النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
سورة الإنسان
وجاءت الآية الكريمة بأسلوب الاستفهام، لما فيه من التشويق إلى
معرفة ماسيأتى بعده من كلام .
وجملة ((لم يكن شيئا مذكورا)، فى موضع نصب على الحال من
الإنسان، والعائد محذوف. أى: حالة كون هذا الإنسان ، لم يكن فى
-ذلك الحين من الدهر ، شيئا مذكوراً من بين أفراد جنسه .
وإنما كان نسيا منسيا، لا يعلم بوجوده أحد سوى خالقه - عزوجل-
ثم فصل - سبحانه - بعد هذا التشويق، أطوار خلق الإنسان فقال:
(( إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه .. ، والمراد بالإنسان هنا
- أيضاً - جنسه وجميع أفراده ..
و((أمشاج» بمعنى أخلاط من عناصر شتى، مشتق من المشج بمعنى
الخلط، يقال مشج فلان بين كذا وكذا - من باب ضرب - إذا خلط
-ومزج بينهما ، وهو جمع مشج - كسبب - ، أو مشج - ککتف -
أو مشيج - كنصير . .
قال الجمل: ((أمشاج)) فعت لنطفة. ووقع الجمع صفة المفرد، لأنه فى
-معنى الجمع، أو جعل كل جزء من النطفة نطفة ، فاعتبر ذلك فوصف
بالجمع .. )، (١).
ويرى صاحب الكشاف أن لفظ ((أمشاج، مفرد جاء على صيغة
أفعال، كلفظ أعشار فى قولهم: برمة أعمار، أى: يرمة متكسرة قطعا
قطعا .. وعليه يكون المفرد قد نعت بلفظ مفرد مثله ..
فقد قال - رحمه الله -: ((من نطفة أمشاج، كبرمة أعشار .. وهى)
ألفاظ مفردة غير جموع .
ولذلك وقعت صفات الأفراد . . والمعنى : من قطفة قد امتزج فيها
(١) حاشية الجمل على الجلالين حـ ٤ ص ٠٤٥٢

٣٠٢
الجزء التاسع والعشرون .
الماءان ... )) (١).
وجملة («نبتليه، حال من الإنسان .. أو من فاعل ((خلقنا)).
أى: إنا خلقنا الإنسان بقدرتنا وحدها، ((من نطفة)) أى: من منى،
وهو ما الرجل وماء المرأة، ((أمشاج)) أى: ممتزج أحدهما بالآخر
امتزاجا تاما . .
أو خلقناه من نطفة مختلطة بعناصر متعددة ، تتكون منها حياة.
الإنسان بقدرتنا وحكمتنا،
وخلقناء كذلك حالة كوننا مريدين ابتلاءه واختباره بالتكاليف ،
فى مستقبل حياته حين يكون أهلا لهذه التكاليف . .
(فجعلناه (( بسبب إرادتنا ابتلاءه واختباره بالتكاليف عند بلوغهسن.
الرشد (( سميعاً بصيراً، أى: فجعلنا، بسبب هذا الابتلاء والاختبار
والتكليف ، مزودا بوسائل الإدراك، التى بواسطتها يسمع الحق ويبصره
ويستجيب له، ويدرك الحقائق والآيات الدالة على وحدا نتنا وقدرتنا.
وصدق رسلنا .. إدراكاسلما ، متى اتبع فطرته، وخالف وساوس.
الشيطان وخطواته . .
وخص - سبحانه - السمع والبصر بالذكر، لأنهما أنفع الحواس.
للإنسان، إذ عن طريق السمع يتلقى دعوة الحق وما اشتملت عليه من.
هدايات .. وعن طريق البصر ينظر فى الأدلة المتنوعة الكثيرة التى.
تدل على وحدانية الله - تعالى -، وعلى صدق أنبيائه فيما جاءوا بهـ
من عند ربهم . .
وقوله - سبحانه - ((إنا هديناه السبيل .. )، تعليل لقوله (( نبتليه))،.
وتفصيل لقوله - تعالى - «فجعلناه سميعا بصيراً،. والمراد بالهداية هنا:
الدلالة إلى طريق الحق، والإرشاد إلى الصراط المستقيم ..
أى: إنا بفضلنا وإحسانتا - قد أرشدنا الإنسان إلى ما يوصله إلى
(١) تغير الكشاف = ٤ ص ٠٦٦٦

٣٠٣
سورة الإنسان
طريق الحق والصواب ، وأرشدنا إلى ما يسعده ، عن طريق إرسال.
الرسل، وتزويده بالعقل المستعد للتفكر والتدبر فى آياتنا الدالة على
وحدانيتنا وقدرتنا .
وقوله: ((إما شاكرا وإما كفورا)) حالان من ضمير الغيبة فى
((هديناه، وهو ضمير الإنسان ..
و(«إما، للتفصيل باعتبار لقدر الأحوال مع اتحاد الذات، أو للتقسيم.
للمهدى بحسب اختلاف الذوات والصفات .
أى: إنا مديناه ودللناه على ما يوصله إلى الصراط المستقيم، فى حالتى.
شكره وكفره، لأنه إن أخذ بهدايتنا كان شاكرا، وإن أعرض عنها كان
جاحدا وكافرا لنعمئا فالهداية موجودة فى كل الأحوال ، إلا أن المنتفعين.
بهام الشاكرون وحدهم ..
ومثل ذلك كمثل رجلين ، يرشدهما مرشد إلى طريق النجاة ، فأحدهما:
يسير فى هذا الطريق فينجو من العثرات والمتاعب والمخاطر .. والآخر
يعرض عن ذلك فيهلك . .
ولما كان الشكر قل من يتصف به، كما قال - سبحانه - : «وقليل
من عبادي الشكور،، جاء التعبير بقوله - سبحانه - ((شاكراً)) بصيغة
اسم الفاعل. ولما كان الججود والكفر يعم أكثر الناس ، جاء التعبير
بقوله - تعالى - ((كفورا، بصيغة المبالغة.
والمقصود من الآية الكريمة، قفل الباب أمام الذين يفسقون عن ..
أمر ربهم، ويرتكبون ما يرتكبون من السيئات .. ثم بعد ذلك يعلقون
أفعالهم هذه على قضاء الله وقدره، ويقولون - كما حكى القرآن عن
المشركين -: ((لو شاء الله ما أشر كنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شىء)) (١)
ثم بين - سبحانه - يعد هذه الهداية، ما أعده لفريق الكافرين ،
وما أعده لفريق الشا كرين، فقال - تعالى - :
(١) سورة الأنعام الآية ٠١٤٨

إِنَّ أَعْتَدْنَا لِلْكَاغِرِينَ !!
مُلَكِلَا وَأَغْذَلًا وَسَعِيرًا ( إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ"
مِنَاجُهَا كَافُورًا (٤ْ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَِّرُونَهَا
تَفْجِيرًا * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَ يَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (چ
وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ، مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًّا ه إِنَّمَا
تُطِعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَ يُرِدُ مِنْكُرْ جَآءَ وَلَا شُكُورًا (﴾ إِنَّا
◌َخَافُ مِن رَّبِتَيَوْمًا عَبُوسَا فَفْطَرِيرًا (٠﴾ فَوَقَنُهُمُ الَّهُ شَرَّ ذَلِكَ
أَلْيَوْمِ وَلَقَُّهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا(٦﴾ وَجَزَّئُهُم بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةٌ
تَوَجِيرًا ﴿ مُتَّكِينَ فِهَا عَلَى الْأُرَابِكِ لَيَوْنَ فِيهَا خَمْسًا وَلَا
تُمْهَرِ يرًّا لِ وَدَانِيَةٌ عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُ لِلَتْ قُوُقُهَا تَذْلِيلًا ﴾
١
وَيُطَافُ عَلَيْ ◌ِعَانِيَةٍ مِّنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَأْهِ تَوَارِيرَأْ.
مِنِفِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (®) وَيُسْقَوْنَ فِهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا
تَجِيبًا ﴿ عَيْنَا فِيهَا تُسَعَّى سَلْسَبِيلًا (﴿ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ
تُخَدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنْشُورًا (8) وَإِذَا رَأَيْتَ فَمَّ
أَوَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (﴾ عَلِيُهُمْ نِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ
وَإِسْتَبْرَقٌّ وَحُواْ أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَقَهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا يّ
٠١٠٠١٠٠٠
إِنَّ هَذَا كَانُ لَكُمْزَآءَ وَ كَانََ **

٣٠٥
سورة الإنسان
فقوله - سبحانه -: « إنا أعتدنا للكافرين ... ، كلام مستأنف
ليان جزاء الكافرين ، بعد أن تطلعت إليه النفس ، بعد سماعها لقوله
- تعالى -: ((إما شاكرا وإما كفورا)).
وابتدأ - سبحانه - بذكر جزاء الكافر، لأن ذكره هو الأقرب
ولأن الغرض بيان جزائه على سبيل الإجمال ، ثم تفصيل القول بعد ذلك
: فى بيان جزاء المؤمنين .
والسلاسل : جمع سلسلة ، وهى القيود المصنوعة من الحديد والتى
يقيد بها المجرمون . وقد قرأ بعض القراء السبعة هذا اللفظ بالتنوين ،
وقرأه آخرون بدون تنوين .
والأغلال : جمع غل - بضم الغين - وهو القيد الذى يقيد به
- المذنب ويكون فى عنقه، قال - تعالى -: (إذ الأغلال في أعناقهم،
. والسلاسل يسحبون. فى الحمم ثم فى النار بسجرون)).
والمعنى : إنا أعتدنا وهيئنا للكافرين سلاسل يقادون بها ، وأغلالا
تجمع بها أيديهم إلى أعناقهم على سبيل الإذلال لهم ، وهيتنا لهم - فوق
- ذلك - نارا شديدة الاشتعال ، تحرق بها أجسادهم .
ثم بين - سبحانه - ما أعده للمؤمنين الصادقين من خير عميم فقال :
(((إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا)).
والأبرار: جمع بر أو بار. وهو الإنسان المطيع الله - تعالى - طاعة
قامة، والمسارع فى فعل الخير، والشاكر لله - تعالى - على نعمه.
والكأس : هو الإناء الذى توضع فيه الخمر، ولا يسمى هذا الاسم
.. إلا إذا كانت الخمر بداخله، ويصح أن يطلق الكأس على الخمر ذاتها على
سبيل المجاز، من باب قدمية الحال باسم المحل، وهو المراد هنا. لقوله
. - تعالى - ((كان مزاجها كافوراً)). و((من)) للتبعيض.
(م ٢٠ - جزء تبارك)

٣٠٦
الجزء التاسع والعشرون
والضمير فى قوله (( مزاجها، يعود إلى الكأس التى أريد بها الخمر .
والمراد ((بمزاجها)): خليطها من المزج بمعنى الخلط. يقال: مزجت الشىء
بالشىء ، إذا خلطته به .
والكافور: اسم السائل طيب الرائحة، أبيض اللون، تميل إليه.
النفوس ..
أى: إن المؤمنين الصادقين، الذين أخلصوا لله - تعالى - الطاعة
والعبادة والشكر .. يكافئهم - سبحانه - على ذلك، بأن يجعلهم يوم القيامة .
فى جنات عالية ، ويتمتعون بالشراب من خمر، هذه الخمر كانت مخلوطة
بالكافور الذى تنتعش له النفوس ، وتحبه الأرواح والقلوب ، لطيب.
رائحته ، وجمال شكله .
وذكر - سبحانه - هذه الأشياء فى هذه السورة - من الكافور -.
والزنجبيل ، وغيرهما، لتحريض العقلاء على الظفر فى الآخرة بهذه المنع
التى كانوا يشتهونها فى الدنيا، على سبيل تقريب الأمور لهم ، وإلا فنعيم
الآخرة لا يقاس فى لذته ودوامه بالنسبة لنعيم الدنيا الفانى .
قال ابن عباس : کل ما ذ کر فی القرآن ما فی الجنة وسماء، ليس له من . .
الدنيا شبيه إلا فى الاسم . فالكافور، والزنجبيل، والأشجار والقصور،
والمأكول والمشروب ، والملبوس والثمار، لا يشبه ما فى الدنيا إلا فى
مجرد الاسم،.
وقوله - سبحانه -: ((عينا يشرب بها عباد الله .. )) بدل من قوله :.
((كان مزاجها كافورا، لأن ماءها فى بياض الكافور وفى رائحته وبرودته ..
أى: أن الأبرار يشربون من كأس، ماؤها ينبع من عين فى الجنة ، ..
هذا الماء له بياض الكافور ورائحته وبرودته .
وعدى فعل «يشرب، بالباء، التى هى باء الإلصاق، لأن الكافور

٣٠٧
سورة الإنسان
بموج به شرابهم . أى : عينا يشرب عباد الله ماءهم وخمرم بها، أى:
مصحوبا بماتها وخمرها .
ومنهم من جعل الباءهنا بمعنى من التبعيضية . أى : عينا يشرب من
بعض مائها وخمرها عباد الله، وهم الأبرار .
وعبر عنهم بذلك لتشريفهم وتكريمهم، حيث أضافهم - سبحانه-
إلى ذاته .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم وصل فعل الشرب بحرف
الابتداء أولا ، وبحرف الإلصاق آخرا ؟ قلت : لأن المكأس مبدأ شر.هم
وأول غايته، وأما العين فيها يمزجون شرابهم ، فكان المعنى: يشرب عباد
الله بها الخمر، كما تقول: شربت الماء بالعسل ... (١)
وقوله - سبحانه -: ((يفجرونها تفجيرا، صفة أخرى للعين. أى:
یسیروتها و یجرونهاإلی حیثیریدون ، و ینتفعون بها كمايشاؤون، وينبعهم
مائها إلى كل مكان يتجهون إليه .
فالتعبير بقوله: ((بفجرونها تفجيرا)، إشارة إلى كثرتها وسعتها وسهولة
حصوطم عليها .
يقال فجر فلان الماء ، إذا أخرجه من الأرض بغزارة ، ومنه قوله
- تعالى -: ((وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً،.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك فى آيات متعددة ، الأسباب التى من
أجلها وصلوا إلى النعم الدائم، فقال - تعالى -: ((يوفون بالنذر ويخافون
يوماً كان شره مستطيرا . .،
والنذر: ما يوجبه الإنسان على نفسه من طاعته لله - تعالى -. والوفاء
به : أداؤه أداء کاملا .
(١) تفسير الكشاف حـ ٤ ص ٦٦٨

٣٠٨
الجزء التاسع والعشرون
أى : أن من الأسباب التى جعلت الأبرار يحصلون على تلك النعم ،
أنهم من أخلاقهم الوفاء بالنذر ، ومن صفاتهم - أيضاً - أنهم يخافون يوماً
عظيما هو يوم القيامة ، الذى كان عذابه فاشياً منتشراً غاية الانتشار .
فقوله: ((مستطيرا، اسم فاعل من استطار الشىء إذا انتشر وامتد
أمره . والسين والتاء فيه للمبالغة، وأعمله طار. ومنه قولهم: استطار
الغبار، إذا انتشر فى الهواء وتفرق. وجىء بصيغة المضارع فى قوله:
(( يوفون،، للدلالة على تجدد وفائهم فى كل وقت وحين .
والتعريف فى ((النذر، للجنس، لأنه يعم كل نذر.
وجاء لفظ اليوم منكرا، ووصف بأن له شرا مستطيرا .. لتهويل
أمره، وتعظيم شأنه، حتى يستعد الناس لاستقباله بالإيمان والعمل الصالح
ثم وصفهم - سبحانه - بصفات أخرى فقال: «ويطعمون الطعام على
حبه مسكيناً ويتيما وأسيرا)) .
أى: أن هؤلاء الأبرار من صفاتهم - أيضاً - أنهم يطعمون الطعام مع
حب هذا الطعام لديهم، ومع حاجتهم إليه واشتهائهم له .
ومع كل ذلك فهم يقدمونه للمسكين ؛ وهو المحتاج إلى غيره الفقره
وسكونه عن الحركة .. ولليتيم، وهو من فقد أباء وهو صغير، وللأسير
وهو من أصبح أمره بيد غيره. وخص الإطعام بالذكر ، لما فى تقدمه من
كرم وسخاء وإيثار، لا سما مع الحاجة إليه، كما يشعر به قوله - تعالى -
«على حبه، أى : على حبهم لذلك الطعام . وقيل الضمير فى قوله ((علی حبه)
يعود إلى الله - عز وجل -، أى: يطعمون الطعام على حبهم له - تعالى -.
والأول أولى، ويؤيده قوله - تعالى -: ((لن تنالوا البر حتى تنفقوا
مما نحبون)).

٣٠٩
سورة الإنسان
و ((على)) هنا بمعنى مع، والجملة فى محل نصب على الحال. أى: حالة
كونهم كائنين على حب هذا الطعام .
وخص هؤلاء الثلاثة بالذكر، لأنهم أولى الناس بالرعاية والمساعدة.
وقد ذ کروا فی سبب نزول هذه الآية ، والآ یتین التی بعدها ، روايات
منها : أنها نزلت فى الإمام على وزوجه فاطمة - رضى الله عنهما -.
قال القرطبى - بعد أن ذكر هذه الروايات - : والصحيح أنها نزلت
فى جميع الأبرار، وفى كل من فعل فعلا حسناً، فهى عامة .. )، (١)
وقوله - سبحانه -: «إنما نطعمكم لوجه الله ... ) بيان لشدة
إخلاصهم ، ولطهارة نفوسهم .
وهو مقول لقول محذوف أى: يقدمون الطعام لهؤلاء المحتاجين مع
حبهم لهذا الطعام، ومع حاجتهم إليه ... ثم يقولون لهم بلسان الحال
أو المقال: إنما نطعمكم ابتغاء وجه الله - تعالى - وطلباً لمثوبته ورحمته.
((لا نريد منكم جزاء ولا شكورا)) أى: لا نريد منكم جزاء على
ما قد مناه لكم، ولا نريد منكم شكرا على ما فعلناه ، فإننا لا نلتمس
ذلك إلا من الله - تعالى - خالقنا وخالقكم.
ثم أضافوا إلى ذلك قولهم: ((إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريرا)).
والعبوس : صفة مشبهة لمن هو شديد العبس، أى: كلوح الوجه
وانقباضه . .
والقمطرير : الشديد الصعب من كل شىء . يقال: اقطر يومنا، إذا
اشتدت مصائبه . .
ووصف اليوم بهذين الوصفين على سبيل المجاز فى الإسناد ، والمقصود
وصف أهله بذلك ، فهو من باب : فلان نهاره صائم.
(١) راجع تفسير القرطى حـ ١٩ ص ١٣٠

٣١٠
الجزء التاسع العشرون
أى: ويقولون لهم - أيضاً - عند تقديم الطعام لحم: إنا نخاف من
ربنا يوماً ، تعبس فيه الوجوه، من شدة هوله ، وعظم أمره ، وطول
بلائه .. .
أى: أنهم لم يقدموا الطعام - مع حبهم له - رياء ومفاخرة، وإنما
قدموه ابتغاء وجه الله، وخوفاً من عذابه .
والفاء فى قوله: (( فوقاهم الله شر ذلك اليوم .. ، للتفريع على ما تقدم
وليبان ما ترتب على إخلاصهم وسخائهم من ثواب .
أى: فترتب على وفائهم بالنذور ، وعلى خوفهم من عذاب الله - تعالى-
وعلى سخانهم وإخلاصهم ، ترقب على كل ذلك أن دفع الله - تعالى-
عنهم شر ذلك اليوم، وهو يوم القيامة .
(((ولقاهم نضرة وسرورا، أى: وجعلهم بلقون فيها حسناً وبهجة فى
الوجوه، وسروراً وانشراحاً فى الصدور، بدل العبوس والكلوح الذى
حل بوجوه الكفار .
((وجزاهم بما صبروا، أى: بسبب صبرهم ((جنة، عظيمة ((وحريرا))
جميلا يلبسونه .
((متكئين فيها، أى: فى الجنة ((على الأرائك، أى: على السرر،
أو على ما بتكا عليه من سرير أو فراش ونحوه.
((لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً)، أى . لا يرون فيها شمسا شديدة
الحرارة بحيث تؤذيهم أو تضرهم، ولا يرون فيها كذلك («زمهريرا))
أى : برداً مفرطاً. يقال: زمهر اليوم، إذا اشتد برده.
والمقصود من الآية الكريمة أنهم لا يرون فى الجنة إلا جوا معتدلا،
لا هو بالحار ولا هو بالبارد .

٣١١
سورة الإنسان
وقوله - سبحانه - ((ودانية عليهم ظلالها ... )) معطوف على قوله
قبل ذلك: ((متكتين .. »
و((ظلالها)) فاعل ((دانية، والضمير فى ظلالها، يعود إلى الجنة.
أى : أن الأبرار جالسون فى الجنة جلسة الناعم البال، المنشرح
الصدر ... وظلال أشجار الجنة قريبة منهم ، ومحيطة بهم، زيادة فى
إكرامهم ..
((وذللت قطوفها تذليلا)، أى: أنهم - فضلا عن ذلك - قد سخرت
لهم ثمار الجنة تسخيرا، وسهل الله - تعالى - لهم تناولها تسهيلا عظيما،
بحيث إن القاعد منهم والقائم والمضطجع، يستطيع أن يتناول هذه الثمار
- اللذيذة بدون جهد أو قعب.
فقوله - تعالى -: ((وذللت)) من التذليل بمعنى الانقياد والتسخير،
- يقال: ذلل الكرم - بضم الذال ـ إذا قدات عنا قيده وصارت فى متناول
اليد. والقطوف: جمع قطف - بكسر القاف - وهو العنقود حين يقطف
: أو الثمار المقطوفة.
وبعد أن وصف - سبحانه - جانباً من طعامهم ولباسهم ومسكنهم
"أخذت السورة الكريمة فى وصف شرابهم، فقال - تعالى -: ((ويطاق
عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا . قواريرا من فضة قدروها
تقديرا . .،
وقوله: ((ويطاف، من الطواف، وهو السعى المكرر حول الشىء،
ومنه الطواف بالكعبة. والآنية: جمع إناء، وهو اسم لكل وعاء يوضع
-فيه الطعام والشراب، والمراد بها هنا: الأوانى التى يستعملونها فى مجالس
شرابهم .
والأكواب: جمع كوب ، وهو القدح الذى لا عروة له، وعطفه

٣١٢
الجزء التاسع والعشرون
على الآنية من باب عطف الخاص على العام .
والقوارير : جمع قارورة . وهى فى الأصل إناء رقيق من الزجاج
النقى الشفاف، توضع فيه الأشربة وما يشبهها ، فتستقر فيه.
أى : ويطاف على هؤلاء الأبرار بآنية كائنة من فضة، وبأكواب
وأقداح من فضة - أيضاً -، وجعلت هذه الأكواب فى مثل القوارير فى ..
صفاتها ونقائها، وفى مثل الفضة فى جمالها وحسنها، بحيث يرى ما بداخلها
من خارجها .
وقوله - سبحانه- ((قدروها تقديرا، أى: أن الطائفين بهذه الأكواب.
عليهم ، قد وضعوا فيها من الشراب على مقدار ما يشبع هؤلاء الأبرار ..
ويرويهم بدون زيادة أو نقصان والطائفون عليهم بذلك هم الخدم الذين
جعلهم الله - تعالى - لخدمة هؤلاء الأبرار. وبنى الفعل للمجهول العلم
بم ...
وقال - سبحانه - هنا (بآنية من فضة، وفى سورة الزخرف ((يطاق ..
عليهم بصحاف من ذهب وأكواب ... )) ، زيادة فى تكريمهم وفى
سهو منزلتهم، إذ قارة يطاف عليهم بأكواب منفضة، وتارة يطاف عليهم.
بصحاف من ذهب ، ومن المعروف أنه كلما تعددت المناظر الحسنة،
والمشارب اللذيذة .. كان ذلك أبهج للنفس ..
والمراد بالكينونة فى قوله - تعالى - ((كانت قوايرا .. ، أنها
تكونت ووجدت على هذه الصفة .
قال الآلوسى قوله - تعالى - ((كانت قواريرا .. ، أى: كانت تلك.
الأكواب قواريرا، جمع قارورة، وهى إناء رقيق من الزجاج توضع فيه
الأشربة، ونصبه على الحال، فإن ((كان)، قامة، وهو كما تقول: خلقت ..

٣١٣
سورة الإنسان
قوارير. وقوله - تعالى -: ((قوارير من فضة)) بدل. والكلام على
التشبيه البليغ .
والمراد تكونت جامعة بين صفاء الزجاجة وشفيفها ، ولين الفضة.
وبياضها ...
وقر أنافع والكسائى وأبو بكر بقنوین ((قواريرا، فى الموضعين وملا،
وإبداله ألفا وقفا. وابن كثير يمنع صرف الثانى ويصرف الأول ...
والقراءة بمنع صرفهما للباقين ... )، (١).
وقال الشوكانى: وجملة ((قد روها تقديرا)، صفة لقوارير .. أى:
قدرها السقاة من الخذم ، الذين يطوفون عليهم على قدر ما يحتاج إليه
الشاربون من أهل الجنة ، من دون زيادة ولا نقصان ... وقيل: قدرها
الملائكة . وقيل : قدرها الشاربون لها من أهل الجنة على مقدار حاجتهم،
فجاءت كما يربدون فى الشكل لا تزيد ولا تنقص .. ،(٢).
ثم بين - سبحانه - محاسن شراب أهل الجنة فقال: ((ويسقون فيها
كأسا كان مزاجها زنجبيلا. عينا فيها تسمى سلسبيلا)).
والمراد بالكأس هنا: كأس الخمر. والضمير فى قوله ((فيها، يعود إلى
الجنة . والزنجبيل: نبات ذورائحة عطرية طيبة، والعرب كانوا يستاذون
الشراب الممزوج :4 .
والسلسبيل: وصف قيل مشتق من السلاسة بمعنى السهولة واللين ، يقال:
ماء سَلَّل، أى: عذب سائغ للشاربين، ومعنى ((تسمى، على هذا الرأى:
أى : توصف بالسلاسة والعذوبة .
وقيل: السلسبيل: اسم لهذه العين، لقوله - تعالى - ((تسمى)).
(١) تفسير الآلوسي ج ٢٩ ص ٠٥٩ ١
(٢) تفسير فتح القدير للشوكانى = ٥ ص ٣٥٠

٣١٤٠
الجزء التاسع والعشرون
أى : أن هؤلاء الأبرار - بجانب كل ما تقدم من فهيم - يسقون
فى الجنة من كأس مليئة بالخمر ، هذه الخمر التى يشربوبها مزوجة
بالزنجبيل ، فتزداد لذة على لذتها .
ويسقون - أيضا - من عين فيها - أى: فى الجنة - أستعى
سلسبيلا ، وذلك لسلاسة مائها ولذته وعذوبته ، وسهولة نزوله
. إلى الحلق ...
قال صاحب الكشاف: ((سلسبيلا)) - سميت بذلك - السلاسة
أنجدارها فى الحلق ، وسهولة مساغها . يعنى: أنها فى طعم الزنجبيل، وليس
فيها لذعة، ولكن فيها نقيض اللذع وهو السلاسة . يقال : شراب سلسل
.وسلسال وسلسبيل، وقد زيدت الباء فى التركيب حتى صارت الكلمة
خماسية. ودلت على غاية السلاسة .. )، (١).
ثم أخبر - سبحانه - عن نوع آخر من الخدم، يطوفون علي هؤلاء
:الأبرار لخدمتهم، فقال: (ويطوف عليهم ولدان مخلدون، إذا رأيتهم
حسبتهم لؤلؤا منثورا .. )).
أى: ويطوف على هؤلاء الأبرار ,ولدان مخلدون، أى: دائمون
على ما هم عليه من النضارة والشباب ٠٠ , إذا رأيتهم)) - أيها المخاطب -
(((حسبتهم، وظننتهم ((لؤلؤا منثورا)) أى: حسبتهم من حسنهم، وصفاء
ألوانهم، وتضارة وجوههم .. لؤلؤا ودرا مفرقا فى جنبات المجالس
وأوسطها .
فقوله - تعالى - ((مخلدون)) احتراس المقصود منه دفع توهم أنهم
سيصيرون فى يوم من الأيام كهولا . قالوا: وشبهوا باللؤلؤ المنثور، لأن
اللؤلؤ إذا نثر على البساط ، كان أكثر جمالا منه فيما لوكان منظوما.
(١) تفسير الكفاف = ٤ ص ٦٧٢

٣١٥
سورة الإنسان
(( وإذا رأيت ثم ... )) وثم هنا ظرف مكان مختص بالبعد، وهو
منصوب على الظرفية، ومفعول الرؤية غير مذ كور، لأن القصد : وإذا
صدرت منك - أيها المخاطب رؤية إلى هناك، أى: إلى الجنة ونعيمها ..
« رأيت نعما، لا يقادر قدره (( وملكا كبيرا، أى: واسعاً لا غاية له.
فقوله - سبحانه -((رأيت، الثانية، جواب إذا. والمشار إليه
(« بثم، التى هى بمعنى هناك، معلوم من المقام، لأن المقصود به الجنة التى
سبق الحديث عنها فى مثل قوله: ((وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا)).
أى: وإذا سرحت ببصرك إلى هناك رأيت نعما وملكا كبيرا.
ثم فصل - سبحانه - جانباً من مظاهر هذا النعيم العظيم فقال :
«عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق ، وحلوا أساور من فضة، وسفاهم
ربهم شراباً طهورا .
وقوله, عاليهم ، - بفتح الياء وضم الهاء - بمعنى فوقهم، فهو
ظرف خبر مقدم، وثياب مبتدأ مؤخر، كأنه قيل: فوقهم ثياب ويصح
أن يكون حالا للأبرار . أى: تلك حال أهل النعيم والملك الكبيروهم
الأبرار ..
وقرأ نافع وحمزة ((عاليوم، - بسكون الياء وكسر الهاء - على أن
الكلام جملة مستأنفة استئنافا بيانياً، لقوله - تعالى - ,رأيت نعم)
وملكا كبيرا،، ويكون لفظ «عاليهم)) اسم فاعل مبتدأ .
وقوله: ((ثياب سندس ) فاعله ساد مسد الخير ، ويصح أن يكون
خبراً مقدماً ، وما بعده مبتدأ مؤخر .
وإضافة الثياب إلى السندس بيانية ، مثل : خاتم ذهب . والسندس :
الديباج الرقيق . والاستبرق: الديباج الغليظ .
والمعنى: أن هؤلاء الأبرار ، أصحاب النعيم المقيم ، والملك الكبير ،

٣١٦
الجزء التاسع والعشرين
فوق أجسادهم ثياب من أفخر الثياب، لأنهم يجمعون فى لباسهم بين.
الديباج الرقيق ، والديباج الغليظ ، على سبيل التنعيم والجمع بين محاسن.
الثياب . .
وكانت تلك الملايس من اللون الأخضر، لأنها أبهج للنفس ، وشعار
لباس الملوك .
وقوله « خضر، قرأها بعضهم بالرفع على أنها صفة لثياب ، وقرأها
البعض الآخر بالجر ، على أنها صفة لسندس . وكذلك كلمة (( واستبرق »
قرئت بالرفع عطفاً على ثياب، وقرئت بالجر عطفاً على سندس .
وقوله : ((وملوا أساور من فضة ، بيان لما يتزينون به فى أيديهم.
أى: أن هؤلاء الأبرار، بلبسون فى أيديهم أساور من فضة ، كما هو الشأن.
بالنسبة للملوك فى الدنيا ، ومنه ماورد فى الحديث من ذكرسوارى كسرى
وقوله - تعالى - وسقاهم ربهم شراباً طهورا، أى : وفضلا عن
كل تلك الملابس الفاخرة ، سقاهم ربهم - بفضله وإحسانه ـ- شراباً
بالعانهاية الطهر، فهو ليس كخمر الدنيا، فيه الكثير من المساوى. التى
تؤدى إلى ذهاب العقول .. وإنما خمر الآخرة : شراب لذيذ طاهر من ...
كل خبث وقذر وسوء . .
وجاء لفظ ((طهورا، بصيغة المبالغة، للإشعار بأن هذا الشراب قد
بلغ النهاية فى الطهارة .
ثم ختم - سبحانه - هذا العطاء الواسع العظيم، ببيان ما ستقوله.
الملائكة لهؤلاء الأبرار على سبيل التكريم والتشريف، فقال: ((إن هذا.
كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا)) .
وهذه الآية الكريمة مقول القول محذوف، والقائل هو الله - تعالى -».
أوملائكته باهره - سبحانه - وإذته . أى : سقاهم ربهم شراباً طهور).
لـ

٣١٧
سورة الإنسان
فى الآخرة، ويقال لهم عند تمتعهم بكل هذا النعيم ؟
((إن هذا)) النعيم الذى تعيشون فيه ((كان لكم جزاء، على إيمانكم
وعملكم الصالح فى الدنيا .
(( وكان سعيكم مشكورا)، أى: مرضياً ومقبولا عند خالقكم ،
خازدادوا - أيها الأبرار - سرورا على سروركم، وبهجه على مجتكم.
وبعد هذا التفصيل لما أعده الله - تعالى - لعباده الأخيار من
-أصناف النعيم، المتعلق بمأ كلهم ، ومشربهم .. أخذت السورة الكريمة
- فى أواخرها - فى تثبيت النبى- بَير - وأصحابه، وفى دعوته - مَالو،
إلى المداومة على التحلى بفضيلة الصبر، وإلى الإكثار من ذكره - تعالى-
. وأنذرت الكافرين والفاسفين إذا ما استمروا فى ضلالهم. فقال - تعالى -:
إِنَّا نَحْنُ
تَزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ تَنزِيلًا (﴿﴾ فَأَصْبِرُ لِحُكْم رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ
مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوْ كَفُورًا (٨﴾ وَأَذْكُرِ أَسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (9)
وَمِنَ اَلَّيْلِ فَأْجُدْ لَهُ، وَسَبِحُهُ لَيْلًا طَوِيلًا (﴾ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ
الْعَِلَةَ وَيَذْرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْمًا تَقِيلًا (ّ ◌َحْنُ خَلَقْنَهُمْ وَشَدَدْنَآَ
أَمْرُهُمَّ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَلُهُمْ تَبْدِيلًا (﴾ إِنَّ هَذِهِ،
تَذْكِرَةً فَمَنِ شَآءَ أَخَذَ إِلَى رَبِهِ، سَبِيلًا (﴾ وَمَا تَشَآءُ ونَ إِلَّ
أَن يَشَآءَ اللهُ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢﴾ يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِ
رَحْمَتِهِ، وَالظَّلِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيماً ﴾

٣١٨
الجزء التاسع والشرون
وجاء قوله - تعالى - :((إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا»
مؤكدا بجملة من المؤكدات، منها: إن، ونحن، وتنزيلا ... للرد على
أولئك الجاحدين الذين أنكروا أن يكون القرآن من عند الله - تعالى-
وقالوا فى شأنه: «لو نشاء لقلنا مثل هذا، إن هذا إلا أساطير الأولين).
أى: إنا نحن - وحدنا - أيها الرسول الكريم - ، الذين نزلنه
عليك القرآن تنزيلا محكما، وفصلناه تفصيلا متقناً، بأن أنزلناه على قلبك.
مفرقا على حسب مشيئتنا وحكمتنا.
والفاء فى قوله: «فاصبر لحكم ربك .. ، للإفصاح . وعدى فعل
الصبر باللام ، لتضمنه معنى الخضوع والاستسلام لقضائه - سبحانه -
أى: ما دام الأمر كما ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - فاصبر
لحكم ربك ، واخضع لقضائه ومشيئته ، فهو - سبحانه - الكفيل
بنصرك عليهم.
وقوله: (( ولا قطع منهم آئماً أو كفورا، أى: ولا تطع ـــ أيه)
الرسول الكريم - من هؤلاء المشركين، من كان داعياً إلى الإثم والفجور،
أو من كان داعياً إلى الكفر والجحود .
ولم يقل - سبحانه - ولا قطع منهم آثماً وكفورا بالواو، لأن
الواو تجعل الكلام محتملا للنهى عن المجموع ، وأن طاعة أحدهما دون.
الآخر تكفى فى الامتثال .
ولذا قال الزجاج: إن ((أو، هنا أو كد من الواو، لأنك إذا قلت:
لا تطع زيدا وعمرا، فأطاع أحدهما كان غير عاص ، فإن أبدلتها بأو ،
فقد دلت على أن كل واحد منهما، أهل لأن يعصى، ويعلم منه النهى عن
إطاعتهما معا)، (١) .
(١) حاشية الجمل على الجلالين ص ٤ <ـ ٤٦٢

٣١٩
سورة الإنسان
والآثم : هو الفاجر بأقواله وأفعاله . والكفور : هو الجاحد
بقلبه ولسانه.
ورحم الله صاحب الكشاف ، فقد قال عند تفسيره لهاتين الآيتين
ما ملخصه: تكرير الضمير بعد إيقاعه اسماً لإن: تأكيد ، لمعنى اختصاص
الله - تعالى - بالتنزيل، ليتقرر فى نفس رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - أنه إذا كان هو المنزل للقرآن، لم يكن تنزيله على أى وجه نزل،
إلا حكمة وصوابا، كأنه قيل: ما نزل عليك القرآن تنزيلا مفرقا منجا،
إلا أنا لا غيرى، وقد عرفتنى حكيما فاعلا لكل ما أفعله .
فإن قلت : كلهم كانوا كفره ، فما معنى القسمة فى قوله: ٢٠°ثما
أو كفورا))؟ قلت: معناه ولا قطع منهم راكبا لما هو إثم ، داعيا لك
إليه، أو فاعلا لمما هو كفر، داعيا لك إليه، لأنهم إما أن يدعوه إلى
مساعدتهم على فعل هو إثم أو كفر ، أو غير إثم ولا كفر ، فنهى عن أن.
يساعدهم على الاثنين دون الثالث .
فإن قلت : معنى أو : ولا تطع أحدهما، فهلا جىء بالواو وليكون.
نهيا عن طاعتهما جميعا؟
قلت: لو قيل : ولا قطعهما، جاز أن يطيع أحدهما، وإذا قيل:
لا تطبع أحدهما، على أن الناهى عن طاعة أحدهما: عن طاعتهما جميعا أنهى.
كما إذا نهى عن أن يقول لأبويه أف، على أنه منهى عن ضربهما بالطريق
الأولى .. » (١)
والمقصود من هاتين الآيتين تثبيت فؤاد النبى - صلى الله عليه وسلم -،
وتيئيس المشركين من استجابته - صلى الله عليه وسلم - لأى مطلب من ..
مطالبهم الفاسدة .
(١) راجع تفسير الكشاف = ٤ ص ٦٧٤

٣٢٠
الجزء التاسع والعشرون
ثم أرشده - سبحانه - إلى ما يعينه على الصبر والثبات، فقال:
((واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا. ومن الليل فاسجد له وسبحه
ليلا طويلا ، .
والبكرة: أول النهار. والأصيل: آخره. والمراد: المداومة على
ذكر الله - تعالى - فى كل وقت. أى: داوم - أيها الرسول الكريم.
على ذكر الله - تعالى - فى أول النهار وفى آخره، وعلى صلاة الفجر،
-والظهر والعصر . .
(((ومن الليل فاسجد له)) - تعالى - وأكثر من ذكره، وواظب
على صلاة المغرب والعشاء . .
, وسبحه ليلا طويلا، أى: ونزهه - تعالى - وتهجد له وقتا طويلا
من الليل . .
فهاتان الآيتان ترشدان الرسول - ملت - إلى ما يعينه على الازدياد
. من فضيلة الصبر الجميل، والثبات على الحق.
٠٠٧
ومن الآيات الكثيرة التى تشبه هاتين الآيتين فى معناهما: قوله - تعالى-
وأقم الصلاة طرفى النهار وزلفا من الليل ، إن الحسنات يذهبن السيئات،
ذلك ذكرى للذاكرين. وأصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين)».
وقوله - تعالى -: ((ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون.
فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين .. )).
ثم بين - سبحانه - جانبا من الأسباب التى تجعله - بَطاء -
لا يطيع أحدا منهم فقال: «إن هؤلاء يحبون العاجلة، ويذرون وراءهم
يوما ثقيلا ....
أى: نحن قد نهيناك - يا محمد - عن طاعة أحد من هؤلاء المشركين،