النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
سورة عبس
وقوله: ((فى صحف مكرمة، خبر ثان لقوله ((إنها تذكرة)، وما بينهما:
اعتراض . .
أى : إن آيات القرآن تذكرة ، مثبتة أو كائمة فى صحف عظيمة
((مكرمة، عند الله - تعالى - لأنها تحمل آياته .
هذه الصحف - أيضاً - ((مرفوعة)، أى: ذات منزلة رفيعة.
, مطهرة، أى: منزهة عن أن يمسها ما يدفها.
وهى كائنة ((بأيدى سفرة، وهم الملائكة الذين جعلهم الله - تعالى-
سفراء بينه وبين رسله : جمع سافر بمعنى سفير، أى: رسولا وواسطة
أوهم الملائكة الذين ينسخون ويكتبون هذه الآيات بأمره - تعالى -
جمع سافر بمعنى كاتب، يقال: سفّر فلان يَسفره، إذا كتبه.
(كرام بررة، أى: هذه الآيات بأيدى سفرة من صفاتهم أنهم مكرمون
ومعظمون عنده - تعالى -، وأنهم أتقياء مطيعون لله - تعالى - كل
الطاعة . جمع بر، وهو من كان كتير الطاعة والخشوع لله - عز وجل -.
هذا والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة يراها قد اشتملت على كثير من
الآداب والأحكام ومن ذلك: أن شريعة الله - تعالى - تجعل التفاضل
بين الناس ، أساسه الإيمان والتقوى ، فمع أن عبد الله بن أم مكتوم ، كان
قد قاطع الرسول - صلى الله عليه وسلم - خلال حديثه مع بعض زعماء
قريش ... ومع أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يتشاغل عنه
إلا لحرصه على جذب هؤلاء الزعماء إلى الإسلام ..
مع كل ذلك ، وجدنا الآيات الكريمة، تعاقب التى - صلى الله عليه
وسلم - عتاباً قارة فيه رقة . وتارة فيه شدة .
وذلك لأن الميزان الذى أنزله الله - تعالى - للناس مع الرسل ، لكى.
بينوا عليه حياتهم، هو: ((إن أكرمكم عند الله أتقاكم)).

٤٠٢٠
الجزء الثلاثون
ولقد استجاب الرسول الكريم لهذا التوجيه الحكيم ، فبنى حياته
كلها بعد ذلك على هذا الميزان العادل ، ومن مظاهر ذلك : إكرامه
لابن أم مكتوم، وقوله له كما رآء: ((أهلا بمن عاتبنى فيه ربى)).
وفعل - صلى الله عليه وسلم -مايشبه ذلك، مع جميع المؤمنين الصادقين
الذين كانوا من فقراء المسلمين ، ولم يكونوا أصحاب جاه أو نفوذ
أو عشيرة قوية .
لقد جعل زيد بن حارثة - وهو الغريب عن مكة والمدينة - أميرا على
الجيش الإسلامى فى غزوة مؤتة ، وكان فى هذا الجيش عدد كبير من
كبار الصحابه .
وقال - صلى الله عليه وسلم - فى شأن سلمان الفارسى: ((سلمان منا
أهل البيت » .
وقال - صلى الله عليه وسلم - فى شأن عمار بن ياسر، عند ما استأذن
عليه فى الدخول: ((أئذفوا له. مرحباً بالطيب المطيب).
وكان من مظاهر تكريمه لعبد الله بن مسعود، أن جعله كأنه واحد
من أهل بيته .
فعن أبى موسى الأشعرى قال : قدمت أنا وأخى من المن، فمكثنا
حيناً وما نرى ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت رسول الله - صلى الله
عليه وسلم -، من كثرة دخولجم على رسول الله، ولزومهم له .
وقال - صلى الله عليه وسلم - لأبى بكر الصديق - عند ما حدث كلام
بينه وبين سلمان وصهيب وبلال فى شأن أبى سفيان -: يا أبا بكر لملك
أفضبتهم ، لئن كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك .
فقد أخرج الإمام مسلم فى صحيحه ... أن أبا سفيان أتى على سلمان

٤٠٣
سورة عبس
وصهيب وبلال فى نفر ، فقالوا : ما أخذت سيوف الله من عدو الله
مأخذها . فقال أبو بكر: أتقولون هذا الشيخ قريش وسيدهم؟
فأتى النبي - صَّةٌ - فأخبره، فقال: « يا أبا بكر لعلك أغضبتهم؟
التن كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك، فأتاهم فقال: يا إخوتاء أ أغضبتكم؟
قالوا: لا. ويغفر الله يا أخى)) (١).
ولقد سار خلفاؤه - صَدّ - على هذه السنة، فكانوا بكرمون
الفقراء، فأبو بكر - رضى الله عنه - أذن لصهيب وبلال فى الدخول
عليه ، قبل أن يأذن لأبى سفيان ، وسهيل بن عمرو . .
وعمر - رضى الله عنه - يقول فى شأن أبى بكر: ((هو سيدنا وأعتق
سيدنا «يعنى: بلال بن رباح قال صاحب الكشاف عند تفسيره، لهذه
. الآيات: ولقد تأدب الناس بأدب الله فى هذا تأدبا حسنا، فقد روى عن
سفيان الثورى - رحمه الله -، أن الفقراء كانوا فى مجلسه أمراء» (٢).
ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك ، إلى الحديث عن جانب من
نعم الله - تعالى - على خلقه، وموقفهم من هذه النعم ، فقال - تعالى -:
-
(١) رياض الصالحين ص ١٤٢. باب: ملاطفة اليتيم والبنات
وسائر الضعفة ..
(٢) تفسير الكثاف ــ ٤ ص ٠٧٠١

٤٠٤
الجزء الثلاثون
، قُتِلَ الْإِنسَنُ
◌ُّآ أَكْفَرَهُ مِنْ أَّ شَىْءٍ خَلَفَهُو ◌َ مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ.
فَقَدَّرَ هُ نَّه ◌ُمَ السَِّيَلَ يَسَّرَهُ (٥ج ◌ُمْ أَمَهُ ، فَأَقْبَرَهُ الَ ثُمَ إِذَا شَآءُ
أَنْشَرَفْ يُ كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ ﴾ فَلْيَنْظُرِآلْإِنسَانُ إِلَه
طَعَامِهِ (٢) أَنَّا صَبَيْنَا الْمَآءَ صَبَّا رَيْهِ ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَُّ
شَفَّارٌ فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبَّا ﴾ وَعِنَبًا وَقَضْبًا
وزيتونا!
٢٨
مَّتَعَالَّكُمْا:
٣١
يَخْلا ◌َّ وَحَدَآَ بِقَ غُلْبًا (﴾ وَفَكِهَةً وَأَبًّا
وَلِأَنْعَمِكُمْ ( ٣) فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ بَ يَوْمَ يَفِرُ الْمَرْءُ مِنْ
أَخِيهِ ◌ّ وَأَمِّهِ، وَأَبِهِ (چ وَصَلِحِبَتِهِ، وَبَنِيهِ ◌ّ لِكُلِ آَمْرِيٍ
مِنْهُمْ يَوْمِذٍ شَأَنٌ يُغْنِبِهِ ﴾ وُجُوهُ يَوْمَذٍ مُسْفِرَةٌ.
وَوَجُوهُ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ
ضَّاحِكَةُ مُسْتَبْشِرَةً
٤٣
تُرْهَقُّهَا قُتَرَةٌ بْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ
قال الإمام الرازى: أعلم أنه - تعالى - لما بدأ بذكر القصة المشتملة.
على ترفع صناديد قريش على فقراء المسلمين ، عجب عباد المؤمنين من ذلك.
فكأنه قيل : وأى سبب فى هذا العجب والترفع؟ مع أن أوله نطفة قذرة،
وآخره جيفة مذرة، وفيما بين الوقتين حمال عذره. فلا عجب ذكر الله
- تعالى - ما يصلح أن يكون علاجا لعجبهم ، وما يصلح أن يكون علاجه
مسكفرهم، فإن خلقة الإنسان يستدل بها على وجود الصانع، وعلى القول

٤٠٥
سورة عبس
- بالبعث والحشر والنشر)،(١).
والمراد بالإنسان هنا : الإنسان الكافر الجاحد لنعم ربه . ومعنى
((قتل»: لعن وطرد من رحمة الله - تعالى -، ويصح أن يكون المراد به
الجنس ، ويدخل فيه الكافر دخولا أوليا .
أى: لعن وطرد من رحمة الله - تعالى - ذلك الإنسان الذى ما أشد
كفره وجحوده لنعم الله - تعالى -.
والدعاء عليه باللعن من الله - تعالى -، المقصود به: التهديد والتحقير
من شأن هذا الإنسان الجاحد، إذ من المعلوم أن الله - سبحانه - هو الذى
يتوجه إليه الناس بالدعاء، وليس هو - سبحانه - الذى يدعو على غيره،
إذ الدعاء فى العادة إنما يكون من العاجز، وجل شأن الله - تعالى - عن العجز.
وجملة «ما أكفره، تعليل لاستحقاق هذا الإنسان الجاحد
طاتحقير والتهديد .
وهذه الآية الكريمة المتأمل فيها يراها - مع بلوغها نهاية الإيجاز -
نقد بلغت - أيضاً - نهاية الإعجاز فى أسلوبها، حيث جمعت أشد ألوان الذم
.والتحقير بأبلغ أسلوب وأوجزه.
وإذا قال صاحب الكشاف: ((قتل الإنسان، دعاء عليه، وهى من
أشنع دعواتهم ، لأن القتل قصارى شدائد الدنيا وفظائعها , ما أكفره))
تعجيب من إفرطه فى كفران نعمة الله، ولا ترى أسلوبا أغلظ منه،
مولا أخشن متنا ، ولا أدل على سخط ، ولا أبعد فى المذمة ، مع تقارب
طرفيه، ولا أجمع الأيمة، على قصر متنه .. )، (٢).
ثم فصل - سبحانه - جانبا من نعمه، التى تستحق من هذا الإنسان
الشكر لا الكفر فقال: « من أى شىء خلقه، أى: من أى شىء خلق الله
- تعالى - هذا الإنسان الكافر الجحود، حتى يتكبر ويتعظم عن طاعته،
(١) تفسير الفخر الرازى حـ ٨ ص ٣٣٤.
(٢) تفسير الكشاف = ٤ ص ٧٠٣.

٤٠٦
الجزء الثلاثون
وعن الإقرار بتوحيده، وعن الاعتراف بأن هناك بعثاو حسابا وجزاء .. ؟
ثم وضح - سبحانه - كيفية خلق الإنسان فقال: ((من نطفة خلقه
فقدره ، أى : خلق الله - تعالی ۔ الإنسان من نطفة ، - أی: من ماء قليل
يخرج من الرجل إلى رحم المرأة - ((فقدره)) أى: فأوجد الله - تعالى-
الإنسان بعد ذلك إيجادا متقنا محكما، حيث صير بقدرته النطفة علقة.
فمضغة .. ثم أنشأه خلقا آخر (( فتبارك الله أحسن الخالقين)).
, ثم السبيل يسره، أى: ثم بعد أن خلقه فى أحسن تقويم ، ومنحه
العقل الذى يتمكن معه من التفكير السليم .. يسر - سبحانه - له طريق
النظر القويم، الذى يميز به بين الحق والباطل ، والخير والشر، والهدى
والضلال .
٠
قال ابن كثير: قوله: ( ثم السبيل يسره)) قال العوفى عن ابن عباس:
ثم يسر عليه خروجه من بطن أمه. وهكذا قال عكرمة ... واختاره
ابن جرير .
وقال مجاهد: هذه الآية كقوله: (( إنا هديناه السبيل: إما شاكرا
وإما كفورا، أى: بيناه له ووضحناه، وسهلنا عليه علمه ... وهذا.
هو الأرجح)) (١).
وجاء العطف , ثم، هنا، للإشعار بالتراخى الرقبى، لأن بنسير
معرفة طريق الخير والشر، أعجب وأدل على قدرة الله - تعالى - وبديع.
صنعه من أى شىء آخر .
ولفظ ((السبيل، معصوب على الاشتغال بفعل مقدر، أى: ثم
يسر السبيل يسره، فالضمير فى يسره يعود إلى السبيل. أى: سهله
- سبحانه - الطريق الإنسان .
(١) تفسير ابن كثير ــ ٧ ص ٢٤٥.

٤٠٧
سورة عبس
« ثم أماته فأخبرها، أى: ثم أمات - سبحانه - هذا الإنسان، بأن.
سلبه الحياة ، ((فأخبره)).
أى: فجعله ذا قبر يوارى فيه جسده تكريماً له، ولم يتركه مطروحاً
على وجه الأرض ، بحيث يستقذره الناس ، ويكون عرضة لاعتداء
للطيور والحيوانات .
يقال: قبر فلان الميت يقبره - بكر الباء وضمها -، إذا دفنه بيده،
فهو قابر . ويقال: أقبره، إذا أمر بدفنه، أومكن غيره من دفنه.
وفى الآية الكريمة إشارة إلى أن مواراة الأجساد فى القبور من مـ من
الإسلام، أما تركها بدون دفن، أو حرقها ... فيتنافى مع تكريم هذه.
الأجساد . .
, ثم إذا شاء أنشره، أى: ثم بعد أن خلق الله هذا الخلق البديع ،
وهداء النجدين ، وأمر بستر جسده فى القبر بعد موته .. بعد كل ذلك إذا
شاء أحياه بعد الموت، للحساب والجزاء. يقال: أنشر الله - تعالى -
الموتى ونشرهم، إذا بعثهم من قبورهم .
وقال - سبحانه - ((إذا شاء، للإشعار بأن هذا البعث إنما هو
بإرادته ومشيئته، وفى الوقت الذى يختاره ويريده، مهما تعجله المتعجلون.
ثم زجر - سبحانه - هذا الإنسان زجرا شديدا لتقصيره فى أداء
حق خالقه، فقال - تعالى - :
(((كلا لما يقض ما أمره، أى: كلا إن الإنسان الجاحد المغرور ....
- لم يقض ولم يزد ما أمره الله - تعالى - به من تكاليف ومن شكر لخالقه ،
ومن تأمل فى آياته، ومن طاعة لرسله ... بل استمر فى طغيانه وعناده.
فالمقصود بهذه الآية الكريمة : ردع هذا الإنسان الجاحد وزجره »
وبيان أن هذا الردع سببه إهماله لحقوق خالقه ، وعدم اهتمامه بأدائها .

٤٠٨
الجزء الثلاثون
ثم ساقت الآيات بعد ذلك ألواناً من نعمه - تعالى - على خلقه فقال:
« فلينظر الإنسان إلى طعامه ... )، والفاء هنا للتفريع على ما تقدم، مع
إفادتها معنى الفصيحة .
أى: إذا أراد أن يقضى ويؤدى ما أمره الله - تعالى - من تكاليف،
فلينظر هذا الإنسان إلى طعامه، وكيف أوجده - سبحانه - له، ورزقه
إياه، ومكنه منه .. فإن فى هذا النظر والتدبر والتفكر، ما يعينه على طاعة
خالقه، وإخلاص العبادة له .
ثم بين - سبحانه - مظاهر عينة هذا الطعام الإنسان ... فقال: « أنا
صيبنا الماء صباء.
قال الجمل: قرأ الكوفيون (( أنا)) بالفتح. على البدل من طعامه،
فيكون فى محل جر بدل اشتمال ، بمعنى أن صب الماء سبب فى إخراج
الطعام فهو مشتمل عليه.
وقرأ غيرهم بكسر الهمزة على الاستئناف المبين لكيفية إحداث
الطعام .. )، (١) .
والصب : إنزال الماء بقوة وكثرة . أى: إنا أنزلنا المطر من السماء
إنزالا مصحوباً بالقوة والكثرة، لحاجتكم الشديدة إليه فى حياتكم.
( ثم شققنا الأرض شقا، أى: ثم شققنا الأرض بالنبات شقاً بديعاً
حكما، بحيث تخرج النباتات من باطنها خروجاً يبهج النفوس ، وتقر
به العيون .
(( فأنبتنا فيها حباً، أى: فأنبتنا فى الأرض حباً كثيراً، تقتاتون منه،
. وتدخرونه لحين حاجتكم إليه، والحب: يشمل الحقطة والشعير والذرة.
(١) حاشية الجمل على الجلالين حـ ٤ ص ٤٩٠

٤٠٩
سورة عبس
((وعنباً وقضبا. وزيتونا ونخلا. وحدائق غلبا. وفاكهة وأبا .. ))
أو: وأنبتنا فى الأرض - أيضاً - بقدرتنا ورحمهنا ((عنباً)، وهو ثمر
"الكرم المعروف بلذة طعمه.
((وقضبا)) وهو كل ما يؤكل من النبات رطباً، كالقثاء والخيار ونحوهما
وقيل: هو العلف الرطب الذى تأكله الدواب، وسمى قضباً، لأنه يقضب
- أى يقطع - بعد ظهوره مرة بعد أخرى .
وأنبتنا فيها كذلك ((زيتوناً ونخلا)، وهما شجر تان معروفتان بمنافعم)
الجمة ، وبثمارهما المفيدة .
((وحدائق غلبا، والحدائق جمع حديقة وهى البستان الملىء بالزروع
. والثمار ..
و(«غلبا)) جمع غلباء. أى: وأنبتنا فى الأرض حدائق عظيمة، ذات
أشجار ضخمة ، قد التف بعضها على بعض لكثرتها وقوتها. فقوله («غلبا،
- بمعنى عظاماً، وأصلها من ((الغلب)) - بفتحتين -، بمعنى الغلظ، يقال:
- شجرة غلباء، وهضبة غلياء، أى: عظيمة مرتفعة. ويقال: حديقة غلباء،
- إذا كانت عظيمة الشجر. ويقال: رجل أغلب ، إذا كان غليظ الرقبة.
وأنبتنا فيها - أيضاً - بقدرتنا وفضلنا (( فاكهة وأبا)). والفاكهة:
اسم للثمار التى يتناولها الإنسان على سبيل التفكه والتلذذ، مثل الرطب
· والعنب والتفاح .
و(«الأب، اسم الكلا الذى ترعاه الأنعام، مأخوذ من أب فلان
الشىء، إذا قصده واتجه نحوه، لحاجته إليه ... والكلا" والمشب يتجه
إليه الانسان بدوابه الرعى .
قال صاحب الكشاف : والآب : المرعى ، لأنه يؤب، أى: يؤم
• وعن أبى بكر الصديق - رضى الله عنه - أنه سئل
دوينتجع .
(م ٢٧ - جز. عم )

٤١٠
الجزء الثلاثون
عن الأب فقال: أى سماء تظلفى، وأى أرض تقلنى، إذا قلت فى كتاب الله.
مالا علم لى به .
وعن عمر - رضى الله عنه - أنه قرأ هذه الآية فقال: کل هذا قد.
عرفنا فما الأب؟ ثم رفع عماكانت فى يده وقال: هذا لعمر الله التكاف،
وما عليك يابن أم عمر أن لا تدرى ما الآب ؟ ثم قال : اتبعوا ماتبين.
لكم من هذا الكتاب ، ومالا فدعوه .
فإن قلت: فهذا يشبه النهى عن تتبع معانى القرآن والبحث عن مشكلاته؟"
قلت : لم يذهب إلى ذلك، ولكن القوم كانت أكبر همتهم عاكفة على
العمل، وكان التشاغل بتى. من العلم لا يعمل به تمكافاً عندهم، فأراد أن
الآية مسوقة فى الامتنان على الإنسان بمطعمه، واستدعاء شكره، وقد
علم من فحوى الآية، أن الأب بعض ما أنبته اللّه الإنسان متاعا له أو لأنعامه
فعليك بما هو أهم، من النهوض باد-كر لله - تعالى - على ما تبين الك ولم
يشكل، ما عدد من نعمه، ولا تتشاغل عنه بطلب معنى الأب، ومعرفة
النبات الخاص الذى هو اسم له، واكتف بالمعرفة الجميلة ، إلى أن يقبين.
لك فى غير هذا الوقت .. » (١).
وقال بعض العلماء : والذى يتبين لى فى انتفاء على الصديق والفاروق ..
بمدلول لفظ الأب ، وهما من خاص العرب لأحد سببين:
إما لأن هذا اللفظ كان قد تنوسى من استعمالهم، فأحياء القرآن
ارعاية الفاصلة، فإن الكامة قد تشتهر فى بعض القبائل أوفى بعض الأزمان
وقنسى فى بعضها ، مثل اسم السكين عند الأوس والخزرج . فقد قال.
أنس بن مالك: ((ماكنا نقول إلا المدية، حتى سمعت قول الرسول-38%.
يذكر أن سليمان قال «انتونى بالسكين أقسم الطفل بينهما نصفين)).
(١) تفسير الكشاف = ٤ ص ٧٠٥

٤١١
سورة عبس
وإما لأن كلمة الأب تطلق على أشياء كثيرة ، منها الفبت الذى ترعاه
الأنعام، ومنها التبن، ومنها يابس الفاكهة، فكان إمساك أبى بكر وعمر
عن بيان معناه، لعدم الجزم بما أراد الله منه على التعبين ، وهل الأب ما
يرجع إلى قوله ((متاعاً لكم، أو إلى قوله ((ولأنعامكم)) (١).
ثم ختم - سبحانه - هذه النعم بقوله: «متاعاً لكم ولأنعامكم.
أى: أنبت لكم تلك الزروع والثمار ... لتكون موضع انتفاع لكم
ولأنعامكم إلى حين من الزمان .
إذ المتاع: هو ما ينتفع به الإنسان إلى حين ثم ينتهى ويزول، ولفظ
((متاعاً، منصوب بفعل محذوف. أى: فعل ذلك متاعاً لكم ، أو متعكم
بذلك تمتيعاً لكم ولأنعامكم.
أو قوله (( متاعاً لكم)) حال من الألفاظ السابقة: العنب والقضب
والزيتون والنخل .
أى : حالة كون هذه المذكورات موضع انتفاع لكم ولأنعامكم.
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالحديث عن أحوال الناس فى
يوم القيامة، فقال - تعالى -: ((فإذا جاءت الصاخة ...
والفاء فى قوله - سبحانه - ((فإذا جاءت الصاخة، للدلالة على ترتيب
ما بعدها على ما قبلها من فنون النعم. وجواب ((إذا)، محذوف يدل عليه
قوله - تعالى - بعد ذلك ((لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه)). ويصح
أن يكون جوابه قوله: ((وجوه يومئذ مسفرة)).
(١) تفسير التحرير والتنوير للشيخ ابن عاشور حـ ٣٠ ص ١٣٣

٤١٢
الجزء الثلاثون
والصاخة : الصيحة الشديدة التى تصخ الآذان أى تزازلها لشدة صوتها
وأصل الصخ: الصك الشديد . والمراد بها هنا: النفخة الثانية التى بعدها
يبعث الناس من قبورهم .
أى : فإذا جاءت الصيحة العظيمة التى بعدها يخرج الناس من قبورهم
للحساب والجزاء، كان ما كان من سعادة أقوام، ومن شقاء آخرين .
وقوله - سبحانه -: (( يوم يفر المرء من أخيه . وأمه وأبيه .. ، بدل
بما قبله وهو قوله: ((فإذا جاءت الصاخة)). والفرار: الهروب من أجل
التخلص من شيء مخيف .
والمعنى : يوم يقوم الناس من قبورهم للحساب والجزاء، يكونون فى
کرب عظيم ، يجعل الواحد منهم ، يهرب من أخيه الذى هو من ألصق
الناس به، ويهرب كذلك من أمه وأبيه ، ومن صاحبته - وهى زوجهـ
وبنيه الذين هم فرع عنه .
والمراد بقراره منهم: عدم اشتغاله بشىء يتعلق بهم ، وعدم التفكير
فيهم أو فى الالتقاء بهم، لاشتغاله بحال نفسه اشتغالا ينسيه كل شىء سوى
التفكير فى مصيره ... وذلك لشدة الهول، وعظم الخطب.
وخص - سبحانه - هؤلاء النفر بالذكر، لأنهم أخص القرابات ،
.وأولاهم بالحنو والرأفة ، فالفرار منهم لا يكون إلا فى أشد حالات
الخوف والفزع .
قال صاحب الكشاف: ((يفر، منهم لاشتغاله بما هو مدفوع إليه،
ولعلمه بأنهم لا يغنون عنه شيئا، وبد أبالأح ثم بالأبوين لأنهما أقرب.
منه، ثم بالصاحبة والبنين . لأنهم أقرب وأحب ، كأنه قال: يفرمن.
أخيه. بل من أبويه، بل من صاحبته وبنيه .. )) (١).
(١) تفسير الكشاف خـ ٤ ص ٧٤٥

٤١٣
سورة عبس
وجملة: ((لكل أمرى، منهم يومئذ شأن يغنيه)، مستأنفة. واردة
لبيان سبب الفرار. وللمبالغة فى تهويل شأن هذا اليوم .
أى : لكل واحد منهم فى هذا اليوم العظيم، شأن وأمر يغنيه ويكفيه
عن الاشتغال بأى أمر آخر سواه. يقال: فلان أغنى فلانأ عن كذا،
إذا جعله فى غنية عنه .
وقد ساق ابن كثير - رحمه الله - عند تفسيره لهذه الآية عددا من
الأحاديث، منها مارواه النسائي عن ابن عباس قال : قال رسول الله
- عَله -: «تحشرون حفاة عراة غرلا - بضم فسكون - جمع
أغرل، وهو الأقلف غير المختون - قال ابن عباس : فقالت زوجته:
يارسول الله، أو يرى بعضنا عورة بعض؟ قال: «لكل امرىء منهم
يومئذ شأن يغنيه)). أو قال: (( ما أشغله عن النظر)) (١).
ثم بين - سبحانه - أقسام الناس فى هذا اليوم فقال: «وجوه
يومئذ مسفرة. ضاحكة مستبشرة ، أى : وجوه كثيرة فى هذا اليوم
تكون مضيئة مشرقة ، يعلوها السرور .
والاستبشار والانشراح، لما تراه من حسن استقبال الملائكة لهم.
وقوله: ((وجوه، مبتدأ وإن كان نكرة، إلا أنه صح الابتداء به
لكونه فى حيز التنويع ((وهسفرة)، خبره، وقوله (( يومئذ، متعلق به ،
والإسفار: النور والضياء .
والمراد أن هذه الوجوه متهللة فرحا، وعليها أثر النعيم .
أما القسم المقابل لهذا القسم، فقد عبر عنه - سبحانه - بقوله :
((ووجوه يومئذ عليها غبرة)، أى: عليها غبار، من شدة الهم والكرب
والغم الذى يعلوها . .
(١) راجع تفسير ابن كثير حـ٧ ص ٣٤٩.

٤١٤
الجزء الثلاثون
«ترهقها فترة)، أى: تغشاها وتعلوها ظلمة وسواد ، وذلة وهو ان،
من شدة ما أصابها من خزى وخسرأن . يقال : فلان رهقه الكرب،
إذا اعتراه وغشيه .
, أولئك، يعنى أصحاب تلك الوجوه التى يعلوها الغبار والسواد
((هم الكفرة الفجرة، أى: الجامعون بين الكفر الذى هو فساد الاعتقاد،
وبين الفجور الذى هو فساد القول والفعل .
نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعا من أصحاب الوجوه المسفرة،
الضاحكة المستبشرة .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟
القاهرة - مدينة نصر
مساء السبت ١٦ من المحرم سنة ١٤٠٧
٢٠ من سبتمبر سنة ١٩٨٦

تَفِيْسُورَة
التكوير

بسه الرحمن الرحيم.
سورة ((التكوير»
١ - سورة ((التكوير))، وتسمى - أيضاً - بسورة: إذا الشمس).
كورت . وهى من السور المكية بلاخلاف ، وعدد آياتها : تسع
وعشرون آية .
وتعتبر من أوائل السور القرآنية نزولا، فهى السورة السادسة أو السابعة.
فى ترتيب النزول ، فقد كان نزولها بعد سورة الفاتحة ، وقبل سورة.
« الأعلى ،.
أخرج الإمام أحمد والترمذى عن ابن عمر قال : قال رسول الله.
- بِّه -: من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأىُ العين، فليقرأ.
إذا الشمس كورت، وإذا السماء انفطرت، وإذا السماء انشقت)).
٢ - والمتأمل فى هذه السورة الكريمة، يراها فى نصفها الأول).
تسوق أمارات يوم القيامة وعلاماته ، بأسلوب مؤثر يبعث فى القلوب.
الخوف والوجل .
ويرأها فى نصفها الثانى تؤكد أن هذا القرآن الكريم من عند الله
- تعالى - ، وليس من كلام البشر، وأن جبريل الأمين قد نزل به على
قلب النبى - زر -.

٤١٧
سورة التكوير
قال الله - تعالى -:
إِذَا الشَّمُسُ كُوْرَتْ (﴾ وَ إِذَا النُّجُومُ أَنْكَمَرَتْ ﴾ وَإِذَا
◌ِجِبَالُ سُبِرَتْ (﴾ وَ إِذَا الْعِشَارُ عُطِلَتْ (﴾ وَإِذَا الْوُحُوشُ
حُشِرَتْ (®ّ وَ إِذَا الْبِحَارُ مُِرَتْ ﴾ وَ إِذَا النّفُوسُ زُوِجَتْ لَه
وَ إِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (ي بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (﴾ وَإِذَا الصُّحُفُ:
نُشِرَتْ (٢) وَ إِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (٨) وَ إِذَا الْجَحِيمُ سُعِرَتْ (َ﴾
وَإِذَا الْجَنَّةُ أَزْلِفَتْ (8) عَلَتْ نَفْسُ مَّا أَحْضَرَتْ (@) فَلَا أُقْسْ
بِالْخُنَّسِ ◌َّ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ ﴾ وَالَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ◌َّ)
وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّس (٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ حَرِ ® ذِى قُوَّةٍ
عِنْدَذِى الْعَرْشِ مَكِينٍ (ج مُطَاعِ ◌َمَّأَمِينٍ (٣) وَمَا صَاحِبُ
◌ِمَجْنُونٍ ﴾ وَلَقَدْرَاهُ بِالْأَّفُتِ الْمُبِينِ ﴾ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِء.
◌ِضَنِنٍ ﴿ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَنِ رَّجٍِ (٢َّ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (
ـه
٢٦
(إِنْ هُوَ إِلَّ ذِكٌ لِلْعَلَمِينَ ﴾ لِمَنْ شَآءٌ مِنْكُرُ أَنْ يَسْتَقِيمَ
وَمَا تُشَآءُ ونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَيْنَ
٢٩
ـت
٢٨
تكرر لفظ ((إذا، فى هذه الآيات اثنثى عشرة مرة، وجواب الشرط
قوله: ((علمت نفس ما قدمت وأخرت)). وهذا التكرار بلفظ إذا من

٤١٨
الجزء الثلاثون
مقاصده التشويق للجواب، لأن السامع عندما يجد هذا الظرف وقد تكرر
يكون فى ترقب وشوق لمعرفة الجواب .
وعندما يسمعه يتمكن من نفسه كل التمكن .
ولفظ «الشمس» مرفوع على أنه فاعل بفعل محذوف يفسرهما بعده،
أى: إذا كورت الشمس كورت. وأصل التكوير: لف الشىء على جهة
الاستدارة، تقول: كورت العمامة، إذا لففتها ..
قال صاحب الكشافة فى التكوير وجهان : أحدهما أن يكون من
كورت العمامة إذا لففتها . أى: يلف ضوء الشمس لفا فيذهب أنبساطه
وانتشاره فى الآفاق، وهو عبارة عن إزالتها والذهاب بها، لأنها ما دامت
باقية ، كان ضياؤها منبسطا غير ملفوف .
وثانيهما : أن يكون لفها عبارة عن رفعها وسترها، لأن الثوب
إذا أريد رفعه، لف وطوى ونحوه قوله - تعالى - : «يوم نطوى
السماء ... )) (١) .
أى. إذا الشمس أزيل ضوؤها بعد انتشاره وأنبساطه، فأصبحت
مظلمة بعد أن كانت مضيئة ، ومستقرة بعد أن كانت بارزة .
((( وإذا النجوم انكدرت)، أى: تناثرت وتساقطت، وانقلبت هيئتها
من اللمعان والظهور ، إلى الميل نحو الظلام والسواد .
أى: وإذا النجوم تساقطت وانقضت . يقال : انكدر البازى،
إذا نزل على فريسته برعة ، والكدر الأعداء على القوم ، إذا جاؤًا
أرسالا متتابعين فانصبوا عليهم .
ويصح أن يكون المعنى : وإذا النجوم تغيرت وأنطمس فورها،
وزال لمعانها، من قولهم: كدرت الماء فانكدر ، إذا خلط به ما يجعله
ما تلا إلى السواد والغيرة .
(١) تفسير الكشاف =ـ ٤ ص ٧٠٧.

٤١٩
سورة التكوير
((وإذا الجبال سيرت)) أى: اقتلعت من أماكنها فسارت فى الفضاء
بقدرة الله - تعالى - .
قال - تعالى -: ((ويوم فسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرنام
فلم نغادر منهم أحدا) .
وقال - سبحانه - : ((وسيرت الجبال فكانت سرابا)).
((وإذا العشار عطلت، والعشار: جمع عُشَراء كنفساء ، وهى
الناقة التى أتى على حملها عشرة أشهر. وتسمى بهذا الاسم إلى أن تضع لتمام
السنة . والنوق العشار كانت من أثمن الأموال عند العرب، وكانوا
يحافظون عليها حتى فى أشد حالات الخوف .
ومعنی (( عطلت) : أهملت و ترکت بدون راع حميها ، أو بلتفت إليها
وهذا تصوير بديع لما يصيب الناس من أهوال ، تجعلهم لا يلتفتون إلى أعز
أموالهم لديهم .
أى: وإذا النوق المشار - التى هى أغلى الأموال - عطلت، أى:
تركت دون أن يلتفت إليها أحد ، لانشغال كل إنسان بنفسه.
وقيل: المراد بالعشار: السحب المحملة بالأمطار. أى: وإذا السحب
الحاملة للأمطار، قد عطلت عن نزول المطر منها، وصارت خالية من الماء
الذى يحى الأرض بعد موتما .
قال القرطبى ما ملخصه: ((وإذا العشار عطلت)) أى: الفوق الحوامل
التى فى بطونها أولادها، الواحدة عُشراء .. وإنما خصت بالذكر، لأنها
أعز ما تكون عند العرب .. وهذا على وجه المثل ، لأن فى القيامة
لا تكون ناقة عشراء ، ولكن أراد به المثل ، أن هول يوم القيامة .
بحال ما لو كان للرجل فاقة عشراء لعطلها واشتغل بنفسه .
وقيل : العشار : السحاب يعطل ما يكون فيه وهو الماء فلا يمطر ،
والعرب تشبه السحاب بالحامل .

٤٢٠
الجزء الثلاثون
. والأول أشهر ، و علیه من.
وقيلى : الديار تعطل فلا تسكن ..
الناس الأكثر)) (١).
((وإذا الوحوش حشرت)، أى: وإذا الحيوانات المتوحشة - كالأسد
والنمر وغيرهما - .
(((حشرت، أى: جمعت من أماكنها المتفرقة، وخرجت فى ذهول،
وقلاقت دون أن يعتدى بعضها على بعض ، مخالفة بذلك ما طبعت عليه من.
النفور والتقاقل .
قال الآلوسي: قوله: ((وإذا الوحرش ، جمع وحش ، وهو حيوان.
البر الذى ليس فى طبعه التأفس ببنى آدم ٠٠ , حشرت، أى: جمعت من.
كل جانب .. وقيل: حشرت. أى: أميقت .. وقيل: حشرت: بعثت
القصاص ، فيحشر كل شىء حتى الذباب .
أخرج مسلم والترمذى عن أى هريرة فى هذه الآية قال : قال رسول.
الله - صلى الله عليه وسلم - لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى
يقاد للشاة الجماء من الشاة القرناء .. » (٢) .
((وإذا البحار سجرت)) أى : امتلأت وفاض ماؤها واختلط عذبها
بملحها، وصارت بحرا واحدا، مأخوذ من قولهم: سحر الحوض، إذا
ملآه حتى فاض من جانبيه .
ويصح أن يكون معنى ((سجرت)) أحميت بالنار حتى تبخرت مياهها،.
وظهرت النار فى مكانها ، من قولهم: سجر فلان التنور، إذا ملاً.
بالحطب المعد للحرق .
((وإذا النفوس زوجت)، وقوله: ((زوجت)) من التزويج وهو جعل.
الشىء زوجاً لغيره، بعد أن كان كلاهما فردا، ويطلق الزوج - أيضاً -
على الصنف والنوع، كما فى قوله - تعالى - ((ومن كل الثمرات جعل فيها
زوجين اثنين ....
(١) تفسير القرطبى = ١٩ ص ٢٢٩
(٢) راجع تفسير الآلوسی < ٣٠ ص