا، كما نُعمِلها في التفسير المعتمد على اللغة وغيرها، إذ
قصارى الأمر أن المفسِّر اعتمد على (القرآن) في بيان القرآن، كما يعتمد على (اللغة)
في بيان القرآن.
السبب الثاني: أن العمدة في معرفة طبقات المفسرين من السلف الذين يدخلون
في مصطلح (المأثور) عمل المفسرين الناقلين لأقوالهم، وإذا رجعنا إلى مثل تفسير
عبد بن حميد (ت: ٢٤٩هـ)، والطبري (ت: ٣١٠هـ)، وابن أبي حاتم (ت: ٣٢٧هـ)، وغيرهم،
وجدناهم قد نقلوا الوارد عن أتباع التابعين، واعتنوا به، وقلما نجد نقلًا عن الطبقة

المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّفْسَّسَةُ المَاتُورُ
التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
٥ ١١١ %=
التي تليهم، فدلَّ تتابعهم على نقل أقوالهم، على اعتبار المنقول عنهم واعتماده في
فهم القرآن، بل قد نجد عند بعضهم - كالطبري - الترجيح لبعض أقوالهم،
وتصحيحها على غيرها من أقوال اللغويين وغيرهم.
وإذا استحضرنا العلّة التي ذكرها محمد حسين الذهبي (ت: ١٣٩٧هـ) في قوله: ((وإنما
أدرجنا في التفسير المأثور ما رُوِىَ عن التابعين - وإن كان فيه خلاف: هل هو من
قبيل المأثور أو من قبيل الرأي - لأننا وجدنا كتب التفسير المأثور، كتفسير ابن جرير
وغيره، لم تقتصر على ما ذِكْر ما رُوِىَ عن النبيِ نَّهَ وما رُوِىَ عن أصحابه، بل
ضمت إلى ذلك ما نُقِل عن التابعين في التفسير)) فإننا يمكن أن ندخل تفسير أتباع
التابعين لأجل العلة التي اعتمدها .
والنتيجة عندي أن دخول أتباع التابعين في المأثور لا غبار عليه للعلتين اللتين
ذكرتهما سابقًا، وهما حديث: ((خير القرون قرني ... ))، ثم تتابع عمل العلماء على
اعتماد تفسيرهم في كتبهم في التفسير وفي غيره من الكتب.
ثانيًا: ما يتعلق بالنتيجة المترتبة عليه:
ويندرج تحت هذه الملحوظة أمران:
الأمر الأول: ما يتعلق بالحكم، فإن بعض من درج على هذا المصطلح نصّ على
وجوب اتباعه والأخذ به، كقول مناع القطان: ((حكم التفسير بالمأثور:
التفسير بالمأثور هو الذي يجب اتباعه والأخذ به؛ لأنه طريق المعرفة الصحيحة. وهو
آمن سبيل للحفظ من الزلل والزيغ في كتاب الله)»(١)، وهذا ما توحي به عبارة آخرين(٢).
وهذا الحكم إذا أردنا أن نطبقه على التقسيم الرباعي فإننا سنواجه عددًا من
المشكلات العلمية، منها :
١ - أن كثيرًا من تفسير القرآن بالقرآن من باب الاجتهاد، فما لم يكن تفسيرًا
صريحًا مباشرًا، أو كان من جهة النبي ◌َّ﴾، فإنه يعود إلى اجتهاد المجتهد من
الصحابة فمن بعدهم إلى يومنا هذا، وهو اجتهاد قابل للخطأ والصواب، وقيمته تعلو
بكونه مجمعًا عليه أو قول الأكثر أو غير ذلك من علامات القبول، وليس قبوله؛ لأنه
تفسير قرآن بقرآن .
(١) انظر: مباحث في علوم القرآن للقطان ص ٣٥٠.
(٢) كالزرقاني، والذهبي، والصباغ (لمحات في علوم القرآن، ص ١٧٧ وما بعدها).

التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
: ١١٢ ٠
المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّعَنِيَةُ الْخَاتُور
٢ - أن بعضهم يحكون الخلاف في تفسير التابعي من حيث الاحتجاج به، ثم
يحكمون بوجوب اتباعه والأخذ به، دون أن يكون هناك نقاش علمي أو مستند
يستندون إليه في تحرير ذلك الخلاف الذي حكوه.
ثم إن كان ما ورد عن الصحابة(١)، والتابعين مأثورًا يجب الأخذ به على
اصطلاحهم فما العمل فيما ورد عنهم من خلاف محقق في التفسير؟ وكيف يقال:
يجب الأخذ بما وقع التضاد فيه من أقاويلهم؟!
ذلك مما لم يمرَّ عليه هؤلاء بالبحث والتحرير والتفريق فيما يجب قبوله من
أقوالهم مما يجوز فيه الترجيح بين أقاويلهم.
الأمر الثاني: أنهم جعلوا التفسير المأثور بأنواعه الأربعة مقابلًا للرأي، فلحق
بمصطلح التفسير بالرأي خلط آخر بسبب هذه المقابلة، وبُنِيتْ على هذا التقسيم
معلومات غير صحيحة، ومنها :
١ - أن بعضهم يُقَرِّرون وقوع الاجتهاد في تفسير الصحابة والتابعين، ثم يجعلون
ما قالوه بهذا الرأي من قبيل المأثور الذي يجب الأخذ به؛ غافلين عما قرروه من
قولهم بأنهم اعتمدوا الرأي، وقالوا فيه بالاجتهاد، فجعلوا رأيهم مأثورًا، ورأي
المتأخرين رأيًا .
وإذا كان الصحابة والتابعون قالوا في التفسير برأيهم فليس للقول بأن الرأي مقابل
للمأثور عنهم وجه، بل إن هذا الخلط يدل على الحاجة إلى إعادة ترتيب مسألة
المأثور والرأي لتناسب واقع التفسير ومنهجه وأصوله، وذلك كالآتي:
أ - يوجد قسم من التفسير هو من قبيل المنقول الذي لا تصرف فيه لأي مفسر من
الصحابة ومن بعدهم.
ب - وقع الاجتهاد في التفسير عند الصحابة والتابعين وأتباعهم.
ج - استمر القول بالرأي في التفسير بعدهم، وصار على ثلاثة أنحاء:
أولها: التَّخيُّر من أقوال الصحابة والتابعين وأتباعهم عند اختلاف أقوالهم في
التفسير .
ثانيها: إضافة قول معتبر غير مناقض لأقوالهم.
(١) حكى الصباغ الخلاف في الأخذ بقول الصحابي، فوقع فيما وقع فيه من حكم بوجوب الأخذ بالمأثور،
ينظر: لمحات في علوم القرآن، ص ١٨٠.

فُوَسُوعَة التَّفْسِيرُ الْحَانُور
المدخل إلى
التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
٥ ١١٣ %
ثالثها: إضافة قول غير معتبر؛ إما لفساده في ذاته، وإما لمناقضته لتفسيراتهم،
وهذا هو الرأي المذموم.
٢ - لقد تكلف من ذهب إلى هذا المصطلح حينما أراد أن يقسم كتب التفسير
على التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي، فوقع في عدد من الأغلاط، منها: الغفلة عن
بداية الرأي المحمود ونشأته، وأنواعه، فالرأي بدأ منذ عهد الرسول وَله، ودليل
ذلك بعض ما فهمه الصحابة على وجه، ثم سألوا عنه رسول الله وَ ل، ففهمهم كان
رأيًا لهم، ثم لما توفي رسول الله وَّ اجتهدوا في بيان القرآن للتابعين، ثم استمر
الرأي فيمن بعدهم، وكان منه - كما سبق - من يتخير من أقوالهم، ويرجح بينها،
وهذا لا يكون إلا برأي مستقل، ومع ذلك تجد أن أعظم المفسرين بالرأي المحمود
- وهو ابن جرير الطبري - يعدون تفسيره من كتب التفسير المأثور، ويغفلون عن رأيه
الذي لا يكاد يخلو منه مقطع من مقاطع الآيات.
وأعجب من ذلك أن الشيخ محمد حسين الذهبي يعدُّ تفسير الثعلبي ضمن كتب
التفسير المأثور(١)، ويعدُّ تفسير الخازن الذي اعتمد تفسير البغوي وزاد عليه ضمن
التفسير بالرأي (٢) .
فإذا كان تفسير الخازن مختصرًا لتفسير البغوي، فما المعيار الذي جعل هذا في
كتب المأثور، وذاك في كتب الرأي، ولم لم يعامله كما عامل تفسير ابن عطية،
ومختصره الذي عمله الثعالبي، حيث وضعهما في التفسير المأثور.
٣ - وذهب من اعتمد هذا التقسيم إلى جَعْلِ تفسير ابن جرير من قبيل التفسير
بالمأثور، وفي هذا غفلة عن كون تفسير الطبري من أكبر أمثلة التفسير بالرأي
المحمود، وأن رأيه يظهر في مواطن، منها :
أ - تفسيره الإجمالي الذي يبتدئ به الآية أو يجعله في خاتمة ذكره للأقوال.
ب - تقسيمه للأقوال، وترجمته لكل قول منها بما يبرز المعنى الذي ذهب إليه
أهل ذلك القول.
ج - الاختيار والترجيح المبني على القرائن والقواعد العلمية. ورأيه في معنى
الآية واختياره لا تكاد تخلو منه آية.
ولعل من ذهب إلى تصنيفه في المأثور نَظَرَ إلى كثرة إيراده للمأثور عن السلف،
(١) التفسير والمفسرون، للذهبي ١٦٩/١.
(٢) التفسير والمفسرون، للذهبي ٢٢١/١.

التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
ـه ١١٤ ه
المدخل إلى مُؤَسُوعَة التَّقْسِيةُ المَاتُون
وهناك فرق بين أن يكون معتمدًا على المأثور من تفسيرهم، وبين أن يكون صاحب
رأي مستقلِّ يرجّح ويختار، والترجيح والاختيار رأي.
وسأقف مع أنموذج من هذا النوع، ورد عن عَلَم من أعلام المفسرين المتأخرين:
قال الشيخ الطاهر بن عاشور (ت: ١٣٩٣هـ): ((أما الذين جمدوا على القول بأن تفسير
القرآن يجب أن لا يعدوا ما هو مأثور، فهم رموا هذه الكلمة على عواهنها، ولم
يوضحوا مرادهم من المأثور عمن يؤثر ... )). ثم قال: ((وقد التزم الطبري في تفسيره
أن يقتصر على ما هو مروي عن الصحابة والتابعين، ولكنه لا يلبث في كل آية أن
يتخطى ذلك إلى اختياره منها، وترجيح بعضها على بعض بشواهد من كلام العرب،
وحسبه بذلك تجاوزًا لما حدده من الاقتصار على التفسير بالمأثور، وذلك طريق ليس
بنهج، وقد سبقه إليه بقي بن مخلد، ولم نقف على تفسيره، وشاكل الطبري فيه
معاصروه، مثل ابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم، فللَّه درّ الذين لم يحبسوا
أنفسهم في تفسير القرآن على ما هو مأثور، مثل الفراء وأبي عبيدة من الأولين،
والزجاج والرماني ممن بعدهم، ثم من سلكوا طريقهم، مثل الزمخشري وابن
عطية))(١) .
وها هنا وقفات ناقدة لهذا الكلام:
الأولى: لم يصرح الطاهر بن عاشور بأولئك الذين ((جمدوا على القول بأن تفسير
القرآن يجب أن لا يعدوا ما هو مأثور))، وفي ظني أن هذا لم يُقل به، ولكنه تأولٌ
لكلام من يرى وجوب الأخذ بما أثر عن السلف.
الثانية: لم يورد الشيخ لنفسه دليلاً من كلام الطبري يدلّ على التزامه بما روى
عن الصحابة والتابعين فقط، ولم يرد عن الطبري أنه يقتصر عليهم، ولا يتعدى ذلك
إلى الترجيح، بل قد نصَّ على منهجه في التعامل مع أقوال المفسرين، والتعليل لها
والترجيح بينها، قال: (( ... ومخبرون في كل ذلك بما انتهى إلينا من اتفاق الحجة
فيما اتفقت عليه منه واختلافها فيما اختلفت فيه منه. ومبينو علل كل مذهب من
مذاهبهم، وموضحو الصحيح لدينا من ذلك، بأوجز ما أمكن من الإيجاز في ذلك،
وأخصر ما أمكن من الاختصار فيه))(٢).
فهذا نصُّه تَخَُّ واضح في نوعية الرأي الذي سيسلكه، وهو التعليل والترجيح
(١) التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور ٣٢/١، ٠٣٣ (٢) تفسير ابن جرير الطبري ١/ ٧.

فَوْسُكَبِ التَّفْسَِّةُ المَاتُور
المدخل إلى
التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
١١٥ %
والاختيار من أقوال المختلفين من الصحابة والتابعين وأتباعهم، ولم يجمد على نقل
الأقوال .
الثالثة: أنه جعل منهج الطبري كمنهج ابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم،
وشتان بين منهج الطبري الناقد المعتمد على روايات السلف، ومنهج هؤلاء الذين
اعتمدوا النقل فقط دون التعقيب والتعليق، وهذا المنهج الذي سلكوه لا يُعاب
عليهم؛ لأنهم لم يشترطوا التعليق على الآيات والتعقيب على المرويات، بل كانوا
يوردون ما وصلهم من تفاسير السلف، وهم بهذا لا يُعدون مفسرين، بل هم ناقلو
تفسير .
ومن هنا ترى أن الشيخ ابن عاشور يرى أن من التزم بالمأثور فإنه لا يكون له
رأي كالطبري، وأن من لم يلتزم بالمأثور فللَّه درّه! كما قال.
وقد سبق أن ذكرت لك أن الصحابة والتابعين ومن بعدهم اعتمدوا التفسير بالرأي
وقالوا به(١)، وأن من الأخطاء التي وقعت مقابلة أقوالهم التي هي من قبيل الرأي
بأقوال أبي عبيدة والفراء وغيرهم، بل الأعجب من ذلك أن تفاسيرهم اللغوية تجعل
من المأثور وتُقابل بتفاسير أبي عبيدة والفراء والزجاج اللغوية، وتجعل هذه لغوية (٢).
٤ - افتراض وقوع الاختلاف بين المأثور والرأي، وكيفية معالجته:
بنى الشيخ عبد العظيم الزرقاني (ت: ١٣٦٧هـ) افتراضًا جدليًّا في وقوع التعارض بين
(١) إن قيل: ذكرتم في الموسوعة تفاسير السلف التي هي من قبيل الرأي، مع أن الموسوعة للتفسير
المأثور؟!
أجيب بأن وصف التفسير بالمأثور لا يلزم منه أن لا يكون تفسيرًا بالرأي أو بالنظر والاجتهاد؛ فقد يكون
مأثورًا؛ لأنه منقول عن الغير، وهو بالنسبة إلى قائله مقول برأيه أو نظره واجتهاده؛ وبهذا يتبين أن التفسير
المأثور نوعان: مطلق ونسبي؛ فالمطلق ما أثر عن رسول الله وَ ل﴿، وما ورد من أسباب النزول الصريحة،
وما أجمع عليه، وما يكون له وجه واحد في المعنى لا غير؛ لأنه لا مجال في هذا للرأي.
والتفسير المأثور النسبي هو ما عدا ما سبق مما يرويه الخلف عن السلف إلى الصحابة
فليس كل ما يسمى تفسيرًا مأثورًا يكون قسيمًا للتفسير بالرأي؛ فالتفسير المأثور الذي يعتبر قسيمًا للتفسير
بالرأي هو التفسير المأثور المطلق، أما التفسير المأثور النسبي فهو في أصله تفسير بالرأي.
فتفاسير السلف التي هي من قبيل الرأي من التفسير المأثور النسبي؛ أي: بالنسبة لمن ينقل عنهم؛ ومن ذلك
نقلنا عنهم في الموسوعة.
(٢) ولم تُعتمد أقوال اللغويين في الموسوعة وإن كانوا من طبقة السلف كأبي عبيدة والفراء؛ بناء على كون
الذين جمعوا التفسير المأثور لم يذكروهم؛ لأنهم ليسوا من أهل الأثر والرواية والرأي المعتمد على
ذلك ...

المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّفْسِيُ المَاتُوز
التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
: ١١٦ %
التفسير المأثور عنده (بالقرآن، وبالسُّنَّة، وبأقوال الصحابة) وبين التفسير بالرأي،
تحت عنوان عقده لذلك (التعارض بين التفسير بالرأي والتفسير بالمأثور والترجيح
بينهما)، وليست المشكلة في وقوع التعارض، إذ هذا ممكن، لكن طريقة الشيخ في
تصوير المسألة لا تناسب العمل التفسيري، ولا تجد من عمل بها أو يعمل بها على
طريقته، قال: ((ينبغي أن يعلم أن التفسير بالرأي المذموم ليس مرادًا هنا؛ لأنه ساقط
من أول الأمر فلا يقوى على معارضة المأثور.
ثم ينبغي أن يعلم أن التعارض بين التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي المحمود
معناه: التنافي بينهما، بأن يدل أحدهما على إثبات والآخر على نفي؛ كأن كلًّا من
المتنافيين وقف في عرض الطريق فمنع الآخر من السير فيه.
وأما إذا لم يكن هناك تنافٍ، فلا تعارض، وإن تغايرا؛ كتفسيرهم الصراط
المستقيم بالقرآن أو بالسُّنَّة أو بطريق العبودية أو طاعة الله ورسوله، فهذه المعاني غير
متنافية، وإن تغايرت ...
إذا تقرر هذا، فإن التفسير بالمأثور الثابت بالنص القطعي لا يمكن أن يعارض
بالتفسير بالرأي؛ لأن الرأي: إما ظني، وإما قطعي؛ أي: مستند إلى دليل قطعي: من
عقل أو نقل، فإن كان قطعيًّا، فلا تعارض بين قطعيين، بل يؤول المأثور؛ ليرجع
إلى الرأي المستند إلى القطعي إن أمكن تأويله، جمعًا بين الدليلين.
وإن لم يمكن تأويله، حُمل اللفظ الكريم على ما يقتضيه الرأي والاجتهاد، تقديمًا
للأرجح على المرجوح.
أما إذا كان الرأي ظنيًّا، بأن خلا من الدليل القاطع، واستند إلى الأمارات
والقرائن الظاهرة فقط، فإن المأثور القطعي يقدَّم على الرأي الظني ضرورة أن اليقين
أقوى من الظن. هذا كله فيما إذا كان المأثور قطعيًّا، أما إذا كان المأثور غير قطعي
في دلالته؛ لكونه ليس نصًّا، أو في متنه؛ لكنه خبر آحاد، ثم عارضه التفسير بالرأي
فلا يخلو الحال: إما أن يكون ما حصل فيه التعارض مما لا مجال للرأي فيه،
وحينئذٍ فالمعوَّل عليه المأثور فقط، ولا يقبل الرأي.
وإن كان للرأي فيه مجال، فإن أمكن الجمع فبها ونعمت، وإن لم يمكن قُدِّم
المأثور عن النبي ◌َل# أو عن الصحابة؛ لأنهم شاهدوا الوحي، وبعيد عليهم أن
يتكلموا في القرآن بمجرد الهوى والشهوة.

المدخل إلى مُؤْسُوَكَةُ التَّقَنِيَةُ الْحَاتُورُ
التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
٥ ١١٧ %
أما المأثور عن التابعين، فإذا كان منقولًا عن أهل الكتاب، قدم التفسير بالرأي
عليه، وأما إذا لم ينقل عنهم، رجعنا به إلى السمع، فما أيده السمع، حُمِل النظم
الكريم عليه، فإن لم يترجح أحدهما بسمع ولا بغيره من المرجحات، فإننا لا نقطع
بأن أحدهما هو المراد، بل نُنزل اللفظ الكريم منزلة المجمل قبل تفصيله والمشتبه أو
المبهم قبل بيانه))(١).
هذا الذي ذكره الشيخ عبد العظيم افتراض ذهني لا علاقة له بواقع التفسير، ولا
يمكن تطبيقه بهذه الطريقة التي ذكرها، وليس المراد هنا نفي وقوع التعارض جملة،
لكن هذه الترتيبات التي ذكرها، وهذه المصطلحات التي حشدها لا تكاد توجد في
العمل التفسيري.
وتفصيل الرد عليه يطول، ويخرج عن المقصود هنا .
٥ - من لوازم هذا التقسيم للتفسير المأثور أن ما عداه فهو من التفسير بالرأي،
وهذا مُشْكِل من جهة تاريخ الرأي في التفسير، فالرأي - سواءً كان محمودًا أو
مذمومًا - يعني اعتماد المفسر على اجتهاده في تفسير النص، وهذا الاجتهاد سواء
أكان خطأ أم صوابًا هو رأي لصاحبه، وبواكير الرأي - على وجه العموم - كانت في
عهد النبي ◌َّر، وذلك في ما وقع من فهم بعض الصحابة لبعض الآيات على وجه
غير الوجه المراد، فلما سألوا النبي وَلَه بَيَّن لهم المعنى المراد، كفهمهم للظلم في
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوَاْ إِيَمَنَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، ففهمهم راجع إلى
اجتهادهم، واجتهادهم رأي لهم.
ثم لمّا مات النبي 18َّ كانوا يفسرون بآرائهم، وكذا تابعهم في ذلك التابعون
وأتباعهم، فالتفسير بالرأي بدأ معهم، وليس قسيمًا لأقوالهم، كما يفهم من هذه
المقابلة الثنائية بين التفسير بالمأثور (القرآن، والسُّنَّة، وأقوال الصحابة، وأقوال
التابعين) والتفسير بالرأي (ما عدا هذه الأربعة)، فإن هذه المقابلة ليست بصحيحة،
وهذا الذي ذكرته أحد أدلة خطأ هذا التقابل.
(١) مناهل العرفان ٦٣/٢ - ٦٥. ووازن هذا المنهج التفكيري بما طرحه الرازي في أساس التقديس
ص٢١٠، وقد ردَّ شيخ الإسلام ابن تيمية على هذا المنهج الذي يزعم تعارض العقل مع النقل في مؤلفه
العظيم ((درء تعارض العقل والنقل)).

المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّفْسِيرُ الْخَاتُورُ
التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
٤ ١١٨ هـ
: ما الذي ينطبق عليه مصطلح المأثور في التفسير؟
من خلال ما سبق من عرض أقوال بعض المعاصرين في حصرهم التفسير بالمأثور
في أربعة أنواع، وما تمَّ من نقدهم في ذلك، فإنه يرد سؤال: هل يعني هذا النقد أنه
لا يوجد مصطلح (المأثور) في التفسير؟!
والجواب: إن عمل المتقدمين يدل على أنهم يريدون بالمأثور ما روي عن
رسول الله ◌َ* فالصحابة فالتابعون فأتباعهم، وعلى هذا بنوا كتبهم في التفسير، مثل
ابن أبي حاتم (ت: ٣٢٧هـ)، الذي قال في مقدمة تفسيره: (( ... فإذا وجدت التفسير عن
رسول الله وَله ... وإذا وجدته عن الصحابة ... فإن لم أجد عن الصحابة ووجدته
عن التابعين عملت فيما أجد عنهم ما ذكرته من المثال في الصحابة، وكذا أجعل
المثال في أتباع التابعين وأتباعهم)) (١) .
وعلى هذا سار جُلُّ من كتب بالإسناد إلى السلف، ثم تبعهم من حذف الإسناد
واكتفى بذكر المفسرين منهم؛ كالماوردي (ت: ٤٥٠هـ).
ومثل السيوطي (ت: ٩١١هـ) الذي ظهر مصطلح (المأثور) في عنوان كتابه ((الدر
المنثور في التفسير بالمأثور))، وقد تبع في طبقات المنقول عنهم في التفسير من سبقه
من الأئمة كالطبري (ت: ٣١٠هـ) وابن أبي حاتم (ت: ٣٢٧هـ)، وقال في مقدمته: ((فلما ألفت
كتاب ترجمان القرآن وهو التفسير المسند عن رسول الله وأصحابه ظيم، وتم بحمد الله
في مجلدات فكان ما أوردته فيه من الآثار بأسانيد الكتب المخرج منها واردات
رأيت قصور أكثر الهمم عن تحصيله ورغبتهم في الاقتصار على متون الأحاديث دون
الإسناد وتطويله فخلصت منه هذا المختصر مقتصرًا فيه على متن الأثر مصدرًا بالعزو
والتخريج إلى كل كتاب معتبر وسميته: ((الدر المنثور في التفسير بالمأثور)))، وفي
ثناياه روى عن النبي ◌َّه وعن الصحابة والتابعين وأتباعهم.
جاء الشوكاني (ت: ١٢٥٠هـ) الذي اعتمد على كتاب الدر المنثور، فسمى كتابه ((فتح
القدير الجامع بين فني الرواية والدراية))، فصار لفظ الرواية نظير المأثور.
وعلى هذا فالمأثور - من خلال هذه الكتب عبر العصور -: ما أثر عن
رسول الله وَلّه وعن صحابته والتابعين وعن أتباع التابعين.
(١) تفسير ابن أبي حاتم ١٤/١.

المدخل إلى مُؤْسُوكَةُ التَّقْسِيُ المَاتُور
التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
١١٩ %
الاحتجاج بالمأثور:
وأما الاحتجاج بالتفسير المأثور، والتعاطي معه من حيث القبول والردُّ، فله
تفصيل لا بدَّ من معرفته ليفهم المتلقي برهان حجيته، ويمكن أن نقسم الأمر إلى
نظرين: كليٍّ وتفصيلي.
أما النظر الكليٍّ، فيكون كالآتي :
إن المأثور لا يخرج عن أن يكون مرويًّا عن النبي وَ له أو أن يكون عن من بعده
من طبقات السلف الثلاث.
- فإن كان مرويًّا صحيحًا صريحًا عنه وََّ، فهذا محلُّه القبول والتسليم بلا
خلاف، ولا يجوز ردُّه أو الاعتراض عليه.
- وإن كان مرويًّا عن من بعده، فإنه لا يخلو من حالين:
الأولى: أن يكون التفسير مجمعًا عليه، وهذا محلَّه القبول والتسليم، ولا يجوز
ردُّه أو مخالفته والاعتراض عليه.
الثانية: أن يكون مختلفًا فيه بينهم، وهنا يجب معرفة أمور:
الأمر الأول: أن إجماعهم قد انعقد على هذه الأقوال المختلفة، وهذا يعني أنه لا
يجوز أن يأتي قول جديد يبطل جميع أقوالهم؛ فاختلافهم ليس حجة في القول بقول
خلافهم ولا بإبطال أقوالهم؛ لأن إبطال جميع أقوالهم المختلفة يعني أنهم جهلوا
مراد الله، وبقيت الأمة جاهلة به حتى ظهر هذا القول الجديد الحادث بعدهم.
ولا شك أن هذا اللازم دليل على بطلان القول الحادث لمن تأمله، إلا إن تعسَّف
متعسِّف، وظن أنه يجوز أن يخاطب الله سبحانه هؤلاء العرب الأقحاح بكلام عربي
لا يفهمونه، ولا شك أن هذا محال.
الأمر الثاني: أن الحق لا يمكن أن يخرج عن اختلافهم، والمتأخر يلزمه الاختيار
والترجيح بدليل علمي مقبول؛ كما فعل ابن جرير الطبري (ت: ٣١٠هـ).
تنبيه: لو أضاف متأخر قولًا مغايرًا لأقوالهم، وليس فيه ردٌّ لأقوالهم، والآية
محتملة له؛ فهذا النوع من الأقوال يمكن قبوله إذا وضحت فيه دلائل القبول.
وأما النظر التفصيلي، فيمكن تقسيمه إلى أربعة أنواع:
الأول: ما ثبت عن النبي وَّ تفسيرًا صريحًا .

التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ...
المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّفْسِيُ المَاتُوز
٥ ١٢٠ هـ
الثاني: ما صحَّ من رواية الصحابة لأسباب النزول وبعض الغيبيات؛ لأن لها
حكم الرفع.
الثالث: ما أجمع عليه الصحابة والتابعون وأتباعهم؛ لأن إجماعهم حجة يجب
الأخذ به .
الرابع: ما ورد عن واحد من الصحابة خصوصًا أو من التابعين وأتباعهم، ولم
يُعرف لهم مخالف، فالأصل فيه أنه حجة، خصوصًا إذا احتفت به قرائن القبول؛
كتناقل أئمة التفسير بعده لقوله بالتسليم، أو أن يكون معتمده اللغة ...
والأمر في ذلك كما قال الزركشي (ت: ٧٩٤هـ): (ينظر في تفسير الصحابي فإن فسره
من حيث اللغة فهم أهل اللسان، فلا شك في اعتمادهم))(١).
- وكثير من التابعين هم مثل الصحابة في اللسان.
- وإن كانوا غير ذلك، فأقلُّ أحوالهم أنهم ناقلون لها، كما هو الحال في نَقَلَةِ
اللغة الموثوقين، ويلحق بالتابعين أتباع التابعين.
وهذه التقسيمات لا تفي بالأمثلة التفصيلية التي يجب قبولها؛ لأن كل مثال تعتريه
قرائن وأحوال تؤخذ في ذلك المثال، وقد تختلف عن قرائن وأحوال قبول مثال
آخر، والله أعلم.
(١) البرهان في علوم القرآن ٢/ ١٧٢.