النص المفهرس
صفحات 581-600
٠٨١ سورة الشمس باوجه الأرض، وقيل: إلى الظلمة، وجلاها حينئذ بمعنى أزالها ، وعدم ذكر المرجع على هذه الأقوال للعلم به .. والأول أولى، لذكر المرجع واتساق الضمائر .. )،(١). وقوله - سبحانه - = ((والليل إذا يغشاها) أى= يغشى الليل الشمس خيغطى ضوءها ، فالضمير فى يغشاها يعود إلى الشمس. وقيل : يعود إلى الدنيا ، وقيل إلى الأرض أى: يغشى الليل الدنيا والأرض بظلامه والحق أن فى قوله - تعالى - ((جلاها)) و((يغشاها))، إشارة مواضحة إلى أن الضمير فيهما يعود إلى الشمس ، إذ النهار يجلى الشمس ويكشفها أتم انكشاف، والليل يزيل ضوءها ويستره، فنسب - سبحانه - إلى النهار ما يلائمه بالنسبة للشمس، وكذلك الحال بالنسبة لليل. ثم قال - تعالى -: ((والسما. وما بناها، أى: وحق السماء وحق -من بناها وأنشأها وأوجدها على تلك الصورة البديعة الرائعة. فما هنا اسم موصول بمعنى من، والمراد بمن بناها : لله - عز وجل - وأدثرت على من الت تأتى للعاقل كثيرا، لإشعارها معنى الوصفية . أى : وحق السماء حق القادر العظيم الذى بناها وأوجدها على هذه الهيئة الجميلة الدقيقة ... وقد أشار إلى ذلك صاحب الكشاف فقال: والوجه أن تكون «ما)، موصولة - أى: فى هذه الآية وما بعدها - ، وإنما أوثرت على من الإرادة معنى الوصفية، كأنه قيل: والسماء، والقادر العظيم الذى بناها.)، (٢). (١) تفسير الآلوسى = ٣٠ ص ١٤١ (٢) ( الكشاف = ٤ ص ٧٥٩ ٥٨٢ الجزء الثلاثون ومنهم من يرى أن ((ما، هنا مصدرية، فيكون المعنى، وحق السماء وبنيانها ... وقوله - تعالى -: ((والأرض وما طحاها، أى: وحق الأرض. ومن بسطها من كل جانب ، وجعلها مهيأة للاستقرار عليها. يقال: طحى. فلان الشى ودحاء إذا بسطه ووسعه .. وقوله - سبحانه -: ((ونفس وما سواها، أى: وحق النفوس ، وحق من أنشأها من العدم فى أحسن تقويم ، وجعلها مستعدة لتلقى ما يكملها ويصلحها . ويبدو أن المراد بالنفس هنا ذات الإنسان، من باب إطلاق الحال على المحل، ويكون المراد بتسويتها : استواء خلقة الإنسان، وتركيب أعضائه. فى أجمل صورة . ومن قال بأن المراد بالنفس هنا : القوة المديرة للإنسان ، يكون المقصود بتسويتها، منحها القوى الكثيرة المتنوعة ، التى توصلها إلى حسن. المعرفة ، والتمييز بين الخير والشر، والنفع والضر، والهدى والضلال. وقوله : - تعالى - بعد ذلك , فألهمها فجورها وتقواها)) يشير إلى أن المراد بالنفس فى قوله - تعالى - ((ونفس وما سواها،: القوة. المديرة للإنسان، والتى عن طريقها يدرك الأمور إدراكا واضحاً، ويختار منها ما يناسب استعداده . والإلهام: هو التعريف والإفهام للشىء، أو التمكين من فعله أو تركه. والفجور: فعل ما يؤدى إلى الخسران والشقاء . والتقوى: هى الإتيان بالأقوال والأفعال التى ترضى الله - تعالى - ، وتصون الإنسان عن غضبه - عز وجل - . أى: فعرف - سبحانه - النفس الإنسانية وألهمها وأضعها معنيه ٥٨٣ سورة الشمس والفجور والتقوى، وبين لها حالهما ، ووضح لها ما ينبغى أن تفعله » وما ينبغى أن تتركه ، من خير أو شر، ومن طاعته أو معصيته، بحيث يتميز عندها الرشد من الغى، والخبيث من الطيب . ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -: ((وهديناه النجدين، وقوله - عز وجل -: ((إنا هديعاء السبيل. إما شاكرا وإما کفورا» . - وقدم - سبحانه - هنا الفجور على التقوى، مراعاة الأحوال. المخاطبين بهذه السورة، وهم كفار قريش، الذين كانت أعمالهم قائمة على الفجور والخسران ، بسبب إعراضهم عما جاءهم به رسول الله - صلى الله. عليه وسلم - من حق وبر . وقوله - سبحانه -: ((قد أفلح من ز كاها. وقد خاب من دساها)). يصح أن يكون جواباً للقسم والفلاح : الظفر بالمطلوب والتزكية: التزود من الخير والطاعة، والحرص على تطهير النفس من كل سوء . وقوله : ((دساها، أى: نقصها وأخفاها بالمعاصى والإئام . وأصل فعل دسى : دسسأ، فلما اجتمع ثلاث سينات، قلبت الثالثة باء . يقال : دس فلان. التى. إذا أخفاه وكتمه . والمعنى: وحق الشمس وضحاها، وحق القمر إذا تلاها ... وحق النفس وحق من سواها، وجعلها متمكنة من معرفة الخير والشر .. لقد أفلح وفاز وظفر بالمطلوب ، ونجا من المكروه، من طهر نفسه من الذاوب. والمعاصى .. وقد خاب وخسر نفسه. وأوقعها فى التهلكة، من نقصها وأخفاها وأخملها وحال بينها وبين فعل الخير ارتكاب الموبقات والشرور. قال الألوسى ما ملخصه= وقوله - تعالى - : قد أفلح من زكاها.، ، جواب القسم .. وإليه ذهب الزجاج وغيره. والأصل: لقد أفلح .. ٥٨٤ الجزء الثلاثون فحذفت اللام الطول الكلام المقتضى للتخفيف. وفاعل من ((زكاها)، ضمير (مَن)) والضمير المنصوب للنفس .. )، (١). ويرى المحققون من العلماء أن جواب القسم محذوف، للعلم به، فكأنه - سبحانه - قد قال: وحق الشمس وضحاها، وحق القمر إذا تلاها .. ليمقن البعث والحساب والجزاء، أو لتحاسبن على أعمالكم .. ودليل هذا الجواب قوله - تعالى - بعد ذلك: (( كذبت ثمود بطغواها، لأن هذه الآية الكريمة وما بعدها، تدل على أن الله - تعالى - قد اقتضت سنته ، أن يحاسب من فسق عن أمره، وأصر على تكذيب رسله ... وعلى هذا سار صاحب الكشاف، فقد قال: فإن قلت: فأين جواب القسم؟ قلت: هو محذوف، تقديره: ليد مد من الله عليهم، أى: على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله - بتيه -، كما دمدم على نموه لأنهم كذبوا صالحا - عليه السلام -، وأما قوله: ((قدأ فلح من زكاها، فكلام تابع لقوله: ((فألهمها فجورها وتقواها)، على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم فى شى.))(٢) . وقد أقسم الله - تعالى - بهذه الكائنات المختلفة، والتى لها مالها من المنافع بالنسبة للإنسان وغيره، لتأكيد وحدانية ، وكمال قدرته، وبليغ حكمته . . وبدأ - سبحانه - بالشمس، لأنها أعظم هذه الكائنات ، والتنويه بشأن الإسلام، وأن هديه كضياء الشمس ، الذى لا يترك للظلام أثرا . وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات بعض الأحاديث، (١) تفسير الآلومى = ٣٠ ص ١٤٣ (٢) تفسير الكشاف = ٤ ص ٧٦٠. ٥٨٥ سورة الشمس .. منها مارواه الطبرانى عن ابن عباس - رضى الله عنها - قال: كان - رسول الله - مؤلف - إذا مربهذه الآية: ((ونفس وما سواها. فألهمها فجورها وتقواها)، وقف ثم قال : اللهم آت نفسى تقواها، أنت وليها ومولاها، وخير من زكاها)). وعن أبى هريرة - رضى الله عنه - قال: سمعت النبي - ) - يقرأ, فألهمها فجورها وتقواها، قال: اللهم آت نفسى تقواها، وزكها "أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها)) (١). وبعد هذا الحديث الطويل المؤكد بالقسم ، والدال على وحدانيته ، وبديع صنعه .. أتبع ذلك بيان ما حل بالمكذبين السابقين، ليكون هذا :البيان عبرة وعظة للمشر كين المعاصرين للنبى - عرق له -، فقال -تعالى -: .. (( كذبت ثمود بطغواها. إذا نبعث أشقاها. فقال لهم رسول الله فاقة أنه وسقياها. فكذبوه فعقروها ، فدهدم عليهم ربهم بذنبهم فواها . ولا يخاف عقباها». والمراد بثمود: تلك القبيلة التى أرسل الله - تعالى - إلى أهلها صالحا - عليه السلام - لكى بأمرهم بإخلاص العبادة لله وحده . ومفعول (( كذبت، محذوف للعلم به. والباء فى قوله «بطغواها، للسيبيه، والطغوى : أسم مصدر من. الطغيان ، وهو مجاوزة الحد المعتاد, أى: كذبت قبيلة ثمود - نبيهم صالحا - عليه السلام-؛ بسبب طغيانه حوإفراطهم فى الجحود والتكير والعناد . (١) راجع تفسير ابن كثير حـ ٧ ض ٠٤٢٦ ( م ٣٨ - جزء عم ) ٥٨٦ الجزء الثلاثون وقيل إن الباء للتعدية ، والطغوى ؛ اسم العذاب الذى نزل بهم» والذى قو عدهم به نبيهم . . أى : كذبت ثمود بعذابها، الذى قوعدهم رسولهم به ، إذا ما استمروا فى كفرهم وطغيانهم . والظرف فى قوله - سبحانه - ((إذ أنبعث أشقاها، متعلق بقوله. (( طفواها))، لأن وقت انبعاث أشقاهم لقتل الناقة، هو أشد أوقات .. طغيانهم وفجورهم .. وفعل ((أفبعث، مطاوع بعث، تقول: بعثته فانبعث، كما تقول :. كسرته فانكر . ويصح أن يكون متعلقا بقوله ((كذبت)). وفوله (( أشقاها، أى: أشقى تلك القبيلة، وهو قدار - بزنة غراب .. - بن سالف، الذى يضرب به المثل فى الشؤم، فيقال: فلان أشأم». من قدار . أى : كذبت ثمود نبيها، بسبب طغيانها ، وقت أن أسرع أشقى تلك. القبيلة ، وهو قدار بن سالف، لمقر الناقة التى نهاهم نبيهم عن مسها بسوء . وعبر - سبحانه - بقوله: ((انبعث)) للإشعار بأنه قام مسرعا عندماء. أرسله قومه لقتل الناقة ، ولم يتردد فى ذلك لشدة كفره وجحوده . وقوله - تعالى -: (( فقالهم رسول اللّه ناقة الله وسقياها، أى :. فقال لهم رسول الله - تعالى - إليهم . وهو صالح - عليه السلام - على سبيل التحذير والإنذار: احذروا" عقر ناقة الله - تعالى -، واحذروا سقياها، أى: الوقت المحدد لشرابه ٥٨٧ سورة الشمس فلا تمنعوها فيه من الشرب ، فإن لها يوما لا تشاركونها فيه الشرب، وإن لكم يوما آخر هى لن تشارككم فيه. وقد قال لهم صالح - عليه السلام - هذا الكلام ، عندما شعر بأنهم قد بيتوا النية على عقرها . فالفاء فى قوله - تعالى -: ((فقال لهم .. ، عاطفة على قوله ، كذبت، لإفادة الترتيب والتعقيب .. أى : قال لهم ذلك في أعقاب شعوره بتصميمهم على تكذيبه، وعلى قبل الناقة . ولفظ («فاقة)) منصوب على التحذير، والكلام على حذف مضاف. أى: احذروا عقر فاقة الله، وأضيفت إلى لفظ الجلالة، على سبيل التشريف لها، لأنها قد جعلها - سبحانه - معجزة لنبيه صالح - عليه السلام- ودليلا على صدقه . وقوله: (( وسقياها، معطوف على فاقة اللّه، وهو منصوب - أيضاً - على التحذير. أى: احذروا أن تقتلوا الناقة، واحذروا أن تشاركوها فى اليوم الخاص بشربها ، فضلا عن أن تؤذوها. وقوله - سبحانه - :. فكذبوه فمقروما قدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها . .، بيان لموقفهم السىء من تحذير نيهم لهم، ولما أصابهم من عذاب مهلك بسبب هذا التكذيب . وقوله: ((فدمدم : - بزنه فعلل-، بمعنى تضعيف العذاب وترديده. بقال : دمدمت على الشىء، أى: أطبقت عليه: ودمدم عليه القبر، أى: أطبقه عليه . أى: فكذب قوم صالح نبيهم ، وأصروا على هذا التكذيب ، وتجاوزوا ذلك إلى عقر الناقة التى نهاهم عن مسها بسوء .. فمكانت نتيجة ذلك، أن ٥٨٨ - الجزء الثلاثون أهلكهم الله - تعالى - وأن أخذهم أخذ عزيز مقتدر، فقد أطبق عليهم الأرض، وسواها من فوقهم جميعاً دون أن يفلت منهم أحد ، وصاروا كلهم تحت ترابها، ونجى - سبحانه - صالحا ومن آمن معه ، بفضله ورحمته. والضمير فى قوله - سبحانه -((ولا يخاف عقباها، يعود إلى الله - تعالى - ، أى: ولا يخاف الله - تعالى - عاقبة ما فعله هؤلاء الطفلة : الأشقياء، لأن الذى يخاف إنما هو المخلوق . أما الخالق لكل شىء، فإنه - تعالى - لا يخافَ أحدا، لأنه لا يسأل عما يفعل، ولأنه - تعالى -، هو العادل فى أحكامه. والضمير فى عقباها، يعود إلى الفعلة أو إلى الدمدمة . ومنهم من جعل الضمير فى ((بخافَ)) يعود إلى أشقاها، أى: أن هذا الشقى قد أسرع إلى عقر الناقة دون أن يخشى سوء عاقبة فعله ، قطعغيانه وجهله . نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعاً من عباده الصالحين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟ القاهرة - مدينة نصر مساء الإثنين ١٦ من صفر سنة ١٤٠٧ھ ٣٠ من أكتوبر سنة ١٩٨٦ م ١ تفسيرسورة ـليل بسم الله الرحمن الرحيم تفسير سورة «الليل. ٩٢ ١ - سميت هذه السورة فى معظم المصاحف سورة ((الليل، وفى بعض كتب التفسير سميت بسورة ((والليل))، وعنون لها الإمام البخارى بسورة ((والليل إذا يغشى))، وعدد آياتها إحدى وعشرون آية. وجمهور العلماء على أنها مكية، وقال بعضهم هى مدنية، وقال آخرون ، بعضها مكى . وبعضها مدنى. والحق أن هذه السورة من السور المكية الخالصة. وكان نزولها يعد سورة («الأعلى))، وقبل سورة (( القمر))، فهى تعتبر السورة التاسعة فى النزول من بين السور المكية . قال الإمام الشوكانى: وهى مكية عند الجمهور . . فعن ابن عباس قال: نزلت سورة ,والليل إذا يغشى، بمكة. وأخرج ابن مردوبة عن الزبير مثله ٠٠٠ وفى رواية عن ابن عباس أنه قال : إنى لأقول إن هذه السورة نزلت فى السماحة والبخل (١) . ٢ - وحقاً ما قاله ابن عباس - رضى الله عنهما -، فإن السورة الكريمة، قد احتوت على بيان شرف المؤمنين، وفضائل أعمالهم، ومذيعة المشركين، وسو. فعالهم، وأنه - تعالى - قد أرسل رسوله للتذكير بالحق ولإنذار المخالفين عن أمره - تعالى - أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب ألم . ٠٠ (١) راجع تفسير فتح القدير - ٥ ص ٤٥١ الشوكانى ٥٩١ سورة الليل قال - تعالى - : بِسـ وَأَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (٤) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (يٌ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَاْأُنْثَ هُ إِنَّ سَعْبَكُمْ لَشَتَّى (*) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَأَنََّ ﴾ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ◌ْ فَسَُبَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (*) وَأَمَّا مَنْ يَخِلَ وَأَسْتَغْنَى ◌ََّ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فِ فَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) ١١٠٠١٠٠ ٠٠٠٠ وَمَا يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُ : إِذَا تَدَّىّ (٨) إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى ◌َ فَأَنذَرْ تُكُمْ نَارًا تَلَظَّى ◌َ لَا يَصْلَنْهَا إِلَّا الْأَشْقَ ﴿هَ الَّذِى كَذَّبَ وَتَوَلَى (﴾ وَسَيُجَُّهَا الْأَنْقَ ﴾ الَّذِى يُؤْتِى مَالَهُ يَزَكَّى (٨) وَمَا لِأُحَدٍ عِندَهُ مِنْ نِعْمَّةٍ تُجْزَىَّ ◌َ) إِلَّا أَبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِهِ الْأَعْلَى (٠﴾ وَلَسَوْفَ يَرْضَى أقسم الله - سبحانه - فى افتتاح هذه السورة بثلاثة أشياء، على أن .. أعمال الناس مختلفة. أقسم - أولا - بالقليل فقال: ((والليل إذا يغشى، أى: وحق الليل إذا ٠ يغشى النهار، فيغطى ضياءه، ويذهب نوره، ويتحول الكون معه من حالة إلى حالة، إذ عند حلول الليل يسكن الخلق عن الحركة ، ويأوى كل إنسان أو حيوان إلى مأواه، ويستقبلون النوم الذى فيه مافيه من الراحة ٠٩٢ الجزء الثلاثون لأبدانهم، كما قال - تعالى -: ((وجعلنا الليل لباسا. وجعلنا النهار معاشا)». وأقسم - ثانیا - بالنهار فقال: (( والنهار إذا تجلى، أى : وحق النهار. حين يتكشف ويظهر، ويزيل الليل وظلمته، ويخرج الناس معه ليباشروا. أعمالهم المتنوعة . وأقسم - ثالثاً - بقوله: ((وما خلق الذكر والأنثى، و «ما، هنا يصح. أن تكون موصولة، بمعنى الذى، فيكون - سبحانه - قد أقسم بذاته» وجاء التعبير بما ، للدلالة على الوصفية١، ولقصد التفخيم. فكانه - تعالى - يقول: وحق الخالق العظيم، الذى لا يعجزه شىء،. والذى خلق نوع الذكور ، ونوع الإناث من ماء واحد . ويصح أن تكون ((ما، هنا حرفاً مصدرياً، فيكون المعنى": وحق خَلْق الذكر والأنثى، وعليه يكون - سبحانه - قد أقسم بفعل من أفعاله التى تدل على كمال قدرته ، وبديع صنعته، حيث أوجد الذكور والإناث. من ماء واحد، كما قال - سبحانه -: ((وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى )) ، وحيث وهب - سبحانه - الذكور لمن يشاء،. ووهب الإناث لمن يشاء . وجعل العقم لمن يشاء. "وقوله - تعالى -: ((إن سعيكم لشتى، هو جواب القسم. وشتى جمع شتيت . مثل: جريح وجرحى. ومريض ومرضى. والشىء. الشتيت. هو المتفرق المتناثر بعضه عن بعض، من الشتات بمعنى الابتعاد. والافتراق . . • والمعنى: وحق الليل إذا يغشى النهار فيسقر ضياءه، وحق النهار إذا تجلى وأسفر وأزال الليل وظلامه، وحق الخالق العظيم القادر الذى أوجد الذكور والأثاث .. ٥٩٣٤ أسورة الليل وحق كل ذلك ، إن أعمالكم ومساعيكم - أيها الناس - فى هذه. الحياة ، لهى ألوان شتى، وأنواع متفرقة ، منها الهدى ومنها الضلال ، ومنها الخير، ومنها الشر، ومنها الطاعة ، ومنها المعصية ... وسيجازى" - سبحانه - كل إنسان على حسب عمله. وحذف مفعول («يغشى)، للتعميم، أى يغشى كل شىء ويواريه بظلامه . . . وأسند - سبحانه - التجلى إلى التهار، على سبيل المدح له . بالاستنارة والإسفار. والمراد بالسعى: العمل. وقوله (سعيكم، مصدر مضاف فيفيد العموم ، فهو فى معنى الجمع، أى : إن مساعيكم المتفرقة . قال القرطبى: المسعى: العمل، فساع فى فكاك نفسه ، وساع فى عطبها . يدل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((الناس غاديان، فمبتاع نفسه فمعتقها، وبائع نفسه فموبقها)، (١) . ثم فصل - سبحانه - ما أجمله فى قوله: (إن سعيكم لشتى، فقال: (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى . فسنيسره لليسرى. وأما من واستغنى. وكذب بالحسنى. فسنيسره العسرى. وما يغنى عنه ماله إذا تردى .... ، والحسنى تأنيث الأحسن، وهوصفة لموصوف محذوف: أى : فأما من أعطى حق اله - تعالى -، بأن أنفق من ماله فى وجوه الخير، كإعتاق الرقاب، ومساعدة المحتاجين .. واققى المحارم والمعاصى ((وصدق بالحسنى، أى: وأيقن بالخصلة الحسنى، وهى الإيمان بكل ما يجب الإيمان به، أو أيقن بالملة الحسنى، وهى ملة الإسلام، أو بالمثوبة الحسنى ٠. وهى الجنة . (١) تفسير القرطبى = ٢٠ ص ٨٢ ٥٩٤ الجزء الثلاثون ((فستيره اليسرى، أى: فسنهيته للخصلة التى توصله إلى البشر والراحة وصلاح البال ، بأن نوفقه لأداء الأعمال الصالحة التى تؤدى إلى السعادة .. وحذف مفعول «أعطى واتقى، للعلم بهما. أى: أعطى ما كلفه الله - تعالى - به، واتقى محارمه . (( وأما من بخل، بماله فلم يؤد حقوق الله - تعالى فيه، ولم يبذل شيئا حته فى وجوه البر . ٠ (( واستغنى، أى: واستغنى عن ثواب الله - تعالى -، وتطاول على الناس بماله وجاهه، وآثر متع الدنيا على نعم الآخرة .. , وكذب بالحسنى ، أى : وكذب بالخصلة الحسنى التى تشمل الإيمان بالحق، وبيوم القيامة وما فيه من حساب وجزاء . ((فسنيسره للعسرى، أى: فمنهيئة للخصلة التى توصله إلى العصر. والمشقة والشدة، بأن نجعله بسبب سوء اختياره ، يؤثر الغى على الرشد ، والباطل على الحق ، والبخل على السخاء فتكون عاقبته فرطاً، ونهايته الخسران والبوار . والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة يراها، قد وصفت المؤمنين الصادقين بثلاث صفات هى جماع كل خير ، وأساس جميع الفضائل ... وصفهم بالسخاء ، وبالخوف من الله - تعالى -، وبالتصديق بكل ما يجب التصديق به ، ورقب على ذلك توفيقهم للخصلة الحسنى، التى تنتهى بهم إلى الفوز والسعادة. ووصف - أيضاً - أهل الفسوق والفجور بثلاث صفات ، هى أساس البلاء، ومنبع الفساد، ألا وهى البخل، والغرور، والتكذيب بكل ما يجب الإيمان به .. ورقب - سبحانه - على ذلك تهيئتهم للخصلة ٥٩٥ سورة الليل السرى، التى توصلهم إلى سوء المصير ، وشديد العقاب . وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات ، جملة من الأحاديث الشريفة، فقال ما ملخصه: قوله: ((وكذب بالحسنى، أى : بالجزاء فى الدار الآخرة , فسنيسره للعسرى، أى: لطريق الشر، كما قال - تعالى - : ((ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ، ونذرهم فى طغيانهم يعمهون، والآيات فى هذا المعنى كثيرة، ودالة على أن الله - يجازى من قصد الخير بالتوفيق له ، ومن قصد الشر بالخذلان ، وكل ذلك بقدر مقدر، والأحاديث الدالة على هذا المعنى كثيرة . منها : ما أخرجه البخارى عن على بن أبى طالب - رضى الله عنه - قال : كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى بقيع الغرقد فى . جنازة، فقال: ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ، ومقعده من النار، فقالوا: يا رسول اللّه أفلا فتكل؟ فقال: أعملوا فكل ميسر لما خلق له. ثم قرأ: ((فأما من أعطى وانقى ... إلى قوله: ((العسرى)). و((ما)، فى قوله - سبحانه -: «وما يغنى عنه ماله إذا تردى) چوز أن تكون فافية . والقردى : السقوط من أعلى إلى أسفل. يقال: تردى فلان من فوق الجبل، إذا سقط من أعلاه إلى أسفله . والمراد هنا: النزول إلى القبر بعد الموت، أو السقوط فى النار بسبب الكفر والفسوق والعصيان ، من الردى بمعنى الهلاك . أى: ولا يغنى شيئا عن هذا الشقى الذى بخل واستغنى وكذب بالحسنى ماله وجاهه وكل ما كان يملكه فى الدنيا، إذا سقط يوم القيامة فى النار . ويجوز أن تكون استفهامية، ويكون الاستفهام المقصود به الافكار "والتوبيخ، أى: وماذا يغنى عن هذا الشقى ماله بعد هلاكه، وبعد قرديه ٥٩٦ الجزء الثلاثون فى جهنم يوم القيامة ؟ إنه لن یغنى عنه شيئا ماله الذی بخل به فى الدنيا ، بل سيهوى فى جرتم دون أن يشفع له شافع ، أو بنصره ناصر . وصدق. الله إذ يقول: ((وفرثه ما يقول وبأتينا فردا)). وإذ يقول : ((ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة. وتر كتم ما خولناكم وراء ظهوركم .. » (١) . ثم بين - سبحانه- بعد ذلك، أنه قد أعذر إلى عباده، حيث وضح. لهم طريق الخير وطريق الشر، وكشف لهم عن حسن عاقبة من أعلى. وأتقى وصدق بالحسنى، وسوء عاقبة من بخل واستغنى وكذب بالحسنى. فقال - تعالى -: ((إن علينا الهدى. وإن لنا الآخرة والأولى)). أى: إن علينا - بمقتضى حكمتنا ورحمتنا بعبادنا - أن نبين لهم. طريق الحق ، وطريق الباطل ، بواسطة رسلنا، فمن شاء الله بعد ذلك. فليؤمن فينال الثواب، ومن شاء بعد ذلك فليكفر فيحل به العقاب، لأننا فجازى كل إنسان على حسب عمله ، بعد أن هديناه النجدين ، وأرشدفاء إلى سبيل الرشد وسبيل الغى . وإن أنا وحدنا كل ما فى الدنيا ، وكل ما فى الآخرة ، إذ الخلق والأمر بيدنا، والعطاء والمنع لا يملكه أحد سوانا، وهذا الكون كله تحت تصرفنا وقدرتنا . والغاء فى قوله - سبحانه - : ((فأنذرتكم نارا تلظى، للإفصاح عن مقدر ، لأنها تدل على مراعاة مضمون الكلام الذى قبلها ، وتأتى بعده بما يفصله ويزيده وضوحاً .. وقوله : ((تلظى)) أى: قتوقد وقتوهج وقلتهب، وأصله تعلفظى» فحذفت إحدى النامين تخفيفاً . (١) راجع تفسير ابن كثير حـ٧ ص ٤٤٠ ٥٩٧ سورة الليل أى: إذا كان الأمر كما ذكرت لكم ، من حسن عاقبة من أعطى وأتقى ومن سوء عاقبه من بخل واستغنى ، ومن أن كل شىء تحت قدرتنا وتصرفنا ... فأكون بذلك قد حذرتكم من عذاب عظيم يوم القيامة، وخوفتكم من السقوط فى قار عظيمة تتلهب وتتوقد، وهذه النار « لا يصلاها، أى: لا يحترق بها , إلا الأشقى، أى: إلا من اشتد شقاؤه بسبب إصراره على كفره وفجوره. وقوله - تعالى -: ((الذى كذب وتولى)) صفة لهذا الشقى، لزيادة " "التشنيع عليه، والذم له. أى: سيحترق بهذه النار هذا الإنسان الذى بلغ "الغاية فى الشقاء والتعاسة، والذى من صفاته أنه كذب بالحق، وأعرض" عن الطاعة ، وسار فى طريق الكفر والجحود ، حتى أدر كه الموت ، وهو على ذلك . وكعادة القرآن الكريم فى المقابلة بين الأشرار والأخيار ، وبين السعداء والأشقياء، جاء الحديث بعد ذلك عن حال الأتقياء، فقال - تعالى - ((وسيجنبها الأتقى، أى: وسيبتعد عن هذه النار المناجحة الأتقى، وهو من بالغ فى صيانة نفسه عن كل ما يغضب الله - تعالى - ، وحرص كل الحرص على فعل ما يرضيه - عز وجل - . فالمراد بالأشقى والأتقى: الشديد الشقاء ، والشديد التقوى .. والتعبير بقوله: «وسيجنبها، يشعر بابتعاده عنها ابتعادا عاماً، بحيث تكون النار فى جانب، وهذا الأنقى فى جانب آخر، كما قال - تعالى -: « إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبغدون. لا يسمعون حسيسبها، وم فيما اشتهت أنفسهم خالدون،. والفعل ((جنب)) يتعدى إلى مفعولين، أولهما هنا هو لفظ الأتقى، الذى ارتفع على أنه نائب فاعل. والمفعول الثانى هو الهاء. ٥٩٨ الجزء الثلاثون ثم وصف - سبحانه - هذا الإنسان المبالغ فى تقواه وطاعته لربه فقال: ((الذى يؤتى ما له يتزكى، أى: هذا الإنسان الشديد التقوى من، صفاته أنه يقدم ماله أخيره، وينفقه فى وجوه البر والطاعة ، رجاء أن يكون عند ربه زاكياً نامياً ، خالياً من محبهة الرياء والتفاخر ، وأملا فى. أن يتطهر به من الذنوب . فقوله « بتزکی، فى محل نصب على الحال من فاعل , یؤنی ) أى = يؤتى ماله حال كونه لا يطلب من وراء ذلك إلا تركية ماله، وتطهير نفسه . وقوله - سبحانه - : (( وما لأحد عنده من نعمة تجزى . إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى .. ، بيان لبلوغه أسمى درجات الإخلاص والنقاء .. أى : أن هذا الإنسان الكامل فى تقاه لا يفعل ما يفعل من وجوه الخيرات، من أجل المجازاة لغيره على نعمة سلفت من هذا الغير له، وإنما يفعل ما يفعل من أجل شىء واحد؛ وهو طلب رضا الله - تعالى - ، .. والظفر بثوابه، والإخلاص لعبادته - سبحانه - . قال الآلوسي: وقوله: ((إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى، منصوب على الاستثناء المنقطع من قوله: ((من نعمة))، لأن الابتغاء لا يندرج فيها ، فالمعنى= لكنه فعل ذلك لابتغاء وجه ربه - سبحانه - ، وطلب رضاء، لا لمكافأة لأحد على نعمة .. وجوز أن يكون نصبه على أنه مفعول لأجله ، أى : لا يؤتى ماله لأجل شىء من الأشياء ؛ إلا لأجل طلب رضا ربه، لا لأجل شىء آخر، فهو استثناء مفرغ من أعم العال والأسباب .. )، (١). وقوله - سبحانه - : ((ولسوف يرضى، المقصود به الوعد الصادق لهذا التقى ؛ بما يزيد فى سروره ، وفى قرة عينه . (١) تفسير الآلوسي = ٣٠ ص ١٤٢ ٥٩٩ سورة الليل أى: ولسوف نعطى هذا التقى الذى أعطى وإنقى وصدق بالحسنى ، من أجل الظفر برضا ربه - تعالى - ، لا من أجل شىء آخر . لسوف فعطيه عطاء يرضيه ويسعده ويشرح صدره. هذا ، وأكثر المفسرين على أن هذه الآيات الكريمة نزلت فى شأن سيدنا أبى بكر الصديق - رضى الله عنه - . قال الإمام ابن جرير ما ملخصه : وذكر أن هذه الآيات نزلت فى. أبى بكر الصديق ... فقد كان يعتق العجائز من النساء إذا أسلمن ، ويشترى الضعفة من العبيد فيعتقهم ، فقال له أبوه: يا بنى ، أراك تعتق أناساً ضعفاء ، فلو أنك تعتق رجالا جلداء - أى: أشداء - يقومون معك، ويمنعونك ، ويدفعون عنك . فقال أبو بكر : أى أبت، إنما أريد ما عند الله. فنزلت هذه الآيات ، (١) . وقال الإمام ابن كثير: وقد ذكر غير واحد من المفسرين ، أن هذه الآيات نزلت فى أبى بكر الصديق - رضى الله عنه - ، حتى إن بعضهم حكى الإجماع من المفسرين على ذلك . ولا شك أنه داخل فيها، وأولى الأمة بعمومها ، فإن لفظها لفظ العموم ، وهو قوله: ((وسيجنبها الأنقى. الذى يؤنى ماله يتزكى .... ، ولكنه مقدم الأمة، وسابقهم فى جميع هذه الأوصاف ، وسائر الأوصاف الحميدة. (١) تفسير ابن جرير = ٣٠ ص ١٤٢ ٦٠٥ ١ الجزء الثلاثون فإن كان صديقاً، تقياً، كريماً، جواداً، بذالا لماله فى طاعة. مولاه، ونصرة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ... )، (١). نسأل الله - تعالى - أن يحشرنا جميعاً فى زمرة عباده الأنقياء الأنقياء. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. القاهرة - مدينة نصر صباح الأربعاء ١٨ من صفر سنة ١٤٠٧ هـ ٢٢ من أكتوبر سنة ١٩٨٦ م (١) تفسير ابن كثير حـ ٧ ص ٤٤٤