النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١
سورة المدثر
وقوله - سبحانه -: «ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ، ويزداد
الذين آمنوا إيمانا ... )) علة أخرى ، لذ كر هذا العدد. والاستيقان :
قوة اليقين ، فالسين والتاء للمبالغة .
أى: وما جعلنا عدتهم كذلك - أيضا - إلا ليستيقن الذين أوتوا
الكتاب من اليهود والنصارى، بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم -
صادق فما يبلغه عن ربه ، إذ أن الكتب السماوية التى بين أيديهم قد ذكرت
هذا العدد ، كماذكره القرآن الكريم، وإلا ليزداد المؤمنون إيمانا على
إيمانهم، بصدق نبيهم - صلى الله عليه وسلم -، إذ أن الإخبار عن
المغيبات عن طريق القرآن الكريم ، من شأنها أن تجعل الإيمان فى قلوب
المؤمنين الصادقين ، يزداد رسوخا وثباتا .
قال الإمام ابن كثير: قوله: (( ليستيقن الذين آ وقوا الكتاب، أى:
يعدون أن هذا الرسول حق، فإنه نطق بمطابقة ما بأيديهم من الكتب
السماوية المنزلة على الأنبياء قبله)) (١).
وقال الآلوسى: وأخرج الترمذى وابن مردويه عن جابر قال: قال
ناس من اليهود، لأناس من المسلمين، هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم ؟
فأخبروا بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «هكذا
وهكذا ، فى مرة عشرة ، وفى مرة تسعة .
وقال الألومى: واستشعرمن هذا أن الآية مدنية، لأن اليهود إنما
كانوا فيها. وهو استشعار ضعيف، لأن السؤال اصحابى فلعله كان مسافرا
فاجتمع بيهودى حيث كان . - وأيضا - لامانع إذ ذاك من إتيان بعض
اليهود نحو مكة .. ، (٢).
(١) تفسير ابن كثير ج ٨ ص ٢٩٤
((الآلوسي = ٢٩ ص ١٢٧
(٢)
٢٦٢
الجزء التاسع والعشرون
وقوله - تعالى -: ((ولا يرقاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون))
معطوف على قوله: (( ليستيقن .. )) وهو مؤكد لما قبله، من الاستيقان
وازدياد الإيمان ، ونفى لما قد يعترى المستيقن من شبهة عارضة.
أى: فعلنا ما فعلنا ليكتسب أهل الكتاب اليقين من نبوته - صلى الله
عليه وسلم - ، وليزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم ، ولتزول كل ريبة
أو شبهة قد تطرأ على قلوب الذين أوتوا الكتاب، وعلى قلوب المؤمنين .
وقوله - سبحانه -: «وليقول الذين فى قلوبهم مرض والكافرون
ماذا أراد الله بهذا مثلا، بيان لعلة أخرى لكون خزنة سقر تسعة عشر.
أى: ما جعلنا عدتهم كذلك إلا فتنة للذين كفروا ، وإلا ليستيقن
الذين أوتوا الكتاب من صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإلا
ليزداد الذين آمنوا إيمانا، وإلا لتزول الريبة من قلوب الفريقين ، وإلا
ليقول الذين فى قلوبهم مرض ، أى : شك وضعف إيمان ، وليقول
الكافرون المصرون على التكذيب: ما الأمر الذى أراده الله بهذا المثل،
وهو جعل خزنة سقر تسعة عشر؟ فالمقصود بالاستفهام فى قوله - تعالى !ـ
(( ماذا أراد الله بهذا مثلا، الإنكار. والإشارة بهذا مرجعها إلى قوله
- تعالى - قبل ذلك: ((عليها تسعة عشر)). وقوله: ((مثلا)، حالى من
اسم الإشارة والمراد به العدد السابق. وعدوه مثلا لغرابته عندهم. أى:
ما الفائدة فى أن تكون عدة خزنة ستر تسعة عشر، وليسوا أكثر أو أقل؟
وثم يقصدون بذلك نفى أن يكون هذا العدد من عنده - تعالى -.
قال الألوسى: قوله - تعالى -: ((ماذا أراد الله بهذا مثلا)، أى: أى
شىء أراده الله - تعالى -، أو ما الذى أراده الله - تعالى - بهذا العدد
المستغرب استغراب المثل .
وعلى الأول تكون ((ماذا)، بمنزلة اسم واحد .. وعلى الثانى: م
٢٦٣
سورة المدثر
مؤلفة من كلمة ((ما)) اسم استفهام مبتدأ، و((ذا)) اسم موصول خبره،
والجملة بعده صلة، والعائد فيها محذوف. و «مثلا، نصب على التمييز أوعلى
الحال ... وعنوا بالإشارة: التحقير، وغرضهم: نفى أن يكون ذلك من
عند الله - تعالى - ٠٠٠ (١)
واسم الإشارة فى قوله - تعالى -: ( كذلك يضل الله من يشاء
-ويهدى من يشاء، يعود إلى ما تضمنه الكلام السابق، من استيقان أهل
الكتاب، وازدياد المؤمنين إيمانا، واستنكار الكافرين ومن فى قلوبهم
عرض لهذا المثل .
أى : مثل ذلك الضلال الحاصل للذين فى قلوبهم مرض وللكافرين .
يضل الله - تعالى - من يشاء إضلاله من خلقه، ومثل ذلك الهدى
الحاصل فى قلوب المؤمنين ، يهدى الله من يشاء هدايته من عباده، إذ هو
- سبحانه - الخالق لكل شىء، وهو على كل شيء قدير.
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ما يخرس ألسنة الكافرين ، الذين أفكروا
هذا العدد الذى جعله الله - تعالى - على سقر، ليتصرف فيها على حب
إرادته - تعالى - ومشيئته، فقال: ((وما يعلم جنود ربك إلا هو)).
-والجنود. جمع جند، وهو اسم لما يتألف منه الجيش من أفراد .
والمراد بهم هنا: مخلوقاته - تعالى -الذين سخرم لتنفيذ أمره، وسموا
-جنودا، تشبيها لهم بالجنود فى تنفيذ مراده - سبحانه ..
أى: وما يعلم عدد جنود ربك - أيها الرسول الكريم -، ولا مبلغ
-قوتهم، إلا هو - عز وجل -، وما هذا العدد الذى ذكرناه لك إلا جزء
من جنودنا، الذين حجبنا علم عددهم وكثتهم ... عن غيرنا.
(١) " تفسير الآلوسى = ٢٩ ص ١٢٧
٢٦٤
الجزء التاسع والعشرون
قال الإمام ابن كثير: قوله - تعالى -: ((وما يعلم جنود ربك إلا هو».
أى: وما يعلم عددهم وكثرتهم إلا هو - تعالى -، لئلا يتوهم متوهم أنماهي
تسعة عشر فقط .
وقد ثبت فى حديث الإسراء المروى فى الصحيحين وغيرهما ، عن
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال فى صفة البيت المعمور؛ الذى
فى السماء السابعة: ((فإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ... )) (١) ..
والضمير فى قوله: (( وما هى إلا ذكرى للبشر ، يعود إلى سقر.
أى: وما سقر التى ذكرت لكم أن عليها تسعة عشر ملكا يكون أمرها،
إلا تذكرة وعظة للبشر، لأن من يتذكر حرها وسغيرها وشدة عذابها ..
من شأنه، أن يخلص العبادة لله - تعالى-، وأن يقدم فى دنياه العمل الصالح.
الذى ينفعه فى أخراه .
وقيل: الضمير للآيات الناطقة بأحوال سقر. أى: وما هذه الآيات ..
التى ذكرت بشأن سقر وأهوالها إلا ذكرى للبشر.
ثم أبطل - سبحانه - ما أفكره الذين فى قلوبهم مرض، وما أذكره
الكافرون، مما جاء به القرآن الكريم، فقال: ((كلا والقمر. والليل إذا.
أدبر. والصبح إذا أسفر. إنها لإحدى الكبر. فذيرا للبشر. لمن شاء منكم.
أن يتقدم أو يتأخر)).
و « کلا، حرف ز جر وردع وإبطال ثکلام سابق. والواو فی قوله : .
« والقمر، للقسم والمقسم به ثلاثة أشياء: القمر والليل والصبح، وجواب
القسم قوله : «إنها لإحدى الكبر ...
أى: كلا، ليس الأمر كما أفكر هؤلاء الكافرون، من أن تكون ..
(١) راجع تفسير ابن كثير <ـ ٨ ص ٢٩٥
٢٦٥
سورة المـر
عدة الملائكة الذين على سقر، تسعة عشر ملكا ، أو من أن تكون
سقر مصير هؤلاء الكافرين، أو من أن فى قدرتهم مقاومة هؤلاء
الملائكة . . .
كلا، ليس الأمر كذلك ، وحق القمر «الذى قدرناه منازل حتى
عاد كالعرجون القديم))، وحق «الليل إذا أدبر، أى: وقت أن
ولى ذاهبا بسبب إقبال النهار عليه، وحق ((الصبح إذا أسفر»، أى:
إذا أضاء وابتدأ فى الظهور والسطوع ،
والضمير فى قوله - تعالى -: ((إنها لإحدى الكبر، يعود
إلى سقر. والكبر: جمع كبرى ، والمراد بها : الأمور العظام ،
والخطوب الجسام .
أى: إن سقر التى تهكم بها وبخزنتها الكافرون، لهى إحدى الأمور
النظام، والدواهى الكبار، التى قل أن يوجد لها نظير أو مثيل فى عظمها
وفى شدة عذاب من يصطلى بنارها .
وأقسم - سبحانه - بهذه الأمور الثلاثة، لزيادة التأكيد، ولإبطال
ما تفوه به الجاحدون ، بأقوى أسلوب .
وكان القسم بهذه الأمور الثلاثة، لأنها تمثل ظهور النور بعد الظلام ،
والهداية بعد الضلال، ولأنها تناسب قوله - تعالى - قبل ذلك :
« كذلك يضل الله من يشاء ويهدى من يشاء)).
وأنتصب لفظ ((نذيرا)، من قوله: «نذيرا للبشر، على أنه حال
من الضمير فى قوله ((.إنها لإحدى الكبر)، أى: إن سقر لعظمى
المظائم، ولداهية الدواهى، خال كونها إنذارا للبشر، حتى يقلعوا عن
كفرهم وفسوقهم ، ويعودوا إلى إخلاص العبادة لخالقهم .
٢٦٦
الجزء التاسع العشرون
ويصح أن يكون تمييزا لإحدى الكبر، لما تضمنته من معنى التعظيم.
كأنه قيل: إنها لإحدى الكبر إنذارا البشر، وردعا لهم عن التمادى فى
الكفر والضلال ... فالنذر بمعنى الإنذار .
وقوله - سبحانه -: ((لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ، بدل
-مفصل من مجمل، هذا المجمل هو قوله ((للبشر)).
أى: إن سقر لهى خير منذر للذين إن شاءوا تقدموا إلى الخير ففازوا
- وإن شاءوا تأخروا عنها فهلكوا . فالمراد بالتقدم : التقدم نحو الطاعة .
والهداية. والمراد بالتأخر: التأخر عنهما والانحياز نحو الضلال والكفر
إذ التقدم تحرك نحو الإمام ، وهو كناية عن قبول الحق ، وبعكسه
:التأخر ...
ويجوز أن يكون المعنى: هى خير نذير لمن شاء منكم التقدم نحوها،
أو التأخر عنها .
وتعليق ((نذيرا)) بفعل المشيئة، للإشعار بأن عدم التذكير مرجعه
إلى أنطماس القلب، واستيلاء المطامع والشهوات عليه، وللإيذان بأن من
- لم يتذكر، فتبعة تفريطه واقعة عليه وحده ، وليس على غيره .
قال الآلوسى: قوله: (( لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر، الجار
والمجرور بدل من الجار والمجرور فيما سبق. أعنى (( البشر، وضمير شاء
للموصول. أى: نذيرا للمتمكنين منكم من السبق إلى الخير، والتخلف
عنه. وقال المدى: أن يتقدم إلى النار المتقدم ذكرها، أو يتأخر عنها
إلى الجنة. وقال الزجاج: أن يتقدم إلى المأمورات أو يتأخر عن
الجنيهات .... (١)
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٩°ص ١٣١
٠
٢٦٧
سورة المدثر
ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر عدله فى أحكامه، وفى بيان
الأسباب التى أدت إلى فوز المؤمنين، وهلاك الكافرين .... فقال
- تعالى - :
كُلُ نَفْسِ بِمَا كَبَتْ رَمِنَةٌ
٢٨) !
: أُعْجَبَ الْعِينِ (َ فِي جَنَّتٍ يَتَسَآءُلُونَ ( عَنِ الْمُجْرِمِينَ.
. مُسَكَكُمْ فِى سَقَرَ ﴾ قَالُواْ لَمْنَكُ مِنَ الْمُصَلِينَ ﴾ وَلَمْنَكُ نُظْعِمٌ
: الْمِسْكِينَ ﴾ وَكُّ تَخُوضُ مَعَ الْخَبِضِينَ ﴾ وَكُ نُكَذِّبُ بِيَوْمٍ
◌ِلِّينِ ج ◌َتَّى أَتَنْنَا الْبَقِينُ (8َ لَا تَنفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَّافِعِينَ ﴾
ثَ لَهُمْ عَنِ النَّذِكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٦) كَنَّهُمْ ◌ٌُ مُسْتَفِرَةٌ (٣) فَتْ مِنْ
قُوَرَ ةٍ ﴿ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ أَمْرِيٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَّ ◌ُفًا مُنَشَّرَةَ يْ كَلَّا بَلَ
لَ يَقُونَ الْآَخِرَةَبِ كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ(يَنْ شّآءَ ذَكَرُهُ رَيْهِ وَمَا
◌ُذْكُرُونَ إِنَّ أَن يَشَآءَ اللهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ @
وقوله - تعالى -: ((رهينة) خبر عن ((كل نفس)،، وهو بمعنى
مرهونة. أى: كل نفس مرهونة عند الله - تعالى - بكسبها، مأخوذة
بعملها، فإن كان صالحا أنجاها من العذاب، وإن كان سيئا أهلكها ،
وجعلها محلا للعقاب .
قالوا: وإنما كانت مرهونة، لأن الله - تعالى - جعل تكليف
عباده كالذين عليهم ، ونفوسهم تحت استيلائه وقهره ، فهى مرهونة ،
٢٦٨
الجزء التاسع والعشرين
فمن وفى دينه الذي كلف به ، خلص نفسه من عذاب الله - تعالى - ،
الذى نزل منزلته علامة الرهن، وهو أخذه فى الدين، ومن لم يوف"
عنب)) (١)
والاستثناء فى قوله: (( إلا أصحاب اليمين ... ، استثناء متصل. أى=
كل نفس مرهونة بعملها ... إلا أصحاب اليمين وهم المؤمنون الصادقون
فإنهم مستقرون ((فى جنات)، عالية ((يتساءلون عن المجرمين)) أى: يسأل.
بعضهم بعضا عن أحوال المجرمين .
وهذا التساؤل إنما يكون قبل أن يروهم ، فإذا ما رأوهم سألوهم.
بقولهم: (ما سلككم فى سقر، أى: قال أصحاب اليمين للمجرمين : *
ما الذى أدخلكم فى سقر، وجعلكم وقودا لنارها وسعيرها؟ والسؤال.
إنما هو على سبيل التوبيخ والتحسير لهؤلاء المجرمين.
وعبر - سبحانه - بقوله: ((ما سلككم .. ، للإشعار بأن الزجهم ..
فى سقر، كان يعنف وقهر ، لأن السلك معناه: إدخال شىء بصعوبة وقسر،
ومنه قوله - تعالى -: ((كذلك نسلكه فى قلوب المجرمين . لا يؤمنون به.
حتى يروا العذاب الأليم ، .
ثم حكى - سبحانه - مارد به المجرمون على أصحاب اليمين فقال : .
«قالوا لم تك من المصلين. ولم فك قطعم المسكين. وكنا نخوض مع.
الخائضين. وكنا نكذب بيوم الدين. حتى أتاما اليقين)).
أى: قال المجرمون لأصحاب اليمين : الذى أدى بنا إلى الإلقاء فى.
مقر، أننا فى الدنيا لم نقم بأداء الصلاة الواجبة علينا، ولم نعط المسكين.
ما يستحقه من عطاء، بل بخلنا عليه، وحرمناه حقوقه ..
وكنا - أيضاً - فى الدنيا نحوض فى الأقوال السيئة وفى الأفعالـ
(١) حاشية الجمل على الجلالين ج ٤ ص ٠٤٤٣
٢٦٩
سورة المدثر
الباطلة مع الخائضين فيها، دون أن فتورع عن اجتناب شىء منها.
، وأصل الخوض: الدخول فى الماء ، ثم استمير للجدال الباطل،
وللأحاديث النی لا خير من ورائها .
وكنا - أيضاً - فكذب بيوم القيامة، وتنكر إمكانه ووقوعه،
موبقينا على هذا الإنكار والضلال , حتى أتانا اليقين، أى: حتى أدر كنا
الموت، ورأينا بأعيننا صدق ماكنا فكذب به .
فأنت ترى أن هؤلاء المجرمين قد اعترفوا بأن الإلقاء بهم فى سقر لم
يكن على سبيل الظلم لهم، وإنما كان بسبب تركهم للصلاة وللإطعام ،
وقعمدهم ارتكاب الباطل من الأقوال والأفعال، وتكذيبهم بيوم القيامة
وما فيه من حساب وجزاء ..
وقوله - سبحانه -: ((فما تنفعهم شفاعة الشافعين، حكم منه - سبحانه-
عليهم محرمانهم من يشفع لحم أو ينفعهم ..
أى. أن هؤلاء المجرمين لن تنفعهم يوم القيامة شفاعة أحدهم، فيما
- لو تقدم أحد للشفاعة لهم على سبيل الفرض والتقدير، وإنما الشفاعة
تنفع غيرهم من المسلمين .
والاستفهام فى قوله: «فالهم عن التذكرة معرضين. كأنهم حمر
- مستنفرة. فرت من قسورة .. )، للتعجيب من إصرارهم على كفرهم،
ومن إعراضهم عن الحق الذى دعاهم إليه نبيهم - ريش -.
والمراد بالتذكرة: النذكير بمواعظ القرآن وإرشاداته . والخمر: جمع
حمار: والمراد به الحمار الوحشى المعروف بشدة ففوره وهروبه،
إذا ما أحس بحركة المقتنص له .
وقوله: (( مستنفرة)) أى: شديدة النفور والحرب . فالسين والتاء
المبالغة .
٢٧٠
الجزء التاسع والعشرون
والقسورة : الأسد ، سهى بذلك يقسر غيره من السباع ويقهرما.
وقيل : القسورة اسم لجماعة الرماة الذين يطاردون الخمر الوحشية ،
ولا واحد له من لفظه. ويطلق هذا اللفظ عند العرب على كل من كان بالغ
النهاية فى الضخامة والقوة، من القسر بمعنى القهر. أى: ما الذى حدث.
لهؤلاء الجاحدين المجرمين، فجعلهم يصرون إصرارا تاما على الإعراض
عن مواعظ القرآن الكريم، وعنّ هداياته وإرشاداته، وأوامره ونواهيه ..
حتى لكأنهم - فى شدة إعراضهم عنه ، ونفورهم منه - حمر وحشية
قد نفرت بسرعة وشدة من أسد يريد أن يفترسها، أو من جماعة من الرماة.
أعدوا العدة لا صطيادها ؟
قال صاحب الكشاف: شبههم - سبحانه - فى إعراضهم عن القرآن،
واستماع الذكر والموعظة ، وشرادهم عنه ، بحمر جدت فى نفارها ما.
أفزعها .
وفى تشبيههم بالحمر : مذمة ظاهرة ، وتهجين لحالهم بين . كما فى قوله
- تعالى -: كمثل الحمار يحمل أسفارا))، وشهادة عليهم بالبله وقلة العقل.
ولا ترى مثل نفار حمير الوحش، واطرادها فى العدو، إذا رأبها رائب،
ولذلك كان أكثر تشبيهات العرب ، فى وصف الإبل، وشدة سيرها ، ..
بالحمر، وعدوها إذا وردت ماء فأحست عليه بقافص .. ، (١).
والتعبير بقوله: (( فمالهم .. ، وما يشبهه قد كثر استعماله فى القرآن ..
الكريم، كما فى قوله - تعالى -: « فمالهم لا يؤمنون .. ))، والمقصود منه
التعجيب من إصرار المخاطبين على باطلهم، أو على معتقد من معتقداتهم ..
مع أن الشواهد والبينات تدل على خلاف ذلك .
وقال - سبحانه - ((عن التذكرة)) بالتعميم، ليشمل إعراضهم كل.
شئ. يذكرهم بالحق ، ويصرفهم عن الباطل ..
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٠٦٥٦
1
٢٧١
سورة المدثر
وقوله - سبحانه - : ((بل يريد كل امرى. منهم أن يؤتى صحفا
منشرة)) معطوف على كلام مقدر يقتضيه المقام، وهو بيان لرذيلة أخرى
من رذائلهم الكثيرة .
والصحف : جمع صحيفة، وهى ما يكتب فيها. ومنشرة صفة لها.
والمراد بها: الصحف المفتوحة غير المطوية ، بحيث يقرؤها كل من رآها .
وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآية: أن المشركين قالوا للرسول-{ل:
أن نتبعك حتى تأتى لكل واحد منا بكتاب من السماء، عنوانه: من رب
العالمين ، إلى فلان بن فلان ، نؤمر فى هذا الكتاب باتباعك ..
أى: إن هؤلاء الكافرين لا يكتفون بموافظ القرآن .. بل يريدكل
وأحد منهم أن يعطى صحفا مفتوحة ، وكتبا غير مطوية ، بحيث يقرؤها
كل من يراها، وفيها الأمر من الله - تعالى - لهم بوجوب اتباعهم.
الرسول - ملح -.
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: أو ترقى فى السماء ولن أؤمن.
لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه .. )).
وقوله - سبحانه -: ((كلابل لا يخافون الآخرة، إبطال آخر
لكلامهم، وزجرلهم عن هذا الجـ ال السخيف. أى: كلا ليس الأمركا
أرادوا وز عموا، بل الحق أن هؤلاء القوم لا يخافون الآخرة، وما فيها
من حساب وجزاء، لأنهم لو كانوا يخافون لما اففرحوا تلك المقترحات.
السخيفة المتعنتة . .
وقوله - تعالى - بعد ذلك: ((كلا إنه تذكرة)) زجر آخر مؤكد
الزجر السابق . أى: كلا ثم كلا، لن نتمكنهم مما يريدون ، وأن نستجيب
المقترحاتهم السخيفة .. لأن القرآن الكريم، فيه التذكير الكافى، والوعظ
الشافى، لمن هو على استعداد للاستجابة لذلك .
٢٧٢٠
الجزء التاسع والعشرون
فالضمير فى ((إنه)) يعود إلى القرآن، لأنه معلوم من المقام، والجملة
بمنزلة التعليل الردع عن سؤالهم الذى اقترحوا فيه تنزيل صحف مفتوحة
من عند الله - تعالى - تأمرهم باقباع الرسول - صلى الله عليه وسلم -
وقوله - سبحانه -: (( فمن شاء ذكره، تفريع على كون القرآن
تذكرة وعظة لمن كان له قلب يفقه ، أو عقل يعقل .
أى: إنالقرآن الكريم مشتمل على ما يذكر الإنسان بالحق ، وما يهديه
إلى الخير والرشد، فمن شاء أن يتغظ به اتعظ، ومن شاء أن ينتفع بهداياته
انتفع، ومن شاء أن يذكر أوامره ونواهيه وتكاليفه .. . فعل ذلك،
وظفر بما يسعده، ويشرح صدره .
والتعبير بقوله - تعالى - ,فمن شاء ذكره، يشعر بأن تذكر
القرآن وحفظه، والعمل بأحكامه وإرشاداته .. . فى إمكان كل من
كان عنده الاستعداد لذلك .
٠
أى : إن التذكر طوع مدينتكم - أيها الناس - متى كنتم جادين
وصادقين ومستعدين لهذا التذكر، فاعملوا لذلك بدون إبطاء أو تردد .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بما يدل على نفاذ مشيته
وإرادته فقال: ((وما يذكرون إلا أن يشاء الله، هو أهل التقوى وأهل
المغفرة )) .
أى : فمن شاء أن يذكر القرآن وما فيه من مواعظ، ذكر ذلك ،
.ولكن هذا التذكر والاعتبار والاتعاظ .... لا يتم بمجرد مشيتكم ،
وإنما يتم فى حال مشيئة الله - تعالى - وإرادته، فهو - سبحانه -
.((أهل التقوى)) أى: هو الحقيق بأن يتقى ويخاف عذابه، وهو - عز وجل))
٢٧٣
سورة المدثر
((أهل المغفرة)، أى: هو - وحده - صاحب المغفرة لذنوب عباده،
لا يسأل عما يفعل وهم يسألون .
فالمقصود من الآية الكريمة، بيان أن هذا التذكر لمواعظ القرآن ،
لا يتم إلا بعد إرادة الله - تعالى - ومشيئته، لأنه هو الخالق الكل
. ضىء، وبيان أن مشيئة العباد لا أثر لها إلا إذا كانت موافقة لمشيئة الله،
مثلالتى لا يعلمها أحد سواه .
أخرج الإمام أحمد والترمذى والنسائى وابن ماجه عن أنس أن رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ هذه الآية ((هو أهل التقوى وأهل المغفرة))
. فقال: قد قال ربكم أنا أهل أن أتقى فلا يجعل معى إله ، فمن اتقانى فلم
يجعل معى إلها آخر، فأنا أهل أن أغفر له.
وبعد : فهذا تفسير لسورة المدثر، نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا
لوجهه ونافعا لعباده. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الاسكندرية - العجمى - السبت ١١ من ذى الحجة سنة ١٤٠٦ هـ
١٦٠٠ /١٩٨٦/٨ م
(م ١٨ - جزء تبارك)
تَفسِرْسُورة
((القيامة"
بسْهِمْل ◌ِح الرحيمُ
سورة (( القيامة ))
١ - سورة ((القيامة)) من السور المكية الخالصة، وتعتبر من السور
التى كان نزولها فى أوائل المهد المكى، فهى السورة الحادية والثلاثون فى
ترتيب النزول، وكان نزولها بعد سورة ((القارعة)) وقبل سورة ((الهمزة)).
أما ترتيبها فى المصحف فهى السورة الخامسة والسبعون .
وعدد آياتها أربعون آية فى المصحف الكوفى ، وتسع وثلاثون
فى غيره .
٢ - والسورة الكريمة زاخرة بالحديث عن أهوال يوم القيامة،
وعن أحوال الناس فيها: وجوه يومئذ ناضرة . إلى ربها ناظرة . ووجوه
يومئذ باسرة . تظن أن يفعل بها فاترة ....
كما أنها تتحدث عن إمكانية البعث، وعن حتمية وقوعه: «أيحسب
الإنسان أن يترك سدى. ألم يك نطفة من منى يمنى. ثم كان علقة فخلق
فسوى. فجعل منه الزوجين الذكر والأنى . أليس ذلك بقادر على أن
يحيى الموتى)» ؟
ولقد روى عن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - أنه قال: من
سأل عن يوم القيامة ، أو أراد أن يعرف حقيقة وقوعه ، فليقرأ
هذه السورة » .
-
٢٧٦
الجزء التاسع والعشرون
قال - تعالى - :
بشـ
٠
1
لَا أَقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ () وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللََّامَةِ يَ ايَحسب
٠٠٠٤ ٠٨
١
آلْإِنسَنُ أَلَّنْ تَجْمَعَ عِظَامَهُ (ٌهَبَ قَدِرِينَ عَلَى أَنْ أُسَوِّىَ بَنَّانَهُ (٣)
بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَنُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ مْ يَسْعَلُ أَيَّنَ يَوْمُ الْقِيَّمَةِّ
فَإِذَابِ قَ الْبَصَرُيُ وَحَسَفَ اَلْقَمَرُيُ وَجْعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُهِ
يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَدٍ أَبْنَ الْمَفَرِّيَّ كَلَّا لَا وَزَرَ إِلَى رَبِّكَ
يَوْمَدِ الْمُسْتَقَرْيٌ يُنَبَُّأ ◌َلْإِنسَانُ يَوْمَيِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَرَ بَلِ
آلْإِنسَنُ عَلَ نَفْسِهِ، بَصِيرَةٌ ﴾ وَلَوْ أَلْقَ مَعَاذِبَهُِ (هَ لَا تُحَرِّكْ
◌ِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِة (8) إِنَّ عَلَيْنَا ◌َمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ ﴾ فَإِذَا
قَرَ أْنَهُ فَتَّبِعْ قُرْءَانَهُ (هُمَّإِنَّ عَلَيْنَا بَنُ نَّه
افتتح الله - تعالى - هذه السورة الكريمة بقوله - تعالى -:
لا أقسم بيوم القيامة ... ،.
وللعلماء فى مثل هذا التركيب أقوال منها: أن حرف (( لا ) هنا جى.به، أن
لقصد المبالغة فى تأكيد القسم، كما في قولهم: لا والله .
قال الألوسى: إدخال (( لا، النافية صورة على فعل القسم، مستفيض
فى كلامهم وأشعارهم .
٢٧٧
سورة القيامة
"ومنه قول امرىء القيس: لا وأبيك يا بنة العامرى ... )» يعنى: وأبيك.
ثم قال: وملخص ما ذهب إليه جار الله فى ذلك، أن ((لا)، هذه،
إذا وقعت فى خلال الکلام کقوله - تعالى - (( فلاوربك لا يؤمنون))
فهى صلة تزاد لتأكيد القسم، مثلها فى قوله - تعالى -: « لثلا يعلم أهل
الكتاب .. ، لتأكيد العلم .. )، (١).
ومنها: أن ((لا، هنا، جىء بها لنفى ورد كلام المشركين المنكرين
ليوم القيامة، فكأنه - تعالى - يقول: لا، ليس الأمر كما زعموا.
ثم قال : أقسم بيوم القيامة الذى يبعث فيه الخلق للجزاء .
قال القرطبى: وذلك كقولهم: لا والله لا أفعل . فلا هنا رد لكلام
قد مضى ، وذلك كقولك : لا والله إن القيامة لحق، كأنك أكذبت قوما
أفكروما ... )، (٢).
ومنها: أن «لا، فى هذا التركيب وأمثاله على حقيقتها للنفى، والمعنى
لا أقسم بيوم القيامة ولا بغيره ، على أن البعث حق، فإن المسألة أوضح
من أن تحتاج إلى قسم .
وقد رجح بعض العلماء القول الأول فقال : وصيغة («لا أقسم»
صيغة قسم، أدخل حرف النفى على فعل «أقسم، لقصد المبالغة فى تحقيق
حرمة المقسم به، بحيث يوهم السامع أن المتكلم يهم أن يقسم به، ثم يترك
القسم مخافة الحنت بالمقسم به فيقول : لا أقسم به، أى: ولا أقسم
بأعز منه عندى. وذلك كناية عن تأكيد القسم ... )،(٣).
(١) راجع تفسير الآلوسى = ٢٩ ص ٠١٣٥
(٢) راجع تفسير القرطبى ج ١٩ ص ٠٩٢
(٣) تفسير التحرير والتوير ج ٢٩ ص ٣٣٨
للشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
٢٧٨
الجزء التاسع والعشرون
والمراد بالنفس اللوامة : النفس النقية المستقيمة التى قلوم ذاتها على
ما فات منها، قهى - مهما أكثرت من فعل الخير - تتمنى أن لو ازدادت
من ذلك، ومهما قللت من قعل الشر، تمنت - أيضا - أن لو ازدادت من
هذا التقليل .
قال ابن كثير : عن الحسن البصرى فى هذه الآية: إن المؤمن والله
ما نراه إلا يلوم نفسه، يقول: ما أردت بكلمتى؟ ما أردت بأكلتي؟ ...
وإن الفاجر يمضى قدما ما يعاقب نفسه .
وفي رواية عن الحسن - أيضا - ليس أحد من أهل السموات والأرض
إلا يلوم نفسه يوم القيامة)) (١).
وجواب القسم يفهم من قوله - تعالى - بعد ذلك: «أبحسب الإنسان
أن لن نجمع عظامه».
والمراد بالإنسان : جنسه. أو المراد به الكافر المنكر للبعث .
والاستفهام للتوبيخ والتقريع .
وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآية أن بعض المشركين قال النبى
- صلى الله عليه وسلم -: يا محمد حدثنى عن يوم القيامة، فأخبره - صلى
الله عليه وسلم - عنه. فقال المشرك: لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك
- يا محمد -، أو يجمع اللّه العظام . فنزلت هذه الآية.
والمعنى : أقسم بيوم القيامة الذى لاشك فى وقوعه فى الوقت الذى
قشاؤه، وأقسم بالنفس اللوامة النقية التى تلوم ذاتها على الخير، لماذا لم
تستكثر منه، وعلى الشر لماذا فعلته، لنجمعن عظامكم - أيها الناس - ،
ولنبعثنكم للحساب والجزاء .
وافتتح - سبحانه - السورة الكريمة بهذا القسم، للإيذان بأن ماسيذكر
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ٣٠٠
٢٧٩
سورة القيامة
بعده أمر مهم، من شأن النفوس الواعية أن تستشرف له ، وأن تستجيب
لما اشتمل عليه من هدايات وإرشادات .
ووصف - سبحانه - النفس باللوامة بصيغة المبالغة، للإشعار بأنها
كريمة مستقيمة تكثر من لوم ذاتها، وتحض صاحبها على المسارعة فى
ء
· فعل الخيرات .
والعظام المراد بها الجسد، وعبر عنه بها، لأنه لا يقوم إلا بها،
وللرد على المشركين الذين اسفبعدوا ذلك، وقالوا - كما حكى القرآن
عنهم - : ((من يحي العظام وهي رميم)).
وقوله - سبحانه -: « بلى قادرين على أن نسوى بنائه، تأكيد
لقدرته - تعالى - على إحياء الموتى بعد أن صاروا عظاما فخرة، وإبطال
لنفيهم إحياء العظام وهي رميم .
و((قادرين) حال من فاعل الفعل المقدر بعد بلى. وقوله: ((نسوى))
- من النسوية، وهى تقويم الشىء وجعله متقنا مستويا. يقال: سوى فلان
الشىء، إذا جعله متساويا لا عوج فيه ولا اضطراب .
والبنان: جمع بنانة، وهى أصابع اليدين والرجلين ، أو مفاصل تلك
الأصابع وأطرافها .
أى: ليس الأمر كمازعم هؤلاء المشركون من أننا لا نعيد الانسان إلى
الحياة بعد موته للحساب والجزاء ، بل الحق أننا سنجمعه وسنعيده إلى
الحياة ، حالة كوننا قادرين قدرة تامة، على هذا الجمع لعظامه وجسده،
وعلى جعل أصابعه وأطرافه وأنامله مستوية الخلق، متقنة الصنع، كما كانت
قبل الموت .
وخصت البنان بالذكر، لأنها أصفر الأعضاء ، وآخر ما يتم ه
٢٨٠
الجزء التاسع والعشرون
الخلق ، فإذا كان - سبحانه - قادرا على تسويتها مع لطافتها ودقتها ،
فهو على غيرها مما هو أكبر منها أشد قدرة .
وقوله - تعالى -: «بل يريد الانسان ليفجر أمامه)» بيان لحال أخرى
من أحوال فجور هؤلاء المشركين وطغيانهم. وانتقال من إنكار
الحسبان إلى الاخبار عن حال هذا الانسان .
والفجور : يطلق على القول البالغ النهاية فى السوء، وعلى الفعل القبيح
المنكر، ويطلق على الكذب، ولذا وصفت المين الكاذبة، بالمين الفاجرة.
فيكون فجر بمعنى كذب، وزنا ومعنى.
ولفظ «الأمام» يطلق على المكان الذى يكون فى مواجهة الانسان.
والمراد به هنا: الزمان المستقبل وهو يوم القيامة ، الذى دل عليه قوله-
- تعالى - بعد ذلك: (( يسأل أيان يوم القيامة)).
أى: أن هذا الانسان المنكر للبعث والحساب لا يريد أن يكف عن
إنكاره وكفره ، بل يريد أن يستمر على فجوره وتكذيبه لهذا اليوم.
بكل إصرار وجحود ، فهو يسأل عنه سؤال استهزاء وتهكم فيقول:
(( أيان يوم القيامة)) أى: متى يجىء يوم القيامة هذا الذى تتحدثون عنه.
- أيها المؤمنون -، وتمدون ما فيه من حساب و جزاء ؟
قال القرطبي: قوله - تعالى -: ((بل يريد الانسان ليفجر أمامه ، قال.
ابن عباس: بعنى الكافر ، يكذب بما أمامه من البعث والحساب .. ودليله
(( يسأل أبان يوم القيامة). أى: يسأل متى يكون على وجه التكذيب.
والافكار ، فهو لا يقنع بما هو فيه من التكذيب، ولكن يأثم لما بين.
يديه . وما يدل على أن الفجور: التكذيب، ما ذكره الفتى وغيره ، من
أن أعرابيا قصد عمر بن الخطاب، وشكى إليه نقب إبله ودبرها - أى:
مرضها وجربها -، وسأله أن يحمله على غيرها فلم يحمله . فقال الأعرابى .-