النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢١
سورة الأعلى
ثم ختم - سبحانه - السورة بقوله: « إن هذا لفى الصحف الأولى
- صحف إبراهيم وموسى، أى: إن هذا الذى ذكرناه لكم من فلاح من
تزكى، ومن إيثاركم الحياة الدنيا على الآخرة ، لكلان وثابت ومذكور
فى الصحف الأولى، التى هى صحف إبراهيم وموسى ، التى أنزلها- سبحانه -
على هذين النبيين الكريمين ، ليعدا الناس ما اشتملت عليه من آداب
. وأحكام ومواعظ .
وفى إبهام هذه الصحف، ووصفها بالقدم ، ثم بيان أنها لنبيين كريمين
-من أولى الغرم من الرسل، تنويه بشأنها، وإعلاء من قدرها !..
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟
القاهر - مدينة نصر
مساء الإثنين ٢ من صفر سنة ١٤٠٧ هـ
٦ من أكتوبر سنة ١٩٨٦ م
( م ٣٤ - جزء عم )

نَفسِيْرُسُورة
الغاشية

بسيط طباق الرحيم.
سورة ((الغاشية))
١ - سورة ((الغاشية))، وتسمى سورة ((هل أتاك حديث الغاشية))
من السور المكية الخالصة، وعدد آياتها ست وعشرون آية. وهى السورة
الثامنة والثمانون فى ترتيب المصحف ، أما ترتيبها فى النزول ، فهى السورة
السابعة والستون من بين السور المكية، وكان نزولها بعد سورة («الذاريات)
وقبل سورة ((الكهف)).
٢ - وهى من السور التى كان النبى - عليه - يقرؤها كثيراً،
فقد أخرج الإمام مسلم فى صحيحه، عن النعمان به بشير، أن رسول الله
- صَ لّه - كان يقرأ «سبح اسم ربك الأعلى والغاشية، فى صلاة
الجمعة والعيدين)).
وفى رواية - أيضاً - عن النعمان به بشير أن الرسول - ز ) -
كان يقرأ هذه السورة مع سورة الجمعة ، فى صلاة الجمعة .
٣ - وقد اشتملت السورة الكريمة على بيان أحوال الكافرين.
والمؤمنين يوم القيامة، كما لفتت أنظار الناس إلى مظاهر قدرة الله فى خلقه،
لكى يتفكروا ويتدبروا أن الخالق لهذه الأشياء بتلك الصورة البديعة،
هو المستحق للعبادة والطاعة ، وأنهم سيعودون إليه للحساب والجزاء
(((إن إلينا إيابهم. ثم إن علينا حسابهم)).

٥٢٥
سورة الناشية
قال - تعالى - :
هَلْ أَتَنَكَ حَدِيثُ الْغَيْشِيَةِ ﴾ وُجُوهُ يَوْمَذٍ خَشِعَةُ (٣) عَمِلَةٌ
◌َّصِبَةٌ (َ تَصْلَى نَارًا حَِيَةً (٤) تُسْقَ مِنْ عَنٍ ،َانِيَةٍ ◌ّ لَيْسَ
نَهُمْ طَعَمّ إِلَّ مِنْ ضَرِيعِ (﴾ لَّا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِى مِنْ جُوع.
وُجُوهُ يَوْمَيِذٍ نَّاعِمَةٌ ﴾ لِسَعْبِهَا رَاضِيَةٌ ﴾ فِ جَنَّةٍ عَلِيَةٍ
١٠٦
1
٧
لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَدِغِيَّةً (٨َ فِهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ ( ٨) فِيهَا سُرُرٌ مَّرْ فُوعَةٌ .
١٣
وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ (٨) وَتَارِقُ مَصْفُوقَةٌ (٢) وَزَرَابِيُّ مَبْتُوَةُ (ّ
أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴾ وَ إِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ
رُفِعَتْ ﴿ وَ إِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ﴾ وَ إِلَى الْأَرْضِ كَيْفَهُ
اُسْطِحَتْ (يَ فَذَكِّرْ إِنَّا أَنتَ مُذَكِّرْ ي ◌َسْتَ عَلَيْمِ بِمُصَيْطِّ
إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (هِ فَيُعَذِّبُهُ الَهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ
٢٤)
إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ (٣٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم ٦
والاستفهام فى قوله - تعالى -: ((هل أتاك حديث الغاشية، للتحقيق
، والتقرير، أو المقصود به التعجيب من حديث القيامة، والتشويق إلى
الاستماع إليه .
والغاشية: لفظ مشتق من الغشيان، وهو تغطية الشىء لغيره، يقال:

٥٣٦
الجزء الثلاثون
غشيه الأمر ، إذا غطاء ، والمقصود بالغاشية يوم القيامة، ووصف يوم
القيامة بذلك، لأنه يغشى الناس بأهو اله وشدائده، ويغطى عقولهم عن
التفكير فى أى شىء سواء . .
والمعنى: هل بلغك - أيها الرسول التكريم أو أيها المخاطب -
حديث يوم القيامة ، الذى يغشى الناس بأحواله المفزعة ، ويعمهم
بشدائده .. إن كان لم يأتك فهذا خبره، وتلك هى أقسام الناس فيه .
وافتتاح السورة بهذا الافتتاح - بجانب ما فيه من قشويق - يدل على
أهمية هذا الخبر ، وأنه من الأخبار التى ينبغى الاستعداد لما اشتملت عليه
من معانى لا يصح التغافل عنها .
٠
ثم فصل - سبحانه - أحوال الناس فى هذا اليوم فقال: ((وجوه
يومئذ خاشعة
.
قال الشوكانى: الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر، كأنه قيل ما هو؟
أو مستأثفة استئناف نحوبا، لبيان ما تضمنته من كون ثم وجوه فىذلك
اليوم متصفة بهذه الصفة المذكورة، ووجوه مرتفع على الابتداء - وإن
كانت نكرة - لوقوعه فى مقام التفصيل .. والتنوين فى يومئذ عوضعن
المضاف إليه. أى: يوم غليان الغاشية. والخاشعة: الذليلة الخاضعة،
وكل متضائل ساكن يقال له خاشع .. )، (١) .
والمراد بالوجوه: أصحابها، من باب التعبير عن الكل بالبعض،
وخصت الوجوه بالذكر، لأنها أشرف أعضاء الإنسان ، ولأنها هى التى
تظهر عليها الآثار المختلفة من حزن أو فرح . .
أى: وجوه فى يوم قيام الساعة ، تكون خاشعة ذليلة ، تبدو عليها
٠٠
(١) تفسير فتح القدير - ٥ ص ٤٢٨ للشوكانى.

٥٢٧
سورة الغاشية
آثار الهوان والانتكاس والخزى، كما قال - تعالى -: ((وتراهم
: يعرضون عليها خاشعين من الذل .. )) .
وهذه الوجوه - أيضاً - من صفاتها أنها (( عاملة ناصبة)) أى: مكلفة
- بالعمل الشاق المرهق الذى تنصب له الوجوه فى هذا اليوم، وتتعب تعبا
ما عليه من مزيد، كجر السلاسل ، وحمل الأغلال ، والخوض
فى النار . . .
فقوله: «عاملة، اسم فاعل من العمل، والمراد به هنا: العمل
«الشاق المهين ..
وقوله: ((ناصبة)) من النصب، بمعنى: التعب والإعياء . يقال:
- قصب فلان - بكسر الصاد - كفرح - ينصب نصباً، إذا تعب فى
- عمله تعبأ شديداً .
وفى هذه الصفات زيادة توبيخ لأهل النار، لأنهم لما تركوا فى الدنيا
:الخضوع لله - تعالى -. والعمل الصالح؛ وآثروا متع الدنيا على ثواب
الآخرة .. كان جزاؤهم يوم القيامة؛ الإذلال، والعمل الشاق المهين؛
الذى لا تعقبه راحة ..
ثم أخبر - سبحانه - عن هذه الوجوه الشقية بأخبار أخرى فقال:
«تصلى نارا حامية، أى: أن هذه الوجوه تشوى بالنار الحامية يوم القيامة
يقال: صَلىَ فلان النار فهو يصلاها، إذا لفحته بحرها لفحا عديدا ..
(((تسقى من عين آنية، أى= هذه الوجوه يسعى أصحابها من عين
قد بلغت النهاية فى الحرارة والغليان، إذ الشىء الآنى، هو الذى بلغ النهاية
فى الحرارة. يقال: أنى الماء يأنى - كرمى يرمى -، إذا بلغ الغاية فى
الغليان، ومنه قوله - تعالى -: (( يطوفون بينها وبين حميم آن)).
قال الإمام ابن جرير: قوله: ((تسقى من عين آنية)) أى: تسقى

٠٥٣٨
الجزء الثلاثون
أصحاب هذه الوجوه من شراب عين قد أنى حرها ، فبلغ غايته فى شدة.
الحر، وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . : فعن ابن عباس:
هى التى قد طال أنيُها - أى: حرها - ..
وقال بعضهم: عنى بقوله ((من عين آفية، أى: من عين حاضرة ..
- أى: حاضرة لعذابهم - .. ) (١).
وقوله - تعالى - : «ليس لهم طعام إلا من ضريع. لاهيسمن.
ولا یغنی من جوع ، .
والضريع: هو شجر فى النار يشبه الشوك، فيه ما فيه، من المرارة ..
والحرارة وقبح الرائحة .
وقوله: ((يسمن)) من السمن - بكر السعين وفتح الميم -، وهو
وفرة اللحم والشحم فى الحيوان وغيره. يقال: فلان أسمنه الطعام؛ إذا.
عاد عليه بالسمن .
وقوله ((يغنى)) من الإغناء ودفع الحاجة. يقال أغنا فى هذا الشىء عن.
غيره ؛ إذا كفاه واستغنى به عن سواه . .
أى: أن أصحاب هذه الوجوه التعيسة، بجانب شرابهم من الماء البالغ
النهاية فى الحرارة؛ لهم - أيضاً - طعام من أقبح الطعام وأردته وأشنعه
وأشده مرارة .. هذا الطعام لا يأتى بسمن؛ ولا يغنى من جوع؛ بل.
إن آ كله لیزدرد، رغماً عنه .
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد أخبر عن أصحاب هذه الوجوه الشقية
بجملة من الأخبار المحزنة المؤلمة؛ التى منها ما يتعلق بهبقانهم؛ ومنها ما يتعلق
بأحوالهم ؛ ومنها ما يتعلق بشرابهم؛ ومنها ما يتعلق بطعامهم ..
(١) تفسير ابن جرير حـ ٣٠ ص ٠١٠٢

٥٢٩
سورة الغاشية
ووصف - سبحانه - طعامهم بأنه لا يسمن ولا يغنى من جوع،
لزيادة تقبيح هذا الطعام، وأنه شر محض، لا مكان لأية فائدة معه . .
قال صاحب الكشاف : الضريع : اليابس من نبات الشبرق ، وهو
جنس من الشوك، ترعاه الإبل ما دام رطباً، فإذا يبس تحامته الإبل ،.
وهو سم قاتل .. .١
فإن قلت: كيف قيل: (( ليس لهم طعام إلا من ضريع، وفى الحاقة.
(((ولا طعام إلا من غسلين» ؟
قلت: العذاب ألوان، والمعذبون طبقات، فمنهم: أكلة الزقوم،
ومنهم أكلة الغسلين ، ومنهم أكلة الضريح . .
والضريع : منفعتا الغذاء منفعيتان عنه: وهما إماطة الجوع ، وإفادة
القوة والسمن فى البدن . أو أريد: أن لاطعام لهم أصلا ، لأن الضريع
ليس بطعام البهائم، فضلا عن الإنس ، لأن الطعام ما أشبع أو أسمن،
وهما منهما بمعزل، كما تقول: ليس لفلان ظل إلا الشمس، زيد : نفى
الظل على إلتوكيد .. )) (١).
وبعد هذا الحديث المؤثر عن الكافرين وسوء عاقبتهم .. جاء الحديث
عن المؤمنين وفهيمهم ، فقال - تعالى -: «وجوه يومئذ ناعمة . لسعيها
راضيه . فى جنة عالية ....
قال الآلوسي: قوله: ((وجوه يومئذ ناعمة، شروع فى رواية حديث
أهل الجنة، وتقديم حكاية أهل النار، لأنه أدخل فى تهويل الغاشية ،
وتفخيم حديثها ، ولأن حكاية حسن حال أهل الجنة، بعد حكاية سوء
أهل النار، مما يزيد المحكى حسناً وبهجة .. وإنما لم تعطف هذه الجملة.
. (١) تفسير الكشاف حـ ٤ ص ٠٧٤٢

٠٣٠
الجزء الثلاثون
على تلك الجملة، إيذانا بكمال التباين بين مضمونيهما .. ،(١).
أى: وجوه كثيرة تكون يوم القيامة، ذات بهجة وحسن، وتكون
متنعمة فى الجنة بما أعطاها - سبحانه - من خير عميم ، جزاء عملها
الصالح فى الدنيا . .
((لسعيها راضية)) أى: لعملها الذى عملته فى الدنيا راضية، لأنها
قد وجدت من الثواب عليه فى الآخرة ، أكثر مما كانت تتوقع وترجو.
فالمراد بالسعى : العمل الذى كان يعمله الإنسان فى الدنيا ، ويسعى به
من أجل الحصول على رضا خالقه، وهو متعلق بقوله (« راضيه))، وقدم
عليه للاعتناء بشأن هذا السعى .
وقوله - تعالى -: ((فى جنة عالية، بيان لسمو مكانتهم. أى: م
كائنون فى جنة عالية ، مرتفعة المكان والمكانة . فقد وصفت الجنة
بالعلو، للمبالغة فى حسنها وفى علو منزلتها، فقد جرت العادة أن تكون
أحسن الجنات ، ما كانت مرتفعة على غيرها .
ثم وصف - سبحانه - هذه الجنة بجملة من الصفات الكريمة فقال:
(((لا تسمع فيها لا غية).
أى= لا تسمع فى هذه الجنة كلمة ذات لغو . واللغو: هو الكلام
الساقط الذى لا فائدة فيه .
أى= أنك - أيها المخاطب - لا تسمع فى الجنة إلا الكلام الذى
تسرله نفسك ، وتقربه عينك، فلفظ اللاغية هنا : مصدر بمعنى اللغو ،
مثل الكاذبة للكذب ، وهو صفة لموصوف محذوف .
(١) تفسير الآلوسى = ٣٠ ص ١١٤.
-

٥٣١
سورة الغاشية
((فيها عين جارية، أى: فى هذه الجنة عيون تجرى بالماء العذب
الزلال المتدفق .
قال صاحب الكشاف = قوله : ((فيها عين جارية ، يريد عيونا فى
غاية الكثرة، كقوله : («علمت نفس ما قدمت وأخرت».
فا المراد بالعين هنا : جنس العيون، وبالجارية= التى لا ينقطع ماؤها ..
(( فيها سرر مرفوعة، أى: فى الجنه أماكن يجلس عليها أهلها جلوسا
مرتفعاً عن الأرض .
وينامون فوقها نوماً هادئا لذيذا .. والسرر: جمع سرير. وهو الشىء
ذو القوائم المرتفعة الذى يتخذ الجلوس والاضطجاع .. :
ووصف - سبحانه - هذه السرر بالارتفاع، لزيادة تصوير حسنها ..
((وأكواب موضوعة، والأكواب جمع كوب. وهو عبارة عن
الإناء الذى تشرب فيه الخمر .
أى : وفى الجنه أكواب كثيرة قد وضعت بين أيدى أهلها ، بحيث
يشربون من الخمر التى وضعت فيها ، دون أن يجدوا أى عناء فى
الحصول عليها .
-
(( ونمارق مصفوفة)) والتمارق جمع تمرقه - بضم النون وسكون الميم
وضم الراء - ، وهى الوسادة الصغيرة التى يتكى. عليها الجالس
والمضطجع .
أى = وفى الجنه وسائد كثيرة ، قد صف بعضها إلى جانب بعض صفا
جميلا، بحيث يجدها الجالس قريبه منه فى كل وقت . .
((وزرابى مبثوثة ، والزرابى جمع زربية - بتثليث الزاى - وهى
البساط الواسع الفاخر، أو ما يشبهه من الأشياء الثمينة التى تتخذ الجلوس

٥٣٢
الجزء الثلاثون
عليها. والمبثوثة : أى: المنتشرة على الأرض، من البث بمعنى النشر، كل
فی قوله - تعالی - «وبث فيها من كل دابة)).
أى: وفيها بسط فاخرة جميلة ، مبسوطة فى كل مكان ، ومتفرقة فى
كل مجلس.،
وأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف الجنة التى أعدها - سبحانه -.
لعباده المتقين ، بعدد من الصفات الكريمة المتنوعة .
وصفها بأنها عالية فى ذاتها ، وبأنها خالية من الكلام الساقط ، وبأن.
مياهها لإ تنقطع، وبأن أثاثها فى غاية الفخامة ، حيث اجتمع فيها كل ما هو
مريح ولذيذ، فسأل الله - تعالى - أن يحملنا جميعاً من أهلها.
٠
ثم ساق - سبحانه - أنواعاً من الأدلة المشاهدة، التى لا يستطيع أحد.
إنكارها، ليلفت أنظار الناس إلى مظاهر قدرته ووحدانيته، فقال
- تعالى -: ((أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت. وإلى السماء كيف رفعت.
وإلى الجبال كيف نصبت. وإلى الأرض كيف سطحت .. )).
والاستفهام للتقريح والتوبيخ، والتحريض على التأمل والتفكرهه
والفاء للعهاف على مقدر يقتضيه المقام. والمراد بالنظر: التدبر فى تلك.
المخلوقات ، فإن من شأن هذا التدبر، أنه يؤدى إلى الاعتبار والانتفاع ..
والخطاب لأولئك الكافرين الجاهلين ، الذبن أمامهم الشواهد الواضحة
على وحدانية الله - تعالى - وقدرته؛ ومع ذلك لم ينتبهوالها.
والمعنى: أيستمر «ؤلاء الكافرون فى جهلهم وضلالهم، وفى إنكارم.
لأمر البعث والحساب والجزاء .. فلا ينظرون نظر اعتبار وتأمل، إلى

٥٣٣
سورة الغاشية
الإبل - وهى أمام أعينهم - كيف خلقها الله - تعالى - بهذه الصورة العجيبة
وأوجد فيها من الأعضاء المتناسقة ، ومن التكوين الخلقى ، ما يجعلها تؤدى
وظيفتها النافعة لبنى آدم، على أكمل وجه ، فمن لبنها يشربون ، ومن لخها
يأكلون، وعلى ظهرها يسافرون، وأثقالهم عليها يحملون .
وخص - سبحانه - الإبل بالذكر من بين سائر الحيوانات ، لأنها
أعز الأموال عند العرب، وأقربها إلى مألوفهم وحاجتهم، وأبدعها خلقاً
وهيئة وتكوينا .
قال صاحب الكشاف: قوله - تعالى - ((أفلا ينظرون إلى الإبل))
نظر اعتبار ((كيف خلقت)) خلقا عجيبا، دالا على تقدير مقدر، شاهدا
بتدبير مدير، حيث خلقها للنهوض بالأثقال، وجرها إلى البلاد الشاحطة.
أى: البعيدة -، فجعلها تبرك حتى تحمل عن قرب ويسر ، ثم تنهض يما
حملت، وسخرها منقادة لكل من اقتادها بأزمتها، لا تعارض ضعيفا؛
ولا تمانع صغيرا . .3 2 :.
فإن قلت: كيف حسن ذكر الإبل، مع السماء والجبال والأرض،
ولا مناسبة ؟
قلت : قد انتظم هذه الأشياء ، نظر العرب فى أوديتهم وبواديهم ،
- فانتظمها الذكر على حسب ما انتظمها نظرهم .. (١).
وقوله - تعالى -: ((وإلى السماء كيف رفعت، أى: وهلا نظروا إلى
السماء نظر اعتبار واتحاظ، فعرفوا أن الذى خلقها هذا الخلق البديع ، بأن
رفعها بدون أعمدة . . هو الله - عز وجل - .
.( وإلى الجبال كيف نصبت، أى: كيف وجدت بهذا الوضع الباهر
(١) تفسير الكشاف حـ ٤ ص ٧٤٥

٥٣٤
الجزء الثلاثون
بأن نسبت على وجه الأرض تصبا ثابتا راسخا ، يحمى الأرض من.
الاضطراب والتزلزل .
((وإلى الأرض كيف سطحت)، أى: كيف سويت وفرشت وبسطت
بطريقة تجعل الناس يتمكنون من الانتفاع بخيرها، ومن الاستقرار عليها:
وهذا لاينافى كونها كروية، لأن الكرة إذا اشتد عظمها . . كانت القطعة
منها كالسطح فى امكان الانتفاع بها .
وبعد هذا التوبيخ لأولئك المشركين الذين عموا وصموا عن الحق ،
ولم يتنبهوا لآيات الله - تعالى - الدالة على قدرته ووحدانيته .. أمر الله
- تعالى - نبيه- صلى الله عليه وسلم -، أن يداوم على التذكير بدعوة.
الحق، فقال: ((فذكر إنما أنت مذكر. است عليهم بمصيطر .. )).
والفاء فى قوله (( فذكر، للتفريع، وترتيب ما بعدها على ما قبلها.
والأمر مستعمل فى طلب الاستمرار والدوام فى دعوته الناس إلى الحق ...
ومفعول: (( فذكر، محذوف للعلم به .
وجملة ((إنما أنت مذكر)، تعليل للأمر بالمواظبة على تبليغ الناس ..
ما أمره بتبليغه .
وقد قرأ الجمهور هذا اللفظ بالصاد، وقرأ ابن عامر بالسين.
أى : إذا كان الأمر كما بينالك - أيها الرسول الكريم - من أهوال.
الناس يوم الغاشية ، ومن أننا نحن الذين أوجدنا هذا الكون بقدرتنا ..
فداوم - أيها الرسول الكريم - على دعوة الناس إلى الدين الحق ،
فهذه وظيفتك التى لا وظيفة لك سواها ، وكل أمرهم بعد ذلك إلينا ،
فأنت لست بمجبر لهم أو مكره على اتباعك، وإنما أنت عليك البلاغ.
ونحن علينا الحساب .

٥٣٥
سورة الغاشية
وقوله - سبحانه -: ((إلا من تولى وكفر. فيعذبه الله.
العذاب الأكبر، كلام معترض بين قوله: (فذكر ٠٠٠٠، وبين.
قوله - تعالى - بعد ذلك: ((إن إلينا إيابهم ..... والاستثناء.
فيه استثناء منقطع ، وإلا بمعنى لكن ، ومن موصولة مبتدأ ...
والخبر (( فيعذبه الله العذاب الأكبر)).
أى : داوم - أيها الرسول الكريم - على التذكير.
لكن من قولى وأعرض عن تفكيرك وإرشادك، وأصر على كفره،
فنحن الذين سنتولى تعذيبهم تعذيبا شديدا .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله: ((إن إلينا
إبابهم . ثم إن علينا حسابهم.
وهاتان الآيتان تعليل لقوله - تعالى - قبل ذلك ,لست
عليهم بمسيطر » .
والإياب مأخوذ من الأوب بمعنى الرجوع إلى المكان الذى كان فيهـ
قبل ذلك . والمراد به هنا: الرجوع إلى الله - تعالى - يوم القيامة
للحساب والجزاء .
=
أى : داوم - أيها الرسول الكريم - على تذكير الناس بدعوة
الحق ، بدون إجبار لهسم ، أو تسلط عليهم ، واتركهم بعد ذلك
. فإن إلينا وحدنا رجوعهم بعد الموت لا إلى أحد
وشأنم .
سوانا، ثم إن علينا وحدنا - أيضا - حسابهم على أعمالهم ،
ومجازاتهم عليها بالجزاء الذى تراه مناسبا لهم.
وصدر - سبحانه - الآيتين بحرف التأكيد « إن، وعطف.
الثانية على الأولى بحرف ((ثم)) المفيد للتراخى فى الرقبة، وقدم خبر

٥٣٦
الجزء الثلاثون
((إن)) فى الجملتين على اسمها ... لإفادة التهديد والوعيد، وتأكيد
أن رجوعهم إليه - تعالى - أمر لاشك فيه، وأن حسابهم يوم
القيامة سيكون حساب عسيرا، لأمه صادر عمن .. لا تخفى عليه خافية
فى الأرض ولا في السماء ..
نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من عباده الصالحين وصلى الله على
سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟
القاهرة - مدينة نصر
مساء الجمعة ٥ من صفر سنة ١٤٠٧هـ
١٠٠ من أكتوبر سنة ١٩٨٦ م

تَقِرُسُورة
الفجر

بسم الله الرحمن الرحيم
تفسير سورة («الفجر )
١ - سورة ((الفجر)، من السور المكية الخالصة، بل هى من أوائل.
ما نزل على النى - مَّي - من سور قرآنية، فهى السورة العاشرة فى
ترتيب النزول، وكان نزولها بعد سورة ((والليل إذا يغشى))، وقبل.
سورة ((الضحى))، أما ترتيبها فى المصحف فهى السورة التاسعة والثمانون ..
وعدد آياتها : ثلاثون آية فى المصحف الکوفی، واثنتان و ثلاثون فى.
الحجازى ، وقسع وعشرون فى البصرى .
٢ - ومن أهم مقاصد هذه السورة الكريمة: تذكير المشركين بما حل.
بالمکتبین من قبلهم ، کقوم عاد و نمود وفرعون، وبیان أحوال الإنسان
فى حال غناه وفى حال فقره، وردعه عن الانقياد لهوى نفسه، ولفت
نظره إلى أهوال يوم القيامة ، وأنه فى هذا اليوم لن ينفعه ندمه أو تخسره
على ما فات ، وتبشير أصحاب النفوس المؤمنة المطمئنة ، برضا ربها عنها »
وبظفرها بجنة عرضها السموات والأرض ..

٥٣٩
سورة الفجر:
قال - تعالى - :
بِسُـ
٠
وَالْفَْرِ ®ْ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾ وَالشَّفْعِ وَالْوَّرِ ﴾ وَأَلَّيْلِ إِذَا
يَسْرِ ﴿ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَم ◌ِذِى ◌ِرٍ ﴾ْ أَمْ تَكَيْفَ فَعَلَ
رَبُّكَ بِعَادٍ ®ْ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ يَّ أَلَِّ لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى
الِْلَدِ يْ وَتَمُدَ الَّذِينَ جَابُواْ الصَّخْرَ بِالْوَادِ ﴾ وَفِرْعَوْنَ ذِى
١٢
الْأَوْتَادِ هِ الَّيْنَ طَغَوْاْ فِىِ الْبِلَّدِ ي فَأَكْثُرُواْ فِيهَا الْفَسَادَة
فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (٣٢) إِنَّ رَبَّكَ لَبِاَ لْمِرْ صَادٍ(
ميـ
افتتح - سبحانه - السورة الكريمة بالقسم بخمسة أشياء، هاشرفها
وعظمها ، ولها فوائدها الدينية والدنيوية .. ولما دلالتها الواضحة
علی کال قدر ته - تعالى - .
أقسم - أولا - بالفجر ، وهو وقت انفجار الظلمة عن النهار من
كل يوم، ووقت بزوغ الضياء وانتشاره على الكون بعد ايل بهيم.
فالمراد بالفجر: الوقت الذى يبدأ فيه النهار فى الظهور ، بعد ظلام
اليل ، والتعريف فيه للجنس ، لأن المقصود هذا الوقت من كل يوم .
وقيل المراد بالفجر هنا : صلاة الفجر ، لأنها صَلاة مشهودة، أى :
نشهدها الملائكة، كما أن التعريف فيه للعهد ، فقيل : فجر يوم النحر ،
وقيل : فجر يوم الجمعة . .
ويبدو لنا أن الرأى الأول أرجح، لأن قوله - تعالى - بعد ذلك

٥٤٠
الجزء الثلاثون
(وليال عشر .. ألخ)) يرجح أن المراد به وقت معين، هذا الوقت
بو جد مع کل یوم جد ید .
وأقسم - سبحانه - ثانياً - بقوله: (( وليال عشر، والمرادبها:
الليالى العشر الأول من شهر ذى الحجة، لأنها وقت مناسك الحج ، ففيها
الإحرام، والطواف، والوقوف بعرفه ..
وقيل المراد بها : الليالى العشر الأواخر من رمضان . وقيل الليالى العشر
الأول من شهر المحرم ..
.
. .
قال الإمام ابن كثير: والليالى العشر: المراد بها: عشر ذي الحجه .
كما قاله ابن عباس وابن الزبير، ومجاهد، وغير واحد من السلف والخلف .
وقد ثبت فى صحيح البخارى، عن ابن عباس مرفوعا: (( مامن أيام
العمل الصالح، أحب إلى الله - تعالى - فيهن، من هذه الأيام - يعنى:
عشر ذي الحجه -، قالوا: ولا الجهاد فى سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد فى
سبيل الله، إلا رجلا خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشىء)).
وقيل : المراد بذلك : العشر الأول من المحرم . وقيل: العشر الأول
من رمضان. والصحيح القول الأول)) (١).
وأقسم - سبحانه - ثالثا ورابعا - بقوله: ((والشفع والوتر))
والشفع: ما يكون ثانيا لغيره، والوتر : هو الشىء المنفرد .
وقد ذكر المفسرون فى المراد بهذين اللفظين أقوالا متعددة ، فمنهم من
يرى أنهما يعمان كل الأشياء شفعها ووترها. ومنهم من يرى أن المراد
بالشفع= يوم النحر، لكوفه اليوم العاشر من ذى الحجة، وأن المراد بالوتر:
يوم عرفه، لأنه اليوم التاسع من شهر ذى الحجة . ومنهم من يرى أن
(١) تفسير ابن كثير حـ٧ ص ٤١٢
it