النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ سورة المزمل خلانا على كذا، إذا وافقته عليه . وهو منصوب على التمييز . وقوله : ((قيلا)» بمعنى قولا. وقوله: ((أقوم)) بمعنى أفضل وأنفع. والمعنى : يأيها المزمل قم الليل إلا قليلا منه للعبادة والطاعة ، فإن العبادة الناشئة بالليل، هى أشد مواطأة وموافقة لإصلاح القلب، وتهذيب النفس، وأقوم قولا، وأنفع وقعا، وأفضل قراءة من عبادة النهار، لأن العبادة الناشئة بالليل يصحبها ما يصحبها من الخشوع والإخلاص ، لهدوء الأصوات بالليل ، وتفرغ العابد تفرغا قاما لعبادة ربه . قال الشوكانى ما ملخصه= قوله: « إن ناشئة الليل .. ، أى : ساعاته وأوقاته، لأنها تنشأ أولا فأولا، ويقال : نشأ الشىء بنشأ، إذا ابتدأ وأقبل شيئا بعد شىء، فهو ناشئ ... قال الزجاج : ناشئة الليل، كل مانشأ منه، أى: حدث منه .. والمراد ساعات الليل الناشئة، فاكتفى بالوصف عن الاسم الموصوف. وقيل : إن ناشئة الليل، هى النفس التى تنشأ من مضجعها للعبادة، أى: تنهض، من نشأ من مكانه ، إذا نهض منه. ,هى أشد وطأ، قرأ الجمهور (وطأ)، بفتح الواو وسكون الطاء مقصورة وقرأ بعضهم ((وطاء، بكسر الواو وفتح الطاء مدودة . والمعنى على القراءة الأولى = أن الصلاة الناشئة فى الليل ، أثقل على المصلى من صلاة النهار، لأن الليل للنوم .. ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((اللهم اشدد وطأنك على مضر)). والمعنى على القراءة الثانية: أنها أشد مواطأة وموافقة بين السمع والبصر ، والقلب واللسان ، لانقطاع الأصوات والحركات ، ومنه قوله - تعالى -: ((ليواطنوا عدة ما حرم الله، أى= ليوافقوا. ٢٢٢ الجزء التاسع والعشرون ((وأقوم قيلا)، أى: وأشد مقالا، وأثبت قراءة ، لحضور القلب. فيها، وهدوء الأصوات، وأشد استقامة واستمرارا على الصواب .. )) (١) وقوله - سبحانه -: ((إن لك فى النهار سبحا طويلا، تقرير للأمر بقيام الليل إلا قليلا منه للعبادة والطاعة والتقرب إليه - سبحانه - . والسبح مصدر سبح، وأصله الذهاب فى الماء والتقلب فيه، ثم استعمير للتقلب والتصرف المتسع، الذى يشبه حركة السابح فى الماء . أى: إنا أمرناك بقيام الليل للعبادة والطاعة، لأن لك فى النهار - أيها الرسول الكريم - تقلبا وقصرفا فى مهماتك ، واشتغالا بأعباء الرسالة ، يجعلك لا تستطيع التفرغ لعبادتنا، أما فى الليل فتستطيع ذلك لأنه وقت. السكون والراحة والنوم . فالمقصود من الآية الكريمة التخفيف والتيسير عليه - صلى الله عليه وسلم .. وبيان الحكمة من أمره بقيام الليل - إلا قليلا منه - للعبادة، حيث لم. يجمع - سبحانه - عليه الأمر بالتهجد فى الليل والنهار، وإنما يسر إعليه. الأمر، فجعله بالليل فحسب ، أما النهار فهو لمطالب الحياة، ولتبليغ رسالاته - سبحانه - إلى الناس. ثم أمره - سبحانه - بعد ذلك بالمداومة على ذكره ليلا ونهارا فقال :- (( واذكر اسم ربك وقبتل إليه تبتيلا. رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا)). وقوله - سبحانه -: ((وقبتل)) من التبتل، وهو الاشتغال الدائم بعبادة الله - تعالى -، والانقطاع لطاعته . ومنه قولهم ابتل فلان الحبل ، إذا قطعه، وامرأة بتول. أى: منقطعة من الزواج، ومتفرغة لعبادة المـ : . (١) راجع تفسير فتح القدر ج ٥ ص ٣١٧ للشوكانى ٢٢٣ سورة المزمل - تعالى -. والمراد به هنا: التفرغ لما يرضى الله - تعالى -، والاشتغال. بذلك عن كل شىء سواء . أى: وداوم - أيها الرسول الكريم - على ذكر الله - تعالى - عن طريق تسبيحه، وتحميده، وتكبيره ، وتفرغ لعبادته وطاعته تفرغا تاما، دون أن يشغلك عن ذلك شاغل . فربك - عزوجل ((هو رب المشرق والمغرب))، أى: هو - سبحانه .. رب جهتى الشروق والغروب الشمس . (( لا إله إلا هو، مستحق للعبادة والطاعة، ومادام الأمر كذلك. ((فاتخذه وكيلا » . أى: فاتخذه وكيلك الذى تفوض إليه أمرك، وتلجأ إليه فى كل أحوالك .. إذ الوكيل هو الذى توكل إليه الأمور، ويترك له التصرف. فيها ... وليس المراد بقوله - تعالى -: ((واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا» الانقطاع التام عن الأعمال، لأن هذا يتنافى مع قوله - تعالى - قبل ذلك : (((إن الك فى النهار سبحا طويلا))، وإنما المراد التنبيه إلى أنه - صلى الله عليه وسلم - ينبغى له أن لا يشغله السبح الطويل بالنهار ، عن طاعته - عن وجل -، وعن المداومة على مراقبته وذكره . ومما لاشك فيه أن ما كان يقوم به النبى - صلى الله عليه وسلم - من الاشتغال بأمر الدعوة إلى وحدانية الله - تعالى -، ومن تعليم الناس العلم النافع، والعمل الصالح ... كل ذلك يندرج تحت المواظبة على ذكر أنّه - تعالى - ، وعلى التفرغ لعبادته . وقال - سبحانه - ((وقبتل إليه تبتيلا)، ولم يقل تبتلا حتى يكون الفعل موافقا لمصدره، للإشارة إلى أن التبتل والانقطاع إلى الله يحتاجان : ٢٢٤ الجزء التاسع والعشرون إلى عمل اختيارى منه - صلى الله عليه وسلم -، بأن يجرد نفسه عن كل ما سوى الله - تعالى -، وبذلك يحصل التبتل الذى هو أثر التبتيل، بمعنى: ترويض النفس وتعويدها على العبادة والطاعة . ووصف - سبحانه - ذاته بأنه «رب المشرق والمغرب،، لمناسبة الأمر بذكره فى الليل والنهار ، وهما وقت ابتداء طلوع الشمس وغروبها، فكانه - سبحانه - بقول : داوم على طاعتى لأنى أقارب جميع جهات الأرض ، التى فيها تشرق الشمس وتغرب . والمراد بالمشرق والمغرب هنا: جنسهما، فهما صادقان على كل مشرق من مشارق الشمس، التى هى ثلاثمائه وستون مشرقا - كما يقول العلماء - وعلى كل مغرب من مغاربها التى هى كذلك .. والمراد بالمشرقين والمغربين كما جاء فى سورة الرحمن: مشرق ومغرب الشتاء والصيف . والمراد بالمشارق والمغارب كما جاء فى سورة المعارج - مشرق ومغربيكل. يوم للشمس والكواكب . ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك بالصبر الجميل، على أذى قومه فقال: ((واصير على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا ..... أى: اجعل يا محمد اعتمادك وتوكلك على وحدى، واصبر على ما يقوله أعداؤك فى حقك من أكاذيب وخرافات .. واهجرهم هجرا جميلا، أى: واعتزلهم وابتعد عنهم، وقاطعهم مقاطعة حسنة ، بحيث لا تقابل السيئة بمثلها ، ولا تزيد على هجرهم، بأن تسبهم ، أو ترميهم بالقبيح من القول ... قال الإمام الرازى ما ملخصه : والمعنى أنك لما اتخذتنى وكيلا فاصبر ٢٢٠ سورة المزمل على ما يقولون، وفوض أمرهم إلى ، فإنى لما كنت وكيلالك أقوم «بإ صلاح أمرك، أحسن من قيامك بإصلاح نفسك. واعلم أن مهمات العباد محصورة فى أمرين: فى كيفية معاملتهم مع الله، وقد ذكر - سبحانه - ذلك فى الآيات السابقة ، وفى كيفية معاملتهم مع الخلق، وقد جمع - سبحانه - كل ما يحتاج إليه فى هذا الباب فى هاتين الكلمتين، وذلك لأن الإنسان إما أن يكون مخالطا للناس، أو مجانبا لهم. فإن كان مخالطالهم فعليه أن يصبر على إيذائهم ... وإما أن يكون مجانبا لهم ، فعليه أن يهجرهم هجراجميلا ... بأن يجانبهم بقلبه وهواه، ويخالفهم فى أفعالهم، مع المداراة والإغضاء ... ))(١). وقوله - سبحانه -: ((وذرنى والمكذبين أولى النعمة ومهلهم قليلا)، أى: ودعنى وشأنى مع هؤلاء المكذبين بالحق ، ولا تهتم أنت بأمرهم، . فأنا خالقهم، وأنا القادر على كل شىء يتعلق بهم . . وقوله. ((أولى النعمة، وصف لهم جىء به على سبيل التوبيخ لهم، والتبكم بهم ، حيث جحدوا نعم الله، وتو هموا أن هذه النعم من مال أوولد - ستنفعهم يوم القيامة . والنعمة - بفتح النون مع التشديد -: تطلق على التنعم والشرفه وغضارة العيش فى الدنيا . وأما النعمة - بكسر النون - قاسم للحالة الملائمة لرغبة الإنسان من غنى أو عافية أو نحوهما. وأما النعمة - بالضم - فهى اسم المسرة. يقال: فلان فى نعمة - بضم : النون - أى : فى فرح وسرور . (١) تفسير مفخر الرازى = ٨ ص ٠٢٤٠ ( م ١٥ - جزء تبارك) ٢٢٦ الجزء التاسع والعشرون وقوله: (( ومهام قليلا)، أى: واتركهم ودعهم فى باطلهم وقتا قليلا، فسترى بعد ذلك سوء عاقبة تكذيبهم للحق . وقوله - سبحانه -: « إن لدينا أنكلا وجعما ... )) تعليل لما قبله. والأشكال: جمع فكل - بكسر النون وسكون المكاف - وهو القيد الثقبل، يوضع فى الرجل لمنع الحركة . وسميت القيود بذلك لأنها تجعل صاحبها موضع عبرة وعظة، أو لأنها تجعل صاحبها منوع من الحركة، والتقلب فى مناكب الأرض . أى: إن لدينا ما هو أشد من ردك عليهم ... وهو تلك القيود التى. تقيد حر كتهم بها، وإن لدينا(( جحما، أى: طعاما يلتصق فى الحلوق، فلا هو خارج منها ، ولا هو نازل عنها، بل هو ناشب فيها لبشاعته- ومرارته . = وهذا الطعام ذو الغصة، يشمل ما يتناولونه من الزقوم ومن الغسلين .. ومن الضريع، كما جاء فى آيات أخرى. والغصة: ما ينشب فى الحلق من ... عظم أو غيره . وجمعه غصص . وأن لدينا فوق كل ذلك «عذابا أليما، أى : عذابا شديد الإيلام. لمن ينزل به . فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد توعدت هؤلاء المكذبين بألوان. من العقوبات الشديدة، توعدتهم بالقيود التى تشل حر كتهم"، وبالنار. المشتعلة التى تحرق أجسادهم ، وبالطعام البشع الذى ينشب فى حلوقهم ، وبالعذاب الألى الذى يشقيهم ويذهم . والفظرف فى قوله - تعالى -: «يوم ترجف الأرض والجبال. منع وب بالاستقرار العامل فى الدنيا ، الذى هو الخبر فى الحقيقة. ٢٢٧ سورة المزمل أى : استقر لهم ذلك العذاب الأليم لدينا، يوم القيامة ، يوم تضطرب وقتزلزل الأرض والجبال . : ((وكانت الجبال، فى هذا اليوم ((كثيبا مهيلا)، أى: رملا مجتمعا، بعد أن كانت قبل ذلك الوقت أحجارا صلبة كبيرة . فقوله: ((كثيبا)، من كتب الشىء يكتبه، إذا جمعه من قرب ثم صبه، وجمعه كثب وكثبان ، وهى تلال الرمال المجتمعة كالربوة . . وقوله ((مهيلا، اسم مفعول من حال الشىء هيلا، إذا نثره، وفرقه بعد اجتماعه . والشىء المهيل: هو الذى يحرك أسفله فينهار أدلاء ويتساقط بسرعة. ثم يذكر - سبحانه - بعد ذلك هؤلاء المكذبين بما حل بالمكذبين من قبلهم، فيقول: « إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم، كما أرسلنا إلى فرعون رسولا. فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا، . أى: إنا أرسلنا إليكم - أيها المكذبون)) - ((رسولا، عظيم الشأن، رفيع القدر، هو محمد - صلى الله عليه وسلم -، ((شاهدا عليكم، أى: سيكون يوم القيامة شاهدا عليكم، بأنه قد بلغكم رسالة الله - تعالى- دون أن يقصر فى ذلك أدبى تقصير . والكاف فى قوله - تعالى -: (كما أرسلمنا إلى فرعون رسولا، للتشبيه. أى: أزسلمنا إليكم - يا أهل مكة - رسولا شاهدا عليكم هو محمد - صلى الله عليه وسلم -، كما أرسلنا من قبلكم إلى فرعون رسولا شاهدا عليه، هو موسى - عليه السلام - . وأكد الخبر فى قوله - تعالى -: ((إنا أرسلنا .. )) لأن المشركين، كانوا يشكرون نبوة النبى - صلى الله عليه وسلم -. وفكر رسولا، لأنهم كانوا يعرفونه حق المعرفة ، وللتعظيم من شأنه ٢٢٨ الجزء التاسع والعشرين - صلى الله عليه وسلم - . أى: أرسلنا إليكم رسولا عظيم الشأن، سامى المنزلة ، جامعا لكل الصفات الكريمة . والفاء فى قوله: ((فعصى فرعون الرسول، للتفريع. أى: أرهلنا إليكم رسولا كما أرسلنا إلى فرعون رسولا قبل ذلك، فكانت النتيجة أن عدى فرعون أمر الرسول الذى أرسلناه إليه، واستهزأ به ، وتطاول عليه فكانت عاقبة هذا التطاول، أن أخذفاه ((أخذا وبيلا)). أى : أهلكنا فرعون إملا كا شديدا، وعاقبناه عقابا ثقيلا. فوبيل بزنة فعيل - صفة مشبهة، مأخوذة من وبلّ المكان، إذا وخم هوازه وكان ثقيلا رديئا . ويقال مرعى وبيل، إذا كان وخما رديئا . وخص - سبحانه - موسى وفرعون بالذكر، لأن أخبارهما كانت مشهورة عند أهل مكة . و((أل)، فى قوله ((فعصى فرعون الرسول)) للعهد، أى فعصى فرعون الرسول المعهود عندكم، وهو موسى - عليه السلام - . قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم نكر الرسول ثم عرف؟ قلت: لأنه أراد : أرسلنا إلى فرعون بعض الرسل، فلما أعاده وهو معهود بالذكر ، أدخل لام التعريف، إشارة إلى المذكور بعينه (١))). وأظهر - سبحانه - اسم فرعون مع تقدم ذكره فقال «فعصى فرعون الرسول))، دون أن يؤتى بضميره، للإشعار بفظاعة هذا العصيان، وبلوغه النهاية فى الطغيان . والمقصود من هاتين الآيتين ، تهديد المشركين، بأنهم إذا ما استمروا فى تكذيبهم لرسولهم , محمد - صلى الله عليه وسلم - ، فقد يصيبهم من العذاب ما أصاب فرعون عناما عسى موسى - عليه السلام - . (١) تفسير الكشاف حـ ٤ ص ٠٦٤١ ٢٢٩ سورة المزمل ثم ذكرهم - سبحانه - بأهوال يوم القيامة ، لعلهم يتعظون أو يرتدعون فقال: « فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا. السماء منفطر به كان وعده مفعولا » . والاستفهام فى قوله: فكيف)، مستعمل فى التوبيخ والتعجيز . و((تتقون)، بمعنى تصونون أنفسكم من العذاب. ومعنى ((إن كفرتم)) إن بقيتم على كفركم وأصررتم عليه. وقوله ((يوما): منصوب على أنه مفعول به لقوله: (( تتقون)). وقوله : (( السماء منفطر به، صفة ثانية لهذا اليوم. والمراد بالولدان : الأطفال الصغار . وبه بمعنى فيه. والمقصود بهاتين الآيتين - أيضاً - تأكيد التهديد للمشركين، حتى يقلعوا عن شركهم وكفرم . أى: إذا كان الأمر كماذكرنا لكم من سوء عاقبة المكذبين، فكيف تصونون أنفسكم ، إذا ما بقيتم على كفركم، من عذاب يوم هائل شديد ، هذا اليوم من صفاته أنه يحول الشعر الشديد السواد للولدان، إلى شعر شديد البياض .. . وهذا اليوم من صفاته - أيضاً - أنه لشدة هو له، أن السماء - مع نظمها وصلابتها - تصير شيئا منفطرا - أى: متشققا (( به)) أى: فيه والضمير يعود إلى اليوم . وصدر - سبحانة - الحديث عن يوم القيامة، بلفظ الاستفهام (كيف)، الإشعار بشدة هو له، وأنه أمر يعجز الواصفون عن وصفه. ووصف - سبحانه - هذا اليوم بأنه يشيب فيه الولدان ، ثم وصفه بأن السماء مع عظمها تتدفق فيه، للارتقاء فى الوصف من العظيم إلى الأعظم، إذ أن تحول شعر الأطفال من السواد إلى البياض - مع شدته وعظمه - ، أشد منه وأعظم، انشقاق السماء فى هذا اليوم ... ٢٣٠ الجزء التاسع والعشرون قال صاحب الكشاف: وقوله: ((يجعل الولدان شيبا،: مثل فى الشدة . يقال فى اليوم الشديد: يوم يشيب نواصى الأطفال . والأصل فيه أن الهموم والأحزان، إذا تفاقمت على الإنسان ، أسرع فيه الشيب ، كما قال أبو الطيب : والهم يخترم الجسيم نحافة ويديب ناصية الصبى ويهرم ويجوز أن يوصف اليوم بالطول ، وأن الأطفال يبلغون فيه أوان الشيخوخة والشيب . وقوله : السماء منفطر به، وصف اليوم بالشدة - أيضا -، وأن السماء على عظمها وإحكامها تنفطر فيه، فماظنك بغيرها من الخلائق .. )) (١). ووصف - سبحانه - السماء بقوله: ((منفطر، بصيغة التذكير، حيث لم يقل منفطرة؛ لأن هذه الصيغة، صيغة نسب. أى: ذات انفطار، كما فى قولهم: امرأة مرضع وحائض، أى: ذات إرضاع وذات حيض. أو على تأويل أن السماء بمعنى السقف، كما فى قوله - تعالى -: «وجعلنا السماء سقفا محفوظا، أو على أن السماء اسم جنس واحده سماوة، فيجوز وصفه بالتذكير والتأنيث .. . و قوله «كان وعده مفعولا ، الضمیر فیه يعود إلى الخالق۔۔ عزوجل -. والوعد مصدر مضاف لفاعله . أى : كان وعد ربك نافذا ومفعولا، لأنه - سبحانه - لا يخلف موعوده . ويجوز أن تكون هذه الجملة صفة ثالثة لليوم ، والضمير فى وعده يعود إليه، ويكون من إضافة المصدر لمفعوله. أى: كان الوعد بوقوع يوم القيامة نافذا ومفعولا . (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٦٤٢. ٢٣١ سورة المزمل ثم ختم - سبحانه - هذه التهديدات بقوله: «إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا). واسم الإشارة (هذه، بعود إلى الآيات المتقدمة، المشتملة على الكثير -من القوارع والزواجر . والتذكرة: اسم مصدر بمعنى التذكير والاتعاظ والاعتبار . ومفعول ((شاء) محذوف. والمعنى: إن هذه الآيات التى سقناها لكم تذكرة وموعظة، فمن شاء النجاة من أهوال يوم القيامة، فعليه أن يؤمن بالله - تعالى - إيمانا حقا، وأن يتخذ بسبب إيمانه وعمله الصالح ، طريقا وسيلا إلى رضاربه -ورحمته ومغفر ته . والتعبير بقوله: ((فمن شاء اتخذ .. )) ليس من قبيل التخبير، وإنما تالمقصود به الحض والحث على سلوك الطريق الموصل إلى رضا الله - تعالى- بدليل قوله - تعالى - قبل ذلك: «إن هذه قذ كرة». أى: هذه الآيات تذكرة وموعظة ، فمن ترك العمل بها ساءت عاقبته ، ولم يكن من الذين ملكوا طريق النجاة . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - :«وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ، هذا، والمنأصل فى هذه الآيات الكريمة، - من أول السورة إلى هنا -، يراها قد نادت الرسول - صلى الله عليه وسلم- قدأ فيه ما فيه من الملاطفة والمؤانسة، وأمرته بأن يقوم الليل إلا قليلا متعبدا لربه، كما أمرته بالصبر على أذى المشركين، حتى بحكم اته - تعالى- بينه وبينهم ... كما يراها قد هددت المكذبين بأشد أنواع التهديد، وذكرتهم بأحوال يوم القيامة ، وما خل بالمكذوين من قبلهم ، وحرصهم على سلوك. الطريق المستقيم .. . ٢٣٢ الجزء التاسع والعشرون وبعد هذه الإنذارات المتعددة للمكذبين، عادت السورة الكريمة إلى .. الحديث عن قيام الليل لعبادة الله - تعالى - وطاعته ... فقال - سبحانه -:. إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُوُ أَدْنَى مِنْ تُلُنِ اَلَيْلِ وَنِصْفَهُ، وَتُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَّ وَاللهُ يُقَدِّرُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَّ عَلِمْ أَن ◌َّنِ. تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَهُ وأَمَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ عَلِمَ أَنْه أَسَتَكُونُ مِنْكُم مَّرْضٌَ وَءَاتَحُرُونَ يَضْرِبُونَ فِ الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَءَاخُرُونَ يُقَدِلُونَ فِى سَبِيلِ الَّهِ فَاقْرَهُ وأَمَا تَسِّرِّ ج مِنْهُ وَأَقِيمُواْالصَّلَوَةَ وَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَقْرِضُواْ اللّهَ قَرْضًا حَسَنَّا وَمَا تُقَدِمُوْ لِأَنْفُسِكُ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوُهُ عِندَالَه هُوَ خَيْرًّاً وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَأَسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّاللّ ◌َغَفُورٌ رَّحِيمْ ◌َّه : والمراد بالقيام فى قوله - تعالى -: ((إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى. من ثلثى الليل وقصفه وثلثه ... )، التهجد بالليل عن طريق الصلاة تقربا" إلى الله - تعالى . وقوله: ((أدنى)) بمعنى أقرب، من الدفو بمعنى القرب، تقول: رأيت فلانا أدنى إلى فعل الخير من فلان. أى: أقرب. واستعير هنا للأقل، ٢٣٣ سورة المزمل لأن المسافة التى بين الشىء والشىء إذا قربت كانت قليلة، وهو منصوب. على الظرفية بالفعل ((تقوم)). وقوله: ((ونصفه وثلثه، قرأه بعض القراء السبعة بالجر عطفا على (( ثلى الليل»، وقرأه الجمهور بالنصب عطفا على أدنى. والمعنى على قراءة الجمهور: إن ربك - أيها الرسول الكريم - يعلم. أنك تقوم من الليل ، مدة قد تصل قارة إلى ثلثى الليل ، وقد تصل تارة أخرى إلى نصفه أو إلى ثلثه ... على حسب ما يتيسرلك ، وعلى حسب أحوال الليل فى الطول والقصر .. والمعنى على قراءة غير الجمهور: إن ربك يعلم أنك تقوم قارة أقل من ثلثى الليل وتارة أقل من نصفه، وتارة أقل من ثلثه ... وذلك لأنك لم تستطع ضبط المقدار الذى تقومه من الليل، ضبطا دقيقا، ولأن النوم قارة يزيد وقته وتارة ينقص، والله - تعالى - قد رفع عنك المؤاخذة بسبب عدم تعمدك القيام أقل من ثلث الليل .. فالآية الكريمة المقصود منها بيان رحمة الله - تعالى - بنبيه - چ - حيث قبل منه قيامه بالليل متهجدا، حتى ولو كان هذا القيام أقل من ثلث الليل .. . -- ٠ وافتتاح الآية الكريمة بقوله - سبحانه -: (( إن ربك يعلم ... يشعر بالثناء عليه - صلى الله عليه وسلم -. وبالتلطف معه فى الخطاب، حيث إنه - صلى الله عليه وسلم - كان مواظبا على قيام الليل ، على قدر استطاعته، بدول تقصير أو فتور. وفى الحديث الشريف، أنه - صلى الله عليه وسلم -: قام الليل حتى تورمت قدماه)، . ٢٣٤ الجزء التاسع والعشرون ٠ والتعبير بقوله - تعالى -: ((أدنى من ثلثى الثيل ونصفه وثلثه، يدل على أن قيامه - صلى الله عليه وسلم - كان متفاوتا فى طوله وقصره، على ٤ حسب ما تيسر له - صلى الله عليه وسلم -، وعلى حسب طول الليل وقصره. وقوله - سبحانه -: ((وطائفة من الذين معك)) معطوف على الضمير المستتر فى قوله: ((تقوم)). أى: أنت - أيها الرسول الكريم - تقوم أدنى من ثلثى الليل ونصفه وثلثه ، وتقوم معك طائفة من أصحابك للصلاة معك ، أما بقية أصحابك فقد يقومون للتوجد فى منازلهم . روى البخارى فى صحيحه عن عائشة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم صلى ذات ليلة فى المسجد، فصلى بصلاته قاس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس ، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة ، فلم يخرج إليهم رسول الله - عَلَّ ـ، فلما أصبح قال: قد رأيت الذى صنعتم١، ولم يمنعنى من الخروج إليكم، إلا أنى خشيت أن تفرض عليكم). قال بعض العلماء: قوله: (( وطائفة من الذين معك، معطوف على الضمير المستكن فى ((تقوم)). وهو - وإن كان ضمير رفع متصل - ، قد سوغ العطف عليه :الفصل بينه وبين المعطوف . والمعنى: أن الله يعلم أنه كان يقوم كذلك جماعة من الذين آمنوا بك، واتبعوا هداك . وقد يقال : إن هذا يدل على أن قيام الليل لم يكن فرضا على جميع الأمة، وهو خلاف ما تقرر تفسيره فى أول السورة ، ويخالف - أيضا - مادات عليه الآثار المتقدمة هناك. والجواب: أنه ليس فى الآية ما يفيد أن الصحابة - رضوان الله ركـ ٢٣٥ سورة المزمل عليهم - كانوا جميعا يصلون مع النبى - برامج - صلاة التهجد فى جماعة واحدة ، فلعل بعضهم كان يقيمها فى بيته . فلاينا فى ذلك فرضية القيام على الجميع)) (١). وقوله - سبحانه -: ((والله يقدر الليل والنهار، بيان لشمول علمه - تعالى - ولنفاذ إرادته . أى: والله - تعالى - وحده، هو الذى يعلم مقادير ساعات الليل والنهار، وهو الذى يحدد زمانهما -- طولا وقصرا -، على حسب ما تقتضيه مشبتته وحكمته . ١ فالجملة الكريمة تفيد الحصر والاختصاص ، عن طريق سياق الكلام، ودلالة المقام . ٠ - وقوله - تعالى -: ((علم أن أن تحصوه فتاب عليكم، مؤكد لما قبله. وإحصاء الأشياء: عدها والإحاطة بها . والضمير المنصوب فى قوله «تحصوه)) يعود على المصدر المفهوم من قوله: ((يقدر، فى الجملة السابقة. والتوبة فى قوله - سبحانه -: ((فتاب عليكم، يصح أن تكون بمعنى المغفرة، وعدم المؤاخذة، أو بمعنى قبولها منهم، والتيسير عليهم فى الأحكام ، وتخفيفها عنهم . أى: والله - تعالى - هو الذى يقدر أجزاء الليل والنهار، وهو الذى يعلم - دون غيره - أنكم لن نستطيعوا تقدير ساعاته تقديرا دقيقا ... ولذلك خفف الله عنكم فى أمر القيام، ورفع عنكم المقدار المحدد، وغفر لكم ما فرط منكم من تقصير غير مقصود ، ورخص لكم - أن تقوموا المقدار الذى تستطيعون قيامه من الليل، مصلين ومتهجدين .. (١) تفسير آيات الأحكام حـ ٤ ص ٢٠٠ الشيخ محمد على السايس. ٢٣٦ الجزء التاسع والعشرون فالجملة الكريمة تقرر جانبا من فضل الله - تعالى - على عباده» ومن رحمته بهم ... والفاء فى قوله - تعالى -: ((فاقرؤا ما تيسر من القرآن، للإفصاح، والمراد بالقراءة الصلاة، وعمر عنها بالقراءة لأنها من أركانها .. أى: إذا؟ كان الأمر كما وضحت لكم، فصلوا ما تيسر لكم من الليل ... قال الآلوسي: قوله: ((فاقرء وا ما تيسر من القرآن، أى: فصلوه ما تيسر لكم من صلاة الليل، وعبر عن الصلاة بالقراءة ، كما عبر عنبة بسائر أركانها. وقيل: الكلام على حقيقته، من طلب قراءة القرآن بعينها. وفيه بعد عن مقتضى السياق . ومن ذهب إلى الأول قال: إن الله - تعالى - افترض قيام مقدار معين من الليل، لقوله: ((قم الليل إلا قليلا. نصفه ... الخ ،، ثم نسخ بقيام مقدار ما منه، فى قوله: ((فتاب عليكم. فاقرؤا ما تيسر من القرآن ... )، فالأمر فى الموضعين للوجوب ، إلا أن الواجب أولا كان معينا من معينات ، وثانيا كان بعضا مطلقا ، ثم نسخ وجوب القيام على الأمة مطلقا بالصلوات الخمس . ومن قال بالثانى . ذهب إلى أن الله - تعالى - رخص لهم فى ترك جميع القيام للصلاة، وأمر بقراءة شىء من القرآن ليلا، فكأنه قيل: فتاب عليكم ورخص لكم فى الترك، فاقرؤوا ما تيسر من القرآن ، إن شق عليكم القيام ... )، (١). وقال الإمام ابن كثير: وقوله: ((فاقرؤا ما تيسر من القرآن، أى: من غير تحديد يوقت، أى: لكن قوموا من الليل ما قيسر. وعبر عن .(١) راجع تفسير الآلوسي جـ ٢٩ ص ١١١ ٢٣٧ سورة المزمل الصلاة بالقراءة، كما قال فى آية أخرى: ((ولا تجهر بصلاتك، أى: بقراءتك ,ولا تخافت بها)). . وقد استدل الأحناف بهذه الآية على أنه لا يتعين قراءة الفاتحة فى الصلاة، بل لو قرأ بها أو بغيرها من القرآن، ولو بآية. أجزأه ، واعتضدوا مح-بث المسىء صلاته الذى فى الصحيحين، وفيه: « ثم اقرأ ما تيسر معك عن القرآن » . وقد أجابهم الجمهور بحديث عبادة ابن الصامت ، وهو فى الصحيحين - أيضا - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا صلاة - لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)). وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهى خداج ... غير مام ، وفى صحيح ابن خزيمة عن أبى هريرة مرفوعا : (((لا تجزىء صلاة من لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) (١). وقوله - سبحانه - بعد ذلك: «علم أن سيكون منكم مرضى، وآخرون يضربون فى الأرض يبتغون من فضل الله، وآخرون يقاتلون فى سبيل الله، فاقرؤوا ما تيسر منه ... )) بدل اشتمال من جملة: «علم أن لن تحصوه فتاب عليكم ... ،، أو هو كلام مستأنف لبيان الحكمة التى من أجلها خفف الله على المسلمين قيام الليل . · أى = صلوا من الليل على قدر استطاعتكم من غير تحديد بوقت ، خالقه - تعالى - يعلم أنكم لا تستطيعون ضبط ساعات الليل ولا أجزائه، فخفف عنكم لذلك، ولعله - أيضا - أن منكم المرضى الذين يعجزون عن قيام ثلنى الليل أو نصفه أو أقل من ذلك بقليل . (١) راجع تفسير ابن كثير جـ٧ ص ٢٨٤ ٢٣٨ الجزء التاسع والعشرون ومنكم - أيضا - الذين ((يضربون فى الأرض)) أى: يسافرون فيها للتجارة وللحصول على مطالب الحياة ، وهم فى كل ذلك يبتغون ويطلبون. الرزق من فضله - تعالى -. ومنكم - أيضا - الذين يقاتلون من أجل إعلاء كلمة الله، ويجاهدون. من أجل نشر دينه ومادام الأمر كذلك، فقد أبحت لكم - بفضلى وإحسانى - أن تصلوا من الليل ما تيسر لكم. وقد جمع - سبحانه - بين السعى فى الأرض لطلب الرزق، وبين الجهاد فى سبيله ، الإشعار بأن الأول لا يقل فى فضله عن الثانى، متى توفرت فيه النية الطيبة، وعدم الانشغال به عن ذكر الله - تعالى -. قال الإمام القرطى: سوى الله - تعالى - فى هذه الآ ية بين درجة المجاهدين والمكتسبين المال الحلال، النفقة على النفس والعيال ..... فكان هذا دليلا على أن كسب المال بمنزلة للجهاد فى سبيل الله. وفى الحديث الشريف : ما من جالب يجلب طعاما من بلد إلى بلد،. فيبيعه بسعر: يومه، إلا كانت منزلته عند الله كمنزلة الشهداء. ثم قرأ - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية .... (١) وأعيدت جملة («فاقرء وا ما تيسر منه، لتأكيد التيسير والتخفيف. وتقريره، وليعطف عليه ما بعده من بقية الأوامر، وهى قوله - تعالى -: («وأقيموا الصلاة، أى: وأدوها كاملة الأركان والخشوع والفن ... فى وقتها بدون تأخير . ٠ (( وآتوا الزكاة، أى: قدموها لمستحقيها من الفقراء والمساكين. وغيرهما ... (١) راجع تفسير القرطى حـ ١٩ ص ٥٥ ٢٣٩ سورة المزمل قال ابن كثير : أى: أقيموا الصلاة الواجبة عليكم، وآتوا الزكاة المفروضة، وهذا يدل لمن قال : إن فرض الزكاة نزل بمكة، لكن مقادير النصاب لم تبين إلا بالمدينة . (١) . وقوله: ((وأفرضوا الله قرضا حسنا)). والقرض: ما قدمته لغيرك. من مال، على أن يرده إليك بعد ذلك. والمراد من إقراض الله - تعالى -: إعطاء الفقراء والمساكين ما يحتاجونه على سبيل المعاونة والمساعدة. وشبه - سبحانه - إعطاء الصدقة للمحتاج، بقرض یقدم له - تعالى-، للإشعار بأن ما سيعطى لهذا المحتاج ، سيعود أضعافه على المعطى، لأن الله - تعالى - قد وعد أن يكافىء على الصدقة بعشر أمثالها، وهو - سبحانه - بعد ذلك يضاعف لمن يشاء الثواب والعطاء ، ووصف القرض بالحسن ، لحض النفوس على الإخلاص وعلى البعد. عن الرياء والأذى . . ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله: ((وما تقدموا لأنفسكم من خير)) أى: «أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وأفرضوا الله قرضا حسنا، وأفعلوا ما تستطيعونه - - بعد ذلك - من وجوه الخير، وما تقدموا لأنفسكم من هذا الخير الذى يحبه - سبحانه - «تجدوه عند الله .. أی : تجدوا ثوابه و جزاء، عند الله - تعالى - ، ففی الکلام إيجاز بالحذف ، وقد استغنى عن المحذوف بذكر الجزاء عليه . والهاء فى قوله ((تجدوه)) هو المفعول الأول. والضمير المنفصل فى قوله: ((هو خيراً وأعظم أجرا)، هو ضمير الفصل ... و((خيرا، هو المفعول الثانى. أى : كل فعل موصوف بأنه خير» (١) تفسير ابن كثير حـ ٧ ص ٢٨٦ ٢٤٠ الجزء التاسع والعشرون تقدمونه عن إخلاص لغيركم، لن يضيع عند الله - تعالى - ثوابه ، بل ستجدون جزاءه وثوابه مضاعفا عند الله - تعالى - . ((واستغفروا الله إن الله غفور رحيم)) أى: وواظبوا على الاستغفار وعلى التوبة النصوح ، وعلى التضرع إلى الله - تعالى - أن يغفر لكم ما فرط منكم، فإنه - سبحانه - واسع المغفرة والرحمة، لمن تاب إليه وأناب ... وبعد: فهذا تفسير السورة ((المزمل) نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده . الإسكندرية - العجمى: ظهر الاثنين ٦ من ذى الحجة سنة ١٤٠٦ م ١٩٨٦/٨/١١ م