النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠١
سورة الطارق
قلت : وجه اتصاله به أنه لما ذكر أن على كل نفس حافظاً ، أتبعه
جتوصية الإنسان بالنظر فى أول أمره، ونشأته الأولى ، حتى يعلم أن من
أنشأه قادر على إعادته وجزائه، فيعمل ليوم الإعادة والجزاء، ولا يملى على
حافظه إلا ما يسره فى عاقبته .
و «مم خلق، استفهام جوابه: ((خلق من ماء دافق)). والدفق:
حب فيه دفع. ومعنى ((دافق) النسبة إلى الدفق الذى هو مصدر دفق،
-كاالابن والتامر. أو الإسناد المجازى . والدفق فى الحقيقة لصاحبه.
ولم يقل ماءين لا متزاجهما فى الرحم ، واتحادهما حين ابتدىء فى
-خلقه .. )) (١) .
وقال بعض العلماء: قوله, خلق من ماء دافق، أى: من ماء ذى دفق ..
وكل من منى الرجل، ومنى المرأة ، اللذين يتخلق منهما الجنين ، ذو دفق
فى الرحم .
((يخرج من بين الصلب والترائب، أى. يخرج هذا الماء الدافق، من
بين صلب كل واحد منهما، وترائب كل منهما . أى: أن أعضاء وقوى كل
منهما، تتعاون فى تكوين ماهو مبدوء لتوالد الإنسان: ماء الرجل وهو
المنى، ومادة المرأة وهى البويضة المصحوبة بالسائل، المنصبان بدفع
وسيلان سريع إلى الرحم عند الاتصال الجنسى. ويسمى الفقهاء هذه المادة
حنياً وماء» (٢) .
وقال فضيلة الشيخ ابن عاشور: وأطنب - سبحانه - فى وصف هذا
الماء الدافق، لإدماج التعليم والعبرة، بدقائق التكوين؛ ليستيقظ الجاهل
الكافر، ويزداد المؤمن علما ويقينا.
(١) تفسير الکشاف = ٤ ص ٧٣٥
(٢) صفوة البيان = ٢ ص ٥٣٠ لفضيلة الشيخ حسنين مخلوف.

٥٠٢
الجزء الثلاثون .
ووصف بأنه «يخرج من بين الصلب والترائب)، لأن الناس
لا يتفطنون لذلك .. وهذا من الإعجاز العلمى فى القرآن، الذى لم يكن.
علم به للذين نزل بينهم ، وهو إشارة مجملة، وقد بينها حديث مسلم عن
أم سلمة وعائشة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن
احتلام المرأة فقال: تغتسل إذا أبصرت الماء . فقيل له: أترى المرأة ذلك؟
فقال: وهل يكون الشبه إلا من قبل ذلك، إذا علا ماء المرأة ماء الرجل ،
أشبه الولد أخواله، وإذا علا ماء الرجل ماءها، أشبه أعمامه)، (١).
وقال صاحب الظلال . ولقد كان هذا سرا مكنونا فى علم الله لا يعلمه
البشر، حتى كان نصف القرن الأخير ، حيث اطلع العلم الحديث على
هذه الحقيقة بطريقته ، وعرف أنه فى عظام الظهر الفقارية، يتكون ماء
الرجل. حيث يلتقيان فى قرار مكين، فينشأ منهما الإنسان، (٢).
وقوله - سبحانه -: «إنه على رجعه لقادر. يوم قبلى السرائر ..
فماله من قوة ولا ناصر » .
بيان لكمال قدرته - تعالى -، وأنه كما أنشأ الإنسان من ماء مهين»
قادر على إعادته إلى الحياة بعد موته .
والضمير فى قوله: ((إنه)) يعود إلى الله - عز وجل - لأن الخالق.
للإنسان من ماء دافق هو الله - تعالى - .
والضمير فى قوله ((رجعه)) يعود إلى الإنسان المخلوق.
وقوله: «تبلى، من البلاء بمعنى الاختبار والامتحان ، ومنه قوله
- تعالى -: ((إن هذا لهو البلاء المبين)) والمراد بقوله ((قبلى)) هنا:
الكشف والظهور .
(١) راجع تفسير التحرير والتنوير ح٣٠ ص ٢٦٣ للشيخ محمد الطاهر
ابن عاشور .
(٢) تفسير فى ظلال القرآن = ٣٠ ص ٥٣٥

٥٠٣
سورة الطارق
و ((السرائر)) جمع ضريرة، وهى ما أسره الإنسان من أقوال وأفعال .:
والظرف ((يوم، متعلق بقوله: ((رجعه)).
أى: إن الله - تعالى - الذى قدر على خلق الإنسان من ماء دافق.
يخرح من الصلب والترائب ... لقادر - أيضاً - على إعادة خلق هذا
الإنسان بعد موته، وعلى بعثه من قبره للحساب والجزاء ، يوم القيامة ،
يوم تكشف المكنونات، وتبدو ظاهرة للعيان، وترفع الحجب عما كان.
يخفيه الإنسان فى دنياه من عقائد ونيات وغيرهما .
وفى هذا اليوم لا يكون للإنسان من قوة تحميه من الحساب والجزاء،
ولا يكون له من ناصر ينصره من بأس الله - تعالى - أو من مدافع
يدافع عنه .
ثم أقسم - سبحانه - مرة أخرى بالسماء ، على أن القرآن من عنده
- تعالى - فقال: (( والسماء ذات الرجع. والأرض ذات الصدع. إنه
لقول فصل. وما هو بالهزل » .
والرجع: المطر، وسمى بذلك لأنه يجىء ويرجع ويتكرر . وقيل :
الرجمع هنا: الشمس والقمر والنجوم، يرجعن فى السماء ، حيث تطلع من.
ناحية ، وتغيب فى أخرى .
وقيل : المراد بالرجع : الملائكة، لأنهم يرجعون إليها حاملين.
أعمال العباد .
والصدع : الشق والانفطار، يقال تصدع الشىء، إذا تشقق ...
والمراد به هنا: ما تشقق عنه الأرض من نبات ... كما قال - تعالى -:
« أنا صبينا الماء صبا. ثم شققنا الأرض شقا. فأنيتنا فيها حبا. وعنباء
وقضيا .... ».

٥٠٤
الجزء الثلاثون
أى : وحق السماء صاحبة المطر الذى ينزل من جهتها مرة فأخرى،
تنفع العباد والحيوان والنبات .... وحق الأرض ذات النبات البازغ
من شقوقها .
(( إنه، أى: هذا القرآن ,لقول فصل، أى: لقول فاصل بين الحق
والباطل، والهدى والضلال، والغى والرشاد ... وقد بلغ النهاية فى ذلك،
حتى لكأنه نفس الفصل .
((وما هو بالهزل)، أى: وأن هذا القرآن، ليس فيه شائبة من شوائب
الهزل أو اللعب أو المزاح ... بل هو جد كله ، فيجب على كل عاقل، أن
يتبع هداه، وأن يستجيب لأمره ونهيه.
وفى هذه الآيات الكريمة رد بليغ، على أولئك المشركين الجاهلين،
الذين وصفوا القرآن، بأنه نزل على الرسول - صلى الله عليه وسلم -
ليهزل به ، لأنه يخبرهم بأن الأموات سيعادون إلى الحياة مرة أخرى،
. وذلك أمر تستعبده نفوسهم المطموسة .
وفى قوله - تعالى -: ((والسماء ذات الرجع. والأرض ذات الصدع))
مقابلة لطيفة، حيث وصف - سبحانه - السماء والأرض بما يناسبهما،
وبما يشير إلى أن البعث حق، لأنه كما ينزل المطر من السماء فيحبى الأرض
بعد موتها. كذلك يحى الله - تعالى - بقدرته الأجساد بعد موتها.
وعاد الضمير فى قوله «إنه)) إلى القرآن - مع أنه لم يسبق له ذكر -
لأنه معلوم من المقام .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بتسلية الرسول - صلى الله
عليه وسلم - وبتبشيره بحسن العاقبة فقال - تعالى -: (( إنهم يكيدون
کیدا . وأ کید کیدا . فهل الكافرین أمهلهم رویدا،. وقوله: « رويدا))
تصغير («رود)) - بزنة عود - من قولهم: فلان يمشى على رود، أى:

سورة الطارق
- على مهل ، وأصله من رادت الريح رود، إذا تحركت حركة ضعيفة.
والكيد : العمل على إلحاق الضرر بالغير بطريقة خفية ، فهو نوع
من المكر.
والمراد به بالنسبة لهؤلاء المشركين: تكذيبهم للرسول - صلى الله
عليه وسلم -، ولما جاء به من عندربه، فكيدهم مستعمل فى حقيقته.
والمراد به بالنسبة لله - تعالى -: إمهالهم واستدراجهم، حتى
: يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، فى الوقت الذى يختاره ويشاؤه .
أى : إن هؤلاء المشركين يحيكون المكايد لإبطال أمرك - أيها
ة الرسول الكريم - ، وإنى أقابل كيدهم ومكرهم بما يناسبه من استدراج
من حيث لا يعلمون ، ثم آخذهم أخذ عزيز مقتدر ، فتمهل - أبها الرسول
:الكريم - مع هؤلاء المشركين. ولا تستعجل عقابهم. وانتظر تدبيرى
« فيهم، وأمهلهم وأنظرهم ((رويدا، أى: إمهالا قربباً أو قليلا، فإن كل
آت قريب، وقد حقق - سبحانه - لنبيه وعده بأن جعل العاقبة له
حولأتباعه .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصبه وسلم.
-
-
القاهرة - مدينة نصر
صباح الأحد ١ من صفر سنة ١٤٠٧ هـ
• من أكتوبر سنة ١٩٨٦ م
(م ٣٣ - جزء عم )

نَفسِيرسُورة
الأعلى

بسم الله الرحمن الرحيم
سورة ((الأعلى ،
١ - سورة («الأعلى، تسمى - أيضاً - بسورة:((سبح اسم ربك
الأعلى،، فقد ثبت فى الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
قال لمعاذ: ((عند ما بلغه أنه يطيل الصلاة وهو يصلى بجماعة -: أفتان أنت
يا معاذ؟ هلا صليت بسبح اسم ربك الأعلى. والشمس وضحاها. والليل
إذا يغشى)) .
٢ - وسورة «الأعلى)) من السور التى كان النبى - صلى الله عليه
وسلم - يجب قراءتها، لاشتمالها على تنزيه الله - تعالى -، وعلى الكثير
من نعمه ومننه ، فقد أخرج الإمام أحمد عن على بن أبى طالب ، قال :
كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب هذه السورة.
- وعن النعمان بن بشير، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ
فى العيدين: (( سبح اسم ربك الأعلى))، و((هل أتاك حديث الغاشية))،
وإن وافق يوم الجمعة قرأهما جميعاً .
وعن عائشة - رضى الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
كان يقرأ فى الوتر: ((سبح اسم ربك الأعلى، و«قل يأيها الكافرون)،
و ((قل هو الله أحد)) (١).
٣ - وعدد آياتها تسع عشرة آية، وهى من السور المكية الخالصة .
قال الألوسى : والجمهور على أنها مكية . وعن بعضهم أنها مدنية .
والدليل على كونها مكية ، ما أخرجه البخارى عن البراء بن عازب
(١) تفسير ابن كثير حـ٧ ص ٣٩٩

٥٠٩
سورة الأعلى
قال: أول من قدم علينا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - مصعب
ابن عمير ، وابن أم مكتوم ، فجعلا يقر ئاننا القرآن، ثم جاء عمار بن ياسر ،
وسعد بن أبى وقاص، وبلال ، ثم جاء عمر بن الخطاب فى عشرين ، ثم
جاء النبى - صلى الله عليه وسلم -، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشىء
فرحهم به، حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون: هذا رسول الله - صلى
الله علیه وسلم - قد جاء، فما جاء حتى قرأت ((سبح اسم الأعلى» فى سور
مثلها ، (١) .
ومما يدل - أيضاً - على أن هذه السورة مكية، بل من أوائل السور
المكية ، ما ذكره الإمام السيوطى ، من أن هذه السورة كان ترتيبها فى
النزول الشامية من بين السور المكية، فقد كان نزولها بعد سورة (التكوير)،
وقبل سورة ((الليل))، بل هناك رواية عن ابن عباس أنها السورة السابعة،
إذ لم يسبقها سوى سورة: العلق، والمدثر، والمزمل، والقلم، والمسد ،
والتكوير (٢) .
٤ - والسورة الكريمة من أهم مقاصدها: إقامة الأدلة على وحدانية
{ الله - تعالى - وعلى أنه - تعالى - منزه عن كل نقص، وإبراز جانب عظيم
من نعمه التى لا تحصى، وامتنانه على نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالشريعة
السمحة ، وبالقرآن الكريم ..
(١) تفسير الآلوسى = ٣٠ ص ١٠١
(٢) راجع الإتقان للسيوطى = ١ ص ٢٧

٠١٠
الجزء الثلاثون
قال - تعالى - :
بِسْـ
سَبِّجَ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ◌ْ أَلَّذِىِ خَلَقَ فَسَوَّى (﴾ وَالَّذِى|
قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِىّ أَخْرَجَ الْمَرْعَى (ج) ◌َجَعَلَهُ غُثَاًّ
أَحْوَى ◌ْ سَنُفْرِعُكَ فَلَا تَنسَىّ ﴾ إِلَّمَا شَآءَ اللهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ
اَلْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ﴾ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ﴾ فَذَكِ إِن نَّفَعَتِ
الذِّكْرَى ® سَذََّّرُ مَن يَخْشَى ﴾ وَيَتَجَنَُّهَا الْأُشْفَ ﴾
الَّذِى يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (ه ◌ُمْ لَا يُحُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْتِى(٣)
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى الله وَذَ كَرَ أَسْمَ رَبِّهِ، فَصَلَّى(٥) بَلْ تُؤْزُونَ
الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا ﴾ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَ (﴾ إِنَّ هَذَا لَفِ
الصُّحُفِ الْأُولَى (٨ مُحُفِ إِبْرَهِيمَ وَمُوسَى
افتتحت السورة الكريمة، بأمر النبى - صلى الله عليه وسلم - بالمداومة
على تنز به الله - تعالى- عن كل نقص، ويدخل فى هذا الأمر، كل من يصلح
للخطاب. والاسم المراد به الجنس، فيشمل جميع أسمائه - تعالى -.
أى: فزه - أيها الرسول الكريم - أسماء ربك الأعلى عن كل ما يليق
بها، فلا تطلقها على غيره - تعالى - إذا كانت خاصة به، كلفظ الجنزلة.
وكلفظ الرحمن ، ولا تذكرها فى موضع لا يتناسب مع جلالها وعظمتها،
ولا تحرفها عن المعانى التى وضعت لها، كما يفعل الزائغون . فقد قال-تعالى -:
((إن الذين يلحدون فى أهمائه سيجزون ما كانوا يعملون)).

٠١١
سورة الأعلى
ونزه ربك الأعلى، عن الشربك، وعن الوالد ، وعن الشبيه ....
-وعن کل ما یلیق به .
قال الجمل: أى : نزه ربك عن كل مالا يليق به، فى ذاته ، وصفاته ،
-وأسمائه . وأفعاله . وأحكامه .
أما فى ذاته: فأن تعتقد أنها ليست من الجواهر والأعراض. وأما
فى صفاته: فأن تعتقد أنها ليست محدثة ولا متناهية ولا ناقصة . وأما فى
أفعاله : فأن تعتقد أنه - سبحانه - مطلق لا اعتراض لأحد عليه فى أمر من
الأمور. وأما فى أسمائه: فأن لا تذكره - سبحانه - إلا بالأسماء التى
. . وأما فى أحكامه: فأن تعلم أنه
لا توهم نقصاً بوجه من الوجوه . .
- ما كلفنا لنفع يعود عليه. بل لحض المالكية ... )، (١).
أخرج الإمام أحمد عن عامر بن عقبة الجهنى قال: لما فرات: «فسبح
- باسم ربك العظيم، قال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «اجعلوها
فى ركوعكم)). فلما نزلت: «سبح اسم ربك الأعلى، قال: «أجلوها فى
سجودكم )) .
ثم وصف - سبحانه - ذاته بعد وصفه بالأعلى - بصفات كريمة
أخرى فقال: ((الذى خلق فسوى)».
والخلق: هو الإيجاد للشىء على غير مثال سابق ، والتسوية : هى
- جعل المخلوقات على الحالة والهيئة التى تناسبها، وتتلاءم مع طبيعتها.
أى: الذى خلق الخلائق كلها ، وجعلها متساوية فى الأحكام والإنقان
-حسب) اقتضته حكمته. ومنح كل مخلوق ما يناسب طبيعته ووظيفته.
قال صاحب الكشاف: قوله: ((الذى خلق فسوى)) أى: خلق كل
-
(١) حاشية الجمل على الجلالين حـ ٤ ص ٥٢٠

٠١٢
الجزء الثلاثون
شىء فسوى خلقه تسوية، ولم يأت به متفاوتاًغير ملتثم، ولكن على إحكام.
واتساق، ودلالة على أنه صادر عن عالم، وأنه صنعة حكيم .. ). (١) ..
(((والذى قدر فهدى)، والتقدير: وضع الأشياء فى مواضعها الصحيحة ..
بمقدار معين ، وبكيفية معينة .. تقتضيها الحكمة ، ويقرها العقل السليم.
وقوله : ((فهدى، من الهداية . بمعنى الإرشاد والدلالة على طريق.
الخير والبر.
أى: وهو - سبحانه - الذى جعل الأشياء على مقادير مخصوصة-
فى أجناسها ، وفى أنواعها. وفى أفرادها. وفى صفاتها وأفعالها .. ومدى ..
كل مخلوق إلى ما يفيغى له طبعاً واختياراً، ووجهه إلى الوظيفة التى خلقه.
من أجلها. بأن أوجد فيه العقل والميول والإلهامات والغرائز والدوافع ...
التى تعينه على أداء تلك الوظيفة.
وحذف - سبحانه - المفعول فى قوله: «خلق فسوى . وقدر فهدی» ..
العموم، لأن هذه الأفعال تشمل جميع مخلوقاته - عز وجل -.
قال الألوسى: ((والذى قدر .. ، أى: جعل الأشياء على مقادير ..
مخصوصة .. , فهدی ، أی : فو جه كل واحد منها إلى ما يصدر عنه»
وينبغى له .. فلو تتبعت أحوال النباتات والحيوانات ، أرأيت فى كل منها ..
ما تحار فيه العقول ، وتضيق عنه دفاتر النقول .
وأما فنون هداياته - سبحانه - للإنسان على الخصوص ، ففوق ذلك.
بمراحل .. وهيهات أن يحيط بها ذلك العبارة والتحرير، ولا يعلمها إلا.
اللطيف الخبير :
ةزعم أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر (٢)».
(١) تفسير الكشاف = ٤ ص ٧٣٨
(٢) تفسير الآلومى = ٣٠ ص ١٠٤

٥١٣
سورة الأعلى
وقد فصل بعض العلماء الحديث عن مظاهر تقديره وهدايته - سبحانه.
فقال قوله - تعالى -:
((الذى خلق فسوى. والذى قدر فهدى، أى: الذى خلق كل شىء
فسواه، فأكمل صنعته، وبلغ به غاية الكمال الذى يناسبه ، والذى قدر لكل.
مخلوق وظيفته وطريقه وغايته، فهداء إلى ما خلقه لأجله، وألحمه غاية.
وجوده، وقدر له ما يصلحه مدة بقائه، وهداه إليه .
وهذه الحقيقة الكبرى مائلة فى كل شىء فى هذا الوجود، ويشهد بها .
كل شىء فى رحاب هذا الكون، من الكبير إلى الصغير . .
فالطيور لها غريزة العودة إلى الموطن .. دون أن تضل عنه مهما.
بعد .. والنخلة تهتدى إلى خليتها، مهما طمست الربح فى هبوبها على . .
الأعشاب والأشجار كل دليل يرى . .
وسمك «السلمون، الصغير، يمضى سنوات فى البحر، ثم يعود إلى
نهره الخاص به ... (١).
وقوله - سبحانه -: ((والذى أخرج المرعى. فجعله غناء أحوى»
بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته - تعالى -، التى لا يعجزها شىء.
والمرعى: النبات الذى ترعاه الحيوانات، وهو اسم مكان للأرض
الذى يوجد فيها النبات .
والغثاء: هو اليابس الجاف من النبات الذى ترعاه المواشى .
والأحوى: أى: المائل إلى السواد مأخوذ من الحشوة - بضم الحاء مع
تشديد الواو المفتوحة - وهى لون يكون بين السواد والخضرة أو الحمرة .
ووصف الغثاء بأنه أحوى ، لأنه إذا طال عليه الزمن ، وأصابته
المياه ، أسود وتعفن فصار أحوى .
(١) راجع في ظلال القرآن = ٣٠ ص ٠٥٤٢

٥١٤
الجزء الثلاثون
أى: وهو - سبحانه - وحده، الذى أنبت النبات الذى ترعاه
الدواب، حالة كون هذا النبات أخضر رطبا . . ثم يحوله بقدرته -تعالى-
بعد حین إلى نبات يابس جاف .
وهذا من أكبر الأدلة المشاهدة، على أنه - تعالى - يتصرف فى خلقه
كما يشاء، فهو القادر على تحويل الزرع الأخضر إلى زرع بابس جاف،
كما أنه قادر على إحياء الإنسان بعد موته ..
فالمقصود من هذه الآيات الكريمة، الإرشاد إلى كمال قدرته ، وتنوع
نعمه - سبحانه -، حتى يزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم ، وحتى بعود
الكافرون إلى رشدهم بعد هذا البيان الواضح الحكيم.
ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله على نبيه - بلح - فقال:
(( سنقرتك فلا تنسى. إلا ما شاء الله، إنه يعلم الجهر وما يخفى)).
والنسيان : زوال ما كان موجودا فى حافظة الإنسان . والاستثناء
مفرغ من أعم المفاعيل ، ومفعول المشيئة محذوف ، جربا على غالب
استعماله فى كلام العرب .
٠
أى: سنقرتك - أيها الرسول الكريم - القرآن على لسان أمين وحينا
جبريل - عليه السلام -.
وسنجعلك حافظا وواعيا لما سيقرؤه جبريل عليك، بحيث لا تنساه
فى وقت من الأوقات، أو فى حال من الأحوال ، إلا فى الوقت أو فى
الحال الذى يشاء الله - تعالى - أن ينسيك شيئاً من ذلك، فإنك ستنساه
بأمره - تعالى -، لأنه وحده - عز وجل - هو العليم بما كان ظاهرا من
الأشياء، وبما كان خافيا منها .
فالمقصود من هاتين الآيتين: وعد الله - تعالى - لنيه - شيدر - بأنه
شيمكنه من حفظ جميع ما يوحيه إليه ، وإثبات مشيئته المطلقة - عزوجل-

٠١٥
سورة الأعلى
بيان أنه - سبحانه -، كما أنه قادر على أن يقرى. الرسول - صلى الله
عليه وسلم - قراءة لا ينساها، فهو - أيضاً - قادر على أن يزيل من
صدره ما يشاء إزالته ، عن طريق النسيان لما حفظه .
فالمراد بهذا الاستثناء، بيان أنه - تعالى- لو أراد أن يصير الرسول
- صلى الله عليه وسلم - ناسياً للقرآن لقدر على ذلك ، كماقال - سبحانه -
((ولئن شئنا لنذهبن بالذى أوحينا إليك .. ))، إذ هو - تعالى - على
كل شىء قدير ، ولكنه لم يشأ ذلك فضلامنه وكرما .
قال الإمام الشوكانى ما ملخصه: قوله: ((سنقرتك فلا تنسى)، أى:
سنجعلك قارئا بأن فلهمك القراءة. فلا تنسى ما تقرؤه. والجملة مستأنفة
لبيان هدايته - صلى الله عليه وسلم - الخاصة ، بعد بيان الهداية العامة
وهى هدايته - صلى الله عليه وسلم - لحفظ القرآن.
وقوله: « إلا ماشاء الله، استثناء مفرغ من أعم المفاعيل . أى:
لا تنسى ما تقرؤه شيئا من الأشياء، إلا ما شاء الله أن تنساه، وهو لم يشأ
- سبحانه - أن ينسى النبى - صلى الله عليه وسلم - شيئا. كقوله - تعالى-
((خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ماشاء ربك .. )).
وقيل: ((لا)) فى قوله, فلا تنسى)) للنهى، والألف مزيدة لرعاية
الفاصلة. كما فى قوله - تعالى -: «فأضلونا السبيلا)، يعنى : فلا تغفل عن
قراءته ... (١).
وقال الإمام الرازى : وهانان الآيتان تدل على المعجزة من وجهين :
أحدهما: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان أميا. فحفظه لهذا
الكتاب المطول عن غير دراسة، ولا تكرار، ولا كتبة. خارق للعادة
فيكون معجزا .
(١) تفسير فتح القدير = ٥ ص ٤١٤

٥١٦
الجزء الثلاثون
وثانيهما : أن هذه السورة من أوائل ما فول بمكة، فهذا إخبار عن أمر
عجيب غريب مخالف للعادة . سيقع فى المستقبل، وقد وقع. فكان هذا
إخبارا عن الغيب ، فيكون معجزا.)) (١).
وقوله - سبحانه -: ((ونيسرك لليسرى، معطوف على قوله «سنقرئك.»
وجملة: « إنه يعلم الجهر وما يخفى )، معترضة .
والتيسير بمعنى التسهيل والتخفيف، وهو جعل العمل يسيرا على عامله
بأن يهيء الله - تعالى - للعامل الأسباب التى تهون له العسير، وتقرب له
البعيد ..
واليسرى: مؤنث الأيسر . بمعنى الأسهل ، والموصوف محذوف.
والمعنى: سنجعلك - أيها الرسول الكريم - صاحب الذكرة قوية . تحفظ
القرآن ولا قنساء ..
وسنوفقك توفيقا دائما للطريقة اليسرى فى كل باب من أبواب الدين:
علما وعملا، واهتداء وهداية - وسنرزقك الأمور الحسنة التى تجعلك ..
تعيش سعيدا فى دنياك، وظافرا برضواننا فى أخرات .
ولقد أنجز الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - وعده ، حيث-
أعطاه شريعة سمحة، ومنحه أخلاقا كريمة . من مظاهرها أنه - صلى الله
عليه وسلم - ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ودعا أتباعه إلى الأخذـ
بمبدأ التيير. فقال: ((يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا .. )).
فهاتان بشار تان عظيمتان للرسول - صلى الله عليه وسلم -. أولاهما:
تتمثل فى إلهامه الذاكرة الواعية الحافظة لما يوحى إليه . وثانيهما :
توفيقه - صلى الله عليه وسلم - إلى الشريعة اليسرى، وإلى الأخلاق الكريمة
وإلى الأخذ بما هو أرفق وأيسر فى كل أحواله .
(١) تفسير الفخر الرازى = ٨ ص ٣٨١

٥١٧
سورة الأعلى
ثم أمره - تعالى - بدوام التذكير بدعوة الحق بدون إبطاء أو يأس
فقال: ((فذكر إن نفعت الذكرى. سيذكر من يخشى. ويتجنبها الأشقى.
. الذى يصلى المكى. ثم لا يموت فيها ولا يحي.،.
والفاء فى قوله (( فذكر) للتفريع على ما تقدم. والأمر مستعمل هنا
فى طلب المداومة على التذكير بدعوة الحق التى أرسله - سبحانه - بها.
.والذكرى: بمعنى التذكير .
والمعنى: إذا كان الأمر كما أخبر ناك - أيها الرسول الكريم - فداوم
:على تذكير الناس بالهدى ودين الحق، واقبع فى ذلك الحكمة والموعظة
مالحسنة والمجادلة بالتى هى أحسن، واهتم فى قذ كيرك بمن تتوقع منهم قبول
جعونك، وأعرض عن الجاحدين والمعاندين والجاهلين .
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كان الرسول - صلى الله عليه
وسلم - مأمورا بالذكرى نفعت أو لم تنفع. فما معنى اشتراط النفع؟
قلت : هو على وجهين: أحدهما : أن رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - قد استفرغ مجهوده فى تذكيرهم، وماكانوا يزيدون على زيادة
الذكرى إلا عنوا وطغيانا، وكان النبى - صلى الله عليه وسلم - يتلظى
حسرة وقلهفا، ويزداد جدا فى تذكيرهم ، وحرصا عليه، فقيل:
« وما أنت عليهم بجبار. فذكر بالقرآن من يخاف وعيد .. ، وذلك بعد
إلزام الحجة بتكرير التذكير .
والثانى : أن يكون ظاهره شرطا ، ومعناه ذما للمذكرين - بتشديد
الكاف المفتوحة - وإخبارا عن حالهم، واستبعادا لتأثير الذكرى فيهم ،
وتسجيلا عليهم بالطبع على قلوبهم ، كما تقول للواعظ: عظ المكاسين إن
سمعوا منك، قاصدا بهذا الشرط، استبعاد ذلك، وأنه أن يكون.)) (١)
(١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٧٣٨

٥١٨
الجزء الثلاثون
م
وقال الإمام الرازى ما ملخصه: جاء التعليق بالشرط فى قوله - تعالى -:
((فذكر إن نفعت الذكرى)) - مع أنه - صلى الله عليه وسلم - مطلوب.
منه أن يذكر الناس جميعا، ففعتهم الذكرى أم لم تنفعهم - ، للعنبيه على
أشرف الحالين، وهو وجود النفع الذى من أجله شرعت الذكرى كقوله
- تعالى -: ((سراييل تقيكم الحر».
وللإشعار بأن المراد من الشرط: البعث على الانتفاع بالذكرى، كا
يقول الإنسان لغيره بعد أن بين له الحق، قد أوضحت لك الأمر إن كنت
تعقل، فيكون مراده الحض على القبول .. ، (١).
ويبدو لنا أن المقصود بالآية الكريمة، تحريض النبى - صلى الله عليه.
وسلم - على المداومة على دعوة الناس إلى قبول للحق الذى جاء به ، فإن
هذا التذكير إن لم ينفع الناس جميعا، فينفع بعضهم ، فقد اقتضت سنة
الله - تعالى - أن لا تخلو الأرض من يستمع إلى الحق، ويستجيب له.
ويدل على هذا المعنى قوله - تعالى - بعد ذلك: ((سيذكر من يخشى)
أى: سينتفع بتفكير ك - أيها الرسول الكريم - من يخشى الله - تعالى-
ويخاف عذابه ، ويرجو ثوابه .
(((ويتجنبها الأشقى)، أى: ويتجنب الذكرى، ويبتعد عن الموعظة،
ويتجافى عن النصيحة ، الإنسان الشديد الشقاوة والتعاسة ، الذى أبى إلا
الإصرار على كفره وعناده ، وخلا قلبه من خشية الله - تعالى -.
والمراد بالأشقى الجنس . أى: يبتعد عن الانتفاع بالتذكير جميع
الأشقياء وهم الكافرون .
وقيل : المراد به الكافر المتوغل فى كفره كأنى جهل والوليد بن المغيرة
وأشباههما .
.
(١) راجع تفسير الفخر الرازى ج ٨ ص ٣٨٣

٥١٩
سورة الأعلى
وقوله: ((الذى يصلى النار الكبرى، صفة للأشقى. أى: سيبتعد
عن الانتفاع بتذكيرك - أيها الرسول الكريم - الكافر المصر على كفره،
الذى من صفاته أنه سيصلى وسيلقى فى أشد طبقات النار سعيرا وجريقا،
وهى الطبقة السفلى منها .
فوصف النار بالكبرى، من قبيل التهويل والإنذار للمصرين على كفرهم.
((ثم لا يموت فيها ولا يحي)، أى: ثم إن هذا الشقى بعد أن يلقى به فى.
النار الكبرى، ((لا يموت فيها، فيستريح من العذاب ((ولا يحبى، حياة
طيبة فيها شىء من الراخة ، بل يبقى هكذا . يأتيه الموت من كل مكان
وما هو بميت)).
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ((والذين كفروالهم نارجهنم.
لا يقضى عليهم فيموقوا ولا يخفف عنهم من عذابها، كذلك نجزى كل
كفور »(١).
وبعد هذا البيان الذى يهز القلوب .. عن سوء عاقبة الأشقياء، ساق.
- سبحانه - ما يدخل البهجة والسرور على النفوس، عن طريق بيان
حسن عاقبة السعداء، فقال: قد أفلح من تركى. وذكر اسم ربه فصلى ....
أى : قد أفلح وفاز وانتفع بالتذكير ، من حاول تزكية نفسه وتطهيرها)
من كل سوء .
ومن ذكر اسم ربه بقلبه ولسانه ، فعلى الصلوات الخمس التى
فرضها الله - تعالى - عليه.
وأضاف إليها ما استطاع من نوافل وسنن .
وعبر - سبحانه - بقوله: ((قد أفلح، ليجمع فى هذا التعبير
(١) سورة فاطر. الآية ٠٣٦

٥٢٠
الجزء السعدون
البليغ، كل معانى الخير والنفع، لأن الفلاح معناه: وصول المرء إلى
ما يطمح إليه من فوز ونفع .
وجاء التعبير بالماضى المسبوق بقد، للدلالة على تحقق هذا الفلاح
بفضل الله - تعالى - ورحمته .
وقد اشتملت هاتان الآيتان على الطهارة من العقائد الباطلة , تز كى،
. وعلى استحضار معرفة الله - تعالى - ((وذكر اسم ربه»، وعلى أداء
التكاليف الشرعية التى على رأسها الصلاة, فصلى)).
وهذه المعانى هى التى وصلت صاحبها إلى الفلاح الذى ليس بعده فلاح.
وقوله - تعالى -: ((بل تؤثرون الحياة الدنيا. والآخرة خير
وأبقى .. ، الإضراب فيه عن كلام مقدر يفهم من السياق .
والمعنى: لقد بينت لكم ما يؤدى إلى فلاحكم وفوز كم .. ولكنكم
- يا بنى آدم - كثير منكم لم يستجب لما بينته له، بل أنتم تؤثرون الحياة
الدنيا، بأن تقدموا زينتها وشهواتها ومتعها .. على ما ينفعكم فى آخرتكم
والحال أن ما فى الدار الآخرة من نعيم ، خير وأبقى من حطام الدنيا،
لأن الدنيا ومتعها زائلة ، أما الآخرة فخيرها باق لا يزول . .
والخطاب لجميع الناس ، ويدخل فيه الكافرون دخولا أوليا ، وعليه
يكون المراد بإيثار الحياة الدنيا بالنسبة للمؤمنين، ما لا يخلو منه غالب
"الناس، من اشتغالهم فى كثير من الأحيان بمنافع الدنيا، وتقصيرهم فيما
يتعلق بآخرتهم .
ويرى كثير من العلماء: أن الخطاب للكافرين على سبيل الالتفات،
.ويؤيد أن الخطاب للكافرين قراءة أبي عمرو بالياء على طريقة الغيبة . .
أى: بل أن الكافرين يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة، مع أن
الآخرة خير وأبقى .