النص المفهرس
صفحات 641-660
٦٤١ سورة العلق قال الأستاذ الإمام: أما بقيه السورة فهو متأخر النزول قطعاً، ومافيه من ذكر أحوال المكذبين ، يدل على أنه إنما نزل بعد شيوع خبر البعثة ، وظهور أمر النبوة، وتحرش قريش لإيذائه - صلى الله عليه وسلم - (١). وقد افتتحت السورة الكريمة بطلب القراءة من النبى - صلى الله عليه وسلم - مع أنه كان أمياً لتهيئة ذهنه لما سيلقى عليه - صلى الله عليه وسلم - من وحى .. فقال - سبحانه -: ((اقرأ باسم ربك الذي خلق .. )). أى: اقرأ - أيها الرسول الكريم - ما سنوحيه إليك من قرآن كريم ، ولتكن قراءتك ملتبسة باسم ربك، وبقدرته وإرادته ، لا باسم. غيره، فهو - سبحانه - الذى خلق الأشياء جميعها، والذى لا يعجزه أن يجعلك قارئاً ، بعدكونك لم تكن كذلك . وقال - سبحانه - «باسم ربك)) بوصف الربوبية، لأن هذا الوصف ينبى عن كمال الرأفة والرحمة والرعاية بشأن المربوب. ووصف - سبحانه - ذاته بقوله: ((الذى خلق، للتذكير بهذه النعمة، لأن الخلق هو أعظم النعم، وعليه تترقب جميعها. وجملة (( خلق الإنسان من علق)، بدل من قوله ((الذى خلق) بدل بعض من كل، إذ خلق الإنسان يمثل جزءا من خلق بقية المخلوقات التى. لا يعلمها إلا انه . و((العلق)) الدم الجامد، وهو الطور الثانى من أطوار خلق الإنسان. والمقصود من هذه الجملة الكريمة بيان مظهر من مظاهر قدرته - تعالى .. فكأنه - سبحانه - يقول: إن من كان قادرا على أن تلق من الدم الجامد إنسانا يسمع ويرى ويعقل ... قادر - أيضاً - على أن يجعل منك - أيها الرسول الكريم - قارئاً، وإن لم تسبق لك القراءة. (١) تفسير جزء عم ص ٩٣ ٦٤٢ الجزء الثلاثون وخص - سبحانه - خلق الإنسان بالذكر، لأنه أشرف المخلوقات ولأن فيه من بدائع الصنع والتدبير ما فيه . وقوله - تعالى -. ( اقرأ وربك الأكرم)) أى: امض لما أمرتك به من القراءة، فإن ربك الذى أمرك بالقراءة هو الأكرم من كل كريم، والأعظم من كل عظيم . قالوا: وإنما كرر - سبحانه - الأمر بالقراءة، لأنها من الملكات التى لا ترسخ فى النفس إلا بالتكرار والإعادة مرة مرة . وجملة («وربك الأكرم، مستأنفة لقصد بيان أنه - تعالى - أكرم من كل من يلتمس من العطاء ، وأنه - سبحانه - قادر على أن يمنح نبيه نعمة القراءة ، بعد أن كان يجهلها . وقوله - تعالى -: ((الذى علم بالقلم، أى: علم الإنسان الكتابة بالقلم (( ولم يكن له علم بها، فاستطاع عن طريقها أن يتفاهم مع غيره، وأن يضبط العلوم والمعارف ، وأن يعرف أخبار الماضين وأحوالهم ، وأن يتخاطب بها مع الذين بينه وبينهم المسافات الطويلة . ومفعولا ((علم)، محذوفان، دل عليهما قوله ((بالقلم)) أى: علم ناساً الكتابة بالقلم . وتخصيص هذه الصفة بالذكر ، للإيمان إلى إزالته ما قد يخطر بباله صلى الله عليه وسلم - من تعذر القراءة بالنسبة له ، لجهله بالكتابة، فكأنه - تعالى - يقول له: إن من علم غيرك القراءة والكتابة بالقلم، قادر على تعليمك القراءة وأنت لا تعرف الكتابة ، ليكون ذلك من معجزاتك الدالة على صدقك ، وكفاك بالعلم فى الأمى معجزة . وجملة «علم الإنسان مالم يعلم، خبر عن قوله - تعالى - : ((وربك الأكرم، وما بينهما اعتراض، ويصح أن نكون بدل اشتمال مما قبلها ٦٤٣ سورة العلق وهو قوله ((علم بالقلم)) أى: علم الإنسان بالقلم وبدونه ما لم يكن يعلمه من الأمور على اختلافها . والمراد بالإنسان فى هذه الآيات جنسه. والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة ، يراها قد جمعت أصول الصفات الإلهية، كالوجود، والوحدانية، والقدرة، والعلم ، والكرم. قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات: ((فأول شيء من القرآن هذه الآيات الكريمات المباركات ، وهن أول رحمة رحم الله بها العباد ، وأول نعمة أنعم الله بها عليهم، وفيها التنبيه على ابتداء خلق الإنسان من علقة ؛ وأن من كرمه - تعالى - أن علم الإنسان ما لم يعلم ، فشرفه وكرمه بالعلم، وهو القدر الذى امتاز به أبو البرية آدم على الملائكة .. )) (١). وقال المرحوم الشيخ محمد عبده. ثم إنه لا يوجد بيان أبرع، ولا دليل أقطع على فضل القراءة والكتابة والعلم بجميع أنواعه ، من افتتاح الله كتابه وابتدائه الوحى، بهذه الآيات الباهرات، فإن لم يجد المسلمون بهذا الهدى ، ولم يفبههم النظر فيه إلى النهوض إلى تمزيق تلك الحجب التى حجبت عن أبصارهم فور العلم .. وإن لم يستر شدوا بفاتحة هذا الكتاب المبين ؛ ولم يستضيئوا بهذا الضياء الساطع .. فلا أرشدهم الله، (٢) . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك لأسباب التى تحمل الإنسان على الطغيان فقال: ((كلا إن الإنسان ليطغى. أن رآء استغنى .. )). و((كلاء جرف ردع وزج لمن تكبر وتمرد .. فهي زجرعما تضمنه ما بعدها؛ لأن ما قبلها ليس فيه ما يوجب الزجر والردع . ويصح أن (١) راجع تفسير ابن كثير حـ ٧ ص ٥٩) (٢) : ((جزء عم ص ٩٤ ٦٤٤ الجزء الثلاثون تكون ( كلا ) هنا بمعنى حقا. وقوله: (( يطغى)) من الطغيان ، و هو تجاوز الحق فى التكبر والتمرد. والضمير فى قوله ((رآه )) يعود على الإنسان الطاغى، والجملة متعلقة بقوله ((يطغى، بحذف لام التعليل،. والرؤية بمعنى العلم . والمعنى : حقاً إن الإنسان ايتعاظم ويتكبر ويتمرد على الحق، لأنه علم نفسه ذا غنى فى المال والجاه والعشيرة ، ورآها - لغروره وبطره .. ليست فى حاجة إلى غيره . والمراد بالإنسان هنا جنه لأن من طبع الإنسان أن يطغى: إذا ما كثرت النعم بين يديه، إلا من عصمه الله - تعالى - من هذا الخلق. الذميم، بأن شكره - سبحانه - على نعمة، واستعملها فى طاعته. وقيل المراد بالإنسان هنا أبو جهل ، وأن هذه الآيات وما بعدها حتى .. آخر السورة قد نزلت فى أبى جهل، فقد أخرج البخاري عن ابن عباس قال : قال أبو جهل: لئن رأيت محمداً يصلى عند الكعبة، لأطان على عنقه. فبلغ ذلك النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال: لئن فعل لأخذته. الملائكة )،(١). وفزول هذه الآيات فى شأن أبى جهل لا يمنع عموم حكمها ، ويدخل. فى هذا الحكم دخولا أوليا أبو جهل ، إذ العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب . وقوله - تعالى -: ((إن إلى ربك الرجعى ، تهديد ووعيد لهذا الطاغى . والرجعى مصدر بمعنى الرجوع. تقول: رجع إليه رجوعا ومرجعا ورجعی بمعنى واحد . والمعنى: لا تحزن - أيها الرسول الكريم - مما تفوه به هذا الطاغى. (١) راجع تفسير ابن كثير - ٤٦٠٧. ٦٤٥ سورة العلق -وأمثاله، فإن إلى ربك وحده مرجعهم، وشيشاهدون بأعينهم ما أعددناهلهم . من عذاب مهين، وسيعلمون حق العلم أن ما يتعاظمون به من مال ، ان يغنى عنهم من عذاب الله شيئا يوم القيامة . ثم عجب - سبحانه - نبيه - صلى الله عليه وسلم - من حال هذا الشقى وأمثاله، فقال: «أرأيت الذى ينهى. عبداً إذا صلى. فالاستفهام فى قوله - تعالى - ((أرأيت .. )) للتعجيب من جهالة هذا الطاغى، وانطماس بصيرته، حيث نهى عن الخير، وأمر بالشر، والمراد بالعبد: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتفكيره التفخيم والتعظيم. أى: أرأيت وعلمت - أيها الرسول الكريم - حالا أعجب وأشنع - من حال هذا الطاغى الأحمق ، الذى ينهاك عن إقامة العبادة لربك الذى - خلقك وخلقه . . وقوله - سبحانه -: ((أرأيت إن كان على الحدى أو أمر بالتقوى)) خطاب آخر للنبى - صلى الله عليه وسلم -: أى: أرأيت - أيها الرسول : الكريم - إن صار هذا الإنسان الطاغى الكافر على الهدى، فاتبع الحق، ودعا إلى البر والتقوى .. أما كان ذلك خيراً له من الإصرار على الكفر - ومن هيه إياك عن الصلاة . فجواب الشرط محذوف للعلم به . فالمراد بالهدى : اهتداؤه إلى الصراط المستقيم ، والمراد بالتقوى: . صيانة نفسه عن كل ما يغضب الله - تعالى - ، وأمره غيره بذلك. وقوله - تعالى -: ((أرأيت إن كذب وتولى. ألم يعلم بأن الله يرنى)) أى : أرأيت - أيها الرسول الكريم - إن كذب هذا الكافر بما جئته به - من عندنا، وتولى وأعرض عما تدعوه إليه من إيمان وطاعة لله رب العالمين .. "أرأيت إن فعل ذلك، أفلا أرشده عقله إلى أن خالق هذا الكون يراه، موسيجازيه بما يستحقه من عذاب مهين ؟ ٦٤٦ الجزء الثلاثون فالمقصود من هذه الآيات الكريمة التى تكرر فيها لفظ ((أرأيت» ثلاث مرات: تسلية النبى - صلى الله عليه وسلم - . وتقعجيبه من حال هذا الإنسان الطاغى الشقى، الذى أصر على كفره، وآثر الغى على الرشد، والشرك على الإيمان ... وتهديد هذا الكافر الطاغى بسوء المصير، لأن الله - تعالى - مطلع على أعماله القبيحة ، وسيعاقبه العقاب الأكبر . قال صاحب الكشاف : فإن قلت فأين جواب الشرط - أى فى قوله ... - تعالى -: ((أرأيت إن كان على الهدى)) -؟ قلت: هو محذوفه تقديره: إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى. ألم يعلم بأن الله يرى، وإنما. حذف لدلالة ذكره فى جواب الشرط الثانى . فإن قلت: فكيف صح أن يكون ((ألم يعلم)) جواباً للشرط؟ قلت كا صح فى قولك: إن أكرمتك أتسكرمنى؟ وإن أحسن إليك زبد هل تحسن إليه ؟ .. )) (١) . وقوله - سبحانه -: ((كلا لمن لم ينته لنفعا بالناصية .... )). ردع وزجر لهذا الكافر الطاغى الناهج عن الخير ، ولكل من يحاول. أن يفعل فعله . والسفع : الجذب بشدة على سبيل الإذلال والإهانة، تقول: سفعته بالشىء، إذا جذبته جذباً شديداً بحيث لا يمكنه التفلت أو الهرب .. . وقيل: هو الاحتراق، من قولهم: فلان سفعته النار، إذا أحرقته وغيرت. وجهه وجسده، والناصية : الشعر الذى يكون فى مقدمة الرأس . أو. كلا ليس الأمر كما فعل هذا الإنسان الطاغى، ولئن لم يقلع عنا (١) تفسير الكشاف = ٤ ص ٧٧٨ ٦٤٧ سورة العلق هو فيه من كفر وغرور ، لنقهرنه ولنذلنه ولنعذبته عذابا شديدا فى الدنيا والآخرة . والتعبير بقوله - تعالى -: ((لنسفعا بالناصية، يشعر بالأخذ الشديد ، والإذلال المهين ، لأنه كان من المعروف عندالعرب، أنهم كانوا إذا أرادوا إذلال إإنسان وعقابه، سحبوه من شعر رأسه. والتعريف فى الناصية ، للعهد التقديرى ، أى : بناصية ذلك الإنسان الطاغى، الذى كذب وتولى ، ونهى عن إقامة الصلاة .. وقوله - تعالى -: (( ناصية كاذبة خاطئة، بدل من الناصية ، وجاز إجمال النكرة من المعرفة، لأن الفكرة قد وضفت، فاستقلت بالفائدة . وخاطئة : اسم فاعل من خطىء فلان - كعلم - فهو خاطئ. وهو الذى يأتى الذنب متعمدا، ووصفت الناصية بأنها خاطئة مبالغة فى أحمد هذا الإنسان لارتكاب الشكر، على حد قولهم : نهاره صائم، أى: صاتم صاحبه ، ولأن الناسبة هى مظهر الغرور والكبرياء . أى: لئن لم ينته هذا الفاجر المغرور عن كفره .. لنذلنه إذلالا شديدا، ولتسحينه إلى النار من ناصية التى طالما كذبت بالحق ، وتعمدت ارتكاب المنكر .. وقوله - سبحانه -: « فليدع نادية ... رد على غروره وتفاخره بعشيرته، فقد جاء فى الحديث الشريف أن أبا جهل عند ما نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة، نهره النبى - صلى الله عليه وسلم - وزجره وأغلظ له القول ... فقال: أبو جهل: أُتهددنى يا محمد وأنا أكثر هذا الوادى ناديا، فأنزل - سبحانه -: «فليدع نادية سندع الزبانية . . وأصل النادى: المكان الذی يجتمع فيه الناس للحديث ، ولا يسمى - ٦٤٨ الجزء الثلاثون المكان بهذا الاسم إلا إذا كار معدا لهذا الغرض، ومنه دار الندوة ، وهى دار كان أهل مكة يجتمعون فيها للتشاور فى مختلف أمورهم، وسمى ذلك لأن الناس يَتْدُوُنّ إليه، أى: يذهبون إليه، أو ينتدون فيه، أى: يجتمعون للحديث فيه. يقال: ندا القوم نَدْواً - من باب غزا - إذا اجتمعوا . والأمر فى قوله - تعالى -: ((فليدع، للتعجيز، والكلام على حذف مضاف: أى : فليدع هذا الشقى المغرور أهله وعشير ته لإ یذاء النبى - عَلَّه -، ولمنعه من الصلاة، إن قدروا على ذلك ، فنحن من جانبنا سندع الزبانية ، وهم الملائكة الغلاظ الموكلون بعقاب هذا المغرور * وأمثاله. ولفظ الزبانية فى كلام العرب: يطلق على رجال الشرطة الذين يزبنون الناس، أى: بدفعونهم إلى ما يريدون دفعهم إليه بقوة وشدة وغلظة، جمع زيغية، وأصل اشتقاقه من الزْنِ، وهو الدفع الشديد. ومنه قولهم: حرب زبون، إذا اشتد الدفع والقتال فيها . وناقة زبون إذا كانت تركل من يحلبها . ٠٠ والمقصود بها تين الآيتين، التهكم بهذا الإنسان المغرور ، والاستخفاف به وبكل من يستنجد به ، ووعيده بأنه إن استمر فى غروره ونهيه عن الصلاة فيسلط الله - تعالى - عليه ملائكة غلاظا شدادا، لا قبل له ولا لقومه بهم . وقوله : - تعالى -: ((كلالا تطعه واسجد واقترب، ردع آخر لهذا الكافر عن الغرور والبطر والطغيان ، وإبطال لدعواه أنه سيدع أهل ناديه ، وتأكيد لعجزه عن منع الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة. ٦٤٩ سورة العلق أى: كلا ليس الأمر كما قال هذا المعرور من أن أهله وعشيرته سينصرونه، وسيقفون إلى جانبه فى منعك - أيها الرسول الكريم - من بعثالصلاة، فإنهم وغيرهم أعجز من أن يفعلوا ذلك، وعليك - أيها الرسول الكريم - أن تمضى فى طريقك، وأن تواظب على أداء الصلاة فى المكان الذى تختاره، ولا قطع هذا الشقى ، فإنه جاهل مغرور، وأسجد لربك ، .. وتقرب إليه - تعالى - بالعبادة والطاعة ، وداوم على ذلك . فالمقصود بهذه الآية الكريمة ، حض النبى - صلى الله عليه وسلم - على المداومة على الصلاة فى الكعبة ، وعدم المبالاة بنهى الناهين عن ذلك، فإنهم أحقر من أن يفعلوا شيئاً .. نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعاً من عباده الصالحين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟ القاهرة - مدينة نصر مساء الإثنين ٢٦ من صفر سنة ١٤٠٧هـ ٣٠ من أكتوبر سنة ١٩٨٦ م (م ٤٢ جزء عم) تفسيرسورة القدر ا يم انه الرحمن الرضية ٩٧ ((سورة القَدْر)) ١ - سورة ((القدر، من السور المكية عند أكثر من المفسرين، وكان نزولها بعد سورة ((عبس))، وقبل سورة ((الشمس))، فهى السورة الخامسة والعشرين فى ترتيب النزول .. ويرى بعض المفسرين أنها من السور المدنية، وأنها أول سورة نزلت بالمدينة . . قال الآلوسی: قال أبو حيان : مدفية فى قولالأكثر . وحكى الماوردى عكسه. وذكر الواحدى أنها أول سورة نزلت بالمدينة . وقال الخلال فى الإتقان فيها قولان: والأكثر أنها مكية .. )) (١). وعدد آياتها خمس آيات ، ومنهم من عدها ست آيات ، والأول أصح وأرجح .. ٢ - والسورة الكريمة من أهم مقاصدها: التنويه بشأن القرآن ، والإعلاء من قدره، والرد على من زعم أنه أساطير الأولين ، وبيان فضل الليلة التى نزل فيها، وتحريض المسلمين على إحيائها بالعبادة والطاعة لله رب العالمين . (١) تفسير الآلوسي - ٣٠ ص ١٧٨ ٦٥٣ سورة القدر قال - تعالى - : بِسْـ إِنَّ أَنْزَلْنَهُ فِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾ وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِيّ ◌َيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرِ هُ نَزَّلُ الْمَئِكَهُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّنِ كُلِ أَمْرٍ (٣) سَلَمُ هِىَ حتَّى مَطَعَ الْفَجْرِّ والضمير المنصوب فى قوله - تعالى - ,أنزلناه، يعود إلى القرآن الكريم، وفى الإتيان بهذا الضمير للقرآن ، مع أنه لم يجر له ذكر، تنويه بشأنه، وإيذان بشهرة أمره، حتى إنه ليستغنى عن التصريح به ، لحضور، فى أذهان المسلمين . والمراد بإنزاله : ابتداء نزوله على النبى - صلى الله عليه وسلم - ، لأنه من المعروف أن القرآن الكريم، قد نزل على النبى - صلى الله عليه وسلم - منجما، فى مدة ثلاث وعشرين سنة تقريباً. ويصح أن يكون المراد بأنزلناه ، أى : أنزلناه جملة من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، ثم نزل بعد ذلك منجها على النبى - عليه -. قال الإمام ابن كثير: قال ابن عباس وغيره: أنزل الله - تعالى - القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفصلا بحسب الوقائع، فى ثلاث وعشرين سنة ، على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، (٢). والقدر الذى أضيفت إليه الليلة ، بمعنى الشرف والعظمة ، مأخوذ (١) تفسير ابن كثير - ٧ ص ٤٦٣ ٦٥٤ الجزء الثلاثون من قولهم : لفلان قدر عند فلان، أى: له منزلة رفيعة، وشرف عظيم، فعت هذه الليلة بذلك، لعظم قدرها وشرفها، إذ هى الليلة التى نزل فيها قرآن ذو قدر، بواسطة تلك ذى قدر، على رسول ذى قدر، لأجل إكرام أمة ذات قدر، هذه الأمة يزداد قدرها وثوابها عند الله - تعالى-، إذا ما أحبوا تلك الليلة بالعبادات والطاعات .. ويصح أن يكون المراد بالقدر هنا: التقدير، لأن الله - تعالى - يقدر فيها ما يشاء تقديره لعباده، إلا أن القول الأول أظهر، لأن قوله - سبحانه - بعد ذلك: «وما أدراك ما ليلة القدر. يفيد التعظيم والتفخيم .. أى : إنا ابتدأنا بقدرتنا وحكمتنا، إنزال هذا القرآن العظيم ، على رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، فى ليلة القدر، التى لها مالها عندنا من قدر وشرف وعظم ... لأن للطاعة فيها قدرا كبيرا، وثوابا جزيلا . . . وليلة القدر هذه، هى الليلة التى قال الله - تعالى - فى شأنها فى سورة الدخان،: ((إنا أنزلناه فى ليلة مباركة إنا كنا منذرين. فيها يفرق كل أمر حكيم. أمرا من عندها إنا كنا مرسلين. رحمة من ربك إنه هو السميع العليم ٠٠، . وهذه الليلة هى من ليالى شهر رمضان، بدليل قوله - تعالى - : «شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن، هدى للناس وبينات من الهدى الفرقان ٠ قال بعض العلماء: ومن تسديد ترتيب المصحف، أن سورة القدر وضعت عقب سورة العلق ، مع أنها أقل عدد آيات من سورة البينة وسور بعدها، وكأن ذلك إماء إلى أن الضمير فى «أنزلناه، يعود إلى القرآن، ٦٥٥ سورة القدر . (١) . تالذى ابتدىء نزوله بسورة العلق . وقال صاحب الكشاف: عظم - سبحانه - القرآن من ثلاثة أوجه: أحدها: أن أسند إنزاله إليه، وجعله مختصابه دون غيره. والثانى أنه جاء بضميره دون اسمه الظاهر، شهادة له بالنباهة والاستغناء عن الننييه - عليه. والثالث : الرفع من مقدار الوقت الذى أنزل فيه . روى أنه أنزل جملة واحدة فى ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، وأملاه جبريل على السفرة ثم كان ينزل به على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحو ما فى ثلاث وعشرين سنة. وعن الشعبى: المعنى أنا ابتدأنا إنزاله فى ليلة القدر ... (٢). وقوله - تعالى -: ((وما أدراك ما ليلة القدر، تنويه آخر بشرف .هذه اللينة ، وتفخيم لشأنها ، حتى لكأن عظمتها أكبر من أن تحيط بها الكلمات والألفاظ . أى: وما الذى يدريك بمقدار عظمتها وعلو قدرها، إن الذى يعلم حقدار شرفها هو الله - تعالى - علام الغيوب. ثم بين - سبحانه - مظاهر فضلا فقال: ((ليلة القدر خير من ألف شهر ، أى : ليلة القدر أفضل من ألف شهر ، بسبب ما أنزل فيها من قرآن كريم يهدى التى هى أقوم، ويخرج الناس من الظلمات إلى النور، .وبسبب أن العبادة فيها أكثر ثواباً، وأعظم فضلا من العيادة فى أشهر كثيرة ليس فيها ليلة القدر . . والعمل القليل قد يفضل العمل الكثير، باعتبار الزمان والمكان ، (١) تفسير («التحرير والتنوير، ح٣٠ ص ٤٥٦ الشيخ ابن عاشور - رحمه أق ـ .(٢) تفسير الكشاف < ٤ ص ٧٨٠ ٢٥٦ الجزء الثلاثون وإخلاص النية، وحسن الأداء، ولله - تعالى - أن يخص بعض الأزمنة والأمكنة والأشخاص بفضائل متميزة .. والتحديد بألف شهر يمكن أن يكون مقصودا، ويمكن أن يراد منه - التكثير، وأن المراد أن أقل عدد تفضله هذه الليلة هو هذا العدد، فيكون. المعنى : أن هذه الليله تفضل الدهر كله . ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك مزية أخرى لهذه الليلة المباركة فقال : : ( تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر .... أى: ومن مزايا وفضائل هذه الليلة أيضاً، أن الملائكة - وعلى رأسهم. الروح الأمين جبريل - ينزلون فيها أفواجاً إلى الأرض، بأمره - تعالى -. وإذنه ، وهم جميعاً إنما ينزلون من أجل كل أمر من الأمور التى يريد إبلاغها إلى عباده، وأصل (تنزل) تتنزل، فحذفت إحدى التأمين تخفيفا ونزول الملائكة إلى الأرض ؛ من أجل نشر البركات التى تحفهم ، فنزولهم. فى تلك الليلة يدل على شرفها، وعلى رحمة الله - تعالى - بعباده . والروح : هو جبريل ؛ وذكره بخصوصه بعد ذكر الملائكة ؛ من باب ذكر الخاص بعد العام ، لمزيد الفضل؛ واختصاصه بأمور لا يشاركه فها غيره . وقوله - سبحانه - ((بإذن ربهم)) متعلق بقوله: ((تنزل))، والباء. السببية، أى: يتنزلون بسبب إذن ربهم لهم فى النزول .. قال الجمل ما ملخصه: وقو له : (( من کل أمر ، يحوز فى «من» وجهان : : أحدهما أنها بمعنى اللام، وتتعلق بتنزل . أى: تنزل من أجل كل أمرقضى إلى العام القابل . والثانى أنها بمعنى الباء، أى: تنزل بكل أمر قضاه الله. - تعالى - فيها من موت وحياة ورزق .. ٦٥٧ سورة القدر وليس المراد أن تقدير الله لا يحدث إلا فى تلك الليلة .. بل المراد إظهار تلك المقادير لملائكته ، (١). وقوله - تعالى -: «سلام هي حتى مطلع الفجر، بيان لمزية ثالثة من مزايا هذه الليلة. وقوله ((سلام، مصدر بمعنى السلامة. وهو خبر مقدم، و((هى)، مبتدأ مؤخر، وإنما قدم الخمر تعجيلا للمسرة، وقد أخبر عن هذه الليلة بالمصدر على سبيل المبالغة ، أو على سبيل تأويل المصدر باسم الفاعل، أو على تقدير مضاف .. والمراد بمطلع الفجر: طلوعه وبزوغه . أى: هذه الليلة يظلها ويشملها السلام المستمر والأمان الدائم، لكل مؤمن يحييها فى طاعة الله - تعالى - إلى أن يطلع الفجر. أو هى ذات سلامة حتى مطلع الفجر . أو هى سالمة من كل أذى وسوء لكل مؤمن ومؤمنة حتى طلوع الفجر . هذا وقد أفاض العلماء فى الحديث عن فضائل ليلة القدر، وعنوقتها، وعن خصائصها .. وقد لخص الإمام القرطبى ذلك تلخيصا حسنا فقال: وهنا ثلاث مسائل : الأولى: فى تعيين ليلة القدر .. والذى عليه المعظم أنها ليلة سبع وعشرين ... والجمهور على أنها فى كل عام من رمضان .. وقيل : أخفاها - سبحانه - فى جميع شهر رمضان، ليجتهدوا فى العمل والعبادة طمعا فى إدراكها . . الثانية : فى علاماتها ، ومنها أن تطلع الشمس فى صبيحتها بيضاء لا شعاع لها .. (١) حاشية الجمل على الجلالين = ٤ ص ٥٦٧ ٠ ٦٥٨ الجزء الثلاثون الثالثة: فى فضائلها. وحسبك قوله - تعالى -: (ليلة القدر خير ألف شهر، وقوله: تنزل الملائكة والروح فيها ... )) وفى الصحيحين: « من قام ليلة القدر إيمانا واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه .. )،(٢). نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من المنتفعين بهذه الليلة المباركة؟ وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. القاهرة - مدينة نصر مساء السبت ٢٨ من صفر سنة ١٤٠٧ هـ ١ / ١٩٨٦/١١ م (١) راجع تفسير القرطبى = ٢٠ ص ١٣٤ ٠ ( تفسير سورة ) البينة بسه الرحمن الرحيم. سورة « المحنة ٩٨ ١ - سورة ((البينة))، تسمى - أيضاً - سورة ((لم يكن .. )) وسورة ((المنفكين، وسورة ((القيمة)) وسورة ((البرية)) .. وعدد آياتها ثمان. آيات عند الجمهور، وعدها قراء البصرة تسع آيات. ٢ - وقد اختلف المفسرون فى كونها مدنية أو مكية، وقد لخص الإمام الألوسى هذا الخلاف فقال: ((قال فى البحر: هى مكية .. وقال ابن الزبير وعطاء بن يسار: مدنية .. وجزم أبن كثير بأنها مدنية، واستدل على ذلك بما أخرجه الإمام أحمد . . عن أبى خيتمة البدرى قال: لما نزلت هذه السورة، قال جبريل يارسول الله، إن ربك يأمرك أن تقربها , أبيا)). فقال - بِسَ لّ - لأبى بن كعب - رضى الله عنه - : إن جبريل أمرنى أن آفرنك هذه السورة، فقال: أبى ، أو قد ذكرت ثم يارسول الله؟ قال : نعم . فبكى أبى )) . وقد رجح الإمام الآلومى كونها مدنية ، فقال : وهذا هو الأصح (١). وهذا الذى رجحه الإمام الآلومى هو الذى نميل إليه، لأن حديثها (١) تفسير الألوسى = ٣٠ ص ٢٠٠