النص المفهرس

صفحات 601-620

دَفسِيرُسُورَة
[ الضحى
(م ٢٩ - جر. عم )

بسم اله الرحمن الرحيم
٩٣ سورة (( الضحى))
١ - سورة ((الضحى، من السور المكية الخالصة، بل هى من.
أوائل السور المكية، فقد كان نزولها بعد سورة ((الفجر)) وقبل سورة
• الانشراح،، وتعتبر بالنسبة لترتيب النزول السورة الحادية عشر من.
بين السور المكية ، أما ترتيبها فى المصحف فهى السورة الثالثة والتسعون.
وعدد آياتها إحدى عشرة آية .
٢ - والقارىء لها، يرى بوضوح أنها نزلت فى فترة تأخر نزول.
الوحى فيها على النبى - صلى الله عليه وسلم -، وأن المشركين قد أشاعوا)
الشائعات السكاذبة حول سبب تأخر الوحى، فنزلت هذه السورة الكريمة،
تخرس ألسنتهم، ولتبشر النبى - صلى الله عليه وسلم - برضاربه
- تعالى - عنه ، ولتسوق جانباً من نعم(خالقه علیه ، ولقرشده- بل.
وترشد أمته فى شخصه - بالمداومة على مكارم الأخلاق ، التى من.
مظاهرها: العطف على اليقيم، والإحسان إلى السائل ، وعدم كتمان نعم»
الله - تعالى -.

٦٠٣
سورة الضحى
قال - تعالى :
بِسُـ
وَالضُّحَى ﴾ وَأَلَّيْلِ إِذَا سَجَىء ◌ٌ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (g)
مَوَلَلَِّرَةُ خَيْلَّكَ مِنَ الْأُولَ ئِ وَسَوْفَ يُعْطِكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ◌ّ
◌َأَلْ يَجِدْكَ يَقِيمًا فَقَاوَى (﴾ وَوَجَدَكَ ضَآلًّا فَهَدَى (يٌ وَوَجَدَكَ
عَلًا فَأَغْنَى (﴾ فَأَمَّ الْبَتِيَمَ فَلَا تَقْهَرُ ﴾ وَأَمَّا السَّآبِلَ
فَلَا تَنْهَرْ (ٌ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ لَحَدِّثْ
وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه السورة الكريمة روايات
منها : ما أخرجه الإمام البخارى ومسلم وغيرهما عن جندب بن سفيان
قال: أشتكى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يقم ليلة أو ليلتين،
فأنت امرأة - وفى رواية أنها أم جميل امرأة أبى لهب ـ فقالت: يا محمد ،
ما أرى شيطانك إلا قد تركك. فأنزل الله - تعالى -: «والضحى والليل
إذا سجى . ما ودعك ربك وما قلى ....
وأخرج ابن أبى شيبة والطبرانى وابن مردويه , من حديث خولة ،
وكانت تخدم النبى - صلى الله عليه وسلم - أن جروا دخل تحت سرير
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمات، فمكث التى - صلى الله عليه
وسلم - أياماً لا ينزل عليه الوحى، فقال - صلى الله عليه وسلم - يا خولة
ماذا حدث فى بيتى، إن جبريل لا يأتينى . قالت خولة: فقلت يا نبى الله
ما أتى علينا يوم خير منا اليوم. فأخذ برده فلبسه وخرج، فقلت فى نفسى

٦٠٤
الجزء الثلاثون
لو هيأت البيت وكنسته ، فأهويت بالمكنسة تحت السرير ، فإذا بشىء
ثقيل، فلم أزل به حتى بدا لى الجرو ميتاً، فأخذته بيدى، فألقيته خلف
الدار، فجاء - صلى الله عليه وسلم - ترعد لحيته - وكان إذا نزل عليه
الوحى أخذته الرعدة - فقال باخولة: دثرينى؛ فأنزل الله - تعالى-
هذه السورة ...
وذكر بعضهم: أن جبريل - عليه السلام - أبطأ فى نزوله على النبى
- صلى الله عليه وسلم ـ، فقال المشر كون: قد قلاه ربه وودعه. فأنزل.
الله - تعالى - هذه الآيات (١).
والضحى : هو وقت ارتفاع الشمس بعد إشراقها، وهو وقت النشاط
والحركة، والإقبال على السعى والعمل .. ولذا خص بالقسم به . وقيل:
المراد بالضحى هنا : النهار كله ، بدليل أنه جعل فى مقابلة الليل كله .
والأولى أولى، لأن الضحى يطلق على وقت انتشار ضياء الشمس حين
ترتفع، وتلقى بأشعتها على الكون ، ويبرز الناس لأعمالهم المتنوعة .
ومعنى ((سجى»: سكن. يقال: سجا الليل يسجو سجوا، إذا سكن
وهدأ وأسدل ظلامه على الكون . ويقال: تسجى فلان بملابسه، إذا
غطى بها جميع جسده، ومنه قولهم : سجى الميت نسجية ، إذا غطى
بكفته ....
قال صاحب الكشاف: قوله: (( سجى)، أى: سكن وركد ظلامه.
وقيل : ليلة ساجية، أى: ساكنة الربح: وقيل معناه: سكون الناس
والأصوات فيه. وسجا البحر: سكنت أمواجه. وطرف ساج، أى:
ساكن فاتر)) (٢) .
(١) راجع تفسير الآلوسى = ٣٠ ص١٥٦، وتفسير ابن كثير -٧ص ٤٤٥
(٢) تفسير الكشاف = ٤ ص ٧٦٥

٦٠٥
سورة الضحى
أى: وحق الضحى وهو الوقت الذى ترتفع فيه الشمس ؛ ويتم
إشراقها، ويأخذ الناس فى النشاط والحركة .... وحق الليل إذا سكن
وهجع فيه الناس بعد عناء العمل . .
... " ، وجواب القسم قوله - تعالى -: ((ما ودعك ربك وما قلا، أى:
ما تركك ربك - أيها الرسول الكريم - منذ أن اختارك لحمل رسالته،
وما أبغضك ولا كرهك ، بل أنت محل رضانا ومحبقنا ورعايتنا ...
فقوله: (( ودعك، من التوديع، وهو فى الأصل الدعاء للمسافر،
ببلوغ الدعة ، وخفض العيش . ثم استعير للمفارقة بعد الاتصال ، تشبيهاً
بفراق المسافر فى انقطاع الصلة؛ حيث شبه - سبحانه - انقطاع صلة
الكلام بانقطاع صلة الإقامة .
والمقصود نفى أن يكون الله - تعالى - قد قطع وحيه عن نبيه
- صلى الله عليه وسلم -؟.
وقوله: ((قلا، من القيملاً - بكشر القاف - وهو شدة البغض، يقال:
فلا فلان فلاناً يقليه، إذا كرهه وأبغضه بشدة . ومنه قوله - تعالى -:
إنى لعملكم من القالين ،.
والمراد ما قطع الله - تعالى - عنك وحيه - أيها الرسول الكريم -،
وما كرهك، وهذا رد بليغ على المشركين الذين زعم بعضهم أن الله - تعالى-
قد ترك نبيه؛ وزعم آخرون أنه قد أبغضه وحذف مفعول , قلا، للدلالة
عليه فى قوله - تعالى - ,ما ودعك،، وهو إيجاز لفظى ظهور :
المحذوف، ومثله قوله - تعالى - من ذلك: فآوى، فهدى، فأغنى ..
ثم بشره - سبحانه - بيشارتين عظيمتين، قد بلغتا الدرجة العليا فى
السمو والرفعة، فقال: «والآخرة خير لك من الأولى. ولسوف يعطيك
ربك فترضى)».

٦٠٦
الجزء الثلاثون
أى: والدار الآخرة وما أعده الله لك فيها من نعم لا يحيط به وصف
خير لك من دار الدنيا التى أعطيناك فيها ما أعطيناك من نبوة ، وكرامة،
ومنازل عالية، وخلق كريم . .
وفضلا عن كل ذلك فأنت - أيها الرسول الكريم - سوف يعطيك
ربك من خيرى الدنيا والآخرة ، كل ما يسعدك ويرضيك ، من نصر
عظيم، وفتح مبين، وتمكين فى الأرض ، وإعلاء لمكلمة الحق على يدك
وعلى أيدى أصحابك الصادقين ، ومنازل عظمى فى الآخرة لا يعلم
مقدارها إلا الله - تعالى -، كالمقام المحمود، والشفاعة، والوسيلة ....
وبذلك ترضى رضاء تاماً بما أعطاك - سبحانه - من نعم ومنن ..
فالمراد بالآخرة : الدار الآخرة التى تقابل الدار الأولى، وهى الحياة
الدنيا، وبعضهم جعل المراد بالآخرة: نهاية أمره - صلى الله عليه وسلم -
فى هذه الدنيا، والمراد بالأولى بداية أمره - صلى الله عليه وسلم - فى هذه
الدنيا، فيكون المعنى: ولنهاية أمرك - أيها الرسول الكريم - خير من
بدايته ، فإن كل يوم مضى من عمرك، سيزيدك الله - تعالى - فيه، عزا
على عز، وفصرا على نصر، وتأييدا على تأييدك ..... حتى ترى الناس
وقد دخلوا فى دين الله أفواجا ... وقد صدق الله - تعالى - لنبيه وعده،
حيث فتح له مكة ، ونشر دعوته فى مشارق الأرض ومغاربها.
قال الآلوسي : وحمل الآخرة على الدار الآخرة المقابله للدنيا ،
والأولى على الدار الأولى وهى الدنيا، هو الظاهر .. وقال بعضهم:
يحتمل أن يراد بهما نهاية أمره - ولت - وبدايته، فاللام فيهما للعهد،
أو عوض عن المضاف إليه. أى: لنهاية أمرك خير من بدايته، فأنت
لا تزال تتزايد قوة، وتتصاعد رفعة ٠٠٠، (١).
(١) تفسير الآلوسى = ٣٠ ص ٠١٥٨

٦٠٧
سورة الضحى
وجىء بحرف الاستقبال فى قوله - تعالى - : ((ولسوف يعطيك
-ربك فترضى)، لإفادة أن هذا العطاء مستمر غير مقطوع، كما فى قوله
- تعالى -: ( ولسوف يرضى».
وحذف المفعول الثانى فى قوله: « يعطيك،، ليعم كل وجوه العطاء
التى يحبها - صلى الله عليه وسلم - أى: ولسوف يعطيك ربك عطاء
برضيك رضاء تاما.
والتعبير بقوله ((فترضى)) المشتمل على فاء التعقيب، للإشعار بأنه
- عطاء عاجل النفع، وأنه سيأتى إليه - صلى الله عليه وسلم - فى وقت قريب
. وقد أنجز - سبحانه - وعده ..
قال الجمل: وقوله - سبحانه -: ((والآخرة، اللام فيه للابتداء ،
مؤكدة لمضمون الجملة. وإنما قيد بقوله - تعالى - ,لك، لأنها ليست
-خيرا لكل أحد ..
وقوله: «ولسوف يعطيك .. ، هذا وعد شامل لما أعطاه الله
-- تعالى - له من كمال النفس، وظهور الأمر، وإعلاء الدين .. واللام
لام الابتداء، والمبتدأ محذوف، أى: ولأنت سوف يعطيك ربك ..
وليست لام القسم ، لأنها لا تدخل على المضارع ، إلا مع نون
التوكيد .. »(١) .
ثم عدد - سبحانه - نعمه على نبيه - جليم - فقال : ألم يحدك
يتيما فآوى)).
والاستفهام هنا للتقرير. واليتيم: هو من فقد أباه وهو صغير ..
أى: لقد كنت - أيها الرسول الكريم - يتيما، حيث مات أبوك
. وأنت فى بطن أمك، فيآواك الله - تعالى - بفضله وكرمه، وتعهدك
(١) حاشية الجمل على الجلالين = ٤ ص ٠٠٠١

٦٠٨
الجزء الثلاثون
برعايته وحمايته وعصمته، وسخرلك جدك عبد المطلب ليقوم بكفالتك،
ومن بعده سخر لك عمك أباطالب، حيث تولى رعايتك والدفاع عنك
قبل الرسالة وبعدها ، إلى أن مات ..
وقوله - تعالى -: ((ووجدك ضالا فهدى)) بيان لنعمة أخرى.
أنعم - سبحانه - بها على نبيه - صلى الله عليه وسلم - وللمفسرين فى
معنى هذه الآية كلاما طويلا، نختار منه قواين: أولهما: أن المراد
بالضلال هنا الحيرة فى الوصول إلى الحق، والغفلة عما أوحاء الله - تعالى ...
إليه بعد ذلك من قرآن كريم ، ومن تشريعات حكيمة .. مع اعتقاد ..
- صلى الله عليه وسلم - قبل النبوة أن قومه ليسوا على الدين الحق،.
بدليل أنه لم يشاركهم فى عباداتهم للأصنام ، ولا فى السلوك الذى يتنا فى.
عن مكارم الأخلاق . .
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: ((ضالا)، معناه:
الضلال عن علم الشرائع، وما طريقه السمع .. )) (١).
وقال الإمام الشيخ محمد عبده - رحمه الله -: عنه تفسيره لهذه.
الآية ما ملخصه: ((نها _ ◌َيّ - موحداً، لم يسجد لصنم، وطاهر
الخلق ، لم يرتكب فاحشة ، حتى عرف بين قومه بالصادق الأمين،
فضلال الشرك ، وضلال الهوى فى العمل ، كانا بعيدين عن ذاته.
الكريمة ..
ولكن الضلال أنواع أخر، منها: اشتباه المآخذ على النفس، حتى
تأخذها الحيرة فيما ينبغى أن تختار .. وهذا هو الذى عناء الله - تعالى ــ
بالضلال فى هذه الآية الكريمة . .
--
(١) تغير الكشاف - ص ٠٧٦٨

٦٠٩
سورة الضحى
وقد حداه - سبحانه - إلى الحق بعد هذه الحيرة، بأن اختار له
دينا قويما ، وعلمه كيف يرشد قومه ..
هذا هو معنى قوله - تعالى - : (( ووجدك ضالا فهدى ))، وهو
معنى قوله - تعالى - فى سورة الشورى: ((وكذلك أو حينا إليك روحا
من أمرنا ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان ....
وليس فى وصف النبى - بَلاء - بالضال على هذا المعنى شين له،
أو حط من شأنه، بل هذا فخره، وإكليل مجده - صَ له ـ، حيث كان
على غير علم فعلمه الله، ولم يكن مطلعا على الغيب، فأطلعه الله على مايريد.
إطلاعه عليه، وبهذا التفسير تستغنى عن خلط المفسرين فى التأويل» (١).
أما القول الثانى فى معنى الآية الكريمة ، فهو أنه - صلى الله عليه وسلم.
كان بين قوم مشر كين ، وكان بمعرضة أن يضل معهم، ولكن الله - تعالى -.
حبب إليه الانفراد عنهم ، واعتزال شركهم وسوء أخلاقهم .. فكان
بذلك كالشجرة المنفردة فى الصحراء ، والعرب تسمى الشجرة التى بهذه
الصفة ضالة .
قال القرطبى: قوله - تعالى -: ((ووجدك ضالا فهدى))، أى :
غافلا عما يراد بك من أمر النبوة ، فهداك ، أى : أرشدك . والضلال هنا
بمعنى الغفلة . .
وقال قوم: ((ضالا، أى: لم تكن تدرى القرآن والشرائع ، فهداك
الله إليهما . .
وقال قوم (( ضالا)، أى: وجدك فى قوم خلال فهداهم الله - تعالى -
بك .. والعرب إذا وجدت شجرة منفردة فى فلاة من الأرض،
لا شجر معها ، سموها ضالة ، فيهتدى بها إلى الطريق .
(١) راجع تفسير جزءعم حـ ٠٨٥

٦١٠
الجزء الثلاثون
فقال - سبحانه - لنبيه , ووجدك ضالا فهدى، أى: لا أحد على
دينك ، وأنت وحيد ليس معك أحد، فهديت بك الخلق إلى دينى.، (١)
هذان هما القولان اللذان نرتاح إليهما ، وارتياحنا إلى أولهما أشد
وأقوى ، لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد نشأ فى بيئة منحرفة فى
هقائدها وأخلاقها، لم تطمئن نفسه الكريمة إليها، إلا أنه كان حائرا فى
الوصول إلى الدين الحق، فهداه الله - تعالى - إليه، والهداية إلى الحق بعد
الحيرة والضلال عنه ... منة عظمى، ونعمة كبرى ..
وهناك أقوال أخرى ضعيفة كقولهم: ((ضالا، أى: عن القبلة
- فهداك الله إليها. أو وضالا، فى شعاب مكة . فهداك الله وردك إلى عمك ..
أو (( ضالا، فى سفرك مع عمك إلى الشام. فردك الله - تعالى - إليه ..
وقوله - سبحانه - : « ووجدك عائلا فأغنى، بيان لنعمة ثالثة من
نعمه - تعالى - على نبيه - عبقطال -.
وأصل العائل: الإنسان الذى له عائلة لا يستطيع الإنفاق عليها ، ثم
أطلق هذا اللفظ على الإنسان الفقير حتى ولو لم تكن له عائلة أو أسرة .
والفقر يسمى عيلة، كما فى قوله - تعالى -: ((وإن خفتم عيلة - أى:
فقرأ - فسوف بغنيكم الله من فضله إن شاء .. )).
أى: وقد كنت - أيها الرسول الكريم - فقيرا، حيث مات أبوك
دون أن يترك لك مالا كثيراً، ونشأت فى كنف جدك ثم عمك، وأنت
على هذه الحال .. ثم أغناك الله - تعالى - بفضله وكرمه بنوعين
من الغنى .
أما أولهما - وهو الأعظم - = فهو غنى النفس، بأن منحك نفسا
عفيفة قانعة بما أعطاك - سبحانه - من رزق، حتى ولوكان كفافا .
(١) راجع تفسير القر طبى = ٢٠ ص ٩٦

٦١١
سورة الضحى
وأما ثانيهما : فهو الغنى المادى عن الاحتياج إلى الناس ، بما أجراه
على يديك من الربح فى التجارة ، وبما وهبتك زوجك خديجة من مالها ،
خدشت مستور الحال، غير محتاج إلى من ينفق عليك .
وهكذا نجد الآيات الكريمة تبين لنا ، أن من فضل الله - تعالى -
على نبيه - ع -، أنه آواه فى يتمه وصغره، وهداه من ضلاله
وحيرته ، وأغناه بعد فقره وحاجته .
وبعد أن عدد - سبحانه - هذه النعم لنبيه - ملح - ، أمره
بشكرها، وأداء حقوقها .
فقال - تعالى -: ((فأما اليتيم فلا تقهر .. ، والقهر: التغلب على
الغير والإذلال له . .
أى : إذا كان الأمر كما أخبرتك من أنك كنت يتما فآ ويناك ، وكنت
ضالا فهديناك ، وكنت فقيرا فأغنيناك، فتذكر هذه النعم، واشكرربك
عليها ، ومن مظاهر هذا الشكر: أن تواسى اليتيم ، وأن تكرمه، وأن
تكون رفيقا به .. ولا تكن كأهل الجاهلية الذين كانوا يقهرون الأيتام
.ويذلونهم ويظلمونهم ..
ولقد استجاب النبى - مول - لما أمره ربه به، فأكرم اليتامى
.ورعاهم، وحض على ذلك فى أحاديث كثيرة منها قوله - صلى الله
عليه وسلم -: ((أنا وكافل اليتيم كهاتين فى الجنة، وأشار - صلى الله
عليه وسلم - بأصبعيه السبابة والوسطى .
ومن الآيات القرآنية التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى - :
((( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن حتى يبلغ أشده .. ».
وقد تكرر الأمر برعاية اليقيم ، وبالمحافظة على ماله فى مطلع سورة
النساء خمس مرات قال - تعالى -: ((وآتوا اليتامى أموالهم .. ، وقال

٦١٢
الجزء الثلاثون
- سبحانه -: «وإن خفتم أن لا تقسطوا فى اليتامى فانكحواما طاب لكم
من النساء، مثنى وثلاث ورباع .. )، وقال - عز وجل -: ((وابتلوا
اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح .. ، وقال - سبحانه -: ((وإذا حضر
القسمة أو لوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وأكسوهم ...
وقال - تعالى -،«إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون فى.
بطونهم نارا ....
وقوله - سبحانه -: ((وأما السائل فلا تنهر)، معطوف على ما قبله.
أى: وكما أننا قد هديناك بعد حيرة .. فاشكر نعمنا على ذلك، بأن تفتح
صدرك السائل الذى يسألك العون ، أو يسألك معرفة ما يجهله من علم .
فا المراد بالسائل ، ما يشمل كل سائل عن مال، أو عن علم، أو عن
غير ذلك من شئون الحياة .
قال القرطبی قوله: « وأما السائل فلا تنهر ، أى: لا زجره، فهو نهى.
عن إغلاظ القول . .
وروى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((ردوا السائل
ببذل يسير، أورد جميل .. )) .
وفى حديث أبى هارون العبدى قال : كنا إذا أتينا أباسعيد الخدرى
يقول: مرحبا بوصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إن رسول الله
قال: إن الناس لكم تبع ، وإن رجالا يأتونكم من أفطار الأرض ..
يتفقهون، فإذا أقوكم فاستوصوابهم خيرا .. )) (١).
وقوله - تعالى -: ((وأما بنعمة ربك فحدث)، والتحديث بالشىء:
الإخبار به ، والحديث عنه أى: وكما كنت عائلا فأغنيناك بفضلنا وإحساننا
فاشكرنا على ذلك ، بأن تظهر فعمنا عليك ولا تسترها، وأذعها بين الناس.
(١) تفسير القرطبي - ٢٠ ص ١٠١

٦١٣
سورة الضحى
. وأمر أتباعك أن يفعلوا ذلك، ولكن بدون تفاخر أو مباهاة .. فإن
-ذكر النعم على سبيل الرياء والتفاخر والتطاول على الغير .. يبغضه الله
- تعالى - ، ويعاقب صاحبه عقاباً إليما .
قال الإمام ابن كثير : وقوله : ( وأما بنعمة ربك فحدث، أى: وكما
كنت عائلا فقيراً فأغناك الله، فحدث بنعمة الله عليك، كماجاء فى الدعاء:
« واجعلنا شاكرين لنعمتك. مثنين بها، قابليها، وأتمها علينا،.
وعن أبى نضرة قال: ((كان المسلمون يرون أن من شكر النعم أن
بحدث بها، .
وعن النعمان بن بشير قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
يقول على المنبر: ((من لم يشكر القليل، لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر
الناس، والتحدث بنعة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة ، والفرقة
عذاب »(١) .
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد ذكر ثلاث نعم ما أنعم به على نبيه
- صلى الله عليه وسلم -، وأرشده إلى كيفية شكرها .
نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من عباده الشاكرين؟
القاهرة - مدينة نصر
صباح الجمعة, ٢٠ من صفر سنة ١٤٠٧ هـ
٢٤ من أكتوبر سنة ١٩٨٦ م
(١) تفسير ابن كثير - ٧ ص ٠٤٤٩

( تفسير سورة )
الشرح

بِعبد الرحمن الرحيم.
٩٤ سورة ((الشرح))
١ - هذه السورة الكريمة من السور المكية، وتسمى : سورة
«الشرح، وسورة («ألم نشرح)، وسورة ((الانشراح))، وترتيبها فى
النزول ، الثانية عشرة ، وكان نزولها بعد سورة الضحى ، وقبل سورة
((العصر)). وعدد آياتها: ثمان آيات.
٢ - وكما عدد الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بعض نعمه
العظيمة عليه فى سورة الضحى، جاءت سورة الشرح ، المسوق نعما أخرى
منه - تعالى - عليه - صلى الله عليه وسلم -، حاثا إياه على شكره،
ليزيده منها ، فقال - تعالى - :
◌َلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (﴿ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (*) الَّذِىّ
◌َأَنْقَضَ ظَهْرَكَ (*) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (﴾ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ
◌ُْرًا يُ إِنَّ مَعَ الْمُسْرِيُسْرًا ﴾ فَإِذَا فَرَغْتَ فَأَصَبْ ◌ِ
وَ إِلَى رَبِّكَ فَأَرْغَبِ ﴾
والاستفهام فى قوله - سبحانه -: ((ألم نشرح لك صدرك)، للتقرير
لأنه إذا دخل على النفى قرره، وهذا التقرير المقصود به التذكير، حتى
يداوم على شكره - تعالى - .

٦١٧
سورة الشرح
وأصل الشرح : البسط للشىء وتوسعته، يقال شرح فلان الشىء،
فإذا وسعه، ومنه شرح فلان المكتاب، إذا وضحه ، وأزال مجمله ، وبسط
مافيه من غموض ..
والمراد يشرح الصدر هنا : توسعته وفتحه ، لقبول كل ما هو من
الفضائل والكالات النفسية ... وإذهاب كل ما يصد عن الإدراك السليم
- وعن الحق والخير والهدى . .
وهذا الشرح، يشمل الشق البدنى لصدره - صلى الله عليه وسلم -
كما يشمل الشرح المعنوى لصدره - صلى الله عليه وسلم - عن طريق
إبداعه الإيمان والهدى والعلم والفضائل . ..
قال الإمام ابن كثير: قوله: «أم نشرح لك صدرك، يعنى: أما
شرحنا لك صدرك. أى: فورناه وجعلناه فسيحاً وحيباً واسعاً، كقوله
.. ((أفن شرح الله صدره للإسلام .. ))، وقيل المراد بقوله: (( ألم نشرح
لك صدرك ، شرح صدره ليلة الإسراء، كما تقدم من رواية مالك
. أبن صعصعة ... وهذا وإن كان واقعاً، ولكن لا منافاة، فإن من جملة
- شرح صدره - صلى الله عليه وسلم - ، الذى فعل بصدره ليلة الإسراء؛
- ما نشأ عنه من الشرح المعنوى - أيضاً -، (١).
والمعنى : لقد شرحنا لك - أيها الرسول الكريم - صدرك شرحا
عظما ؛ بأن أمرنا ملائكتنا بشقه وإخراج ما فيه مما يتنافى مع ما هيأناك
.من حمل رسالتنا إلى الناس، وبأن أودعنا فيه من الهدى والمعرفة والإيمان
والفضائل والحكم .. ما لم نعطه لأحد سواك.
ونون العظمة فى قوله - سبحانه - «نشرح، تدل على عظمة
«النعمة؛ من جهة أن المنعم العظيم ، إنما يمنح العظيم من النعم ، وفى ذلك
(١) تفسير ابن كثير -٧ ص ٤٥١
(م ٤٠ جزء عم )

٦١٨
الجزء الثلاثون
إشارة إلى أن نعمة الشرح ، بما لا تصل العقول إلى كنه جلالتها ....
واللام فى قوله - تعالى -: (لك، للتعليل، وهو يفيد أن ما فعله.
الله - تعالى - به؛ إنما هو من باب تكريمه ، ومن أجل تشريفه وتهيئته
لحمل رسالته العظمى إلى خلقه، فنفعة هذا الشرح إنما تعود إليه وحده
- صلى الله عليه وسلم - لا إلى غيره.
قال الإمام الرازى : فإن قيل لم ذكر الصدر ولم نذكر القلب ؟
فالجواب أن محل الوسوسة هى الصدر ، كما قال - تعالى -: ((الذى يوسوس
فى صدور الناس)، فإزالة تلك الوسوسة ، وإبدالها بدواعى الخير، هى.
الشرح، فلا جرم خص ذلك الشرح بالصدر دون القلب .
قال محمد بن على الترمذى : القلب محل العقل والمعرفة ، وهو الذى.
يقصده الشيطان، فالشيطان يجىء إلى الصدر الذى هو حصن القلب، فإذا.
وجد مسلمكا أغارفيه، وبث فيه الهموم .. فيضيق القلب ؛ ولا يجد للطاعة-
لذة .. وإذا طرد العدو فى الابتداء ((حصل الأمن، واقشرح الصدر، (١) :.
وقوله - سبحانه -: ((ووضعنا عنك وزرك. الذى أنقض ظهرك»
بيان لنعمة أخرى من النعم التى أنعم بها - سبحانه - على نبيه - صلی الله
عليه وسلم . .
والمراد بالوضع هنا: الإزالة والحط، لأن هذا اللفظ إذا عدى بعن ..
كان للحط والتخفيف، وإذا عدى بعلى كان للحمل والتثقيل.
تقول: وضعت عن فلان قيده، إذا أزلته عنه، ووضعته عليه، إذا
حملته إياه .
والوزر: الحمل الثقيل: ((وأنقض ظهرك، أى: أثقله وأوهنه وأتعبه»ـ
(١) تفسير الفخر الرازى - ٨ ص ٤٢٨
-

٦١٩
سورة الشرح
حتى سمع له نقيض ، وهو الصوت الخفى الذى يسمع من الرحل الكائن
فوق ظهر البعير ، إذا كان هذا الرجل ثقيلا ، ولا يكاد البعير يحمله إلا
بمشقة وعسر .
والمعنى : لقد شرحنا لك - أيها الرسول الكريم - صدرك، وأزلنا
عنك ما أثقل ظهرك من أعباء الرسالة ، وعصمناك من الذنوب والآثام ،
وطهر فاك من الأدناس .. فصرت - بفضلنا وإحساننا - جديرا بحمل هذه
هذه الرسالة، وبتبليغها على أكمل وجه وأتمه.
فالمراد بوضع وزره عنه - صلى الله عليه وسلم -: مغفرة ذنوبه،
وإلى هذا المعنى أشار الإمام ابن كثير بقوله: قوله - تعالى -: ((ووضعنا
عنك وزرك، بمعنى (« ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر)).
وقال غير واحد من السلف فى قوله: ( الذى أنقض ظهرك، أى :
, أثقلك حمله ، (١) .
ويرى كثير من المفسرين أن المراد بوضع وزره عنه - صلى الله عليه
وسلم -: إزالة العقبات التى وضعها المشركون فى طريق دعوته، وإعانته
على تبليغ الرسالة على أكمل وجه ، ورفع الحيرة التى كانت تعتريه قبل
النبوة . ..
قال بعض العلماء : وقد ذكر جمهرة المفسرين أن المراد بالوزر فى
هذه الآية: الذنب، ثم راحوا بتأولون الكلام، ويتمحلون الأعذار،
وبختلفون فى جواز ارتكاب الأنبياء المعاصى، وكل هذا كلام لا داعى إليه
. لا يلزم حمل الآية عليه .
والمراد - والله سبحانه وتعالى أعلى وأعلم - بالوزر: الخيرة التى
.. (١) تفسير ابن كثير - ٧ ص ٤٥٨

٦٢٠
الجزء الثلاثون
اعترته - صلى الله عليه وسلم - قبل البعثة حين فكر فيما علم قومه من
عبادة الأوثان ... وأيقن بثاقب فكره أن للكون خالقاً هو الجدير
بالعبادة ، ثم تحير فى الطريق الذى يسلكه لعبادة هذا الخالق ، ومازال
كذلك حتى أوحى الله إليه بالرسالة، فزللت حيرة» ... ولما دعا قومه
إلى عبادة الله، وقابلوا دعوته بالإعراض ... نقل ذلك عليه، وغاظه
من قومه أن يكذبوه ... وكان ذلك حملا ثقيلا ... شق عليه القيام به.
فليس الوزر الذى كان ينقض ظهره ، ذقباً من الذنوب ... ولكنه
كان هما نفسياً يفرق ألمه ، ألم ذلك الثقل الحى ... فلما هداه الله - تعالى -
إلى إنقاذ أمته من أوهامها الفاسدة .. كان ذلك بمثابة رفع الحمل الثقيل،
الذى كان يؤوء بحمله ، لا جرم كانت هذه الآية واردة على سبيل التمثيل ،
واقرأ إن شئت قوله - تعالى -: (ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون.
فسح بحمد ربك وكن من الساجدين . واعبد ربك حتى يأتيك
اليقين ، (١) .
ويبدو لنا أن هذا القول النانى، هو الأقرب إلى الصواب، لأن الكلام
هنا ليس عند الذنوب التى ارتكبها النبى - صلى الله عليه وسلم - قبل
البعثة - كما يرى بعض المفسرين - ، وإنما الكلام هنا عن النعم التى أنعم
بها - سبحانه - عليه، والتى من مظاهرها توفيقه للقيام بأعباء الرسالة ،
وبإقناع كثير من الناس بأنه على الحق، واستجابتهم له - صلى الله عليه وسلم -
وقوله - سبحانه -: ((ورفعنا لك ذكرك، بيان لنعمة ثالثة من نعمه
- تعالى - على نبيه - صلى الله عليه وسلم -.
أى: لقد شرحنا لك - أيها الرسول الكريم - صدرك، وأنزلنا عن
قلبك الحيرة التى كانت تعتريك قبل قبليغ الرسالة وبعد تبليغها ، بأن يسرنا
لك كل صعب .
(١) تفسير (جزء عم، ص ٢٤٢ للشيخ محيى الدين عبدالحميد - رحمه الله -