النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١ سورة المطففين والرحيق : اسم الخمر الطيبة الصافية الخالية من كل ما يكدر أو يذهب العقل . والمختوم: أى المسدود الذى لم تمسه يد قبل أيدى هؤلاء الأبرار. وقوله: (( ختامه مسك، صفة ثانية للرحيق . أى: أن هؤلاء الأبرار من صفاتهم - أيضا - أنهم يسقيهم ربهم - بفضله وكرمه - من خمر طيبة بيضاء لذيذة ، خالصة من كل كدر .. هذه الخمر مختوم على إناتها بخاتم ، بحيث لم تمسها يد قبل أيديهم .. وهذه الخمر - أيضاً - من صفاتها أن شاربها بحد فى نهاية شربها ما يشبه المسك فى جودة الرائحة . . وقال الشوكانى: وقوله: (( ختامه مسك)) أى: آخر طعمه ريح المسك إذا رفع الشارب فاه من آخر شرابه ، وجدريحه كريح المسك . وقيل مختوم أوافيه بمسك مكان الطين، وكأنه تمثيل لكمال نهاسته ، وطیب رائحته . والحاصل أن المختوم والختام إما أن يكون من ختام الشىء وهو آخره أو من ختم الشىء وهو جعل الخاتم عليه، كما تختم الأشياء بالطين ونحوه. أ وقراءة الجمهور ((ختامه)) وقرأ الكسائى ((خاتمه)) والخاتم والختام يتقاربان فى المعنى، إلا أن الخاتم الاسم، والختام المصدر .. ، (١). واسم الإشارة فى قوله - تعالى -: ((وفى ذلك فليتنافس المتنافسون» يعود إلى الرحيق المختوم، الدال على صلاح بالهم، وحسن أحوالهم . وأصل التنافس : التغالب فى الشىء النفيس ، وهو الذى تحرص عليه النفوس، بحيث يبتغيه ويطلبه كل إنسان لنفسه خاصة. يقال، نفس فلان على فلان بهذا الشىء - كفرح -، إذا بخل به عليه .. (١) تفسير فتح القدير للشوكانى =٥ ص ٤٠٢ ٤٦٢ الجزء الثلاثون أى : ومن أجل الحصول على ذلك الرحيق المختوم، والنعيم المقيم .. فليرغب الراغبون، وليتسابق المنسابقون، وليتنافس المتنافسون فى وجوه الخير، عن طريق المسارعة فى تقديم الأعمال التى ترضى الله - تعالى -.. فالمقصود من الآية الكريمة: تحريض الناس وحضهم على تقديم العمل الصالح، الذى يوصلهم يوم القيامة إلى أعلى الدرجات . . وقوله - سبحانه -: ((ومزاجه من تسنيم . عينا يشرب بها المقربون)) صفة ثالثة من صفات هذا الرحيق . والمزاج: ما يمزج به الشىء، ويطلق على الممزوج بالشىء - كماهنا- فهو من إطلاق المصدر على المفعول . . والتسنيم : علم لعين فى الجنة مسماة بهذا الاسم، وهذا اللفظ مصدر سنمه، إذا رفعه. يقال: هنم فلان الطعام، إذا جعله كهيئة السنام فى ارتفاعه . . قالوا : وسميت هذه العين بهذا الاسم، لأنها تنبع من مكان مرتفع؛ أو لعلومكاتها .. وقوله: ((عينا، منصوب على المدح .. أى: ومزاج هذا الرحيق وخليطه كائن من ماء لعين فى الجنة ؛ مرتفعة المكان والمكانة ، هذه العين يشرب منها المقربون إلى الله - تعالى - شرابهم . قال الآلوسي: والباء فىقوله ((بها، إما زائدة، أى: يشربها، أو بمعنى من . أى : يشرب منها. أو على تضمين يشرب معنى بروى. أى: يشرب راوين بها، أوبروى بها المقربون .. )) (١). (١) تفسير الآلومى = ٣٠ ص ٠٧٦ ٤٦٣ سورة المطففين وإلى هنا نجد أن هذه الآيات الكريمة قد بشرت الأبرار بإشارات · متعددة، يشرتهم بأن صحائف أعمالهم فى أعلى عليين ، وبأنهم فى نعيم مقيم . وبأنهم ينظرون إلى كل ما يشرح صدورهم ، وبأن الناظر إليهم يرى أثار النعمة والرفاهية على وجوههم ، وبأن شرابهم من خمر طيبة الذيذة الطعم والرائحة . . ثم حكى - سبحانه - جانبا من الرذائل التى كان يفعلها المشركون مع المؤمنين ، وبشر المؤمنين بأن العاقبة الطيبة ستكون لهم .. فقال - تعالى -: (( إن الذين أجرموا كانوا من لسين أمنوا يضحكون). وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات ، أن بعض المشركين ـ كأبى جهل والعاص بن وائل - كانوا يستهزئون من فقراء المسلمين كصهيب وعمار بن ياسر. وقوله - سبحانه -: ((أجرموا)) من الإجرام ، وهو ارتكاب الجرم، ويطلق على الإثم العظيم، والذنب الكبير، والمراد بإجرامهم - هنا : كفرهم بالله - تعالى -، واستهزاؤهم بالمؤمنين. أى : إن الذين ارتكبوا فى دنياهم أفبح الجرائم وأشنعها، وهم جزعماء المشركين، ((كانوا)) فى الدنيا, من الذين آمنوا يضحكون، أى: كانوا فى حياتهم يتهكمون بالمؤمنين، ويسخرون منهم، ويعتبرونهم الأراذل الذين يجب الابتعاد عنهم . (( وإذا مروا بهم يتغامزون)، أى: وإذا مر هؤلاء المجرمون بالمؤمنين صخروا منهم ، وتغامز وافيما بينهم على سبيل الاستهزاء بفقراء المؤمنين. ٤٦٤ الجزء الثلاثون والتغامز : تفاعل من الغمز، وهو الإشارة بالجفون والحواجب على. سبيل الطعن والتهكم . أى: يغمز أحدهم الآخر لينبه إلى ما عليه فقراء المسلمين من شافه. العيش ، ومن غير ذلك من الأحوال التى لا يرضاها المشر كون لجهلهم .. وغرورهم وبلادة حسهم . ((وإذا انقلبوا إلى أصلهم انقلبوا فكهين، أى: وإذا رجع هؤلاء .. المجرمون إلى أهلهم من مجالسهم التى كانوا فيها .... رجعوا متلذذين. باستخفافهم بالمؤمنين ، والسخرية منهم . فهم لإيغالهم فى الكفر والفسوق والعصيان ، لا يكتفون بالفخر واللمز عند ما يرون المؤمنين ، بل يجعلونهم عند عودتهم إلى أهليهم، مادة .- تفكهم وضحكهم . فقوله:(( فكهين)) جمع فكه، صفة مشبهه، وهى قراءة حفص .. عن عاصم . وقرأ الجمهور , فا کہین ، اسم فاعل ، من فكه ـ- بزنة فرح - إذا .. مزح فى كلامه ليضحك أو يضحك غيره . وحذف متعلق ((فكهين)) للعلم به. أى: رجعوا فكهين بسبب. حديثهم عن المؤمنين . وقوله: (( وإذا رآوهم قالوا إن هؤلاء لضالون، أى: أن هؤلاء. الذين أجرموا، لا يكتفون بغمز المؤمنين ولمزهم وجعلهم مادة السخرية. فى أحاديثهم مع أهليهم . بل إنهم تجاوزوا ذلك ، فهم عند ما يرون المؤمنين يقولون عنهم :.. هؤلاء هم الضالون، لأنهم تركوا دين آبائهم وأجدادهم ، ودخلوا فى ... دين آخر . ٤٦٥ سورة المطففين فرادهم بالضلال: فساد الرأى، وعدم البقاء على ديئهم القديم . .. وهكذا الأشرار يرون أن أهل الحق والتقى فى ضلال . . . وجملة: (وما أرسلوا عليهم حافظين، جملة حالية من الضمير فى , قالوا» . . أى: قالوا إن هؤلاء المؤمنين اضالون، والحال أن هؤلاء المشركين. ما أرسلهم الله - تعالى - ليكونوا وكلاء عنه، حتى يحكموا على هذا الفريق بالضلال ، وعلى غيره بالرشاد . فالمقصود بالآية الكريمة: تأنيب الذين أجرمواوت وبيخهم على .. تصرفاتهم ، لأن الحكم على الغير بالهداية والضلال، هم ليسوا أهلا له إطلانا، لأن الله - تعالى - لم يكلفهم بذلك، وإنما كلفهم بإتباع الرسول .. الذى أرسله - سبحانه - هدايتهم . فحكمهم على المؤمنين بالضلال يدل على نهاية الغرور والجهل . ثم بشر الله - تعالى - المؤمنين بما سيكونون عليه يوم القيامة من. نعيم فقال: ((فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون. على الأرائك .. ينظرون » .. والفاء فى قوله: ((فاليوم، للسيبية. والمراد باليوم: يوم الجزاء. والحساب ... أى : فبسبت استهزاء الذين أجرموا من المؤمنين فى الدنيا ، كافأ الله .. - تعالى - المؤمنين على صبرهم، بأن جعلهم يوم القيامة يضحكون من الكفار حين يرونهم أذلاء مهانين، كماكان الكفار يضحكوفى من المؤمنين فى الدنيا . . فالمقصود من الآية الكريمة تسلية المؤمنين ، وتبشيرهم بأنهم سيأخذون بثأرهم من المشركين عما قريب .. وأنهم - أى: المؤمنون. ٤٦٦ الجزء الثلاثون سيكونون يوم القيامة على سرر قد فرشت بأجمل الفراش ، وأنهم لا ينظرون إلا إلى ما يسرهم ويبهج نفوسهم . ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله: «هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون، والاستفهام للتقرير. وقوله: ((ثوب، من التثويب . والإثابة ، أى المجازاة . يقال: ثوب فلان فلانا وأثابه، بمعنى جازاه المجازاة اللائقة به . والمعنى : لقد جوزى الكفار بالجزاء المناسب لتهكمهم بالمؤمنين فى الدنيا، فقد أنزلنا بهم ما يستحقونه من عقاب ألم، جزاء وفاقا . وجاء الجزاء بأسلوب الاستفهام، لتأكيد هذا الجراء ، حتى لكأن المخاطب هو الذى نطق بهذا الجزاء العادل الذى استحقه الكافرون ، ولبيان أن عدالة الله - تعالى - تقتص من المعتدين مهما طالت بهم الحياة ٠٠٠ والتعبير بثوب - مع أنه أكثر ما يستعمل فى الخير - ، إنما هو من بهاب التهكم بهم، كما فى قوله - تعالى -: ((فبشرهم بعذاب أليم)). نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من عباده المؤمنين الصادقين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟ القاهرة - مدينة نصر صباح الاثنين ٢٥ من المحرم سنة ١٤٠٧ ٢٩ من سبتمبر سنة ١٩٨٦ تَفِرُسُورة الانشقاق .ty بسْطِ الرحمن الرحيم. سورة (( الانشقاق ) ١ - سورة الانشقاق)) وتسمى سورة , إذا السماء انشقت، من السور المكية، وكان نزولها بعد سورة ((الانفطار)، وقبل سورة ((الروم». وعدد آياتها خمس وعشرون آية فى المصحف المكى والكوفى . وفى. المصحف الشامى والبصرى ثلاث وعشرون آية . ٢ - والسورة الكريمة ابتدأت بوصف أشراط الساعة، ثم فصلت الحديث عن أحوال السعداء والأشقياء يوم القيامة ، وخلال ذلك حرضته. المؤمنين على أن يزدادوا من الإيمان والعمل الصالح، وحذرت الكافرين. من سوء عاقبة إصرارهم على كفرهم وفسوقهم . ٤٦٩ سورة الانشقاق قال - تعالى - : السفــ ١١ -١ ) ◌ِذَا السَّمَآءُ آنشَقَّتْ (جٌ وَأَذِنَتْ لِرَبِهَا وَحُقَّتْ ﴾ وَ إِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (جٌ وَأَلْقَتْ مَفِيهَا وَتَخَلَّتْ (﴾ وَأَذِنَتْ لِهَا وَحُقَّتْ يٌّ ١ يَأَيُّهَ آلْإِنسَنُ إِنَّكَ كَادِعٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَفِيهِ ﴾ فَأَمَّا مَنْ أَوِّ كِتَهُ بِيِّمِينِهِ، (٣) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًاهي ◌َيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ، مَسْرُورًا ﴾ وَأَمَّا مَنْ أُوْنِىَ كِتَبَهُ وَرَآءَ انْظَهْرِهِ، (٨﴾ فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُورًا (٨) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١) إِنَّهُ مُكَانَ فِىَ أَهْلِهِ، مَسْرُورًا ( ٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَّن يَحُورَ (لَه ◌َبَ إِنَّ رَبَّهُ, مَكَانّ بِهِ، بَصِيرًاً (﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ () وَالَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (٥) " وَالْقَمَّرِ إِذَا أَنَّسَقَ ◌ّ لَتَرْ كَبُنَّ طَبَقًّاً عَنْ طَبَقِ ﴿يَ فَمَا لَهُمْ لَا أُؤْمِنُونَ (٢﴾ وَإِذَا تُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لَ يَسْجُدُونَ لَ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ (َ وَلَهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوْعُونَ () فَبِثْرُهُم بِعَذَابٍ عقرداره أَلِم ◌َّ إِلَّا الَّذِينَءَامَنُوا وَ عَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُمْ أَجْ غَيْرٌ عَمْنُونٍ( ٢٥ وقوله: ((انشقت)) من الانشقاق بمعنى الانفطار والتصدع ، بحيث -تتغير هيئتها، ويختل نظامها، كما قال - تعالى -: ((يوم تبدل الأرض ٤٧٠ الجزء الثلاثون غير الأرض والسموات وبرزو الله الواحد القهار .. )). وانشقاق السماء قد ورد فى آيات متعددة منها قوله - تعالى - : (( ويوم تشقق السماء بالغمام .. )). وقوله - سبحانه - : ((فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان» ، ومعنى (( أذنت )): استمعت . يقال: أذن له، بمعنى استمع له بإصغاء. تام - وبابه طرب -، وفى الحديث الصحيح: ((ما أذن اته لشی. إذنه انى يتغنى بالقرآن))، وقال الشاعر: صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا وجملة ((وخفت)، معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه. أى: جعلت .. حقيقة وجديرة بالاستماع والانقياد لما يريده الله - تعالى - منها ، من قولهم فلان محقوق بكذا، وحق له أن يفعل كذا، أى : وجب عليه ذلك .. وجوبا لا انفكاك له عنه . وجواب الشرط « إذا» وما عطف عليه محذوف، والتقدير: إذا السماء تصدعت واختل نظامها، واستمعت لأمر ربها استماعاً تاما، وانقادت لحكمه انقياد العبد لسيده، وجعلت حقيقة وجديرة بالانقياد. والاستماع والطاعة فى جميع الأحوال . ((وإذا الأرض مدت)) أى: بسطت وتساوت بحيث صارت فى مستوى. واحد، بدون ارتفاع فى جانب أو انخفاض فى آخر، كماقال - تعالى -: ((لا ترى فيها عوجا ولا أمتا)). ((وألقت ما فيها وتخلت)) أى: وطرحت ما بداخلها من أجساد ومن كنوز، ومن غيرهما ، وخلت من كل ذلك خلوا تاما . وقوله ((وأذنت لربها وحقت)، تأكيد لقدرته - تعالى - ونفاذ أمره. أى: واستمعت الأرض كما استمعت السماء لأمر ربها، وحق لها أن ٤٧١ سورة الانشقاق تستمع وأن تنقاد لحكمه - تعالى - لأنها خاضعة خضوعا تاما، لقضائه وأمره ... إذا حدث كل ذلك ... قامت الساعة ، ووجد كل إنسان جزاءه عند ربه - سبحانه - . قال صاحب الكشاف: حذف جواب ((إذا، ليذهب المقدر كل مذهب . أو اكتفاء بما علم فى مثلها من سورنى التكوير والانفطار. وقيل: جوابها ما دل عليه قوله: (( فلاقيه، أى: إذا السماء انشقت لاقى. الإنسان كدحه .. وقوله: ((وأذنت لربها وحقت)، أذن له: استمع له .. والمعنى: أنها فعلت فى انقيادها لله - تعالى :- حين أراد انشقاقها، فعل المطواع الذى إذا ورد عليه الأمر من جهة المطاع أنصت له وأذعن ، ولم يأب ولم يمتنع ، كقوله - تعالى -, أتينا طائعين)). وحقت : هو من قولك: هو محقوق بكذا وحقيق به ، يعنى : وهى. حقيقة بأن تنقاد ولا تمتنع ... )) (١). وقال الجمل فى حاشيته: وقوله ((وحقت)) الفاعل فى الأصل هو الله - تعالى -. أى: حَقَّ وأوجب الله عليها سمعه وطاعته .. فعلم من ذلك أن الفاعل محذوف، وأن المفعول هو سمعها وطاعتها له - تعالى-، (٢). ثم وجه - سبحانه - بعد ذلك نداء للإنسان، دعاه فيه إلى طاعته. وإخلاص العبادة له، فقال: (( يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فلاقيه .. ، والمراد بالإنسان هنا: جنسه. وأصل الكدح فى كلام العرب: السعى فى سبيل الحصول على الشىء بجد واجتهاد وعناء ... (١) تفسير الكشاف = ٤ ص ٧٢٥. .(٢) حاشية الجمل على لجلالين جـ ٤ ص ٥٠٨ ٠ ٤٧٢ الجزء الثلاثون -مأخوذ من كدح فلان جلده ، إذا خدشه ، ومنه قول الشاعر: وما الدهر إلا تارتان فمنهما أموت، أخرى أبتغى العش أكدحُ وقول الآخر : ومضت بشاشة كل عيش صالح وبقيت أكدح للحياة وأنصبُ أى : وبقيت أسعى سعيا حثيثا للحياة، وأتعب من أجل الحصول على -مطالبى فيها . والضمير فى قوله: (فملاقيه، يعود إلى الله - تعالى - ، ويصح أن يعود للكدح، بمعنى ملاق جزاء هذا الكدح. والمعنى: يأيها الإنسان إنك باذل فى حياتك جهدا كبيرا من أجل -مطالب نفسك . وإنك بعد هذا الكدح والعناء .. مصيرك فى النهاية إلى لقاء ربك، حيث يحاسبك على عملك وكدحك .. فقدم فى دنياك الكدح المشروع، والعمل الصالح . والسعى الحثيث فى طاعته - تعالى -، لكى تنال ثواب ربك ورضاه. قال ابن كثير: وقوله: ((يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا .. )) أى: ساع إلى ربك سعياً، وعامل عملا ((فملاقيه)، ثم إنك ستلقى ما عملت من خير أو شر . . ويشهد لذلك ما رواه أبو داود الطيالسى .. عن جابر قال: قال .رسول الله - عَّ له -: قال جبريل: يا محمد، عش ماشئت فإنك ميت» .واحيب ما شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه)). ومن الناس من بعيد الضمير على قوله (( ربك، أى: فلاق ربك ٤٧٣ سورة الانشقاق .فيجازيك بعملك، ويكانك على سعيك، وعلى هذا فكلا القولين - متلازم)»(١). ثم فصل - سبحانه - بعد ذلك عاقبة هذا الكدح، والسعى المتواصل .. - فقال - تعالى -: ((فأما من أوتى كتابه بيمينه. فسوف يحاسب حساب يسيرا. . وينقلب إلى أهله مسرورا . والمراد بالكتاب هنا: صحيفة العمل التى سجلت فيها حسنات الإنسان وسيئاته . والمراد بالحساب اليسير: عرض الأعمال، مع النجاوز عن الهفوات، حفضل الله - تعالى -. أى: الناس جميعا يكدحون فى هذه الحياة، ثم يعودون إلى خالقهم للحساب والجزاء، فأما من أعطى كتابه بيمينه ، وهم المؤمنون الصادقون، فسوف يحاسب من ربه - تعالى - حسابا يسيرا سهلا، بأن تعرض أعماله على خالقه - تعالى - ، ثم يكون التجاوز عن المعاصى، والثواب على الطاعة، بدون مناقشة أو مطالبة بعذر أو حجة .. ثم ينقلب هذا الإنسان بعد ذلك إلى أهله وعشيرته، مبتهجا مسرورا، ، بسبب فضل الله - تعالى - عليه، ورحمته به. وعبر - سبحانه - عن فوز هذا الإنسان، بأنه يؤتى كتابه بيمينه ، للإشعار بأنه من أهل السعادة والتقوى ، فقد جرت العادة أن اليد اليمنى - إنما تتناول بها الأشياء الزكية الحسنة .. والباء فى قوله « بيميته،للملابسة أو المصاحبة، أو بمعنى فى . قال الآلوسى: والحساب اليسير: هو السهل الذى لا مناقشة فيه، وفسره - رَبِّ - بالعرض وبالنظر فى الكتاب ، مع التجاوز، فقد أخرج (١) تفسير ابن كثير حـ ٧ ص ٠٢٧٨ (م ٣١ - جزء عم) ٤٧٤ الجزء الثلاثون الشيخان عن عائشة أن النبى - مؤتم - قال: ليس أحد يحاسب إلا ملك. قلت يارسول الله، جعلني الله فداك، أليس الله - تعالى - يقول: (فأما) من أوتي كتابه بيمينه. فسوف يحاسب حسابا يسيراً)، قال : ذلك العرض يعرضون، ومن نوقش الحساب ملك». وأخرج الإمام أحمد عن عائشة - أيضاً - قالت: سمعت رسول الله .. - رام - يقول فى بعض صلاته: اللهم حاسبنى حساباً يسيرا. فلما انصرف. قلت له : يارسول الله، ما الحساب اليسير؟ قال: أن ينظر فى كتابه. فيتجاوز ه عنه » (١) . ثم بين - سبحانه - حال الأشقياء، بعد بيانه لجال السعداء فقال :: « وأما من أوتي كتابه وراء ظهره. فسوف يدعو ثبورا. ويصلى سعيرا .. » .. أی : وأما من أعطی صحیفة أعماله - اسواده، وقبح أعمالها ۔ بشماله من وراء ظهره وهو الكافر - والعياذ بالله - قيل: تغل بيمناه إلى عنقه، وتجعل. شماله وراء ظهره ، على سبيل الإهانة والإذلال له .. ((فسوف يدعو ثبورا، أى: فسوف يطلب الهلاك ، بأن ینادی علیه. بحسرة وندامة ويقول: أيها الموت أقبل فهذا أوانك ، لتنقذنى مما أنا فيه- من سوء .. وفى طلبه للهلاك؛ وتفضيله على ما هو فيه ؛ دليل على أن هذا الشقى. - والعياذ بالله - قد وصل به الحال السىء إلى أقصى مداه، حتى لقد أصبح الهلاك نهاية أمانيه ، كما قال الشاعر: كفى بك داء أن ترى الموت شافيا وحسب المنايا أن يكن أمانياً فالمراد بالدعاء فى قوله ((ويدعو ثبورا)) الغداء، وبالثبور: الهلاك ». بأن يقول : بائبورا أقبل فهذا أوان إقبالك. (١) تفسير الآلومى = ٣٠ ص ٠٨٠ ٤٧٥ سورة الانشقاق وقوله - تعالى - ((ويصلى سعيرا، بيان للعذاب الذى يحل به. أى: ويدخل النار الشديدة الاشتعال ، فيتقلب فيها، ويقامى حرها. وقول - سبحانه - : (( إنه كان في أهله مسرورا. إنه ظن أن أن محور ، تعليل لما أصابه من سوء . أى: إن هذا الشقى كان فى الدنيا فرحا بطرا بين أهله، لا يفكر فى عاقبة، ولا يعمل حساباً لغير ملذاته وشهواته .. وإنه فوق ذلك ((ظن)» أى: أيقن أنه لن يرجع إلى ربه يوم القيامة، ليحاسبه على أعماله ، ويجازيه بما يستحقه من جزاء . قال القرطبى: قوله ((إنه ظن أن لن يحور)) أى: أن يرجع حياً مبعوثاً فيحاسب، ثم يثاب أو يعاقب، يقال: حار فلان يحور إذا رجع ، ومنه قول ابيد : وما المرء إلا كالشهاب وضوئه يحور رمادا بعد إذ هو ساطع فالحور فى كلام العرب: الرجوع، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - ((اللهم إنى أعوذ بك من الحور بعد الكور)) يعنى: من الرجوع إلى النقصان بعد الزيادة .. )) (١). وقوله - سبحانه -: (( بلى إن ربه كان به بصيرا، إيجاب لما نفاه ، وإثبات لما استبعده، وجملة. إن ربه .. بمنزلة التعليل لما أفادته بلى من إبطال لما نفاء . أى: ليس الأمر كما زعم من أنه لن يبعث ولن يرجع إلى ربه .. بل الحق الذى لا يشوبه باطل ، أن هذا الشقى سيرجع إلى ربه يوم البعث والنشور، ليجازيه على أعماله، لأنه - سبحانه - كان - وما زال - (١) راجع تفسير القرط، حـ ١٩ ص ٣٧٣ ٤٧٦ الجزء الثلاثون علما بأحوال هذا الشقى وغيره، إذ لا يخفى عليه - سبحانه - شىء فى الأرض ولا فى السماء . فالمراد بالبصر هنا: العلم التام بأحوال الخلق . ثم أقسم - سبحانه - ببعض مخلوقاته ، على أن مشيئته نافذة ، وقضاءه لا يرد، وحكمه لا يتخلف .. فقال: «فلا أقسم بالشفق. والليل وما وسق. والقمر إذا اقسق. لفر كبن طبقاً عن طبق.)). والفاء فى قوله ((فلا أقسم .. ، واقعة فى جواب شرط مقدر، وهى التى يعبر عنها بالفصيحة، و«لا، مزيدة لتأكيد القسم ، وجوابه « اتركين ٠٠). والشفقة الحمرة التى تظهر فى الأفق الغربى بعد غروب الشمس، وهو ضياء من شعاعها، وسمى شفقاً لرقته ، ومنه الشفقة الرقبة القلب . والوسق: جمع الأشياء، وضم بعضها إلى بعض. يقال، وسَق الشىء يسَقُن - كضرب إذا جمعه فاجتمع، ومنه قولهم: إبل مستو سقة، أى: مجتمعة، وأمر متسق، أى: مجتمع على ما يسر صاحبه وبرضيه. واتساق القمر : اجتماع ضيائه وفور، وهو افتعال من الوسق، وهو الجمع والضم ، وذلك يكون فى الليلة الرابعة عشرة من الشهر .. أى: أقسم بالخمرة التى تظهر فى الأفق الغربي، بعد غروب الشمس، وبالليل وما يضمه تحت جناحه من مخلوقات وعجائب لا يعلمها إلا الله - تعالى - ، وبالقمر إذا ما اجتمع نوره، وأكمتل ضياؤه ، وصار بدوا متلألئاً . . . وفى القسم بهذه الأشياء، دليل واضح على قدرة الله - تعالى :- الباهرة، لأن هذه الأشياء تتغير من حال إلى حال، ومن هيئة إلى هنئة .. ٤٧٧ سورة الانشقاق فالشفق حالة تأتى فى أعقاب غروب الشمس ، والليل يأتى بعد النهار ، والقمر يكتمل بعد نقصان ... وكل هذه الحالات الطارئة، دلائل على قدرة الله - تعالى - . "وقوله - سبحانه - ((لتركبن طبقاً عن طبق)) جواب القسم - كما سبق أن أشرنا -- . والمراد بالركوب : الملاقاة والمعافاة، والخطاب للناس . والطبق جمع طبقة، وهى الشىء المساوى لشىء آخر ، والمراد بها هنا: الحالة أو المرتبة. وعن بمعنى بعد . أى: وحق الشفق، والليل وما وسق، والقمر إذا اقسق .. لتلاقن - أيها الناس - أحوالا بعد أحوال ، هى طبقات ومراقب فى الشدة، بعضها أصعب من بعض، وهى الموت ، ومايكون بعده من حساب وجزاء يوم القيامة . قال الألومى ما ملخصه: قوله: ((لتر كبن طبقا عن طبق)) خطاب لجنس الإنسان المنادى أولا ، باعتبار شموله لأفراده، والمراد بالركوب الملاقاة، والطبق فى الأصل ما طابق غيره مطلقا، وخص فى العرف بالحاله المطابقة لغيرها .. و((عن، للمجاوزة، أو بمعنى ((بعد)). والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة أو حالا من فاعل لتركبن ، والظاهر أن «طبقا، منصوب على المفعولية . أى: لتلاقن حالا كائنة بعد حال ، كل واحدة مطابقة لأختها فى العمدة والهول .. منها ما هو فى الدنيا، ومنها ما هو فى الآخرة . وقرأ الأخوان - حمزة والكسائى - وابن كثير ((لتر كبن» - بفتح الباء - على أنه خطاب للإنسان - أيضاً - ، لكن باعتبار اللفظ ، لا باعتبار الشمول . ٤٧٨ الجزء الثلاثون وأخرج البخارى عن ابن عباس أنه خطاب للتى - صلى الله عليه وسلم -، أى: لتركبن - أيها الرسول الكريم - أحوالا شريفة بعد أخرى من مراقب القرب. أو مراقب من الثبدة بعد مراقب من العدة، ثم تكون العاقبة لك .. ، (١). والفاء فى قوله - تعالى - بعد ذلك: « فالهم لا يؤمنون. وإذا قرى. عليهم القرآن لا يسجدون .. )) لتر تيب ما بعدها من الإنكار والتعجيب على ما قبلها. و«ما، للاستفهام الإنكارى .. أى = إذا كان الأمر كما وضحنا لك - أيها الرسول الكريم - من أن البعث حق، ومن أن المستحق للعبادة هو الله - تعالى - وحده ... فأى شىء يمنع هؤلاء الكافرين من الإيمان، مع أن كل الدلائل والبراهين تدعوهم إلى الإيمان . وأى = مافع منعهم من السجود والخضوع لله - تعالى - عندما يقرأ عليهم القرآن الكريم ، الذى أنزلناه عليك لإخراجهم من الظلمات إلى النور . فالمقصود من الآيتين الكريمتين تعجيب الناس من حال هؤلاء الكافرين الذين قامت أمامهم جميع الأدلة على صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما يبلغه عن ربه ، ومع ذلك فهم مصرون على كفرهم وجحودهم وعنادهم . . قال الآلوسى : وقد صح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه سجد عند قراءة هذه الآية، فقد أخرج مسلم وأبو داود والترمذى .. عن أبى هريرة قال: «جننا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى ((إذا السماء انشقت .. )، وفى اقرأ باسم ربك .. )) وهى سنة عند الشافعى، وواجبة عند أبى حنيفة ا . .. (٢). (١) راج تفسير الآلوسي = ٣٠ ص ٨٢ د < ٣٠ ص ٨٣ (٢) , , ٤٧٩ سورة الانشقاق أما الإمام مالك فالرواية الراجحة فى مذهبه، أن هذه الآية ليست من آيات سجود التلاوة . . وقوله - سبحانه -: ((بل الذين كفروا يكذبون)) إضراب انتقالى، -حن التعجيب من عدم إيمانهم مع ظهور كل الأدلة على وجوب الإيمان ، إلى الإخبار عنهم بأنهم مستمرون على كفرهم أى : ليس هناك أى مانع يمنع "المكافرين من الإيمان، بعد أن قامت جميع الشواهد على صدق الرسول - بَ﴾، بل الحق أن هؤلاء الكافرين إنما استمروا على كفرهم بسبب عنادهم وحسدهم للرسول - بلتم - على ما آتاه الله - تعالى - من فضله، .وتكذيبهم للحق عناداو جحودا . وقوله - سبحانه -: (( والله أعلم بما يوعون)، كلام معترض بين سابقه ولاحقه، والمقصود به التهديد والوعيد .. ومعنى ((يوعون)، يضمرون ويخفون ويسرون. وأصل الإيعاء: حفظ الأمتعة فى الوعاء ، يقال: أوعى فلان الزاد والمناع ، إذا جعله فى الوعاء . والمراد به هنا: الإضمار والإخفاء، كما فى قول الشاعر: والشر أُخبث ما أوعیت من زاد . أى: واقه - تعالى - أعلم من كل أحد ، بما يضمره هؤلاء الكافرون، .وبما يخفونه فى صدورهم من تكذيب الحق ، ومن جحود للقرآن الكريم، -ومن معاداة للمؤمنين . . وقوله: ((فبشرهم بعذاب أليم)) تفريع على قوله: (( بل الذين كفروا يكذبون» . والتبشير: الإخبار بما يسر، والمراد به هنا التهكم بهم، بدليل توعدهم جالعذاب الأليم . أى: فبشر - أيها الرسول الكريم - هؤلاء الكافرين المكذبين تلحق، بالعذاب الأليم . ٤٨٠ الجزء الثلاثون والاستثناء فى قوله - تعالى -: «إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات .. فلهم أجر غير منون، استثناء منقطع. أى: هذا هو حال الكافرين، لكنه. الذين آمنوا إيمانا حقاً، وقدموا فى دنياهم الأعمال الصالحة ، فلهم فى. الآخرة أجر غير مقطوع. فقوله ((منون) من مَنَّ: إذا قطع يقال: منفت الحبل إذا قطعته . أولهم أجر خالص من شوائب الامتنان، وهو أن. يعطى الإنسان غيره عطاء، ثم يتباهى عليه به .. نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من عباده المؤمنين الصادقين ؟ القاهرة - مدينة نصر مساء الأربعاء ٢٧ من المحرم سنة ١٤٠٧ه أولى - أكتوبر سنة ١٩٨٦ م