النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٤١ سورة الفجر المراد بهما : الصلاة المكتوبة، ما كان منها شفعا ، كصلاة الظهر والعصر والعشاء والصبح، وما كان منها وترا كالمغرب .. ومنهم من يرى أن المراد بالشفع: جميع المخلوقات ، وبالوتر، اللّه - تعالى - الواحد الصمد. وقد رجح بعض العلماء هذا القول فقال ما ملخصه: والواقع أن أقرب الأفوال عندى - والله أعلم - . أن المراد بالوتر، هو الله - تعالى -، للحديث: ((إن الله وريحب الوتر))، وماسواه شفع .. لأنه ثبت علميا أنه لا يوجد كائن موجود بمعنى الوتر قط، حتى الحصاة الصغيرة ، فإنه ثبت أن كل كائن جماد أو غيره مكون من ذرات ، والذرة لها نواة ومحيط . . ولهذا كان القول بأن الوتر هو الله، وبأن الشفع: جميع المخلوقات .. هو الراجح، وهو الأعم فى المعنى.٠٠(٢). وأقسم - سبحانه - خامساً - بقوله: ((والليل إذا يسر)) أى: وحق الليل عندما يسرى ويمضى، تاركا من خلفه ظلامه ، ليحل محله النهار بضياته .. أو المعنى : وحق الليل وقت أن يسرى فيه السارون، بعد أن أخذوا حظهم من النوم ، فإسناد السرى إلى الليل على سبيل المجاز، كما فى قولهم : ليل نائم، أى: ينام فيه الناس وقرأ الجمهور (( يسر، بحذف الياء وصلا ووقفا، اكتفاء عنها بالكسرة تخفيفا . . . وقرأ نافع وأبو عمرو بإثبات الياء عند الوصل، وبحذفها عند الوقف .. والمراد بالميل هنا: عمومه؛ وقيل المراد به هنا: ليلة القدر؛ أو ليلة المزد لغة . (٢) راجع تفسير أضواء البيان الشيخ الشنقيطى حـ ٨ ص ٢١٠ ٠٤٢ الجزء الثلاثون والاستفهام فى قوله - تعالى -: ((مل فى ذلك قسم لذى حجر، التقرير والتعظيم لما أقسم به - سبحانه - من مخلوقات. واسم الإشارة ((ذلك). يعود إلى تلك الأشياء التى أقسم الله - تعالى - بها. والمراد بالحجر - بكسر الحاء - العقل، وهى بذلك لأنه يحجر صاحبه ويمنعه عن ارتكاب مالا ينبغى، كما سمى عقلا، لأنه يعقل صاحبه عن أرتكاب السيئات، كما يعقل العقالُ البعير" عن الضلال. والمعنى : هل فى ذلك الذى أقسمنا به من الفجر، والليال العشر، والشفع والوتر .. قسم، أى: مقسم به ، حقيق أن تؤكد به الأخبار عند كل ذى عقل سليم ؟ مما لا شك فيه أن كل ذى عقل سليم، يعلم تمام العلم، أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء ، حقيق أن يقسم به، لكونها - أى: هذه الأشياء - أمورا جليلة، خليقة بالإقسام بها لفخامة شأنها، كما أن كل ذى عقل سليم يعلم - أيضا -، أن المقسم بهذا القسم، وهو الله - عز وجل - صادق فيما أقسم عليه . فالمقصود من وراء القسم بهذه الأشياء، تحقيق المقسم عليه، بأسلوب فيه ما فيه من التأكيد والتشويق، وتحقيق المقسم عليه . وجواب القسم محذوف دل عليه قوله - تعالى - بعد ذلك: «ألم تر كيف فعل ربك بعاد .. إلى قوله: فصب عليهم ربك -وط عذاب). والتقدير: وحق هذه المخلوقات لتعذن - أيها الكافرون - كما عذب الذين من قبلكم ، من قوم عاد وثمود وفرعون . قال الجمل: فإن قلت ما فائدة قوله - تعالى -: «هل فى ذلك قسم الذى حجر))، بعد أن أقسم - سبحانه - بالأشياء المذكورة ؟ قلنا: هولزيادة التأكيد والتحقيق للمقسم عليه، كمن ذكر حجة باهرة، ثم قال : أفيما ذكرته حجة؟ .. ٠٤٣ سورة الفجر وجواب القسم محذوف، أى: لتعذين يا كفار مكة ، وقيل هو مذكور موهو قوله: ((إن ربك لبا المرصاد)). وقيل محذوف لدلالة المعنى عليه. أى: لنجازين كل أحد بعمله .. » (١) . ثم ذكر - سبحانه - على سبيل الاستشهاد، ما أنزله من عذاب مهين، بالأقوام المكذبين، فقال - تعالى -: ألم تركيف فعل ربك بعاد .. والاستفهام فى قوله: ((ألم تر .. ، للتقرير، والرؤية: علمية، تشبهاً -العلم اليقينى بالرؤية فى الوضوح والانكشاف، لأن أخبار هذه الأمم ". كانت معلومة للمخاطبين . ويجوز أن تكون الرؤية بصرية، لكل من شاهد آثار هؤلاء الأقرام البائدين .. والمراد بعاد: تلك القبيلة المشهورة بهذا الاسم، والتى كانت تسكن . الأحقاف، وهو مكان فى جنوب الجزيرة العربية، معروف العرب، قال - تعالى -: «وقلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله، وأقبعوا أمر كل جبار عنيد ٠.،. 1 سموا بذلك نسبة إلى أبيهم عاد بن عُوْض، بن أرم، بن سام، "ابن نوح - عليه السلام - فقوله - تعالى -: ((أرم، عطف بيان لعاد ، لأنه جده الأدنى. وقوله - تعالى -: ((ذات العماد)) صفه لعاد، وذات وصف مؤنث لأن المراد بعاد القبيلة، سعى أولاده باسمه، كما سعى بنو هاشم هاشماً. (١) حاشية الجمل على الجلالين = ٤ ص ٥٣٠ ٥٤٤ الجزء الثلاثون والمقصود بهذه القبيلة عاد الأولى، التى أرسل الله - تعالى - إليهم هودا - عليه السلام -، وكانوا معروفين بقوتهم وضخامة أجسامهم .. وقد جاء الحديث عنهم كثيرا فى القرآن الكريم، ومن ذلك قوله - تعالى -:. ((فأما عاد فاستكبروا فى الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة .. )). وقوله - سبحانه -: ((التى لم يخلق مثلها فى العباد، صفة أخرى. لقبيلة عاد . والمعنى: لقد وصل إلى علمك - أيها الرسول الكريم - بصورة .. يقينية، خبر قبيلة عاد، التى جدها الأدنى ( إرم بن سام بن نوح)) والتى كانت تسكن بيوتا ذات أعمدة ، ترفع عليها خيامهم ومبانيهم الفارهة .. والتى لم يخلق مثلها - أى: مثل هذه القبيلة - أحد فى ضخامة أجسام أفرادها،. وفى قوة أبدانها، وفما أعطاها الله - تعالى - من غنى وقوة . قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: قوله - تعالى: ((ألم تركيف فعل ربك. بعاد . إرم ذات العماد. التى لميخلقها مثلها فى البلاد، هؤلاء كانوا متمر دين. عتاة .. فذكر - سبحانه - كيف أهلكهم. وهؤلاء هم الأولى، وهم أولاد عاد بن إرم بن ءوص بن سام بن نوح،" وهم الذين أرسل الله إليهم نبيه هودا - عليه السلام - فكذبوه فأهلكهم. الله - تعالى - . فقوله: ((إرم ذات العماد) عطف بيان ، زيادة تعريف بهم . وقوله: (((ذات العماد، لأنهم كانوا يسكنون بيوت الشعر التى ترفع بالأعمدة. الشداد . . . وقال ها هنا: «التى لم يخلق مثلها فى البلاد، أى: القبيلة التى لم يخلقه ٥٤٥ سورة الفجر مثلها فى بلادهم، لقوتهم وشدتهم، وعظم تركيبهم .. فالضمير فى ((مثلها، يعود إلى القبيلة . ومن زعم أن المراد بقوله: (( إرم ذات العماد، مدينة إما دمشق أو الاسكندرية .. ففيه نظر .. لأن المراد إنما هو الإخبار عن إهلاك القبيلة المسماة بعاد ، وليس المراد الإخبار عن مدينة أو إقليم . وإنما نبهت على ذلك لئلا يغتر بما ذكره جماعة من المفسرين من أن المراد بقوله - تعالى -: «إرم ذات العماد .. ، مدينة مبنية بلبن الذهب .. والفضة .. فهذا كله من خرافات الإسرائليين .. )، (١). وقوله - تعالى -: ((ونمود الذين جابو الصخر بالواد . وفرعون ذى الأوقاد ، معطوف على ما قبله . والمراد بشمود: القبيله المسماة بهذا الاسم، نسبة إلى جدها ثمود، وقد أرسل الله - تعالى - إليهم نبيهم صالحا. - عليه السلام - فكذبوه، فأهلكهم الله - تعالى -. وكانت مساكنهم بين الشام والحجاز، وما زالت معروفة حتى الآن. باسم قرى صالح . وقوله: « جابوا، بمعنى قطعوا، من الجوب بمعنى القطع والحرق. والصخر : الحجارة العظيمة . والواد: اسم للأرض المنخفضة بين مكانين مرتفعين، وكان هؤلاء. القوم يقطعون الصخور من الجبال، ليتخذوا منها بيوتهم بواديهم، أى : بالمكان الذى كانوا يسكنونه . فقوله: ((بالواد)) علم بالغلبة للمكان الذى كانوا يسكنون فيه، ويسمى. = (١) راجع تفسير ابن کثیر =٧ ص ٤١٨ F ٥٤٦ الجزء الثلاثون جوادى القرى، وقد قال - تعالى - فى شأنهم: «وتنحتون من الجبال بيوتاً فارهين » . والمراد بفرعون هنا: هو وقومه. والمراد بالأوناد : الجنود والعساكر الذینیشدون ملکه وبقوونه ،كما تشد الخيام و تقوی بالأوتاد. قال الألوسى : وصف فرعون بذلك لكثرة جنوده وخيامهم، التى يضربون أوتادها فى منازلهم . أو لأنه كان بدق لمن يريد تعذيبه أربعة أوقاد، ويشده بم ٠٠١ (١). وقال بعض العلماء: ووصف فرعون بذى الأوتاد، لأن مملكته كانت تحتوى على الأهرامات، التى بناها أسلافه، لأن صورة الهرم على الأرض تشبه الوقد المدقوق. ويجوز أن يكون المراد بالأوتاد: التمكن والثبات على سبيل الاستعارة، أى: ذى القوة .. )، (٢). وقال صاحب الظلال: «وفرعون ذى الأوتاد، وهى على الأرجح الأهرامات ، التى تشبه الأوتاد الثابتة فى الأرض المنينة البنيان ، وفرعون المشار إليه هنا، هو فرعون الطاغية الجبار . الذى أرسل الله - تعالى - . إليه موسى - عليه السلام - (٣). والمعنى : لقد علمت - أيها الرسول الكريم - وعلم معك كل من هو أهل للخطاب ، ما فعله ربك بقبيلة عاد ، التى جسدها أرم بن سنام (١) تفسير الآلوسى = ٣ ص ١٢٤ (٢) «التحرير والتنوير حـ ٣٠ ص ٣٢١ للشيخ ابن عاشور (٣) ,فى ظلال القرآن = ٣٠ ص ٥٧١ ٥٤٧ سورة الفجر ابن نوح، والتى كانت صاحبة أعمدة عظيمة ترفع عليها بيوتا، والتى لم يخلق فى بلادها مثلها فى القوة والغنى . وعلمت - أيضا - ما فعله ربك بقوم ثمود، الذين قطعوا صخر الجبال، واتخذوا منها بيوتا بوادى قراهم، التى ما زالت معروفة . وعلمت - كذلك - ما فعلناه بفرعون صاحب المبانى القوية الفخمة وصاحب الجنود والعساكر الذين يشدون ملكه . و «الذين طغوا فى البلاد، فأفسدوها، وتجاوزوا كل حد فى العصيان .والظلم .. ((فأكثروا فيها، أى: فى البلاد , الفساد، عن طريق الفسوق والخروج عن طاعتنا . (((فصب عليهم ربك سوط عذاب، أى : فكانت نتيجة طغيانهم وفسادهم .. أن أنزل ربك عليهم، فوعا عظيما من العذاب المهين. والسوط: آلة تتخذ من الجلود القوية، يضرب بها الجانى، وإضافتها إلى العذاب ، من إضافة الصفة إلى الموصوف. أى : فصب عليهم ربك عذابا .. سوطا، أى : كالسوط فى سرعته ، وشدته وتتابعه ، فهو تشبيه بليغ . وعبر - سبحانه - عن إنزال العذاب بهم بالصب - وهو الإفراغ لما فى الظرف بقوة - ، للإيذان بكثرته وتتابعه . وسميت أنواع العذاب النازلة بهم سوطا، تسمية للشىء باسم آلته. قال صاحب الكشاف: وذكر السوط . إشارة إلى أن ما أحله بهم -فى الدنيا من العذاب العظيم بالقياس إلى ما أعد لهم فى الآخرة ، كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به . ٥٤٨ الجزء الثلاثون وعن عمر بن عبيد: كان الحسن إذا أنى على هذه الآية قال: إن عند الله أسواطا كثيرة، فأخذهم بسوط منها)، (١). وقوله - سبحانه -: (( إن ربك لبا المرصاد)، تذييل وتعليل لإصابتهم بسوط عذاب . والمرصاد فى الأصل: اسم المكان الذى يجلس فيه الجالس لترقب. أو رؤية شيء ما . والمراد: إن ربك - أيها الرسول الكريم - برصد عمل كل إنسان» ويحصيه عليه، ويجازيه به، دون أن يخفى عليه - سبحانه - شىء فى الأرض أو السماء . وفى هذه الآيات الكريمة: تخويف شديد للكافرين ، وتهديد لهم. على إصرارهم جحودهم ، وأنهم إذا ما ساروا فى طريق الجحود والعناد ، فسيصيبهم ما أصاب هؤلاء الطغاة. ثم ذكر - سبحانه - حال الإنسان عند اليسر والعسر، والغنى. والفقر ، والسراء والضراء فقال: (١) تفسير الكشاف = ٤ ص ٠٧٤٨ ١ ٥٤٩ سورة الفجر ! فَأْمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا أَبْتَلَئُهُ رَبُهُ فَأَكْرَمَهُ, وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّ أَكرَمَنِ ﴿ وَأَمَّ إِذَا مَاأَبْتَلَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ، فَيَقُولُ رَبِّ اأَّمَنِ (٦َ لَّ بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَنِيمَ ﴿﴾ وَلَا تَحَّضُونَ عَى طَعَامِ اَلْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُونَ الثُّرَاثَ أَكْلَا لَّمَّا (١) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبَّ ◌َّ هَ كَّ إِذَا دُكّتِ الْأَرْضُ دَكَّا دَكَّارٌ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَغَّ صَفّا ﴾ وَجِىّءَ يَوْمَيٍِ بِجَهَنَّمْ يَوْمَيِذٍ يَتَذَكَّرُ أُلْإِنسَنُ وَأَى لَهُ الذِّكَرَىِ (َ يَقُولُ بِشَيْتَنِى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِ (٣) إِفَيَوْمَذِلًّاً يُعَذِّبُ عَذَابَهُ ◌ٍ أَحَدٌ (٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ ◌ٍ أَحَدٌ (َ ﴿يَأَُّهَا النَّفْسُ الْمُطْمَيِنَّةُ ( أَرْجِعِىّ إلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةٌ ﴾ فَادْخُلِ فِى عِبَدِى (٨) وَأَدْخُلِ جَنَّى ◌َ والفاء فى قوله: ((فأما الإنسان .. ، للتفريع على ما تقدم، ولترتيب ما بعدها على ما قبلها . والمراد بالإنسان هنا : جنسه . وقيل المراد به الكافر . ولفظ (( الإنسان )) مبتدأ، وخبره: ((فيقول ربى أكرمن)). والمعنى: هذه سنة ربك - أيها العاقل - فى عباده، أنه - تعالى - لهم بالمرصاد، فهو يراقب أعمالهم، ويحاسبهم عليها ، ويجازيهم بها ، والسعيد ٥٥٠ الجزء الثلاثون من الناس هو الذى يفقه هذه الحقيقة، فيؤدى ما كلفه خالقه به . . ((فأما الإنسان، الشقى الغافل عن طاعة ربه . . «إذا ما ابتلاء ربه فأ كرمه ونعمه ، أى: إذا ما اختبره وامتحنه ربه. بألوان من النعم، بأن منحه المال الكتير ، والجاه العريض ، وأسباب القوة والمنعة (( فيقول، على سبيل التباهى والتفاخر .. (( ربی أ کرمن » أى : ربى أعطانى ذلك، لأنى مستحق لهذه النعم، كما قال - تعالى - : (« ولتن أذقناء نعماء من بعد ضراء مسته، ليقولن هذا لى، وما أظن الساعة. قائمة، ولئن رجعت إلى ربى إن لى عنده الحسنى .. )). وقوله - سبحانه -: ((وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه .. ، بيان .. لموقف هذا الإنسان عند فقره. أى: وأما إذا ما امتحنا هذا الإنسان. بسلب بعض النعم عنه، وبضيق الرزق .. ((فيقول، على سبيل التضجر والتأفف وعدم الرضا بقضائه - سبحانه -: «ربی أمانن، أى: ربى. أذلتى بالفقر، وأنزل بى الهوان والشرور . . وقول هذا الإنسان فى الحالين، قول مذموم، يدل على سوء فكره، وقصور نظره، وانطاس بصيرته، لأنه فى حالة العطاء والسعة فى الرزق ، يتفاخر و یتباهى ، ويتوم أن هذه النعم هو حقیق وجدیر بها ، وليست من فضل الله - تعالى - وكأنه يقول ما قاله قارون: «إنما أو تيته على علم عندى». وفى حالة المنع والضيق فى الرزق يجزع ، ويأبى أن يرضى بقضاء الله وقدره . . ١ ولا يخطر بباله أن نعم اقه، إنما هى فضل تفضل به - سبحانه - عليه. ليختبره، أشكر أم يكفر . وأن تضييقه عليه فى الرزق، ليس من الإهانة فى شىء، بل هو للابتلاء - أيضاً - والامتحان، كما قال - تعالى -: ((وتبلوكم بالشر والخير فتنه » وإلينا ترجعون)). ٥٥١ سورة الفجر. قال الإمام الشوكانى عند تفسيره هاتين الآيتين : وهذه صفة الكافر الذى لا يؤمن بالبعث ، لأنه لا كرامة عنده إلا الدنيا والتوسع فى متاعها، ولا إهانة عنده إلا فوتها وعدم وصوله إلى ما يريد من زيتتها ، فأما المؤمن فالنكرامة عنده أن يكرمه الله بطاعته، ويوفقه لعمل الآخرة . ويحتمل أن يراد الإنسان على العموم ، لعدم تيقظه أن ما صار إليه من الخير، وما أصيب به من الشر فى الدنيا، ليس إلا للاختبار والامتحان وأن الدنيا بأسرها، لا تعدل عند الله - تعالى - جناح بعوضة .. (١) واقتصر - سبحانه - فى الآية الكريمة على تقتير الرزق، فى مقابلة النعمة ، دون غير ذلك من الأمراض والآفات :. ، الإشعار بأن هذا الإنسان يعتبر دنياه جنته ومنتهى آماله، فهو لا يفكر إلا فى المال ولا يحزن إلا من أجله، وأن المقياس عنده لمقادير الناس هو على حسب ماعندهم من. أموال ، كما قال شاعرهم : فلو شاء ربیکنت قیس بزعاصم ولو شاءریکنتعمروبنمر ید بنون كرام ، سادة لمسود فأصبحتذا مال کثیر وطاف بى ولما كان هذا القول مذموماً من هذا الإنسان فى الحالين، لعدم شكره لله - تعالى - فى حالة الرخاء، ولعدم صبره على قضائه فى حالة البأساء. لما كان الأمر كذلك جاء حرف الردع بعد ذلك فقال - تعالى - : ((كلا بل لا تكرمون اليقيم. ولا تحاضون على طعام المسكين .. )). فقوله - تعالى -: (( کلا، زجر وردع عن قول هذا الإنسان (ربى أكرمن، عند حصول النعمة، وعن قوله ((ربى أهانن، عند حصول التقتير فى الرزق ، لأن الله - تعالى - قد يوسع على الكافر وهو مهان وبغرض منه - تعالى - ، وقد يضيق - سبحانه - على المؤمن مع (١) تفسير فتح القدير الشوكانى - . ص ٤٣٨ ٥٥٢ الجزء الثلاثون محبته له، وكلا الأمرين حاصل بمقتضى حكمته - عز وجل -، والمؤمن الصادق هو الذى يشكر عند الرخاء، ويصبر عند البأساء . و(«بل)) هنا للإضراب الانتقالى، من ذمهم على القبح من القول، إلى ذمهم بما هو أشنع منه، وهو ارتكابهم القبيح من الأفعال. أى: كلا ليس قولكم هذا - وهو أن الإكرام فى الإعطاء، والإهانه فى المنع - هو القبيح فحسب، بل هناك ما هو أقبح منه، وهو أنكم ـ أيها الكافرون - . ((لا تكرمون اليقيم، أى: لا تعطفون على اليقيم وهو الذى مات أبوه وهو صغير، بأن تقر كوه معرضاً للفقر والاحتياج ، دون أن تعملوا على تقديم يد المساعدة إليه . (((ولا تحاضون على طعام المسكين، أى: ولا يحث بعضكم بعضا على إطعام المساكين والبائسين . وففى الحض على إطعامهم ، ففى لإطعامهم من باب أولى ، وفى ذلك زيادة لمذمتهم ؛ لأنهم لا يطعمون ، ولا يحضون غيرهم عليه ، لأنهم قوم خلت قلوبهم من الرحمة والعطفب . قال الآلوسي: قوله - سبحانه -: ((بل لا تكرمون اليتيم .. الخ) انتقال ورق من ذم هذا الإنسان على الضبيح من القول، إلى الأفبح من الفعل، والالتفات إلى الخطاب ، لتشديد التقريع، وتأكيد التشنيع ... والجمع باعتبار معنى الإنسان، إذ المراد الجنس . أى: بل لكم أفعال وأحوال أشد شرامما ذكر، وأدل على تهالككم على المال ، حيث أكرمكم - سبحانه - بكثرة المال، ولكنكم لم تؤدوا ما يلزمكم فيه من إكرام اليتيم . ١ والمراد بطعام المسكين: إطعامه ، فالطعام مصدر بمعنى الإطعام ... ٠٥٣ سورة الفجر أو المراد به : الشىء المطعوم، ويكون الكلام على حذف مضاف . أى: على بذل طعام المسكين ... ، (١). وقوله - سبحانه -: ((وتأكلون التراث أكلالما، بيان لو ذيلة ثالثة من رذائلهم المتعددة . والتراث: هو المال الموروث عن الغير. والمراد بالأكل مطلق الانتفاع . وخص الأكل بالذكر ، لأنه يشمل معظم وجوه التصرفات المالية. واللم : الجمع بدون تفرقة بين الحلال والحرام، مأخوذ من قولهم: .. لممت الطعام ، إذا أكله كله دون أن يترك منه شيئاً. أى: ومن صفاتكم القبيحة أنكم تأكلون المال الموروث عن غيركم، أكلا شديدا، بحيث لا تتركون منه شيئاً، ولا تفرقون بين ما هو حلال أو حرام ، ولا بين ما يحمد وما لا يحمد. بل تأخذون حقوقكم وحقوق غيركم من النساء والصبيان . ومن صفاتكم - أيضاً - أنكم ((تحبون المال حباً جماً، أى: حباً كثيراً مع حرص وشره. يقال: جم الماء فى الحوض ، إذا كثر واجتمع، ومنه الجموم البتر .٠الكثيرة الماء .. والحب المفرط المال من الصفات الذميمة ، لأنه يؤدى إلى جمعه من كل طريق، بدون تفرقة بين ما يحل منه وما يحرم. فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هذا النوع من الناس. بأنه قد جمع فى سوء سلوكه، بين النطق بالقبيح من الأفوال ، وبين ارتكاب القبيح من الأفعال، وهى: ترك اليتيم بلا رعاية، وعدم الحض على (١) تفسير الآلوسى حـ ٣٠ ص ١٢٧ (م٣٦ - جزء عم) ٥٥٤ الجزء الثلاثون إطعام المحتاج، وجمع المال الموروث بدون تفرقة بين حلاله وحرامه . والإفراط فى حب المال بطريقة ذميمة . . وبعد هذا الزجر والردع لهم ، لسوء أقوالهم وأفعاطم ، أخذت. السورة الكريمة فى زجرم وردعهم عن طريق تذكيرهم بأحوال الآخرة. فقال - تعالى -: ((كلا إذا دكت الأرض دكادكا .. وقوله - تعالى -: (( كلا إذا دكت الأرض دكادكا، ردع لهم.» وزجر عن أفعالهم السابقة ، وهى عدم إكرام اليتيم ، وعدم الحض على طعام المسكين .. وقوله « دكت الأرض، من الدك، بمعنى الكسر والدق والزلزلة الشديدة، والتحطيم الجسيم. وانتصب لفظ «دكاء الأول على أنه مصدر. مؤكد للفعل، وانتصاب الثانى على أنه تأكيد للأول . وقيل تكرار ((دكا)) للدلالة على الاستيعاب. كقولك قرأت النحو باباً باباً، أى: قرأته كله ... قال القرطى: قوله - تعالى - : (( كلا إذا دكت الأرض. أى : ما هكذا ينبغى أن يكون الأمر . فهو رد لانكيابهم على الدنيا، وجمعهم لها . فإن من فعل ذلك يندم .. يوم تدك الأرض، ولا ينفعه الندم. والدك الكسر والدق. أى: زلزلت. وحر کت تحریکاً بعد تحريك . وقوله: ((دكا ذكاء أى: مرة بعد مرة. زلزات فكسر بعضها بعضاء فتكر كل شىء على ظهرها .. )) (١). (١) تفسير القرطى ــ ٢٠ ص ٤) ٥٥٥ سورة الفجر وقوله - تعالى -: ((وجاءربك .. ، هذه الآية وأمثالها من آيات الصفات التى يرى السلف وجوب الإيمان بها كما جاءت . بمعنى أننا نؤمن بمجىء الله - تعالى - ولكن من غير تكييف ولا تمثيل. بل فكل علم كيفية مجيئه إلى مشيته - تعالى - . والخلف يؤولون ذلك بأن المجى. هنا بمعنى مجىء أمره وقضائه .. قال الآلوسي: قوله - تعالى -: ((وجاء ربك .. )) قال منذر بن سعيد معناه: ظهر - سبحانه - للخلق هنالك، وليس بمجىء نقلة .. وقيل: الكلام على حذف مضاف للتهويل ، أى : وجاء أمر ربك وقضاؤه. واختار جمع أنه تمثيل لظهور آيات اقتداره - تعالى - وتبين آثار قدرته وسلطانه. مثلت حاله - سبحانه - فى ذلك . بحال الملك إذا حضر بنفسه ظهر بحضوره من آثار الهيبة مالا يظهر بحضور عساكره ووزرائه وخواصه عن بكرة أبيهم . وأنت تعلم ما للسلف فى المتشابه من الكلام . (((والملك)، أى: جنس الملك، فيشمل جميع الملائكة (( صفا صفاً)، أى: مصطفين، أو ذوى صفوف .. )) (١). وقوله - تعالى -: ((وجىء يومئذ بجهنم٠٠)، أى: وأحضرت جهنم وظهرت وبرزت للكافرين والفاسقين، يوم القيامة ، يوم تدك الأرض دكا. وقوله: «يومئذ، منصوب بقوله («جى.))، وقوله (« بيجهنم، قائم مقام الفاعل . روى الإمام مسلم فى صحيحه عن ابن مسعود قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((يؤ بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها)، (٢). (١) تفسير الآلوسى = ٣٠ ص ١٢٨ (٢) (( ابن كثير - ٧ مر ٤٢١ ٥٥٦ الجزء الثلاثون ((يومئذ، أى= فى هذا اليوم العسير، وهو يوم القيامة وهو بدل من قوله - تعالى -: ((إذا دكت الأرض) .(بتذكير الإنسان)) أى= يتذكر ما فرط منه من ذنوب، وما ارتكبه من سيئات ، وما وقع فيه من كفر وفسوق عن أمر ربه . (((وأنى له الذكرى، أى: ومن أين له الانتفاع بهذا التذكر، لأنه تذكر قدجاء فى غير وقت الانتفاع به، وهو وقت الحساب على الأعمال، لا وقت التوبة من السىء منها . (يقول، هذا الإنسان الشقى , يا ليتنى قدمت لحياتي)، أى: يقول حين يرى العذاب ماثلا أمامه يقول: على سبيل التحسر والتفجع - يا ليتنى قدمت أعمالا صالحة لأجل حياتى هذه فى الآخرة ، فاللام للتعليل، وقدمت أعمالا صالحة فى وقت حياتى فى الدنيا لأنتفع بها فى هذا اليوم فتكون اللام التوقيت . ((فيومئذ، أى: ففى هذا اليوم لا ينفعه الندم ولا التحسر، و«يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد ، والوثاق : الرباط الذى يقيد به الأمير . . . أى: ففى هذا اليوم لا يعذب كمذاب اللّه أحد ، ولا يوثق كوثاقه أحد، فالضمير فى قوله: ((عذابه وثاقه، يعود إلى الله - تعالى - . ولفظ (( أحد، فاعل. وقرأ الكسائى: (( لا يعذب ولا يوثق)) - بفتح الذال المشددة، وفتح الثاء - على البناء للمفعول، والضمير فى قوله (( عذابه ووثاقه، يعود الكافر . . . أى: فيومئذ لا يعذب أحد مثل عذاب ذلك الإنسان الكافر المتحسر، ولا يوثق أحد مثل وثاقه. ولفظ ((أحد، هنا نائب فاعل. سورة الفجر وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى -: ((قال الله إنى منزلها عليكم - أى : المائدة - فمن يكفر بعد منكم فإنى أعذبه عذاباً لا أعذبه أحدا من العالمين» . ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذه البشارة العظيمة للمؤمنين فقال: (( يأيتها النفس المطمئنة. ارجعى إلى ربك راضية مرضية . فادخلى فى عبادى وادخلى جنتى» . والنفس المطمئنة: هى النفس الآمنة من الخوف أو الحزن فى يوم القيامة، بسبب إيمانها الصادق، وعملها الصالح . والكلام على إرادة القول ... أى: يقول الله - تعالى - على لسان ملائكته، إكراماً للمؤمنين، عند وفاتهم، أو عند تمام حسابهم: بأيتها النفس الآمنة المطمئنة ، الناعمة مروح اليقين، الواثقة بفضل الله - تعالى - ورحمته .. « ارجعى إلى ربك راضية مرضية، أى: ارجعى إلى ربك الذى خلقك ، وأنت راضية تمام الرضا بما أعطاك - سبحانه - من ثواب، ومرضى عنك منه - تعالى - بسبب إيمانك الصادق، وعملك الصالح . « فادخلى فى عبادى، أى : فادخلى فى زمرة عبادى الصالحين المرضيين .. (( وادخلى جنتى)) التى وعدتنابها، والتى أعددتها لنعيمهم الدائم المقيم . وقد ذكروا أن هذه الآيات الكريمة نزلت فى شأن عثمان بن عفان ، 1 تصدق بيش رومة . ٥٥٨ الجزء الثلاثون وقيل نزلت فى حمزة بن عبد المطلب حين استشهد .. قال القرطبى: والصحيح أنها عامة فى نفس كل مؤمن مخاص طائع ... )، (١). نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعاً من أصحاب النفوس المطمئة. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصبه وسلم. القاهرة - مدينة نصر مساء الاثنين ٩ من صفر سنة ١٤٠٧ هـ ١٣ من أكتوبر سنة ١٩٨٦ م (١) تفسير القرطبي = ٢٠ ص ٥٨ دَفْسِيْرُسُّورَة البلد بسم الله الرحمن الرحيم دورة «البلد ، ١٠٠٠٠ ٠ ١ - سورة ((البلد)) وتسمى سورة ((لا أقسم، من السور المكية- الخالصة ، وعلى ذلك سار المحققون من المفسرين . قال القرطبى: سورة ((البلد، مكية باتفاق (١). وقال الألوسى: مكية فى قول الجمهور بتمامها. وقيل: مدنية بمامها. وقيل مدنية إلا أربع آيات من أولها. واعترض كلا القولين بأنه يأباهما .. قوله ((بهذا البلد)) - إذ المقصود بهذا البلد مكة - ، ولقوة الاعتراض أدعى الزمخشرى الإجماع على مكيتها .. ، (٢). والذى تطمئن إليه النفس، أن هذه السورة من السور المكية الخالصة. ولا يوجد دليل يعتمد عليه يخالف ذلك . قال الشوكانى: سورة البلد، ويقال لها سورة ((لا أقسم .. ، وهى: عشرون آية. وهى مكية بلا خلاف . وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقى عن ابن عباس قال: نزلت سورة (( لا أقسم .. )) بمكة . وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله . ٢ - وهى السورة الخامسة والثلاثون فى ترتيب نزول السور، فقد كان فرولها بعد سورة ((ق)، وقبل سورة ((الطارق))، أما ترتيبها فى. المصحف فهى السورة التسعون . ومن مقاصدها: التنويه بشأن مكة ، أشرفها وحرمتها ووجود البيت- (١) تفسير القرطى حـ ٢٠ ص ٠٥٩ (٢) تفسير الآلومى = ٣٠ ص ٠١٣٣