النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ سورة الانفطار : لا ترتدعون عن ذلك، بل تحترئون على أعظم منه، حيث تكذبون . بالجزاء والبعث رأساً أو بدين الإسلام، اللذين هما من جملة أحكامه ، فلا تصدقون سؤالا ولا جواباً، ولا ثواباً ولا عقاباً، وفيه ترق من الأهون : إلى الأعظم . ٠ ٠ وعن الراغب : بل هنا لتصحيح الثانى وإبطال الأول . كأنه قيل : ليس هنا مقتض الغرورم ، ولكن تيكذيبهم بالبعث حلهم على ما ارتكبوه. وقيل تقدير الكلام : كلا إنكم لا تستقيمون على ما توجبه فعمى : إليكم، وإرشادى لكم، بل تكذبون بالدين .... » (١). وقوله: ((وإن عليكم لحافظين، عطف على جملة ((تكذبون بالدين) : لتأكيد ثبوت الجزاء على الأعمال، وتسجيل هذه الأعمال تسجيلا تاما. وقوله ((لحافظين، صفة لموصوف محذوف. أى: وإن عليكم الملائكة - يحفظون أعمالكم عليكم، ويسجلونها دون أن يضيعوا منها شيئاً. وقوله: (( كراما كاتبين. يعلمون ما تفعلون، صفات أخرى لهؤلاء - الملائكة. أى: وإن عليكم ملائكة من صفاتهم أنهم يحفظون أعمالكم، - ويسجلونها عليكم، وأنهم لهم عند الله - تعالى - الكرامة والمنزلة الحسنة، وأنهم يكتبون أعمالكم كلها، وأنهم يعلمون أفعالكم التى تفعلونها سواء أكانت قليلة أم كثيرة ، صغيرة أم كبيرة. فالمقصود بهذه الآيات الكريمة: بيان أن البعث حق ، وأن الحساب حق، وأن الجزاء حق ، وأن أعمال الإنسان مسجلة عليه تسجيلا تاما، بواسطة ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. (١) راجع تفسير الآلوسى حـ ٣٠ ص ٦٥ ( م ٢٩ - جزء عم) ... ٤٤٢ الجزء الثلاثون : أما كيفية هذه الكتابة من الملائكة لأعمال الإنسان، وعلى أى شى .. تكون هذه الكتابة، ومتى تكون هذه الكتابة ... فمن الأمور التى يجب. الإيمان بهإكما وردت، مع تفويض كنها وكيفيتها ودقتها إلى الله - تعالى -.. لأنه لم يرد حديث صحيح من المعصوم - صلى الله عليه وسلم - يعتمد. عليه فى بيان ذلك . ثم بين - سبحانه - النتائج المترتبة على كتابة الملائكة لأفعال الإنسان .. فقال: (( إن الأبرار لفى نعيم. وإن الفجار افى جحيم. يصلونها يوم الدين. وما همٍ عنها بغائبين » . والأبرار: جمع بر - بفتح الباء ، وهو الإنسان التقى الموفى بعهد- الله - تعالى - . والفجار: جمع فاجر، وهو الإنسان الكثير الفجور، أى: الخروج عن طاعة الله - تعالى -. أى : إن المؤمنين الصادقين الذين وفوا بما عاهدوا الله عليه، لفى نعيم، دائم، وهناء مقيم، وإن الفجار الذين قضوا عهودهم مع الله، وفسقوا. عن أمره، أفى نار منأججة بعضها فوق بعض، هؤلاء الفجار الذين شقوا. مها الطاعة ((يصلونها، أى: يدخلون الجحيم ويقاسون حرها.( يوم, الدين، أى : يوم الجزاء والحساب . ((وماهم عنها بغائبين)) أى: وماهم عن النار بمبعدين، بل هم ملازمون. لها ملازمة تامة . ثم لحم - سبحانه - وعظم من شأنه يوم الجزاء فقال: ((وما أدراك. ما يوم الدين . ثم ما أدراك ما يوم الدين .... )). و «ما، اسم استفهام مبتدأ. وجملة ((أدراك)) خبره. والكاف مفعول. أول . . ٠ ت ٤٤٣ سورة الانفطار وجملة (( ما يوم الدين، المكونة من مبتدأ وخبر سدت مسد المفعول الثانى الأدراك . والتكرار للتهويل والتعظيم ليوم الدين ، كما فى قوله - تعالى -: ((الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة ... أى: وأى شىء أدراك عظم وشدة يوم الحساب والجزاء، ثم أى شىء أدراك بذلك ؟ إننا نحن وحدنا الذين ندرك شدة هوله .. وقد أخبر ناك بجانب بما يحدث فيه من شدائد ، لتنذر الناس ، حتى يستعدوا له بالإيمان والعمل الصالح . ثم فصل - سبحانه - جانبا من أهواله فقال: ((يوم الا تملك نفس لنفس شيئا، والأمر يومئذ لله)). أى: يوم الدين والجزاء، هو اليوم الذى لا تملك فيه نفس لغيرها شيئاً من التفع . ٠ وإنما الذى ينفع فيه هو الإيمان والعمل الصالح، والأمر فيه لله - تعالى - وحده، ولا سلطان ولا تصرف لأحد سواء، وقوله: (( يوم لا تملك .. » بيان ليوم الدين . وقد قرأ بعض القراء السبعة (( يوم)) بالنصب على أنه منصوب بفعل محذوف. أى: إذكر يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً . . ٤٤٤ الجزء الثلاثون وقرأه البعض الآخر بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف . أى: هو يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً .. أو على أنه بدل من ((يوم الدين)). وهكذا ختمت السورة الكريمة كما بدئت بالتهويل من شأن يوم القيامة، ليزداد العقلاء استعداداله ، عن طريق الإيمان والعمل الصالح الذى يرضى الله - تعالى -. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟ مساء الخميس ٢١ من المحرم سنة ١٤٠٧ ه القاهرة - مدينة نصر : ٢٥ من سبتمبر سنة ١٩٨٦ م تفسير سورة المطففين ، بسم الله الرحمن الرحيم. سورة (المطففين» ١ - سورة ((المطففين)، أو سورة ,وبل للمطففين، أو سورة ((التطفيف،، من السور التى اختلف المفسرون فى كونها مكية أو مدينة أو بعضها مكنى وبعضها مدنى . فصاحب الكشاف يقول: مكية .. وهى آخر سورة نزلت بمكة والإمام ابن كثير بقول : هى حدفية، دون أن يذكر فى ذلك خلافا . والإمام القرطبى يقول: سورة ((المطففين: مكية فى قول ابن مسعود والضحاك ومقاتل . ومدنية فى قول الحسن وعكرمة. وهى ست وثلاثون آية . قال مقاتل: وهى أول سورة نزلت بالمدينة . وقال ابن عباس وقتادة: هى مدقية إلا ثمان آبات، من قوله - تعالى -: ((إن الذين أجرموا .. إلى آخرها. فإنها مكية. وقال الكلبى وجابر بن زيد: نزلت بين مكة والمدينة . والإمام الآلوسى يجمع كل هذه الأقوال فى تفسيره بشىء من التفصيل دون أن يرجع بيتها . ٢ - ويبدو لنا أن سورة المطففين من السور المكية، إلا أننا نرجع أنها من آخر ما نزل على الرسول - بلح - من قرآن مكى، وقد ذكرما الإمام السيوطى فى كتابه الإتقان، على أنها آخر سورة مكية ، نزلت على الرسول - مخلل - قبل الهجرة (١). (١) راجع الإتقان -١ ص ٢٧ . ٤٤٧ سورة المطففين ومما يجعلنا ترجح أن سورة المطففين من السور المكية : حديثها الواضح عن الفجار والأبرار . وعن يوم القيامة وسوء عاقبة المكذبين به ، وعن أقوال المشركين فى شأن القرآن الكريم. وعن الموازنة بين مصير المؤمنين والكافرين ، وعن موقف كفار - قريش من فقراء المؤمنين . . وهذه الموضوعات نراها من السمات الواضحة للقرآن المكى، وإذا كان *القرآن المدنى قد تحدث عنها، فبصورة أقل تفصيلا من القرآن المكى. ٣ - والسورة الكريمة فى مطلعها تهدد الذين ينقصون المكيال والميزان . ويبخسون الناس أشياءهم، وتذكرم بيوم البعث والحساب والجزاء، : لعلهم يتوبون إلى خالقهم ويستنفرونه ما فرط منهم .. ثم تسوق موازنة مفصلة بين سوء عاقبة الفجار ، وحسن عاقبة الأبرار .. ثم تختتم بذكر ما كان يفعله المشركون مع فقراء المؤمنين ، من استهزاء - وإيذاء ، وبشرت هؤلاء المؤمعين، بأنهم يوم الجزاء والحساب ، سيضحكون من الكفار، كماضحك الكفار منهم فى الدنيا. قال -تعالى -: (( فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون. على الأرائك ينظرون . هل "ثوب الكفار ماكانوا يفعلون،؟ وقد افتتح - سبحانه - هذه السورة الكريمة بقوله : ٤٤٨ الجزء الثلاثون بشـ ، وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (٣) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٣) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوُهُمْ بُخِْرُونَ (﴾ أَلَا يَظُنُّ أَوْلَئِكَ أَنَّهُمْ لا !مَّبْعُوتُونَ (*) لِيَوْمٍ عَظِ يٌّ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَيْنَ ي "كَلَّ إِنَّ كِتَبَ الْفُجَّارِ لَفِ حِينٍ (﴾ وَمَآ أَدْرَتِكَ مَاسِينٌ ﴾ "ِكِتَبٌ فَّرْقُومٌ ﴾ وَيْلٌ يَوْمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ الَِّنَ يُكَذِبُونَ سَوْمِ الّذِينِ (٤) وَمَا يُكَذِّبُ بِةٍ إِلَّ كُلّ مُعْتَدٍ أَنِيمٍ ﴾ إِذَا تُتْلَ عَلَيْهِ مَا يَهُنَا قَالَ أَسَِطِيُ الْأَوَّلِينَ (#) كَلَّا بَلٌّ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴿ كَّ ◌ِنْهُمْ عَن رَّيِهِمْ يَوْمَيِذٍ تَّمَحْجُوبُونَ (٥َ ثُمَّإِنَّهُمْ لَصَالُوا ◌ْجَحِيمِ(٦َ ثُمَ يُقَالُ هَذَا الَّذِيِ .. كُنْتُ بِهِ، تُكَذِّبُونَ (®) والويل : لفظ دال على الهلاك أو الشر، وهو اسم لا فعل له من. لفظه .. وقيل: هو اسم واد فى جهتم. و((المطففين) جمع مطفف، من الطفيف، وهو الشىء التافه الحقير،. لأن ما يغتاله المطفف من غيره شىء قليل. والتطفيف : الإنقاض فى المكيال أو الميزان عن الحدود المطلوبة . . قال الإمام ابن جرير: وأصل التطفيف ، من الشىء الطفيف ، وهو ٤٤٩ سورة المطففين القليل النذر . والمطفف: المقلل صاحب الحق عماله من الوفاء والتمام فى. كيل أو وزن . ومنه قيل القوم الذين يكونون سواء فى حسبة أو عدد: تم سواء كطف الصاع . يعنى بذلك كقرب الممتلى. منه ناقص عن المل ... )(١) وقوله. اكتالوا، من الاكتيال وهو افتعال من الكيل . والمراد به: أخذ ما لهم من مكيل من غيرهم بحكم الشراء . ومعنى: كالوهم أو وزنوهم»: كالوالهم أو وزنوا لهم ، فحذفت اللام. فتعدى الفعل إلى المفعول فهو من باب الحذف والايصال . فالواوان فى (( كالوهم أو وزنوهم، يعودان إلى الاسم الموصول فى .. قوله: ((الذين إذا اكتالوا .. » والضميران المنفصلان ((هم)). يعودان إلى الناس. ال صاحب الکشاف : والضمير فى « کالوهم أو وزنوهم ، ضمیر منصوب راجع إلى الناس . وفيه وجهان: أن يراد: كالوالهم ، أو وزنوالهم فحذف الجار، وأوصل الفعل ، كما فى قول الشاعر : ولقد جنيتك أكوا وعساقلا ولقد نهيتك عن نبات الأوبر .. بمعنى: جنات لك. وأن يكون على حذف مضاف، وإقامة المضافه إليه مقامه، والمضاف هو المكيل أو الموزون .. (٢) والمعنى : هلاك شديد، وعذاب أليم ، للمطففين ، وهم الذين يبخسون حقوق الناس فى حالتى الكيل والوزن وما يشبههما ، ومن مظاهر ذلك أنهم إذا اشتروا من الناس شيئا حرصوا على أن يأخذوا حقوقهم منهم كاملة غير منقوصة ، وإذا باعوالهم شيئا، عن طريق الكيل أو الوزن أو ما يشبههما (( يخسرون)) أى: ينقصون فى الكيل أو الوزن. (١) تفسير ابن جرير < ٣٠ ص ٥٧ (٢) تفسير الكشاف = ٤ ص ٧١٩ ٤٥٠ الجزء الثلاثون .يقال: خسر فلان الميزان وأخسره، إذا نقصه ، ولم يتمه كما يقتضيه العدل والقسط . . وافتتحت السورة الكريمة بلفظ ((الويل) للإشعار بالتهديد الشديد، والوعيد الأليم لمن يفعل ذلك. وقوله (« ويل، مبتدأ ، وهو نكرة، وسوغ الابتداء به كونه دعاء. وخبره ,المطففين)). وقال - سبحانه - ((إذا اكتالوا على الناس .. )) ولم يقل: من الناس، للإشارة إلى ما فى عملهم المنكر من الاستيلاء والقهر والظلم .. وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: لما كان اكتياهم من الناس اكتيالا يضرهم، ويتحامل فيه عليهم، أبدل ((على ((مكان ((من)) للدلالة على ذلك . ويجوز أن يتعلق ((على)) بيستوفون، ويقدم المفعول على الفعل الإفادة الخصوصية . أى : يستوفون على الناس خاصة ، فأما أنفسهم فيستوفون لها . وقال الفراء: ((من)، و((على)، يعتقبان فى هذا الموضع، لأنه حق عليه ، فإذا قال: اكتلت عليك فكأنه قال: أخذت ما عليك. وإذا قال: اكتلت منك، فكقوله: استوفيت منك .. )) (١). والتعبير بقوله: ((يستوفون ويخسرون))، بدل على حرصهم الشديد فيما يتعلق بحقوقهم، وإعمالهم الشنيع لحقوق غيرهم، إذ استيفاء الشىء، : أخذه، انيا تاما ، فالسين والتاء فيه للمبالغة. وأما «يخسرون، فمعناه إيقاع الخسارة على الغير فى حالتى الكيل والوزن وما يشبههما . ثم أتبع - سبحانه - هذا التهديد للمطففين، بما يجعل الناس يتعجبون من أحوالهم ، فقال - تعالى - : (١) تفسير الكشاف < ٤ ص ٧١٩ ٤٥١ سورة المطففين ((ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم . يوم يقوم الناس لرب العالمين» . والهمزة للاستفهام التعجيى من أحوالهم ، والجملة مستأنفة مسوقة التقطيع ما فعلوه من بخس الناس أشياءهم. وأدخلت همزة الاستفهام على « لاء النافية لزيادة التوبيخ والافكار ، حتى لكأن سوء عاقبة التطفيف لا تخطر لهم على بال. والظن هنا مستعمل فى معناه الحقيقى ، وهو اعتقاد الشىء باعتقادا راجحا . وقال - سبحانه -: ((ألا يظن أولئك .. ، ولم يقل: ألا يظنون،. القصد تميزهم والتشهيربهم ، زيادة فى ذمهم ، وفى تقبيح أفعالهم . أى: أبلغت الجرأة بهؤلاء المطففين، أنهم صاروا من بلادة الحس ، -ومن فقدان الشعور ، لا يخشون الحساب يوم القيامة ، ولا يخافون العذاب الشديد الذى سينزل بهم ، يوم يقوم الناس من قبورهم استجابة لأمر رب العالمين، حيث يتلقون جزاءه العادل، وحكمه النافذ .. ووصف - سبحانه - اليوم بالعظم ، باعتبار عظم ما يقع فيه .. من أهوال . وقوله : (( يوم يقوم الناس لرب العالمين، بدل مما قبله ، واللام فى قوله (( لرب)) التعليل. أى: يقومون لأجل ربوبية - تعالى - وتلقى - حكمه الذى لا يستطيعون الفرار منه. وفى هذا الرصف ما فيه من استحضار جلاله وعظمته - سبحانه - . قال القرطبى: وفى هذا الإنكار، والتعجيب، وكلمة الظن، ووصف اليوم بالعظيم، وقيام الناس فيه لله خاضعين ، ووصف ذاته برب العالمين ، بيان بليغ أعظم الذنب ، وتفاقم الإثم فى التطفيف ، وفيما كان مثل حاله حن الحيف وترك القيام بالقسط والعمل بالتسوية والعدل ، فى كل أخف ٤٥٢ - الجزء الثلاثون وإعطاء، بل فى كل قول وعمل .. ))(١). هذا، وقد جاء الأمر بإيفاء الكيل والميزان، والنهى عن تطفيفهما » فى آيات كثيرة، منها قوله - تعالى -: ((وإلى مدين أخاهم شعيبا قال ياقوم. اعبدوا الله مالكم من إله غيره، ولا تنقصوا المكيال والميزان إنى أداكم بخير، وإنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم .... (٢). ومنها قوله - سبحانه -: ((وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا)، (٣) . وقوله - تعالى -: (( وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا تكلفه نفسا إلا وسعها .... (٤). قال بعض العلماء ما ملخصه والتعدى بشأن المطففين بهذا الأسلوب. فى سورة مكية، أمر يلفت النظر، فالسورة المكية عادة توجه اهتمامها إلى أصول العقائد . ومن ثم فالتصدى لهذا الأمر بذاته، يدل أولا على أن الإسلام، كان يواجه فى البيئة المكية، حالة صارخة من هذا التطفيف يزاولها الكبراء .. الذين يملكون إكراه الناس على ما يريدون فهم ((يكتالون على الناس)) لا من الناس .. فكأن لهم سلطانا على الناس. ويدل - ثانيا - على طبيعة هذا الدين ، وشمول منهجه للحياة الواقعية، وشئونها العملية، وإقامتها على الأساس الأخلاقى الأصيل فيه طبيعة هذا المنهج الإلهى القويم ٠٠٠ (٥). (١) تفسير القرطبى = ١٩ ص ٢٥٥. (٢) سورة هود الآية ٨٤٠ ٣٥ (٣) (الإسراء . (٤) (الأنعام: ١٥٢ (٥) راجع تفسير فى ظلال القرآن = ٣ ص ٥٠١ ٤٥٣ سورة المطففين . ثم زجر - سبحانه - هؤلاء الفاسقين عن أمره زجرا شديدا، ـوة وعدم بالعذاب الشديد، فقال - تعالى - : كَلَّ إِنَّ كِتَبَ آلْأَبْرَارِ لَفِ عِلِيِّينَ ﴾ جَمَا أَدْرَتِكَ مَا عِبُونَ (٩) كِتَابٌ مَّرْ قُومٌ (٥) يَشْهَدُ الْمُقَرّبُونَ () إِنَّ الْأَبْرَارَلَفِي نَعِيمِ (﴿ عَلَى ◌ْأَرَابِكِ يَنْظُرُونَ () تَعْرِفُ فِى وُجُوِهِمْ نَصْرَةَ النَّعِيمِ ﴿ يُسْقَوْنَ مِن رَّحِقٍ تَخْتُمٍ (٢َّ خِتَمُهُ ج مِسْكٌ وَفِىِ ذَالِكَ فَلْيَتَنَافَسِ اَلْمُتَنَفِسُونَ () وَمِنَّاجُهُ مِنْ تُسْلِيم ◌َ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ () إِنَّالَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَءَامَنُواْ يَضْحَكُونَ (8) وَ إِذَا مَرُواْ بِهِمْ يَتَغَامَنُونَ (2) وَإِذَا أَنْقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ أَنقَلَبُواْ فَكِهِينَ (﴾ وَ إِذَا رَأَوْهُمْ قَالُواْ إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُونَ (َ وَمَا أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَفِظِينَ ( ٣٣ بَلْيَوْمَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (8) عَلَى الْأَّرَابِكِ يُنْظُرُونَ (٥﴾ هَلْ تُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (بَ) وقوله: « كلا، حرف ردع وزجر، وما بهده كلام مستأنف، وقد تكرر فى الآيات التى معنا ثلاث مرات ، والمراد به هنا : ردعهم بوزجرهم عما كانوا فيه من الشرك، والتطفيف فى الكيل والميزان . ٤٥٤ م .. الجزء الثلاثون والفجار : جمع فاجر، وهو مأخوذ من الفجور ، وهو شق الشىء شقا واسعا، وهمى الفجار بذلك مبالغة فى هتكهم لحرمات الله ، وشقهم. المقر الشريعة، بدون خوف أو وجل. يقال: فجر فلان فجورا فهو فاجر، وهم فجار وفجرة ، إذا تجاوزوا كل حد أمر الله - تعالى -. بالوقوف عنده . والمراد بالكتاب، المكتوب . أى: صحيفة الأعمال. والسجين: اختلفوا فى معناه على أقوال منها: أنه علم أو وصف أواد. فى جهنم، صيغ بزنة فعيل - بكسر الفاء مع تشديد العين المكسورة - ، مأخوذ من السجن بمعنى الحبس . يقال: سجن الحاكم فلافا يسجنه - بضم. الجيم - سجنا ، إذا حبه . قال ابن كثير: قوله: (( كلا إن كتاب الفجار لفى سجين، أى: إن۔ مصيرهم ومأواهم لفى سجين، ـ فعيل من السجن ، وهو الضيق -، كما يقال: فلان فسيق وشريب وخمير وسكير ونحو ذلك، ولهذا عظم. أمره فقال: ((وما أدراك ما سجين))؟ أى: هو أمر عظيم، وسجن مقيم ». وعذاب أليم . ثم قد قال قائلون: هو تحت الأرض السابعة .. وقيل: بشر فى جهنم .. والصحيح أن ((سجينا، مأخوذ من السجن، وهو الضيق، فإن المخلوقات. كل ما تنافل منها ضاق، وكل ما تعالى منها اتسع ... ولما كان مصير. الفجار إلى جهنم ، وهى أسفل سافلين . قال - سبحانه -: «كلا إن كتاب الفجار أفى سجين، وهو يجمع. الضيق والسفول .. ، (١). أى : كلا، ليس الأمر كما يزعم مـؤلاء المشركون من أنه لا بعث ولا جزاء، بل الحق أن البعث أمر واقع ، ماله من دافع ، وإن ما عمله هؤلاء الفجار من كفر ومن تطفيف فى الكيل والميزان. لمكتوب فيه صجائف أعمالهم، ومسجل عليهم فى ديوان الشر الذى يوصلهم إلى قاع جهنم. (١) تفسير ابن كثير -٧ ص ٣٧١ ٤٥٥ = سورة المطففين . وقوله: ((وما أدراك ماسجين)) تهويل وتفظيع لهذا الشىء الضيق الذى. يؤدى إلى القذف بهم فى أعماق جهنم . وقوله: (( كتاب مرقوم، خبر لمبتدأ محذوف يعود إلى « كتاب. الفجار،. والمرقوم: المكتوب كتابة واضحة بينة تشبه الخط الظاهر فى الثوب المنسوج. يقال: رقم فلان الكتاب ، إذا جعل له رقماً، أى : علامة یعرف بها . أى: وهو - أى: كتاب الفجار - كتاب بين الكتابة، يفهم صاحبه. ما فيه فهما واضحا لاخفاء معه ولا التباس . .فقوله: ((كتاب مرقوم)) بيان وتفسير لمكتاب الفجار، وهو ديوان. الشر الجامع لأعمالهم السيئة . ومنهم من جعل قوله - تعالى -: ((كتاب مرقوم، ليس تفسيرا! لكتاب الفجار، وإنما هو تفسير لقوله (( سجين)). قال الشوكانى ما ملخصه : وسجين هو ما فسره به - سبحانه - من. قوله (( وما أدراك ماسجين كتاب مرقوم، فأخبر بهذا أنه كتاب مرقوم، أى : مسطور . ومنهم من جعله بيانا وتفسيرا لكتاب المذكور فى قوله (( إن كتاب الفجار، على تقدير : هو كتاب مرقوم ، أى : قد بينت حروفه . والأولى ما ذكرناه أولا ، ويكون المعنى: إن كتاب الفجار الذين من. جملتهم المطففون .. لفى ذلك الكتاب المدون للقبائح، المختص بالشر، وهو سجين، ثم ذكر مال على تهويله، فقال: ((وما أدراك ماسجين)». ثم بينه بقوله: ((كتاب مرقوم ... )) (١). (١) راجع تفسير فتح القدر جـ٥ ص ٣٩٩ للشوكانى. ٤٥٦ الجزء الثلاثون وعلى أية حال ، فالمقصود بيان المصير الى الذى ينتظر هؤلاء الفجار، حيث سجلت عليهم أعمالهم فى ديوان الشر الذى يجمع أعمالهم القبيحة ، "والتى ستؤدى بهم إلى السجن الدائم، وإلى العذاب المقيم. وقوله - سبحانه - : (ويل يومئذ للمكذبين) وعيد وتهديد لأولئك المنكرين للبعث، والذين من صفاتهم تطفيف الكيل والميزان. أى: هلاك عظيم، وعذاب أليم، وسجن دائم فى قاع جهنم، لأولئك المكذبين، البعث والحساب والجزاء . ثم فصل - سبحانه - هذا التكذيب فقال: (الذين يكذبون بيوم الدين) أى: يكذبون بيوم القيامة وما فيه من ثواب وعقاب. ( وما يكذب به ... ) أى: بيوم الدين (إلا كل معتد أثيم) أى : وما يكذب بهذا اليوم إلا كل إنسان متجاوز الحدود المشروعة، ومبالغ فى 2 ارتكاب الآثام والقبائح. هذا المكذب بيوم القيامة من صفاته - أيضا - أنه ( إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ) . أى : إذا تقرأ على هذا المكذب آياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا وصدق رسولنا .... قال هذه الآبات هى من أساطير الأقوام الأولين وقرهاتهم وقصصهم المخترعة التى لا أصل لها . فأنت ترى أن هؤلاء المكذبين، قد وصفهم الله - تعالى - بثلاث صفات هى : الاعتداء على الحق، والمبالغة فى ارتكاب الآثام ، والجرأة فى الافتراء والكذب، حيث وصفوا القرآن بأنه ليس من عند الله - تعالى -. - ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملتهم على أن يقولوا فى القرآن ما قالوا، فقال : ( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون.). وقوله : (ران) من الرين - بتشديد الراء مع الفتح - وهو الصدأ ٤٥٧ سورة المطففين - الذى يعلو الحديد والمرآة وما يشبههما، يقال : رأن ذنب فلان على قلبه - من باب باع - رينا وريونا، إذا غلب عليه وغطاه، وكل ما غلبك -. فقد ران بك، ومنه قولهم: رأن النساس على فلان، إذا استولى عليه .. أى : كلا ، ليس الأمر كما زعموا من أن القرآن أساطير الأولين ، . بل الحق أن الذى حملهم على قولهم هذا، هو الكفر والعناد والجحود .. الذى استولى على قلوبهم فى الدنيا فغطاها وطمسها، فصارت لاتميز بين الكلام الحق والكلام الباطل ، ولا بين كلام الله - تعالى - وكام - غيره . .. وفى الحديث الشريف الذى أخرجه الترمذى عن أبى هريرة ، أن - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إن العبد إذا أذنب ذنبا كانت فكتة سوداء فى قلبه، فإن قاب منها صقل قلبه، أى : عاد إليه صفاؤه ، - وإن زاد - فى الذنوب - زادت حتى تعلو قلبه - وذلك هو الرأن الذى قال الله فى شأنه: «كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون)، (١). و قوله : « بل ران ، قر أه الجمهور یادغام اللام فى الراء بعد قلبها را. لتقارب مخرجيهما، وقرأه عاصم بالوقف الخفيف على لام ((بل، والابتداء - بكلمة ران بدون إدغام . وقوله: (« كلا إنهم عن ربهم يومئذ المحجوبون)، بيان لسوء مصيرهم : يوم القيامة .. وكلا هنا تأكيد لسابقتها لزيادة الردع والزجر . ويصح أن تكون كلاهنا بمعنى حقا . أى: حقا إن هؤلاء الفجار سيكونون يوم القيامة فى حالة احتجاب وامتناع عن رؤية الله - تعالى - وعن رضاه . (١) تفسير ابن كثير حـ ٧ ص ٣٧٣ (م ٣٠ - جزء عم ) ٤٠٨ الجزء الثلاثون قال الألوسى: (( كلا)) ردع وزجر عن الكسب الرائن، أو بمعنى. حقا(( إنهم)، أى: هؤلاء المکذبین «عن ربهم يومئذ محجوبون» لا يرونه۔ - سبحانه - ، وهو - عز وجل - حاضر ناظر لهم، بخلاف المؤمنين، فالحجاب : مجازاً عن عدم الرؤية ، لأن المحجوب لا يرى ما حجب،. أو الحجب المنع، والكلام على حذف مضاف . أى : عن رؤية ربهم. لممنوعون فلا يرونه - سبحانه - . واحتج مالك - رحمه - بهذه الآية، على رؤية المؤمنين له - تعالى - ،. من جهة دليل الخطاب ، وإلا فلو حجب الكل لما أغنى هذا التخصيص. وقال الشافعى - رحمه الله -: لما حجب - سبحانه - قوما بالسخط دل على أن قوما يرونه بالرضا .. )) (١). وقوله - سبحانه -: «ثم إنهم لصالوا الجحيم. ثم يقال هذا الذى. كنتم به تكذبون ، بيان للون آخر من سوء مصيرهم. أى: أن هؤلاء المكذبين سيكونون يوم القيامة محجوبين عن رؤية - الله - تعالى - لسخطه عليهم ، ومنوعين من رحمته، ثم أنهم بعد ذلك. لداخلون فى أشد طبقات النار حرا ... ثم يقال لهم بواسطة أخزنة - جهنم على سبيل التقريع والتأنيب ، هذا هو العذاب الذی کنتم به تكذبون. فى الدنيا ، وتقولون لمن يحذركم منه: (متى هذا الوعد إن كنتم صادقين) ... فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد اشتملت على أشد ألوان الإهانة .. لأنها أخبرت أن هؤلاء المكذبين : محجوبين عن ربهم ، وأنهم مقاسون .. حر جهنم، وأنهم لا يقابلون من خزفتها إلا بالتيئيس من الخروج منها ،. وبالتأنيب والتقريع. (١) تفسير الآلوسى = ٣٠ ص ٧٢ ٤٥٩ سورة المطففين وكمادة القرآن الكريم فى قرن الترهيب بالترغيب ، والعكس ، ضاقت السورة الكريمة بعد ذلك، ما أعده - سبحانه - الأبرار من خير وفير، ومن نعيم مقيم، فقال - تعالى -: كلا إن كتاب الابرارافى عليين .. وقوله : «كلا، هنا، تكرير الردع والزجر السابق فى قوله - تعالى - قبل ذلك: ( إن كتاب الفجار لفى سجين)، لبيان ما يقابل ذلك من أن كتاب الأبرار فى عليين . ولفظ ((عليين)) جمع على - بكسر العين وتشديد اللام المكسورة - من العلو . ويرى بعضهم أن هذا اللفظ مفرد، وأنه اسم للديوان الذى تكتب فيه أعمال الأبرار . قال صاحب الكشاف: وكتاب الأبرار : ما كتب من أعمالهم . وعليون: على لديوان الخير ، الذى دون فيه كل ما عملته الملائكة وصلحا. الثقلين. منقول من جمع ((على ) بزفة فعيل - بكسر الفاء والعين المشددة - من العلو ، كسجين من السجن . سمى بذلك إما لأنه سبب الارتفاع إلى أعالى الدرجات فى الجنة، وإما لأنه مرفوع فى السماء السابعة .. تكريما له وتعظيما ... )، (١) . أى: حقا إن ما كتبته الملائكة من أعمال صالحة للأتقياء الأبرار ، المثبت فى ديوان الخير، الكائن فى أعلى مكان وأشرفه . . وقوله - سبحانه - : ((وما أدراك ما عليون، تفخيم لشأن هذا الدیوان ، وتنويه عظيم بشرفه . وقوله: (( كتاب مرقوم، تفسير لما كتب لهؤلاء الأبرار من خير وبركة. أى : كتاب الأبرار كتاب واضح بين ، يقرؤه أصحابه بسهولة ويسر ، فتنشرح صدورهم، وتقر عيونهم . . (١) تفسير الكشاف = ٤ ص ٠٧٢٢ ٤٦٠ الجزء الثلاثون وقوله - تعالى - ((يشهده المقربون)) صفة أخرى جىء بها على سبيل المدح لهذا المكتوب من الأعمال الصالحة لهؤلاء الأخيار . أى: كتاب الأبرار، وصحاتف أعمالهم ، فى أسمى مكان وأعلاه، وهو كتاب واضح بين ، يقرءونه فيظهر البشر والسرور على وجوههم، وهو فوق ذلك « يشهده المقربون، أى: يطلع عليه الملائكة المقربون من الله - تعالى - ، ليكون هذا الاطلاع شهادة لهؤلاء الأبرار، بأنهم محل رضا الله - تعالى - وتكريمه وثوابه .. ثم بين - سبحانه - حالهم فى الجنة ، بعد بيان ما اشتمل عليه كتابهم من خير وبر فقال - تعالى - : (( إن الأبرار لفى نعيم، أى: لفى نعيم دائم، لا يحول ولا يزول .. («على الأرائك ينظرون، والأرائك: جمع أريكة - بزنة سفينة - وهى أسم للسرير الذى يكون مفروشا فرشا أنيقا جميلا . . أى : هم فى نعم دائم لا يقادر قدره ، وهم - أيضا - يجلسون على السرر المهيئة لجلوسهم تهيئة حسنة ، وينظرون إلى كل ما يدخل البهجة [والسرور على نفوسهم . وحذف مفعول ((ينظرون، لقصد التعميم، أى: ينظرون إلى كل ما يبهج نفوسهم .. ((تعرف فى وجوههم فضرة النعيم، أى : تعرف فى وجوههم - أيها الناظر إليهم - البهجة والحسن، وصلاح البال، وهناءة العيش .. وإضافة النضرة - وهى الجمال الواضح - إلى النعيم - الذى هو بمعنى التنعم والترفه - من إضافة المسبب إلى السبب. وهذه الجملة الكريمة صفة ثالثه من صفات هؤلاء الأبرار ثم تأتى الصفة الرابعة المتمثلة فى قوله - تعالى -: ((يسقون من رحيق مختوم ... )).