النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
سورة نوح
وقوله: ((كلما، معمول لجملة: ((جعلوا، التى هى خبر إن، واللام فى
قوله ((لتغفر هم) للتعليل.
والمراد بأصابعهم: جزء منها . واستغشاء الثياب معناه : جعلها غشاء،
أى: غطاء لرءوسهم ولأعينهم حتى لا ينظروا إليه، ومتعلق الفعل
((دعوتهم، محذوف لدلالة ما تقدم عليه، وهو أمرهم بعبادة الله
وتقواة . ..
والمعنى: وإنى - يامولاى - كلما دعوتهم إلى عبادتك وتقواك
- وطاعتى فيما أمرتهم به، لكى تغفر لهم ذنوبهم .. ما كان منهم إلا أن
جعلوا أصابعهم فى آذانهم حتى لا يسمعوا قولى ، وإلا أن وضعوا ثيابهم
على رءوسهم وأبصارهم حتى لا يرونى، وإلا أن ((أصروا، إصرارا قاما
على كفرهم ((واستكبروا استكبارا)، عظيما عن قبول الحق، فأنت قرى
أن هذه الآية الكريمة، قد صورت عناد قوم نوح، وجحودهم للحق،
تصويرا بلغ الغاية فى استحبابهم العمى على الهدى.
فهى - أولا - جاءت بصيغة ((كام)) الدالة على شمول كل دعوة
وجهها إليهم نبيهم نوح - عليه السلام - أى: فى كل وقت أدعوهم إلى
- الهدى يكون منهم الإعراض ..
وهى - ثانيا - عبرت عن عدم استماعهم إليه بقوله - تعالى -:
((جعلوا أصابعهم فى آذانهم». وعبر عن الأنامل بالأصابع على سبيل
المبالغة فى إرادة سد المسامع، فكانهم لو أمكنهم إدخال أصابعهم جميعها فى
آذانهم لفعلوا، حتى لا يسمعوا شيئا ما يقوله نبيهم لهم.
فإطلاق اسم الأصابع على الأنامل من باب المجاز المرسل ، لعلاقة
البعضية، حيث أطلق - سبحانه - الكل وأراد البعض ، مبالغة فى
كراهيتهم لسماع كلمة الحق .
( م ١١ - جزء تبارك)

١٦٢
الجزء التاسع والعشرون
وهى - ثالثا - عبرت عن كراهيتهم لنبيهم ومرشدهم بقوله
- تعالى -: ((واستغشوا ثيابهم)) أى: بالغوا فى التغطى بها ، حتى
لكأنهم قد طلبوا منها أن تلفهم بداخلها حتى لا يتسنى لهم رؤيته إطلاقا.
وهذا كناية عن العداوة الشديدة ، ومنه قول القائل : ليس لى فلان.
ثياب العداوة .
وهى - رابعاً - قد بينت بأنهم لم يكتفوا بكل ذلك، بل أضافوا.
إليه الاصرار على الكفر، - وهو التشدد فيه، والامتناع من الإقلاع عنه.
مأخوذ من الصرة بمعنى الشدة - والاستكبار العظيم عن الاستجابة للحق.
فقد أفادت هذه الآية، أنهم عصوا نوحا وخالفوه مخالفة ليس هناك
ما هو أقبح منها ظاهرا، حيث عطلوا أسماعهم وأبصارهم ، وليس هناك
ما هو أقبح منها ياطنا ، حيث أصروا على كفرهم ، واستكبروا على
اتباع الحق .
ومع كل هذا الإعراض والعناد .. فقد حكت لنا الآيات بعد ذلك،
أن نوحا - عليه السلام - قد وأصل دعوته لهم بشتى الأساليب، فقال.
- كما حكى القرآن عنه -: «ثم إنى دعوتهم جهارا)).
وقوله : ((جهارا، صفة المصدر محذوف، أى: دعوتهم دعاء جهارا.
أى: مجاهرالهم بدعوتى ، بحيث صارت دعوتى لهم أمامهم جميعا.
(( ثم إنى أعلنت لهم، قارة ((وأسررت لهم إسرارا، تارة أخرى.
أى: أنه - عليه السلام - توخى ما يظنه يؤدى إلى نجاح دعوته،
وراعى أحوالهم فى ذلك ، فهو تارة يدعوهم جهرا، وقارة يدعوهم سراء .
وقارة يجمع بين الأمرين .
قال صاحب للكشاف: فإن قلت: ذكر أنه دعاهم ليلا ونهارا».

١٦٣
سورة نوح
ثم دعاهم جهارا ، ثم دعاهم فى السر والعلن ، فيجب أن تكون ثلاث
دعوات مختلفات حتى يصح العطف ؟
قلت : قد فعل - عليه السلام - كما يفعل الذى يأمر بالمعروف وينهى
عن المنكر، فى الابتداء بالأهون والترقى فى الأشد، فافتتح بالمناصحة فى
السر، فلما لم يقبلوا ثنى بالمجاهرة، فلما لم تؤثر ثلث بالجمع بين الإسرار
والإعلان .
ومعنى ((ثم)): الدلالة على تباعد الأحوال ، لأن الجهار أغلظ من
الإسرار، والجمع بين الأمرين أغاظ من إفراد أحدهما ... )) (١).
ثم حكى - سبحانه - جانبا من إرشادات نوح لقومه فقال :
((فقلت استغفروا ربكم ٢٠٠٠.
أى: فقلت لهم - على سبيل النصح والإرشاد إلى ما ينفعهم ويغريهم
بالطاعة -: ((استغفروا ربكم)) بأن قتوبوا إليه، وتقلعوا عن كفركم
وفسوقكم ((إنه)) - سبحانه - ((كان غفارا ..
أى : كثير الغفران لمن قاب إليه وأناب .
«يرسل السماء عليكم مدرارا، والمراد بالسماء هنا: المطر لأنه ينزل منها
وقد جاء فى الحديث الشريف أن من أسماء المطر السماء ، فقد روى الشيخان
عن زيد به خالد الجهنى أنه قال: صلى لنا رسول الله- مَ اللّه - صلاة
الصبح بالحديبية، على إثر سماء كانت من الليل .. ، أى: على إثر أمطار
كانت نازلة بالليل ...
ومنه قول بعض الشعراء :
إذا نزل السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا
والمدرار : المطر الغزير المتتابع ، يقال : درت السماء بالمطر،
(١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٠٦١٦

١٦٤
الجزء التاسع والعشرون
إذا نزل منها بكثرة وتتابع، والدر، والدرور معناه : السيلان . فقوله
((مدرارا)) صيغة مبالغة منهما .
أى: استغفروا ربكم وقوبوا إليه، فإنكم إذا فعلت ذلك أرسل الله
- تعالى - عليكم بفضله ورحمة، أمطارا غزيرة متتابعة ، لتنتفعوا بها
فى مختلف شئون حياتكم .
وفضلا عن ذلك: ((ويمدد كم بأموال بنين ويجعل لكم جنات)،
أى: بساتين عظيمة، ((ويجعل لكم أنهارا، جارية تحت أشجار هذه
الجنات ، لتزداد جمالا ونفعا . .
قال الإمام الرازى ما ملخصه: إن قوم نوح لما كذبوه زمانا طويلا،
حبس الله عنهم المطر، وأعقم أرحام نسائهم .. فرجعوا إلى نوح
فقال لهم : استغفروا ربكم من الشرك، حتى يفتح عليكم أبواب نعمه .
واعلم أن الاشتغال بالطاعة ، سبب لانفتاح أبواب الخيرات ، ويدل
عليه وجوه: أحدها: أن الكفر سبب لخراب العالم .. والإيمان سبب
لعمارة العالم . وثانيها : الآيات الكثيرة التى وردت فى هذا المعنى، ومنها
قوله - تعالى - = ((ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات
من السماء والأرض .. وثالثها : أن عمر خرج بسفسقى فمازاد على
الاستغفار. فقيل له ما رأيتك استسقيت؟ فقال: لقد استسقيت لكم
بمجاديح السماء - والمجاديح: جمع مِجدّح - بكسر فسكون - وهو
نجم من النجوم المعروفة عند العرب ..
وشكا رجل إلى الحسن البصرى الفاقة ، وشكا إليه آخر الجدب ،
وشكا إليه ثالث قلة النسل .. فأمر الجميع بالاستغفار . . فقيل له : أتاك
رجال يشكون إليك أنواعا من الحاجة، فأمرتهم جميعا بالاستغفار؟
فتلا الحق هذه الآيات الكريمة)) (١).
(١) تفسير الفخر الرازى ج ٨ ص ٠٢١٥

١٦٥
سورة نوح
وما قاله الإمام الرازى - رحمه الله -، يؤيده القرآن الكريم فى
كثير من آياته ، ويؤيده واقع الحياة التى نحياها وبشاهد أحداثها . .
أما آية القرآن الكريم فمنها قوله - تعالى -: ((وأن لو استقاموا على
الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا» (١) .
وقوله - سبحانه -: على لسان هود - عليه السلام - : ((وياقوم
استغفروا ربكم ثم قوبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة
إلى فوتكم .. ،(٢).
وقال - عز وجل -: (( من عمل صالحاً من ذكر أو أنتى وهو مؤمن،
فلنحيينه حياة طيبة .. ، (٣).
وأما واقع الحياه، فإننا نشاهد بأعيننا الأمم التى تطبق شريعة الله
- تعالى -، وتعمل بما جاء به النبي - صَبْدة -، من آداب وأحكام
وهدايات ...
نرى هذه الأمم سعيدة فى حياتها ، آمنة فى أوطانها، يأتيها رزقها رغدا
من كل مكان، وإذا أصابها شىء من النقص فى الأنفس أو الثمرات ..
فذلك من باب الامتحان الذى يمتحن الله - تعالى - به عباده، والذى
لا يتعارض مع كون العاقبة الطيبة إنما هى لهذه الأمم الصادقة فى إيمانها ..
وما يجرى على الأمم والشعوب ، يجرى - أيضا - على الأفراد
والجماعات ، ذلك سنة اللّه التى لا تتغير .
أما الأمم الفارقة عن أمر ربها ، فإنها مهما أو تيت من ثراء وبسطة
فى الرزق .. فإن حياتها دائما تكون متلبسة بالقلق النفسى، والشقاء
(١) سورة الجن. الآية ١٦.
(٢) سورة هود. الآ ية ٤٢
(٣) سورة النحل الآية ٩٧

١٦٦
الجزء التاسع والعشرون
القلبى، والاكتتاب الذى يؤدى إلى فساء الحال ، واضطراب البال .
وقوله - سبحانه - بعد ذلك حكاية عن نوح - عليه السلام - :
ما لكم لا ترجون لله وقارا. وقد خلقكم أطوارا)): بيان لما سلكه
نوح فى دعوته لقومه ، من جمعه بين الترغيب والترهيب .
فهو بعد أن أرشدهم إلى أن استغفارهم وطاعتهم لربهم، تؤدى بهم
إلى البسطة فى الرزق .. أتبع ذلك بزجرهم لسوء أدبهم مع الله - تعالى-،
منكرا عليهم استهتارهم واستخفافهم بما يدعوهم إليه.
وقوله: ((ما لكم )) مبتدأ وخبر ، وهو استفهام قصد به توبيخهم
والتعجيب من حالهم .
ولفظ ((قرجون)) يرى بعضهم أنه بمعنى تعتقدون. والوقار معناه:
التعظيم والإجلال ..
والأطوار: جمع طور، وهو المرة والتارة من الأفعال والأزمان ..
أى: ما الذى حدث لكم - أيها القوم - حتى صرتم لا تعتقدون لله
- تعالى - عظمة أو إجلالا، والحال أنه - سبحانه - هو الذى خلقكم
وأوجدكم فى أطوار متعددة ، نطفة ، فعلقة ، فمضغة ..
كما قال - سبحانه -: ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين. ثم جعلناه
قطفة فى قرار مكين . ثم خلقنا النطفة علقة ، فخلقنا العلقة مضغة ، فخلقنا
المضغة عظاما، فكسونا العظام لحما ، ثم أنشأباه خلقا آخر ، فتبارك الله
أحسن الخالقين )) (١) .
وكما قال - تعالى - الله الذى خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف
قوة، ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة ، يخلق ما يشاء، وهو العليم
القدير)) (٢) .
(١) سورة المؤمنون الآية ١٢، ١٤
(٢) سورة الروم . الآية ٥٤

١٦٧
سورة نوح
قال القرطبى ما ملخصه: قوله - تعالى - : ((مالكم لا قرجون لله
. وقارا .. ، قيل الرجاء هنا بمعنى الخوف.
أى: ما لكم لا تخافون لله عظمة وقدرة على أحدكم بالعقوبة ..
وقيل المعنى: ما لكم لا تعلمون لله عظمة .. أو لا ترون الله عظمة ..
أولا قبالون أن لله عظمة .. والوقار: العامة، والتوقير: التعظيم .. » (١)
وبعد هذا الترغيب والترهيب والتوبيخ .. أخذ فى لفت أنظارهم إلى
صنع الله فى خلقه، فقال: «ألم ترواكيف خلق الله سبع سماوات طباقا.
- وجعل القمر فيهن فورا، وجعل الشمس سراجا)).
والاستفهام فى قوله: ((ألم تروا .. ، للتقرير. والرؤية: بصرية
. وعلمية، لأنهم يشاهدون مخلوقات الله - تعالى - ويعلمون أنه - سبحانه -
هو الخالق. و((طباقا)): أى: متطابقة كل طبقة أعلى من التى تحتها .
أى: لقد علمتم ورأيتم أن الله - تعالى - هو الذى خلق ((سبع سماوات))
- مهطابقة، بعضها فوق بعض ((وجعل القمر فيهن فورا، أى : وجعل
- - سبحانه - بقدرته القمر فى السماء الدنيا فورا الأرض ومن فيها .
وإنما قال «فيهن، مع أنه فى السماء الدنيا، لأنها محاطة بسائر السموات
- فما فيها يكون كأنه فى الكل . أو لأن كل واحدة منها شفافة، فيرى
الكل كأنه سماء واحدة ، فساغ أن يقال: فيهن.
وقوله: ((وجعل الشمس سراجا، أى= كالسراج فى إضاءتها وتوهجها
وإزالة ظلمة الليل إذ السراج هو المصباح الزاهر نورا، الذى يضىء
- ما حوله ...
قال الآلوسي: قوله: ((وجعل القمر فيهن نورا، أى: منور لوجه
الأرض فى ظلمة الليل، وجعله فيهن مع أنه فى إحداهن - وهى السماء
(١) راجع تفسير القرطبى = ١٨ ص ٣٠٣

١٦٨
الجزء التاسع والعشرين
الدنيا -، كما يقال: زيد فى بغداد وهو فى بقعة منها ، والمرجح له الإنجاز.
والملابسة بالكلية والجزئيه، وكونها طباقا شفافة .
(( وجعل الشمس فراجا، يزيل الظلمة .... وقنوينه للتعظيم، وفى
الكلام تشبيه بليغ ، ولكون السراج أعرف وأقرب ، جعل مشبها به ،
ولاعتبار التعدى إلى الغير فى مفهومه بخلاف النور ، كان أبلغ منه ٠٠ (١).
وقال بعض العلماء: وفى جعل القمر فورا، إيماء إلى أن ضوء القمر.
ليس من ذاته، فإن القمر مظلم، وإنما يستضىء بانعكاس أشعة الشمس.
على ما يستقبلها من وجهه ، بحسب اختلاف ذلك الاستقبال من تبعض.
وتمام، هو أثر ظهوره هلالا .. ثم بدرا .
وبعكس ذلك جعلت الشمس منراجا، لأنها ملتهبة، وأنوارها ذاتية ..
فيها، صادرة عنها إلى الأرض وإلى القمر، مثل أنوار السراج تملاً ..
البيت .. )) (٢).
ثم انتقل نوح - عليه السلام - من تنبيههم إلى ما فى خلق السموات.
والشمس والقمر من دلاله على وحدانية الله وقدرته .. إلى لفت أنظارم.
إلى التأمل فى خلق أنفسهم ، وفى مبدئهم وإعادتهم إلى الحياة مرة أخرى بعد.
موتهم، فقال - كما حكى القرآن عند -: ((والله أنبتكم من الأرض نباتا.
ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا ...
والمراد بأنبتكم: أنشأكم وأوجدكم، فاستعير الإنبات للإنشاء للمشابهة.
بين إنبات النبات، وإنشاء الإنسان ، من حيث إن كليهما تكوين وإيجاد.
للشىء بقدرته - تعالى - .
(١) راجع تفسير الآلوسى حـ ٢٩ ٠ ٧٥
(٢) راجع تفسير التحرير والتنوير للشيخ ابن عاشور حـ٢٩ ٢٠٤٠٥.

١٦٩
سورة نوح
والمراد بأنبتكم : أنبت أصلكم وهو أبوكم آدم ، فأنتم فروع عنه.
و ((نباتا ، مصدر لأنبت على حذف الزوائد ، هو مفعول مطلق لأنبتكم ،
جىء به للتوكيد، ومصدره القياسى (( إنباتا))، واختير ((نباتا، لأنه أخف
ټالى الجمل : قوله « نباتا، يجوز أن يكون مصدرا لأنبت علی حذف.
الزوائد ، ويسمى اسم مصدر ، ويجوز أن يكون مصدرا لنيتم مقدرا ..
أى: فنبتم نباتا، فيكون منصوبا بالمطاوع المقدر ٠٠(١) .
أى: والله - تعالى - هو الذى أوجد وأنشأ أبا كم آدم من الأرض
إنشاء، وجعلكم فروعا عنه، ثم يعيد كم إلى هذه الأرض بعد موتكم
لتكون قبورا لكم، ثم يخرجكم منها يوم البعث للحساب والجزاء.
وعبر - سبحانه - عن الإنشاء بالإنبات، لأن هذا التعبير بشعر
بأن الإنسان مخلوق محدث ، وأنه مثل النبات يحصد ثم يعود إلى الحياة
مرة أخرى .
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: أستعير الإنبات للإنشاء
كما يقال: زرعك الله للخير. وكانت هذه الاستعارة أدل دليل على الحدوث.
لأنهم إذا كانوا نباتا كانوا محدثين لا محالة حدوث النبات.» (٢).
.. ثم ختم نوح - عليه السلام - إرشاداته لقومه، بلفت أنظارهم إلى
فعمة الأرض التى يعيشون عليها، فقال: ((والله جعل لكم الأرض بساط!
لتسلكوا منها سبلا فجاجا».
أى: والله - تعالى - وحده هو الذى جعل لكم - بفضله ومنته ۔
(١) حاشية الجمل على الجلالين - ٤ - ٤١٢
(٢) تفسير الكشاف - ٤ ٥ـ ٦١٨

١٧٠
الجزء التاسع والعشرون
الأرض مبسوطة، حيث نتقلب عليها كما يتقلب النائم على البساط.
وجعلها لكم كذلك «لنسلكوا منها سيلا، أى: لكى تتخذوا
منها لأنفسكم طرقا, فجاجا، أى: متسعة جمع فج وهو الطريق الواسع.
وقوله: (( بساطا)، تشبيه بليغ. أى: جعلها لكم كالبساط، وهذا
لا يتنافى مع كون الأرض كروية، لأن الكرة إذا عظمت جدا ، كانت
القطعة منها كالسطح والبساط فى إمكان الانتفاع بها، والتقلب على أرجائها.
وهكذا نرى أن نوحا - عليه السلام - قد سلك مع قومه مسالك
متعددة ، لإقناعهم بصحة ما يدعوهم إليه ، ولحملهم على طاعته، والإيمان
بصدق رسالته .
لقد دعاهم بالليل والنهار، وفى السر وفى العلانية ، وبين لهم أن طاعتهم
قه - تعالى - تؤدى إلى إمدادهم بالأموال والأولاد، والجنات والأنهار
ووبخهم على عدم خشيتهم من الله - تعالى - ، وذ کرهم بأطوار خلقهم،
ولفت أنظارهم إلى بديع صنعه - سبحانه - فى خلق السموات والشمس.
والقمر ، ونبههم إلى نشأتهم من الأرض، وعودتهم إليها ، وإخراجهم منها .
للحساب والجزاء، وأرشدهم إلى نعم الله - تعالى - فى جعل الأرض
مبسوطة لهم .
وهكذا حاول نوح - عليه السلام - أن يصل إلى آذان قومه وإلى عقولهم
وقلوبهم . بشتى الأساليب الحكيمة، والتوجيهات القويمة. فى صبر طويل
وإرشاد دائم .
ولكن قومه كانوا قد بلغوا الغاية فى الغباء والجهالة والعناذ والطغيان
الذى نرى السورة الكريمة تحكى عن نوح - عليه السلام - ضراعته إلى
ربه، والتماسه منه - تعالى - استئصال شأفتهم، وقطع دابرهم، ولنستمع
فى تقدير إلى قوله - تعالى -:

١٧١
سورة نوح
قَالَ نُوحُ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِى وَتََّعُواْ مَن لَّْ يَزِدْهُ مَالُهُ, وَدُهٍُ
٠٠راء ,دروو
إِلََّسَارًا يَّ وَمَكُرُ واْ مَكْرًّا كُبَّارًا ﴾ وَقَالُوْلَ تَذَرُنَّءَ الَتَّكُرْ
وَلَا تَرُنَّ وَّا وَلَ سُوَئًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَسْرًا يٌ وَقَدْ أَضَلُواْ
كَثِيرًا وَلاَتَزِدِ الظَّالِنَ إِلَّ ضًَا (جَ مَّا خَطَِّتِمْ أُغْرِتُواْ
فَأَدْخِلُواْ نَارًا فَلَمْ يَجِدُواْلَهُم مِن دُونِ الَّهِ أَنْصَارًا (٥﴾ وَقَالَ
نُوحُ رَّبِّ لَا تَذَرُ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَِّرِينَ دَيَّاًا (*) إِنَّكَ إِنْ
تَذَرْهُمْ يُضِلُواْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُواْ إِلَّا فَاجًا كَفَّارًا ◌َ رَّبِ أَغْفِرْ :.
◌ِ وَوَلِدَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِىَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ
وَلَا تَزِدِ الظَّالِينَ إِلَّ تَبَارًا (٦َ
وقوله - سبحانه -: ((قال نوح رب إنهم عصونى، واتبعوا .. ))
كلام مستأنف، لأن ما سبقه يستدعى سؤالا تقديره : ماذا كانت عاقبة
قوم نوح بعد أن نصحهم ووعظهم بتلك الأساليب المتعددة ؟ فكان
الجواب: ((قال فوح)) - عليه السلام - بعد أن طال نصحه لقومه،
وبعد أن مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، وبعد أن يئس من إيمانهم
وبعد أن أخبره - سبحانه - أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن .
((قال)) متضرعا إلى ربه ((رب إنهم عصونى)، أى: إن قومى قد
عدونی وخالفوا أمرى، و کرهوا محبتى، وأصروا واستكبروا استكبارا
عظیما عن دعونى.

١٧٢
الجزء التاسع والعشرون
(( وأتبعوا من يزده ماله وولده إلا خسارا، أى: إنهم أصروا على
معصيتى، ولم يكتفوا بذلك بل بجانب إعراضهم عنى ، اتبعوا غيرى .. ..
اتبعوا رؤساءهم أهل الأموال والأولاد، الذين لم تزدهم النعم التى أفعمت ..
بها عليهم إلا خسرانا وجحودا، وضلالا فى الدنيا، وعقوبة فى الآخرة.
فالمراد بالذين لم يزدهم مالهم وولدهم إلا خسارا: أولئك الكبراء
والزعماء الذین رزقهم اللهالمال والولد، ولكنهم استعملوا نعمه فى معصيته
لا فى طاعته .
وقوله: (( ومكروامكرا كباراً، صفة أخرى من صفاتهم الذميمة ..
وهو معطوف على صلة ((من))، والجمع باعتبار معناها، كما أن الإفراد فى ..
الضمائر السابقة باعتبار اللفظ .
والمكر: هو التدبير فى خفاء لإنزال السوء بالممكور به.
أى: أن هؤلاء الزعماء الذين استعملوا نعمك فى الشر، لم يكتفولة
بتحريض أتباعهم على معصينى ، بل مكروا بى وبالمؤمنين مكرا قد بلغ.
النهاية فى الضخامة والعظم .
فقوله: ((كبارا) مبالغة فى الكبر والعظم. أى: مكرا كبيرا جدا.
لا تحيط بحجمه العبارة .
وكان من مظاهر مكرهم: تحريضهم لسفلتهم على إنزال الأذى بنوح.
- عليه السلام - وبأتباعه، وإيهامهم لهؤلاء السفلة أنهم على الحق ، وأن.
نوحا ومن معه على الباطل .
وكان من مظاهر مكرهم - أيضا - ما حكاه القرآن بعد ذلك عنهم فى
قوله : «وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث.
ويعوق ونسرا .. )).
أى: ومن مظاهر مكر هؤلاء الرؤساء أنهم قالوا لأتباعهم : احذروا.

١٧٣
سورة نوح
أن تتركوا عبادة آلهتكم . التى وجدتم على عبادتها آباء كم ، واحذروا
أيضا أن تتركوا عبادة هذه الأصنام الخمسة بصفة خاصة ، وهى : ود
وسواع ويغوث ويعوق وأسر ..
قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه: وهذه أسماء
أصنامهم التى كانوا يعبدونها من دون الله. فقد روى البخارى عن ابن عباس
صارت الأوثان التى كانت فى قوم نوح فى العرب بعد، أما دود)، فكانت
لقبيلة بنى كلب بدومة الجندل. وأما ((سواع)) فكانت لهذيل وأما ((يغوث))
حفكانت لبنى غطيف، وأما ((يعوق، فكانت لهمدان، وأما («نسر)) أكانت لحمير.
وهى أسماء رجال صالحين من قوم نوح - عليه السلام - ، فلما
-هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم ، أن انصبوا إلى مجالسهم التى كانوا
. يجلسون عليها أنصابا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا .. .
وقال ابن جرير: كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح، وكان لهم
أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم:
فوصورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكر ناهم. فصوروهم ، فلما ماتوا
وجاء آخرون، دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون
المطر. فعبدوهم .. )) (١).
وقوله - تعالى -: ((وقد أضلوا كثيرا، ولاتزد الظالمين إلا ضلالا،
معمول لقول مقدر، وهذا القول المقدر معطوف على أقوال نوح السابقة.
أى : قال نوح منا جیار به بعد أن يئس من إيمان قومه ، يارب،
إن قومى قد عصونى، وأنهم قد اتبعوار. سامهم المغرورين، وإن هؤلاء
الرؤساء قد مكروابى وبأتباعى مكرا عظيما ، ومن مظاهر مكرهم أنهم
حرضوا السفهاء على العكوف على عبادة أصنامهم، .. وأنهم قد أضلوا
خلقا كثيراً، بأن حيبوهم فى الكفر وكرهوا إليهم الإيمان .
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ٠٢٦٢

١٧٤
الجزء التاسع العشرون
وقال نوح - أيضاً - وأسألك يارب أن لا تزيد الكافرين إلا ضلالا
على ضلالهم، فأنت الذى أخبرتنى بأنه «لن يؤمن من قومك إلا من
قد آمن » .
وإذا فدعاء نوح - عليه السلام - عليهم بالازدياد من الضلال.
الذى هو ضد الهدى، إنما كان بعد أن يتس من إيمانهم ، ويعد أن أخبره ربه
أنهم لن يومنوا . .
قال صاحب الكشاف: قوله: ((وقد أضلوا كثيرا ، الضمير الرؤساء،.
ومعناه: وقد أضلوا كثيرا قبل هؤلاء الذين أمروهم بأن يتمسكوا بعبادة
الأصنام .. ويجوز أن يكون الضمير الأصنام، كقوله - تعالى ((إنهن.
أضللن کثیرا من الناس ».
فإن قلت: علام عطف قوله: ((ولا تزد الظالمين إلا ضلالا »؟ قلت :
علی قوله « رب إنهم عصون، علی حكاية كلام نوح .. ومعناه: قال رب
إنهم عصون، وقال: ولاتزد الظالمين إلا ضلالا ...
فإن قلت: كيف جاز أن يريدلهم الضلال ، ويدعو الله بزيادته ؟
قلت : لتصميمهم على الكفر ، ووقوع اليأس من إيمانهم .. ويجوز أن
يريد با الضلال، الضياع والهلاك .. ، (١).
وقوله - سبحانه -: ((مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا، فلم يجدوالهم.
من دون الله أنصارا، كلام معترض بين ضراعات نوح إلى ربه،
والمقصود به التعجيل ببيان سوء عاقبتهم، والتسلية للرسول - طيبة -
عما أصابه من قومه .
و((من)) فى قوله (( مما خطيئاتهم، للتعليل، وهما، مزيدة لتأكيد
هذا التعليل .
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٦٢٠.

١٧٥
سورة نوح
والخطيئات جمع خطيئة، والمراد بها هنا : الإشراك به - تعالى -
وتكذيب نوح - عليه السلام -، والسخرية منه ومن المؤمنين ..
أى : بسبب خطيئاتهم الشنيعة، وليس لسبب آخر , أغرقوا
فأدخلوا نارا، يصلون سعيره! فى قبورهم إلى يوم الدين، ولعذاب الآخرة
أشد وأبقى .
وهم عند ما نزل بهم الطوفان الذى أهلكهم ، وعندما ينزل بهم
عذاب الله فى الآخرة، أن يجدوا أحدا ينصرهم ويدفع عنهم عذابه - تعالى-
لا من الأصنام التى قواصوا فيما بينهم بالعكوف على عبادتها ، ولا من غير
هذه الأصنام ..
فالآية الكريمة تعريض بمشركى قريش، الذين كانوا يزعمون أن
أصنامهم ستشفع لهم يوم القيامة ، والذين حكى القرآن عنهم قولهم :
(((ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)).
والتعبير بالفاء فى قوله: «أغرقوا فأدخلوا نارا، فلم يجدوالهم من.
دون الله أنصارا)) للإشعار بأن دخولهم الناز كان فى أعقاب غرقهم بدون
مهلة ، وبأن صراخهم وعويلهم كان بعد نزول العذاب بهم مباشرة، إلا أنهم
لم يجدوا أحدا، يدفع عنهم شيئا من هذا العذاب الأليم .
ثم واصلت السورة الكريمة حكاية ما فاجى فوح به ربه، فقالت :
(( وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ... ).
. أى : وقال نوح متابعا حديثه مع ربه، ومنا جاته له ، يارب، لا تترك
على الأرض من هؤلاء الكافرين ((ديارا، أى: واحدا يسكن دارا،
أو واحدا منهم يدور فى الأرض ويتحرك عليها، بل خذهم جميعا أخذ
عزيز مقتدر .

١٧٦
الجزء التاسع والعشرون
فقوله ((ديارا)) مأخوذ من الدار، أو من الدوران، وهو التحرك.
والمقصود : لا تذر منهم أحدا أصلا، بل اقطع دابرهم جميعا.
قالوا: والديار من الأسماء التى لا نستعمل إلا فى النفى العام. يقال:
ما بالدار ديار ، أى : ليس بها أحد ألبتة . وهو اسم بزنة فيعال ...
وقوله «إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ... ، تعليل لدعائه عليهم
جميعا بالهلاك. أى: بارب لا تترك منهم أحدا سالما، بل أهلكهم جميعاً
لأنك إن تترك منهم أحدا على أرضك بدون إهلاك ، فإن هؤلاء المتروكين
من دأبهم - كما رأيت ذلك منهم زمانا طويلا - إضلال عبادك عن
طريق الحق ...
وقوله: ((ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا)) زيادة فى ذمهم وفى التشنيع
عليهم والفاجر: هو المتصف بالفجور ، الملازم له ملازمة شديدة ،
والفجور : هو الفعل البالغ النهاية فى الفساد والقبح .
والكفار : هو المبالغ فى الكفر، والجحود لنعم الله - تعالى -
أى : إنك يا إلهى أن تتركهم بدون إهلاك، يضلوا عبادك عن كل
خير ، وهم فوق ذلك ، لن يلدوا إلا من هو مثلهم فى الفجور والكفران،
لأنهم قد نشأوا أولادهم على كراهية الحق، وعلى محبه الباطل ."
قال الجمل: فإن قيل: كيف علم نوح أن أولادهم يكفرون؟ أجيب،
بأنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً ، فعرف طباعهم وأحوالهم،
وكان الرجل منهم ينطلق إليه بانبه ويقوله: احذر هذا - أى نوحا -
فإنه كذاب ، وإن أبى حذرنى منه ، فيموت الكبير، وينشأ الصغير
على ذلك » (١) .
وعلى أية حال فالذى نعتقده أن نوحا - عليه السلام - ما دعا عليهم
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٤١٥.

١٧٧
سورة المعارج
بهذا الدعاء ، وما قال فى شأنهم هذا القول - وهو واحد من أولى العزم
- من الرسل - إلا بعد أن ينس من إيمانهم ، وإلا بعد أن 'أخبره ربه
- (( أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن))، وإلا بعد أن رأى منهم
- بعد ألف سنة إلا خمسين عاماً عاشها معهم - أنهم قوم قد استحبوا
العمى على الهدى، وأن الأبناء منهم يسيرون على طريقة الآباء فى الكفر
والفجور ... وإلى جانب دعاء نوح - عليه السلام - على الكافرين
بالهلاك الساحق ... نراه يختتم دعاءه بالمغفرة والرحمة للمؤمنين، فيقول:
- «رب اغفرلى ولوالدى ....
أى: يارب أسألك أن تغفر لى ذنوبى، وأن تغفر لوالدى - أيضاً -
. ذنوبهما، ويفهم من هذا الدعاء أنهما كانا مؤمنين ، وإلا لما دعا لهما
بهذا الدعاء ..
(«ولمن دخل بيتي مؤمنا، أى: واغفريا إلهى لكل من دخل بينى
وهو متصف بصفة الإيمان، فيخرج بذلك من دخله وهو كافر كامر أته وابنه
الذى غرق مع المغرقين .
((وللمؤمنينوالمؤمنات)، أى: واغفر يارب ذنوب المؤمنين والمؤمنات بك
إلى يوم القيامة .
((ولا تزد الظالمين إلا تبارا، أى: ولا تزد الظالمين إلا هلاكا وخسارا
.. ودمارا. يقال: قبره يتبره، إذا أهلكه. ويتعدى بالتضعيف فيقال: قبره
- الله تتبيرا، ومنه قوله - تعالى -: ((إن هؤلاء متبرماهم فيه)).
وهكذا اختتمت السورة الكريمة بهذا الدعاء الذى فيه طلب المغفرة
المؤمنين ، والهلاك الكافرين .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ؟
القاهرة - مدينة نصر - صباح الجمعة ٢٦ من ذى القعدة سنة ١٤٠٦
١٩٨٦/٨/١
(م ١٢ - جزء تبارك)

تفسيرسورة
«الجن».

بسم الله الرحمن الرحيم
تفسير سورة («الجن))
١ - سورة ((الجن، من السود المكية الخالصة، وتسمى بسورة
((( قل أوحى .. ))، وعدد آياتها ثمان وعشرون آية بلاخلاف، وكان
نزولها بعد سورة (( الأعراف، وقبل سورة ((إس)) وقد سبقها فى ترتيب
النزول ثمان وثلاثون سورة، إذ هى السورة التاسعة والثلاثون
- كما ذكر السيوطى -
أما ترتيبها فى المصحف ، فهى السورة الثانية والسبعون .
٢ - والمتدير لهذه السورة الكريمة ، يراها قد أعطتنا صورة واضحة
عن عالم الجن، فهى تحكى أنهم أعجبوا بالقرآن الكريم ، وأن منهم
الصالح ومنهم غير الصالح، وأنهم لا يعلمون الغيب ، وأنهم أهل للثواب
والعقاب، وأنهم لا يملكون النفع لأحد، وأنهم خاضعون لقضاء الله
- تعالى - فيهم ..
كما أن هذه السورة قد ساقت لنا ألوانا من سنن الله التى لا تتخلف،
والتى منها : أن الذين يستقيمون على طريقه يحيون حياة طيبة فى الدنيا
والآخرة ...
كما أنها لقنت النبى - صَّ له - الإجابات التى يرد بها على شبهات
المشركين وأكاذيبهم ، وساقت له ما يسليه عن سفاهاتهم ، وما يشرح
صدره ، ويعينه على تبليغ رسالة ربه ..
ويبدو أن نزول هذه السورة الكريمة كان فى حوالى السنة العاشرة،
أو الحادية عشرة، من البعثة - كما سنرى ذلك من الروايات - ، وأن
نزولها كان دفعة واحدة ..
وقد اقتتحت هذه السورة بقوله - تعالى - :