النص المفهرس

صفحات 621-640

٦٢١
سورة الشرح
وفوق ذلك فقدر فعنا لك ذكرك، بأن جعلناك رفيع الشأن ، سامى
المثزلة، عظيم القدر .. ومن مظاهر ذلك= أننا جعلنا اسمك مقروفا باسمنا
فى النطق النطق بالشهادتين .
وفى الأذان ، وفى الإقامة ، وفى التشهد ، وفى غير ذلك من العبادات،
وأننا فضلناك على جميع رسلنا، بل على جميع الخلق على الإطلاق، وأننا
أعمايناك الشفاعة العظمى، وجعلنا طاعتك من طاعتنا ..
قال الآلوسى = أخرج أبو يعلى ، وابن جرير .. عن أبى سعيد الخدرى
عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: أقانى جبريل فقال لى:
إن ربك يقول: أقدرى كيف رفعت ذكرك ؟ قلت: الله - تعالى - أعلم.
قال: ((إذا ذكرتُ ذكِر ت معى)».
ثم أضاف - سبحانه - إلى هذه النعم الجليلة ، ما يدخل السرور على
قلبه - صلى الله عليه وسلم -، وما يبعث الأمل فى نفسه وفى نفوس
أصحابه، بأن بين لهم سنة من سننه التى لا تتخلف فقال: «فإن مع
العسر يسرا. إن مع العسر يسرا).
والفاء للإفصاح، ومع بمعنى بعد، وأل فى العسر لا ستغراق أنواع
العسر المعروفة للمخاطبين . من فقر، وضعف ، وقلة فى الوسائل التى
تؤدى إلى إدراك المطلوب . والجملة الثانية مؤكدة ومقررة للجملة الأولى.
والتفكير فى قوله « يسرا، التفخيم.
والمعنى: إذا تقرر عندك ما أخبر ناك به، من شرح الصدر، ووضع
الوزر، ورفع الذكر .. فاعلم أنه ما من عسر إلا ويعقبه يسر ، وما من
شدة إلا ويأتى بعدها الفرج، وما من غم أوم ، إلا وينكشف، وتحل
مجله المسرة .. وما دام الأمر كذلك، فتذرع أنت وأصحابك بالصبر،
واعتصموا بالتوكل على الله، فإن العاقبة لكم ..

٦٢٣
الجزء الثلاثون
ففى هاتين الآيتين ما فيهما من تسلية للنبى - صلى الله عليه وسلم -
ولأتباعه ، ومن وعد صادق بأن کل صعب یلین ، و کلشدید یچون ، وكل
عسير يتيسر . . متى صبر الإنسان الصبر الجميل، وتسلح بالعزيمة القوية،
وبالإيمان العميق بقضاء الله - تعالى - وقدره.
وأكد - سبحانه - هاتين الآيتين ، لأن هذه القضية قد تكون موضع
شك ، خصوصا بالنسبة لمن تكاثرت عليهم الهموم وألوان المتاعب، فأراد
- سبحانه - أن يؤكد للناس فى كل زمان ومكان ، أن اليسر يعقب
العسر لا محالة، والفرج يأتى بعد الضيق، فعلى المؤمن أن يقابل المصائب
بصبر جميل ، وبأمل كبير فى تيسير الله وفرجه وقصره ..
وقال - سبحانه - «مع العسر يسرا)) ولم يقل بعد العسر يسرا، للإشعار
بأن هذا اليسر ، ليس بعد العسر بزمن طويل، وإنما هو سيأتى فى أعقابه
بدون مهلة طويلة، متى وطن الإنسان نفسه على الصبر والأمل فى فرج
الله - تعالى - .
وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره هاتين الآيتين بعض الآثار،
منها ما رواه ابن أبى حاتم، عن عائذ بن شريح قال: سمعت أنس بن مالك
يقول: كان النبى - صلى الله عليه وسلم - جالسا وحياله حجر فقال: لوجاء
العسر فدخل هذا الحجر ، لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه ... .
وعن الحسن قال: كانوا يقولون : لا يغلب عسر واحد يسرين اثنين.
وعن قتادة: ذكر لنا أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بشر أصحابه
فقال: ((لن يغلب ء و يسرين)).
ومعنى هذا أن العصر مُعرَّف فى الحالين، فهو مفرد ، واليسر منكر
فتعدد، ولهذا قال: ((أن يغلب عسر يسرين، فالعسر الأول عين الثانى،

٦٢٣
سورة الشرح
بواليسر تعدد)) (١).
وقال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف تعلق قوله: ((فإن مع
العسر يسرا، بما قبله؟ قلت: كان المشركون يعيرون رسول الله - بحق -
والمؤمنين بالفقر .. فذكره الله - تعالى - بما أنعم به عليه من جلائل النعم
ثم قال: ((فإن مع العسر يسرا،، كأنه قال = خولناك ما خو لناكفلا قياس
من فضل الله، فإن مع العسر الذى أنتم فيه يسرا.
فإن قلت ((إن مع، للصحبة، فما معنى اصطحاب اليسر للعسر؟ قلت:
أراد أن الله يصيبهم بيسر بعد العسر الذى كانوا فيه بزمان قريب، فقرب
اليسر المترقب حتى جعله كالمقارن للمسر، زيادة فى القسلية ، وتقوية
القلوب .
فإن قلت : فما المراد بالبسرين ؟ قلت: يجوز أن يراد بهما ما تيسير لهم
- من الفتوح فى أيام النبى - صلى الله عليه وسلم - ، وما تيسرلهم فى أيام
الخلفاء .. وأن يراد يسر الدنيا ويسر الآخرة .
فإن قلت: فما معنى هذا التفكير ؟ قلت التفخيم، كأنه قال: إن مع
العسر يسرا عظيما وأى يسر .. (٢).
وبعد هذا التعديد لتلك النعم العظيمة . أمر الله - تعالى - نبيه
- صلى الله عليه وسلم - فى الاجتهاد فى العبادة فقال - تعالى -: ( فإذا
فرغت فانصب . وإلى ربك فارغب)).
(١) تفسير ابن كثير حـ٧ ص ٤٥٤.
.(٢) تفسير الكشاف حـ ٤ ص ٧٧١ .

٦٢٤
الجزء الثلاثون
وأصل الفراغ خلو الإناء مما بداخله من طعام أو غيره ، والمراد به هنا).
الخلو من الأعمال التى تشغل الإنسان . والنصب : التعب والاجتهاد فى.
تحصيل المطلوب .
أى : فإذا فرغت - أيها الرسول الكريم - من عمل من الأعمال،
فاجتهد فى مزاولة عمل آخر من الأعمال التى تقربك من الله - تعالى -4.
كالصلاة، والتهجد، وقراءة القرآن . .
واجعل رغبتك فى جميع أعمالك وعباداتك . . من أجل إرضاء ربك،
لا من أجل شىء آخر ، فهو وحده القادر على إبلاغك ما تريد ، وتحقيق
آمالك .
فالمقصود بها تين الآيتين: حثه - صلى الله عليه وسلم - وحث أتباعه
فى شخصه، على استدامة العمل الصالح، وعدم الانقطاع عنه ، مـع
إخلاص النية لله - تعالى -، فإن المواظبة على الأعمال الصالحة مع الإخلاص.
فيها، تؤدى إلى السعادة التى ليس بعدها سعادة ..
ولقد استجاب - صلى الله عليه وسلم - لهذا الإرشاد الحكيم، فقد
قام الليل حتى قورمت قدماء، وعندما مثل لم كل هذه العبادة ، وقد غفر
الله لك ما تقدم من ذنبك، قال: ((أفلا أكون عبدا شكورا)).
دسار أصحابه من بعده على هذا الهدى القويم ، فعمروا حياتهم ..
بالباقيات الصالحات من الأعمال ، دون أن يكون للفراغ السى . ..
مكان فى حياتهم، بل واصلوا الجهاد بالجهاد، وأعمال البر بمثلها ..
ومن أقوال عمر بن الخطاب - رضى الله عنه -: ((إنى لأ كره لأحدكم.
أن يكون خاليا ، لا فى عمل دنيا ولا دين)).

٦٢٥
سورة الشرح
وفى رواية أنه قال : إنى لأنظر إلى الرجل فيعجبنى، فإذا قيل إنهـ
لا عمل له سقط من عينى)).
نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعا ممن يعمرون أوقاتهم بالأعماله.
الصالحة ، والخالصة لوجهه الكريم .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ؟
القاهر - مدينة نصر
صباح السبت ٢١ من صفر سنة ١٤٠٧ ه
٢٥ من أكتوبر سنة ١٩٨٦ م

تَفْسِيْرُسُورَة
التين

بِسْم اللهالرحمن الرحيم
٩٥ سورة ((التين)
١ -: تسمى - أيضاً - سورة ((والتين، وعدد آياتها ثمان آيات»
. والصحيح أنها مكية .
وقد روى ذلك عن ابن عباس وغيره، ويؤيد كونها مكية ، القسم.
بمكة فى قوله - تعالى -: ((وهذا البلد الأمين،، وعن قتادة أنها مدينة،
وهو قول لا دليل عليه .
وكان نزولها بعد سورة ((البروح))، وقبل سورة ((لإيلاف قريش)).
٢ - وقد اشتملت هذه السورة الكريمة، على التنبيه بأن الله - تعالى-
قد خلق الإنسان فى أحسن تقويم، فعليه أن يكون شاكر الخالقه، مخلصاله
العبادة والطاعة . .
قال - تعالى -:
بِشْـ
وَأَلْتِيْنِ وَاْلَّيْتُونِ ﴾ وَطُورٍ سِبِنَ ﴾ وَهَذَا الْبَدِالْأَمِينِ يَ لَقَدْ
خَلَقْنَا ◌ْإِنسَنَ فِ أَحْسَنِ تَقْوٍِ جَ مْ رَدَدْنَهُ أَسْفَلَ سَفِلِينَ ﴾
إِلَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ فَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ عَمْنُونٍ يَّ ◌َّا
◌ُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ( أَلَيْسَ الله ◌ِأَحَّْ الْحَكِينَ ﴾

٦٢٩
سورة التين
أنفق المفسرون على أن المراد بطور سينين: الجبل الذى كلم الله
- تعالى - عليه موسى - عليه السلام - وسينين، وسيناء، وسينا، أسم
البقعة التى فيها هذا الجبل، فإضافة ((طور) إلى ما بعده، من إضافة
الموصوف إلى الصفة .
قال الإمام الشوكانى: ((وطور سينين، هو الجبل الذى كلم اللّه عليه
هومى ، اسمه الطور. ومعنى سيتين: المبارك الحسن .. وقال مجاهد:
-سينين كل جبل فيه شجر مشمر، فهو سينين وسيناء ..
قال الأخفش: طور: جبل . وسينين شجر، واحدة سينة، ولم
-ينصرف سينين كما لم ينصرف سيناء، لأنه جعل انها للبقعة .. )) (١).
وأقسم - سبحانه - به، لأنه من البقاع المباركة، وأعظم بركة حلت به
ووقعت فيه، تكليم الله - تعالى -، لنبيه موسى - عليه السلام -.
كما انفقوا - أيضاً - على أن المراد بالبلد الأمين: مكة المكرمة، وسمى
بالأمين لأن من دخله كان آمنا ، وقد حرمها - تعالى - على جميع خلقه ،
وحرم شجرها وحيوانها ، وفى الحديث الصحيح، أن النبى - صلى اللّه
عليه وسلم - قال بعد فتحها: إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض
فهى حرام إلى أن تقوم الساعة، لم تحل لأحد قبلى، ولن تحل لأحد
بعدى، ولم تحل لى إلا ساعة من نهار، فلا يعضد - أى: يقطع - شجرها،
. ولا ينفر صيدها، ولا تحمل لقطتها إلا لمنشد .. )).
إلا أن خلافهم فى المراد بقوله - تعالى -: ((والتين والزيتون))،
- وقد ذكر الإمام القرطى هذا الخلاف فقال ما ملخصه: قوله: «والتين
والزيتون)): قال ابن عباس وغيره: هو تينكم الذى تأكلون، وزيتونكم
(١) تفسير فتح القدير ح ٥ ص ٠٤٦٥

٦٣٠
الجزء الثلاثون
الذى تعصرون منه الزيت. قال - تعالى -: ((وشجرة تخرج من طور
سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين) - وهى شجرة الزيتون -.
وقال أبو ذر: أهدى النبى - مَلَّم - مَل تين، فقال . . كلوا))
وأكل منه. ثم قال:« لو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة، لقلت هذه .. »
وعن معاذ: أنه استاك بقضيب زيتون، وقال: سمعت النى - زلت -:
يقول (( نعم السواك الزيتون، من الشجرة المباركة .. )).
وقيل : التين : مسجد فوح - عليه السلام - الذى بنى على جبل
الجودى . والزيتون: مسجد بيت المقدس .
وقيل: التين المسجد الحرام، والزيتون المسجد الأقصى . وقيل:
٠٫٠
التين مسجد دمشق . والزيتون : بيت المقدس .
وقيل : التين : الجبل الذى عليه دمشق، والزيتون: مسجد إيليا ...
وقيل: هما جبلان بالشام يقال لهما طور ثينا وطور زيتا ، سميا بذلك.
لأنهما ينبتانهما ..
ثم قال الإمام القرطى: وأصح هذه الأقوال: الأول، لأنه الحقيقة،.
ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل . وإنما أقسم بالتين لأنه كان
ستر آدم فى الجنة، لقوله - تعالى - : ((يخصفان عليهما من ورق الجنة))
وكان ورق التين ، ولأنه كثير المنافع ..
وأقسم بالزيتون لأنه الشجرة المباركة ، قال - تعالى - : ((يوقد من
شجرة مباركة زيتونه .. وفيه منافع كثيرة .. ))(١) .
وقال الإمام ابن جرير بعد أن ساق جملة من الأقوال فى المقصود
بالتين والزيتون والصواب من القول فى ذلك عندنا ، قول من قال:
(١) راجع تفسير القرطبى = ٢٠ ص ٠١١١

٦٢١
سورة التين
التين : هو التين الذى يؤكل . والزيتون : هو الزيتون الذى يعصر منه
الزيت، لأن ذلك هو المعروف عند العرب، ولا يعرف جبل يسمى قينا،
ولا جبل يقال له زيتون .. إلا أن يقول قائل: المراد من الكلام القسم
بمنابت التين، ومنابت الزيتون، فيكون ذلك مذهبا؛ وإن لم يكن على
· صحة ذلك أنه كذلك ؛ دلالة فى ظاهر التنزيل ... (١).
وما ذهب إليه الإمامان : ابن جرير والقرطبى؛ من أن المراد بالتين
والزيتون؛ حقيقتهما؛ هو الذى نميل إليه؛ لأنه هو الظاهر من معنى
اللفظ ، ولأنه ليس هناك من ضرورة تحمل على مخالفته، ولله- تعالى -
أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، فهو صاحب الخلق والأمر ؛ تبارك الله
رب العالمين .
وجملة: ((لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم .. ، وما عطف عليه
جواب القسم.
أى: وحق التين الذى هو من أحسن الثمار، صورة وطعما وفائدة،
وحق الزيتون الذى يكفى الناس حوائج طعامهم وإضاءتهم ، وحق هذا
البلد الأمين ، وهو مكة المكرمة، وحق طور سينين الذى كلم الله - تعالى-
عليه نبيه موسى تكلما . .
وحق هذه الأشياء .. لقد خلقنا الإنسان فى أعدل قامة، وأجمل
صورة، وأحسن هيئة ، ومنحناه بعد ذلك ما لم تمنحه أغيره ، من بيان
فصيح ، ومن عقل راجح، ومن على واسع، ومن إرادة وقدرة على تحقيق
ما يبتغيه فى هذه الحياة ، بإذننا ومشيئتنا ..
والتقويم فى الأصل : تصير الشىء على الصورة التى ينبغى أن يكون
عليها فى التعديل والتركيب. تقول: قومت الشىء تقويما، إذا جعلته على
(١) راجع تفسير ابن جرير ــ ٣٠ ص ١٥٣

٦٣٢
الجزء الثلاثون
أحسن الوجوه التى ينبغى أن يكون عليها .. وهذا الحسن يشمل الظاهر
والباطن للإنسان . .
والمراد بالإنسان هنا: جنسه. أى: لقد خلقنا - بقدرتنا وحكمتنا -
جنس الإنسان فى أكمل صورة ، وأحكم عقل ..
وقوله - تعالى -: (( ثم رددناه أسفل سافلين، معطوف على ماقبله
. وداخل فى حيز القسم . وضمير الغائب يعود إلى الإنسان ..
وحقيقة الرد : إرجاع الشىء إلى مكانه السابق، والمراد به هنا: تصدير
الإنسان على حالة غير الحالة التى كان عليها. وأسفل: أفعل تفضيل، أى :
أشد سفالة ما كان يتوقع ..
والمفسرين فى هذه الآية الكريمة اتجاهات منها : أن المراد بالرد هنا:
الرد إلى المكبرو الضعف، كما قال - تعالى -: ((الله الذى خلقكم من
ضعف ، ثم جعل من بعد ضعف قوة ، ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة،
يخلق ما يشاء، وهو العليم القدير)) (١).
وعلى هذا الرأى يكون المرد ودون إلى أسفل سافلين، أى: إلى أرذل
العمر، ثم بعض أفراد جنس الإنسان ، لأنه من المشاهد أن بعض الناس ثم
الذين يعيشون تلك الفترة الطويلة من العمر، كما قال - تعالى - :«هو
الذى خلقكم من تراب، ثم من نطفة ، ثم من علقة ، ثم يخرجكم طفلا،
ثم لتبلغوا أشدكم، ثم لتكونوا شيوخا، ومنكم من يتوفى من قبل،
ولتبلغوا أجلا مسمى، ولعلكم تعقلون، (٢).
وقد رجع ابن جرير هذا الرأى فقال: ((وأولى الأقوال فى ذلك
(١) سورة الروم. الآية ٠٥٤
(٢) سورة غافر . الآية ٦٧.

٦٣٣
سورة التين
-عندى بالصحة، وأشبهها بتأويل الآية، قول من قال معناه: ثم رددناه إلى
أرذل العمر، إلى عمر الخَرْ فى الذين ذهبت عقولهم من الهرم والكبر،
- فهو فى أسفل من سفل فى إدبار العمر، وذهاب العقل .. » (١).
ومنها أن المراد بالرد هنا: الرد إلى النار، والمعنى: لقد خلقنا الإنسان
فى أحسن تقويم، ثم رددناه إلى أفبح صورة، وأخس هيئة .. حيث
: ألقينا به فى أسفل سافلين، أى: فى النار، بسبب استحبا به العمى على
الهدى، والكفر على الإيمان ..
وقد رجح هذا الرأى ابن كثير فقال: قوله: «ثم رددناه أسفل السافلين،
أى : إلى النار ...
أى : ثم بعد هذا الحسن والنضارة، مصيره إلى النار، إن لم يطع الله
- تعالى - ويتبع الرسل.
ولهذا قال: ((إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات .. ، (٢).
وعلى هذا الرأى - أيضاً - ، يكون المرد ودون إلى أسفل سافلين،
أى: إلى النار ، هم بعض أفراد جنس الإنسان، وهم الكفار، والفاسقون
عن أمره - تعالى - .
ومنها أن المراد بالرد إلى أسفل سافلين هنا : الانحراف والارتداد
عن الفطرة التي فطر الله - تعالى - الناس عليها، بأن يعبد الإنسان
مخلوقا مثله ، ويقرك عبادة خالقه ، ويطيع نفسه وشهواته وهواه ...
ويترك طاعة ربه - عز وجل - . .
وقد فصل الأستاذ الإمام هذا المعنى فقال ما ملخصه: أقسم - سبحانه-
أنه قوم الإنسان أحسن تقويم، وركبه أحسن تركيب، وأكد - سبحانه-
(١) راجع تفسير ابن جرير حـ ٣٠ ص ٠١٥٧
.(٢) تفسير ابن كثير حـ ٧ ص ٤٥٧ .
(م ٤١ - جزء عم)

٩٣٤
الجزء الثلاثون
ذلك بالقسم، لأن الناس بسبب غفلتهم عما كرمهم الله به ، صاروا كأنهم
ظنوا أنفسهم كسائر أنواع العجماوات : يفعلون كما تفعل ، لا يمنعهم حيا.
ولا تردهم حشمة .. فانحطت بذلك نفوسهم عن مقامها، الذى كان لها.
بمقتضى الفطرة . .
فهذا قوله: ( ثم رددناه أسفل سافلين)). أى: صير ناه أسفل من كثير.
من الحيوانات ، التى كانت أسفل منه، لأن الحيوان المفترس - مثلا -
إنما يصدر فى عمله عن فطرته التى فطر عليها، لم ينزل عن مقامه، وله.
ينحط عن منزله فى الوجود .
أما الإنسان فإنه بإهماله عقله ، وجهله بما ينبغى أن يعمله لتوفير
سعادته وسعادة إخوانه ، ينقلب أرذل من سائر أنواع الحيوانى، ولطالما
قلت: ((إذا فسد الإنسان فلا تسل عما يصدر عنه من هذيان.
أو عدوان)، (١).
والذى يتأمل الرأى الثانى والثالث يرى أن بينهما تلازما، لأن الانحراف.
عن المطرة السوية يؤدى إلى الدخول فى النار وبئس القرار، وهذان الرأيان.
أولى بالقبول، لأن الاستثناء فى قوله - تعالى - بعد ذلك: (( إلا الذين.
آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنوز، يزيد ذلك ، إذ المعنى عليهما:
« لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم. ثم رددناه إلى النار بسبب انحرافه.
عن الفطرة، وإيثاره الغى على الرشد، والكفر على الإيمان ..
إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وساروا على مقتضى فطرتهم،
فأخلصوا لله - تعالى - العبادة والطاعة .. فلهم أجر غير مقطوع عنهم،
أو غير منون به عليهم، بل هم قد اكتسبوا هذا الأجر الدائم العظيم ..
بسبب إيمانهم وعملهم الصالح ..
(١) راجع تفسير جزء عم حـ (٩ للشيخ محمد عبده - رحمه الله -.

٦٣٥
سورة التين
قال الآلوسى ما ملخصه= قوله: ((ثم رددناه أسفل سافلين، ((ثم)، هنا
التراخى الزمانى أو الرقبى، والرد يجوز أن يكون بمعنى الجعل ، فينصب
مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر ، فأسفل مفعول ثان . والمعنى ثم جعلناه
من أهل النار ، الذين هم أقبح، وأسفل من كل سافل .. ويجوز أن يكون
الرد بمعناه المعروف، وأسفل منصوب بنزع الخافض ..
أى: رددناه إلى أسفل الأمكنة السافلة وهو جهنم ..
وقوله: ((إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، استثناء متصل من ضمير
(((هدفاء)) العائد على الإنسان، فإنه فى معنى الجمع؛ فالمؤمنون لايردون
أسفل سافلين يوم القيامة، بل يزدادون بهجة إلى بهجتهم ، وحسنا على
حمنهم ٠٠)، (١).
و((ما، فى قوله - سبحانه -: (( فما يكذبك بعد بالدين، اسم
استفهام مبتدأ، وخبره جملة «يكذبك)). والخطاب للإنسان الذين خلقه الله
- تعالى - فى أحسن تقويم . ففى الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب.
والاستفهام الإنكار والتعجيب من هذا الإنسان ..
والمعنى: فأى شىء يحملك - أيها الإنسان - على التكذيب بالدين
وبالبعث وبالجزاء ، بعد أن خلقناك فى أحسن تقويم . وبعد أن أن أقنالك
الأدلة على أن دين الإسلام هو الدين الحق، وعلى أن رسولنا صادق فيما
يبلغك عن ربه - عز و چل ۔؟
فالمقصود بقوله - تعالى -: ((يكذبك .: يجعلك مكذبا، أى:
لا عذرلك فى التكذيب بالحق، وقيل الخطاب للنبي - الم -،
وتكون ((ما)) بمعنى (( مَنْ))، ويكون الاستفهام بها عن ذوات المخاطبين
أى : فمن ذا الذى يكذبك - أيها الرسول الكريم - ويكذب بيوم الدين
والجزاء ، بعد أن ظهرت الدلائل على صدقك .. ؟.
(١) راجع تفسير الآلونى = ٣٠ ص ٠١٧٦

٦٣٦
الجزء الثلاثون
إن كل عاقل يجب عليه أن يصدقك ولا يكذبك ، ويتبعك
ولا يعرض عنك .
والاستفهام فى قوله - تعالى -: ((أليس الله بأحكم الحاكمين))
للتقرير ؛ إذ الجملة الكريمة تحقيق لما ذكر من خلق الإنسان فى أحسن
تقويم ، ثم رده إلى أسفل سافلين .
فكأنه - تعالى - يقول: إن الذى فعل ذلك كله هو أحكم الحاكمين
خلقا وإيجادا، وصنعا وتدبيرا، وقضاء وتقديرا ، فيجب على كل عاقل
أن يخلص له العبادة والطاعة، وأن إيتبع رسوله - بَلَّم - فى كل ما جاء به
من عند ربه - عز وجل - .
وقد روى الإمام الترمذى عن أبى هريرة قال: قال رسول الله-چچغ.
((من قرأمنكم ((والتين والزيتون .. )) ثم انتهى إلى قوله - تعالى -
((أليس الله بأحكم كمين، فليقل: بلى؛ وأنا على ذلك من الشاهدين)) (١)
نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من عباده الصالحين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصبه وسلم.
القاهرة - مدينة نصر
مساء الأحد ٢٢ من صغر سنة ١٤٠٧ هـ
٢٦ من أكتوبر سنة ١٩٨٦ م
,٠
(١) تفسير ابن كثير - ٧ ص ٤٥٧.

تفسيرسورة
العلق

بسم الله الرحمن الرحيم
تفسير سورة ((العلق»
٩٦
١ - هذه السورة الكريمة تسمى سورة العلق، وتسمى سورة (اقرأ)،
وعدد آياتها تسع عشرة آية فى المصحف الكوفى ، وفى الشامى ثمان
"عشرة آية ، وفى الحجازى عشرون آية .
وصدر هذه السورة الكريمة يعتبر أول ما نزل من قرآن على النبى
- صلى الله عليه وسلم - .
٢ - ومن أغراضها: التنويه بشأن القراءة والكتابة، والعلم والتعلم،
والتهديد لكل من يقف فى وجه دعوة الإسلام التى جاء بها النبى - حزب -
من عند ربه - عز وجل -، وإعلام النبى - صَ ل ـ بأن الله - تعالى-
مطلع على ما يبيته له أعداؤه من مكر وحقد، وأنه - سبحانه - قامعهم
وقاصره عليهم، وأمره - صلى الله عليه وسلم - بأن يمضى فى طريقه،
دون أن يلتفت إلى مكرهم أو سفاهاتهم ..

٦٣٩
سورة العلق
قال - تعالى - :
الشـ
اقْرَأْ بِسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقِ يَ أَقْرَأْ
وَرَبُّكَ آلْأَكْرَمُ ◌َ الَّذِىِ عَلَمَبِالْقَلَِيْ عَلَّمَ اْإِنسَنَ مَرَ بَعْلَمْيَّ
كَّ إِنَّ الْإِنسَنَ لَيَطْغَيِّ ﴾ أَن رَّءَاهُ أَسْتَغْنَىّ ﴾ إِنَّ إِلَى رَبِّكَ
الرَّجْعَقِّ ي أَّيْتَ الَّذِى يَنْهَى (ج) عَبْدًا إِذَا صَلَ ◌ّه أَرَيْتَ إِن
كَانَ عَلَى الْهُدَىّ (٨) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَىّ (٢) أَرَءَيْتَ إِن كَذَّبَ
وَتَوَلَّ ◌َ أَمْ يَعْلَ بِأَنَّ اللّهَ يَرَى (َ كَلََّ لَيْنِ لَّْ يَفْتَهِ لَنَسْفَعَا
◌ِالنَّاصِيَةِ (٢ نَاصِيَةٍ كَذِبَةٍ خَطِئَةٍ (٦﴾ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (
١٧
سَنَدْعُ الَّبَانِيَةَ (٨ّ كََّ لَا تُطِعُهُ وَأَعْجُدٌ وَأُقْتَرِب
١٩
مد
وقد أجمع المحققون من العلماء ، على أن هذه الآيات الكريمة ، أول
ما نزل على الرسول - صلى الله عليه وسلم - من قرآن على الإطلاق، فقد
أخرج الشيخان وغيرهما عن عائشة قالت : أول ما بدىء به رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - من الوحى، الرؤيا الصالحة فى النوم. فكان لا يرى
رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار
حراء فيتحنث - أى: فيتعبد فيه الليالي ذوات العدد، ثم يرجع إلى خديجة
ڤيتزود لذلك . حتى جاءه الحق وهو في غار حراء،

٦٤٠
الجزء الثلاثون
فجاءه الملك فقال له: « اقرأْ، قال: ما أنا بقارىء، قال - صلى الله
عليه وسلم - فأخذفى فغطنى حتى بلغ الجهد، ثم أرسلنى فقال: « اقرأ»
فقلت : ما أنا بقارى.، فأخذنى فعطى الثانية حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلنى.
فقال: (( اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ .. فأخذنى فغطى الثالثة حتى بلغ الجهد ..
ثم أرسلنى فقال: «اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من ..
علق .. )) (١).
وما ورد من أحاديث تفيد أن أول سورة نزلت هى سورة الفاتحة، -
فمحمول على أن أول سورة نزلت كاملة هى سورة الفاتحة .
كذلك ما ورد من أحاديث فی أن أول ما نزل سورة المدثر ، محمول.
على أن أول ما نزل بعد فترة الوحى ، أما صدر سورة العلق فكان نزوله ..
قبل ذلك .
قال الآلوسى - بعد أن ساق الأحاديث التى وردت فى ذلك - :
((وبالجملة)) فالصحيح - كما قال البعض وهو الذى أختاره - أن صدر
هذه السورة الكريمة، هو أول ما نزل من القرآن على الإطلاق ..
وفى شرح مسلم: الصواب أن أول مانزل اقرأ، أى: مطلقاً. وأول.
ما نزل بعد فقرة الوحى، يا أيها المدثر، وأما قول من قال من المفسرين،
أول ما نزل الفاتحة، فبطلانه أظهر من أن يذكر، (٢) .
والذى نرجحه ونميل إليه أن أول ما نزل من قرآن على الإطلاق،
هو صدر هذه السورة الكريمة إلى قوله ((ما لم يعلم))، لورود الأحاديث ..
الصحيحة بذلك، أما بقيتها فكان نزوله متأخرا.
(١) راجع تفسير ابن كثير -٧ ص ٤٦٠
(٢) تفسير الآلوسى = ٣٠ ص ١٧٨