النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
سورة المعارج
أى : إن الناس جميعا قد جبلوا على الجزع عند الضراء، وعلى المنع
عند السراء .. إلا المصلين منهم، الذين يواظبون على أدائها مواظبة قامة،
دون أن يشغلهم عن أدائها : عسر أويسر، أوغنى أو فقر ، أو إقامة أو سفر.
فهم من قال - سبحانه - فى شأنهم . . رجال لا قلوبهم تجارة ولا بيع
عن ذكر الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ؛ يخافون يوما تتقلب فيه القلوب .
.. والأبصار .. » .
وقال - سبحانه -: (( على صلاتهم دائمون، للإشارة إلى أنهم
لا يشغلهم عنها شاغل ، إذ الدوام على الشىء عدم قر كه .
وفى إضافة ((الصلاة)) إلى ضمير ((المصلين)) قنويه بشأنهم، وإشعار
باختصاصها بهم، إذ هم أصحابها الملازمون لها .
ثم وصفهم - سبحانه - بصفة ثانية فقال: ((الذين فى أموالهم حق
ممعلوم. السائل والمحروم).
والمراد بالحق المعلوم: ما أو جبوه على أنفسهم من دفع جزء من
أموالهم للمحتاجين، على سبيل التقرب إلى الله - تعالى - ، وشكره على
-نعمه. ويدخل فى هذا الحق المعلوم دخولا أوليا ما فرضه - سبحانه -
عليهم من زكاة أموالهم .
قالوا: ولا يمنع ذلك من أن تكون السورة مكية ، فقد يكون أصل
مشروعية الزكاة بمكة؛ ثم أتى تفصيل أحكامها بالمدينة ، عن طريق السنة
النبوية المطلقة .
والسائل: هو الذى يسأل غيره الصدقة والمحروم: هو الذى لا يسأل
غيره تعففا، وإن كان فى حاجة إلى العون والمساعدة .

١٤٢
الجزء التاسع والعشرون
أى : ومن الذين استثنام - سبحانه - من صفة الملح: أولئك
المؤمنون الصادقون الذين جعلوا فى أموالهم حقا معينا ، يخرجونه عن
إخلاص وطيب خاطر، لمن يستحقونه من السائلين والمحرومين ... على.
سبيل الشكر لخالقهم على ما أنعم عليهم من لحم .
ووصف - سبحانه - ما يعطونه من أموالهم بأنه ((حق)) الإشارة.
إلى أنهم - لصفاء أنفسهم - قد جعلوا السائل والمحروم، كأنه شريك.
لهم فى أموالهم، وكأن ما يعطونه له إنما هو بمثابة الحق الثابت عندهم له.
ثم وصفهم - سبحانه - بصفات كريمة أخرى فقال: (والذين يصدقون.
بيوم الدين))، والتصديق بيوم الدين معناه: الإيمان الجازم باليوم الآخر.
وما فيه من بعث وحساب وجزاء.
((والذين هم من عذاب ربهم مشفقون، أى : أن من صفاتهم .= أنهم.
مع قوة إيمانهم ، وكنرة أعمالهم الصالحة ، لا يجزمون بنجاتهم من عذاب
الله - تعالى -، وإنما دائما أحوالهم مبنية على الخوف والرجاء، إذ الإشفاق.
توقع حصول المكروه وأخذ الحذر منه .
وجملة (( إن عذاب ربهم غير مأمون)) تعليلية، ومقررة لمضمون.
ما قبلها، أى: إنهم مشفقون من عذاب ربهم ... لأن العاقل لا يأمن.
عذابه - عز وجل - ، مهما أتى من طاعات، وقدم من أعمال صالحة.
وشبيه بهذه الآية قوله - سبحانه -: ((والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم.
و جلة أنهم إلى ربهم راجعون)) (١) .
ثم قال - تعالى -: ((والذين هم لفروجهم حافظون . إلا على أزواجهم.
أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين. فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون».
(١) سورة المؤمنون إلاّ ية ٦٠

١٤٣
سورة المعارج
أى: أن من صفاتهم - أيضا - أنهم أعفاء، ممسكون لشهواتهم،
لا يستعملونها إلا مع زوجاتهم اللائى أحملهن - سبحانه - لهم، أو مع
ما ملكت أيمانهم من الإماء والسرارى .
وجملة ((فإنهم غير ملومين، تعليل الاستثناء. أى: هم حافظون.
لفروجهم، فلا يستعملون شهواتهم إلا مع أزواجهم. أو ما ملكت أيمانهم
فإنهم غير مؤاخذين على ذلك، لأن معاشرة الأزواج وما ملكت الأيمان
مما أحله الله - تعالى -.
وقوله : ((فمن ابتغى وراء ذلك .. ، أى: فمن طلب خلاف ذلك الذى.
أحله - سبحانه -.
((فأولئك هم العادون، أى: فأولئك هم المعتدون المتجاوزون حدود
خالقهم، الوالغون فى الحرام الذى نهى الله - تعالى - عنه.
يقال : عدا فلان الشىء يعدوه عدوا، إذا جاوزه وتر كه . أى :
أنهم تجاوزوا الحلال، وتركوه خلف ظهورهم ، واتجهوا ناحية الحرام.
فولغوا فيه .
وقوله: ((والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون)، أى: أن من صفات.
هؤلاء المؤمنين الصادقين ، الذين إذا مسهم الشر لا يجزعون ،
وإذا مسهم الخير لا يمنعون . .. أنهم لا يخلون بشىء
من الأمانات التى يؤتمنون عليها ، ولا ينقضون شيئا من العهود التى
يعاهدون غيرهم عليها ، وإنما هم يرعون ذلك ويحفظونه حفظا تاما .
فقوله ((راءون)) جمع راع، وهو الذى يرعى الحقوق والأمانات.
والعهود ويحفظها ويحوسها ، كما يحرس الراعى غنمه وإبله حراسة تامة .

١٤٤
الجزء التاسع والعشرون
وقوله: (( والذين هم بشهاداتهم قائمون، أى: والذين هم من صفاتهم
أنهم يؤدون الشهادة على وجها الحق ، فلا يشهدون بالزور أو الباطل،
ولا يكتمون الشهادة إذا طلب منهم أن يؤدوها، عملا بقوله - تعالى -:
٠٠ ..
((ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه
فالشهادات : جمع شهادة . والمراد بالقيام بها: أداؤها على أتم وجه
.وأكمله وأعدله ، إذ القيام بها يشمل الاهتمام بشأنها ، وحفظها إلى أن
يؤديها صاحبها على الوجه الذى يحبه - سبحانه - .
وكما افتتح - سبحانه - هذه الصفات الكريمة بمدح الذين هم على
صلاتهم دائمون ، فقد ختمها بمدح الذين يحافظون عليها فقال : ((والذين م
على صلاتهم يحافظون ، أى: يؤدونها كاملة غير منقوصة
وهذا الافتتاح والختام ، يدل على شرفها وعلو قدرها ، وأهتمام
الشارع بشأنها ...
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف قال: ((على صلاتهم دائمون)
ثم ((على صلاتهم يحافظون))؟
قلت : معنى دوامهم عليها ، أن يواظيوا على أدائها ، لا يخلون بها،
ولا يشتغلون عنها بشيء من الشواغل ...
ومحافظتهم عليها: أن يراعوا إسباغ الوضوء لها، ومواقيتها، وسننها،
وآدابها .. فالدوام يرجع إلى نفس الصلاة، والمحافظة تعود إلى
أحوالها)، (١).
(١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٠٦١٢

١٤٥
سورة المعارج
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هؤلاء المؤمنين الصادقين,
الذين حماهم - سبحانه - من صفة الطلح .. وصفهم بثمان صفات كريمة،
منها: المداومة على الصلاة ، والمحافظة على الإنفاق فى وجوه الخير ،
والتصديق بيوم القيامة وما فيه من ثواب وعقاب ، والحفظ لفروجهم،
~وأداء الأمانات والشهادات ...
ثم بين - سبحانه - ما أعده لهم من عطاء جزيل فقال: ((أولئك
- فى جنات مكرمون)، أى: أولئك المتصفون بذلك فى جنات عظيمة،
سويستقبلون فيها بالتعظيم والحفاوة .. حيث تقول لهم الملائكة: ((سلام
عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار )) .
-
وبعد هذه الصورة المشرقة لهؤلاء المكرمين .. أخذت السورة فى
تصوير موقف المشركين من دعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم -
إياهم إلى الحق، وفى تسايته عما لحقه منهم من أذى ، وفى بيان أحوالهم
السيئة عندما يعرضون للحساب ... فقال - تعالى -:
(م ١٠ - جزء تبارك)

١٤٦
الجزء التاسع والعشرون
قَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ :.
مُهْطِعِينَ () عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشَِّالِعِينَ (بَ أَيَطْمَعُ كُلْ أَحْرٍِ.
عِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّ نَعِد ◌َ كَّ إِنَّا خَلَمْثَلُهُمْ بِمَّ يَعْلَمُونَ (٣)
قَالَ أُقْسِمُ بِبِّ الْمَشَرِقِ وَالْمَغَرِبِ إِنَّ لَقَدِرُونَ (* عَ أَنْ تُبَدِّلَ.
خْراً مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِسْبُوقِنَ (٨) فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ خَتَّى.
◌ُكَفُوا يَوْمَهُمُ الَّذِى يُوعَدُونَ (﴾ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ.
سِرَاءَ كَأَهُمْ إِلَ نُصُبِ يُوفِضُونَ (*) خَشِعَةً أَبْصَلُهُمْ
تَّهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِى كَانُوْ يُوعَدُونَ.
والاستفهام فى قوله - تعالى - : ((فمال الذين كفروا قبلك مهطعين ..
حن البين وعن الشمال عزين .. ، للتعجيب من حال هؤلاء الذين كفروا».
ومن تصرفاتهم التى تدل على منفى الغفلة والجهل.
و((ما)، مبتدأ. و((للذين كفروا)) خبره.
وقوله ((مهطين)) من الإقطاع، وهو السير بسرعة، مع مد العنق،
واتجاه البصر نحو شيء معين ...
و «عزين، جمع عزة - كفتة - وهى الجماعة. وأصلها عِزْوَّة.

١٤٧
سورة المعارج
- بكسر العين - من العزو، لأن كل فرقة تعزى إلى غير من تعتزى إليه
الأخرى ، فلامها وأو. وقيل: لا مها هاء. والأصل عزمة.
قال القرطبى: والعزين: جماعات متفرقة. ومنه الحديث الذى خرجه
مسلم وغيره، أن الرسول الله - - خرج على أصحابه يوما فرآه
حلقا فقال: مالى أراكم عزين، ألا تصفون كما تصف الائكة عند ربها؟
قالوا: وكيف نصف الملائكة عند ربها؟ قال: يتمون الصفوف الأول،
ويقراسون فى الصف)،(١).
وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآيات، أن المشركين كانوا يجتمعون
حول النبى - ◌َلتم -، ويستمعون إليه، ثم يكذبونه ويستهزئون به
وبالمؤمنين، ويقولون: لمن دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمد - والله -،
فلند خلنها قبلهم، وليكون لنا فيها أكثر عمالهم .. (٢).
والمعنى : ما بال هؤلاء الكافرين مسرعين نحوك - أيها الرسول الكريم
- وفاظرين إليك بعيون لا تكاد تفارقك، وملتفين من حولك عن يمينك
وعن شمالك ، جماعات متعددة، ومظهرين التهكم والاستهزاء بك
وبأصحابك ؟
ما بالهم يفعلون ذلك مع علمهم فى قرارة أنفسهم بأنك أنت
الصادق الأمين ؟
وقدم - سبحانه - الظرف ,قبلك، الذى بمعنى جهنك، على قوله
((مهطين))، الاهتمام به، حيث إن مقصدهم الأساسى من الإسراع
هو الاتجاه نحو النبى - زلة -، للاستهزاء به وبأصحابه ..
(١) تفسير القرطبى = ١٨ ص ٠٢٩٣
(٢) تفسير الألوسى = ٢٩ ص ٠٦٤

١٤٨
الجزء التاسع والعشرون
والمراد بقوله: ((عن اليمين وعن الشمال,: جميع الجهات، إلا أنه
عبر بهاتين الجهتين ، لأنهما الجهتان اللتان يغلب الجلوس فيهما حول
الشخص .
وقوله: ((عزين)) تصوير بديع لا لتفافهم من حوله جماعات متفرقة
فى مشاربها ، وفى مآربها، وفى طباعها ...
والاستفهام فى قوله - تعالى - : « أطمع كل امرىء منهم أن يدخل
جنة نعيم .. ، للنفى والإنكار .
أى : أيطمع كل واحد من هؤلاء الكافرين أن يدخل الجنة التى هى
محل فعيمنا وكرامتنا بدون إيمان صادق ، وبدون عمل نافع ... ؟
وقوله - سبحانه - (( كلا)) ردع لهم وزجر عن هذا الطمع. أى:
كلا ليس الأمر كما يزعمون من أنهم سيد خلون الجنة قبل المؤمنين أو معهم
أو بعدهم ... وإنماهم سيكون مأواهم جهنم وبئس المصير.
وقال - سبحانه -: ((أيطمع كل امرىء منهم٠٠، ولم يقل:
أيطمعون أن يدخلوا الجنة ، للإشعار بأن كل واحد من هؤلاء الكافرين
كان طامعا فى دخولها، لاستيلاء الغرور والجهالة على قلبه ..
وجملة (( إنا خلقناهم مما يعلمون)) تأكيد لهذا الردع والزجر، وتهوين
من شأنهم ، وإبطال لغرورهم، وتنكيس لخلائهم بأسلوب بديع مهذب ..
لأن مما لاشك فيه أنهم يعلمون أنهم قد خلقوا من ماء مهين، ومن كان كذلك
فلا يليق به - متى كان عاقلا - أن يغتر أو يتطاول ..
قال صاحب الكشاف ما ملخصه: ويجوز أن يراد بقوله: «إنا خلقناهم
ما يعلمون)، أى : من النطفة المذرة ، وهى منصبهم الذى لا منصب
أوضع منه . ولذلك أبهم وأخفى : إشعارا بأنه منصب يستحيا من ذكره،
فمن أين يتشرفون ويدعون التقدم ، ويقولون: لندخلن الجنة قبلهم .

١٤٩
سورة المعارج
وقيل : معناه، إنا خلقناهم من نطفة كما خلقنا بنى آدم كلهم ، ومن
حكمنا أن لا يدخل أحد الجنة ، إلا بالإيمان والعمل الصالح ، فكيف
يطمع فى دخولها من ليس له إيمان وعمل .. )) (١).
ثم ساق - سبحانه - ما يدل على كمال قدرته ، وعلى زيادة التهوین من
شأن هؤلاء الكافرين ، والتحقير من أمرهم فقال: فلا أقسم برب المشارق
والمغارب إنالقادرون على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوتين .. )).
وجمع - سبحانه - هذا المشارق والمغارب ، باعتبار أن لها فى كل
يوم من أيام السنة مشرقاً معينا تشرق منه، ومغربا معينا تغرب فيه .
وقال فى سورة الرحمن «رب المشرقين ورب المغربين، أى: مشرق
ومغرب الشعاء والصيف .
وقال فى سورة المزمل: «رب المشرق والمغرب .. ، والمراد بهماهنا:
. جفسهما، فهما صادقان على كل مشرق من مشارق الشمس ، وعلى كل
مغرب من مغاربها . .
وبذلك يتبين أنه لا تعارض بين مجىء هذه الألفاظ قارة مفردة وتارة
بصيغة المثنى ، وقارة بصيغة الجمع.
وجملة («إنا لقادرون)): جواب القسم. أى: أقسم بالله - تعالى -
الذى هو رب مشارق الشمس والقمر والكواكب ومغاربها .. إنا القادرون
قدرة تامة ، على أن نبدل خيرا منهم، أى: على أن نخلق خلقا آخر خير أمنهم
ونهلك هؤلاء المجرمين إهلا كاتاما .. أو على أن نبدل ذواتهم ، فنخلفهم
خلقا جديدا يكون خيرا من خلقهم الذى هم عليه ... فإن قدرتنا
لا يعجزها شىء .
وقوله (( وما نحن بمسبوقين، معطوف على جواب القسم ومؤكدله.
(١) تفسير الكشاف = ٤ ص ٠٦١٤

١٥٠
الجزء التاسع والعشرون
أى: إذا لقادرون على ذلك، وما نحن بمغلوبين أو عاجزين عن أن نأتى
بقوم آخرين خير منهم .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ((يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله
والله هو الغنى الحميد. إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد. وما ذلك
على الله بعزيز .. ))(١).
وقوله - سبحانه -: ((وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم. ثم لا يكونوا
أمثالكم)) (٢) والمقصود بهذه الآيات الكريمة تهديد المشركين، وبيان
أن قدرته - تعالى - لا يعجزها شئء.
والفاء فى قوله: ((فذرهم يخوضوا ويلعبوا .. )) للتفريع على
ما تقدم. والخوض :طلق على السير فى الماء والمراد به هنا: الكلام الكثير
الذى لا نفع فيه .
واللعب: اشتغال الإنسان بشىء لا فائدة من ورائه. والمراد به هنا:
استهزاؤهم بالحق الذى جاء به النبى - {الله -.
أى: ما دام الأمر كما ذكرنالك - أيها الرسول الكريم - فاترك
هؤلاء الكافرين ، ليخوضوا فى باطلهم ، ويلعبوا فى دنياهم ،
ولا تلتفت إليهم . .
ودعهم فى هذهم وهوهم ((حتى يلافوا يومهم الذى يوعدون))
وهو يوم القيامة الذى لاشك فى إتيانه ووقوعه .
وقوله (( يوم يخرجون من الأجداث شراعا، بدل من ((يومهم،٠ ١
والأجداث جمع جدث - بفتح الجيم والدال - وهو القبر.
(١) سورة فاطر الآيات ١٧٠١٥
(٢) سورة محمد الآية ٣٨

١٥١
سورة المعارج
أى: اتركهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلافوا يومهم المختوم، وهو اليوم
الذى يخرجون فيه من قبورهم مسرعين إلى الداعى ..
((كأنهم إلى قصب يوفضون)) والنصب - بضمتين -: «حارة كانوا
يعظمونها . وقيل: هى الأصنام ، وسميت بذلك لأنهم كانوا ينصبونها
ويقيمونها للعبادة . .
ويوفضون . أى : يسرعون . يقال: وفض فلان يفض وفضاً
- كوعد -، إذا أسرع فى سيره.
أى: يخرجون من قبورهم مسرعين إلى الداعى ، مستبقين إليه، كا
كانوا فى الدنيا يسرعون نحو أصنامهم وآلهتهم لكى يستلموها، ويلتمسوا
- منها الشفاعة .
(( خاشعة أبصارهم، أى: يخرجون من قبورهم، حالة كونهم ذليلة
- خاضعة أبصارهم ، لا يرفعونها لما هم فيه من الخزى والهوان .
(ترهقهم ذلة، أى: تغداهم ذلة شديدة، وهوان عظيم. يقال:
. رهقه الأمر يرهقه رهقا، إذا غشبه بقهر وغلبة لا يمكن له دفعها ..
(ذلك اليوم الذى كانوا يوعدون، أى: ذلك الذى ذكرناه من
الأهوال، هو اليوم الذى كانوا يوعدونه فى الدنيا على ألسنة الرسل ،
والذى كانوا ينكرون وقوعه ، وهاهو ذا فى حكم الواقع ، لأن كل
ما أخبر - تعالى- عنه ، فهو متحقق الوقوع ، كما قال - سبحانه - فى أول
،الدورة: ((سأل سائل بعذاب وافع. للكافرين ليس له دافع .. ))
وهكذا فتتحت السورة بإ ثبات أن يوم القيامة حق، واختتمت كذلك
بإثبات أن يوم القيامة حق .. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم"؟
القاهرة - مدينة نصر . مساء الإثنين
٢١ من ذى القعدة سنة ١٤٠٦ هـ
٢٨ من يوليو سنة ١٩٨٦م

تفسيرسورة
نوح»

بسم اللهالرحمن الرحيم.
تفسير سورة («نوح ) - عليه السلام -
١ - سورة ((نوح)) - عليه السلام - من السور المكية الخالصة،
وسميت بهذا الاسم لا شتمالها على دعوته - عليه السلام - ، وعلى مجادلته
لقومه ، وعلى موقفهم منه ، وعلى دعائه عليهم ...
وكان نزولها بعد سورة ((النحل))، وقبل سورة ((إبراهيم)) ...
وعدد آياتها ثمان وعشرون آية فى المصحف الكوفى، وتسع وعشرون
فى المصحف البصرى والشامى، وثلاثون آية فى المصحف المكى والمدنى.
٢ - وهذه السورة الكريمة من أولها إلى آخرها، تحكى لنا ما قاله
فوح لقومه، وما ردوا به عليه، كما تحكى تضرعه إلى ربه - عز وجل-
وما سلكه مع قومه فى دعوته لهم إلى الحق ، تارة عن طريق الترغيب،
وتارة عن طريق القرهيب، وتارة عن طريق دعوتهم إلى التأمل والتفكر
فى نعم الله - تعالى - عليهم، وقارة عن طريق تذكيرهم بخلقهم ..
كما تحكى أنه - عليه السلام - وبعد أن مكث فيهم ألف سنة
إلا خمسين عاما - دعا الله - تعالى - أن يستأصل شأفتهم، فقال:
(«رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا. إنك إن تذرهم يضلوا
عبادك ، ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا. رب اغفر لى ولو الدى ولمن دخل بيتى
مؤمنا، وللمؤمنين والمؤمنات، ولاتزد الظالمين إلا تبارا).
وقد افتتح - سبحانه - السورة الكريمة بقوله - تعالى -.

١٥٥
سورة نوح
بِسـ
3
١١
بِنَّ أَرْسَلْنَا نُوهَا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرُ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتَِهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمْ ﴿ قَالَ يَنْقَوْمِ إِى لَكُمْ نَذِيرُ مُبِينٌ ﴾ أَنِ أَعْبُدُواْ،
اللهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ جٌ يَغْفِرْ لَكُمْ مِّنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِرْ كُمْ إِلَى
أَجَلٍ مُسَمَّى إِنَّ أَجَلَ اللهِ إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخِرٌ لَوْكُنُمْ تَعْلُونَ (٤)
١
وقصة نوح - عليه السلام - مع قومه، قد وردت فى سور متعددة،
منها: سور الأعراف، ويونس ، وهود والشعراء، والعنكبوت ..
وينتهى نسب نوح - عليه السلام - إلى شيث بن آدم ، وقد ذكر
فرح فى القرآن فى ثلاث وأربعين موضعا .
وكان قوم نوح يعبدون الأصنام، فأرسل الله - تعالى - إليهم نوحا
ليدهم على طريق الرشاد .
وقد افتتحت السورة هنا بالأسلوب المؤكد بإن ، للاهتمام بالخبر ،
-وللاقعاظ بما اشتملت عليه القصة من هدايات وإرشادات .
وأن فى قوله ((أن أنذر قومك، تفسيرية، لأنها وقعت بعد أرسلنا،
والإرسال فيه معنى القول دون حروفه. فالجملة لا محل لها من الإعراب .
ويصح أن تكون مصدرية، أى: بأن أنذر قومك . . والإنذار :
هو الإخبار الذى معه تخويف .
وقوم الرجل: هم أهله وخاصته الذين يجتمعون معه فى جد وأحد .
وقد يقيم الرجل بين الأجانب. فيسميهم قومه على سبيل المجاز المجاورة.

١٥٦
الجزء التاسع والعشرون
أى: إنا قدا قتضت حكمتنا أن نرسل فوحا - عليه السلام - إلى قومه».
وقلنا له يا نوح : عليك أن تنذرهم وتخوفهم من عذابنا، وأن تدعوهم إلى ..
" إخلاص العبادة لنا، من قبل أن ينزل بهم عذاب مؤلم، لا طاقة لهم:
بدفعه، لأن هذا العذاب من الله - تعالى - الذى لاراد لقضانه ».
ولا معقب لحكمه .
وقال - سبحانه -((أن أنذر قومك)) ولم يقل: أن أنذر الناس،"
لإثارة حماسته فى دعوته، لأن قوم الرجل يحرص الإنسان على منفعتهم ...
أكثر من حرصه على منفعة غيرهم .
والآية الكريمة صريحة فى أن ما أصاب قوم نوح من عذاب أليم».
كان بسبب إصرارهم على كفرهم، وعدم استماعهم إلى إنذاره لهم ..
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما قاله نوح لقومه فقال: ((قال يا قوم.
إنى لكم نذير مبين. أن اعبدوا الله، واتقوه، وأطيعون .. )).
أى: قال :وج لقومه - على سبيل التلطف فى النصح، والتقرب إلى ..
قلوبهم - ياقوم ويا أهلى وعشيرنى: إنى لكم منذر واضح الإنذار ،.
ولا أسألكم على هذا الإنذار الخالص أجرا، وإنما ألتمس أجرى من الله ..
وإنبى آمركم بثلاثة أشياء: أن تخلصوا لله - تعالى - العبادة، وأن تتقوه.
فى كل أقوا لكم وأفعالكم ، وأن تطيعونى فى كل ما آمركم به وأنها كم عنه .
وافتتح كلامهم معهم بالنداء ((يا قوم»، أملا فى لفت أنظارهم إليه ،.
واستجابتهم له، فإن النداء من شأنه التنبيه للنادى .
ووصف إنذاره لهم بأنه «مبين))، ليشعرهم بأنه لا لبس فى دعوته لهم
إلى الحق ، ولا خفاء فى كونهم يعرفونه ، ويعرفون حرصه على
منفعتهم ...

١٥٧
سورة نوح
وقال: ((إنى لكم .. )، للإشارة إلى أن فائدة استجابتهم له،
تعود عليهم لا عليه، فهو مرسل من أجل سعادتهم وخيرهم .
وأمرهم بطاعته ، بعد أمرهم بعبادة ألقه وتقواه، لأن طاعتهم له هى
طاعة لله - تعالى -، كما قال - تعالى -: ((من يطع الرسول فقد أطاع الله .. ))
ثم بين لهم ما يترتب على إخلاص عبادتهم لله ، وخشيتهم منه
- سبحانه -، وطاعتهم لنبهيم فقال: ((يغفر لكم من ذنوبكم، ويؤخركم
إلى أجل مسمى ... ،،
وقوله: ((يغفر، مجزوم فى جواب الأوامر الثلاثة، و((من)»
. للتبعيض. أى: يغفر لكم بعض ذنوبكم، وهى تلك التى اقتر فوها قبل
إيمانهم وطاعتهم لنبيهم .. أو الذنوب التى تتعلق بحقوق الله - تعالى -،
- دون حقوق العباد . .
ويرى بعضهم أن ((من)) هنا زائدة لتوكيد هذه المغفرة. أى: يغفر لكم
جميع ذنوبكم التى فرطت منكم ، متى آمنتم وانقيتم ربكم ،
. وأطعتم نبيكم . .
((ويؤخركم إلى أجل مسمى)، أى: ويؤخر آجالكم إلى وقت معين
عنده - سبحانه -، ويبارك لكم فيها، بأن يجعلها عامرة بالعمل الصالح ،
. وبالحياة الآمنة الطيبة.
فأنت ترى أن نوحا - عليه السلام - قد وعدهم بالخير الأخروى
-وهو مغفرة الذنوب يوم القيامة ، وبالخير الدنيوى وهو البركة فى أعمارهم،
وطول البقاء فى هناء وسلام.
قال ابن كثير: ((ويؤخركم إلى أجل مسمى، أى: ويمد فى أعماركم ،
ويدر أعنكم العذاب، الذى إذا لم تنزجروا عما أنهاكم عنه: أو قعه
- سبحانه - بكم.

١٠٨
الجزء التاسع والعشرون
وقد يستدل بهذه الآية من يقول: إن الطاعة والبر وصلة الرحمه ،
إزاد بها فى العمر حقيقة، كما ورد به الحديث: « صلة الرحم تزيد فى
العمر : (١):
وقوله: (( إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعدون)) بمنزلة
التعليل لما قبله. أى: يغفر لكم - سبحانه - من ذنوبكم، ويؤخركم.
إلى أجل .. ين عنده - تعالى -، إن الوقت الذى حدده الله - عز وجل-
لا تتماء أعمار كم ، متی حضر ، لا يؤخر عن موعده، ((لو كنتم تعلمون)».
أى: لو كنتم من أهل العلم لا ستجبتم لنصائحى، وامتثلتم أمرى، وبذلك ..
تنجون من العقاب الدنيوي والأخروى.
قال الآلومى: قوله (( لو كنتم تعلمون)): أى: لو كنت من أهل العلم.
لسارعتم لما آمركم به، لكنكم لستم من أهله فى شىء، لذالم تسارعوا.
فجواب لو ما يتعلق بأول الكلام .
ويجوز أن يكون ما يتعلق بآخره. أى: لو كنتم من أهل العلم العلم ..
ذلك، أى: عدم تأخير الأجل إذا جاء وقته المقدرله . والفعل فى الوجهين ..
منزل منزلة اللازم٠٠٠،(٢) .
ثم قصت علينا الآيات الكريمة بعد ذلك، ما قاله فوح اربه ، على
سبيل الشكوى والضراعة، وما وجه إلى قومه من نصائح فيها مافيها من ..
الترغيب والترهيب، ومن الإرشاد الحكم ، والتوجيه السديد ....
قال - تعالى - :
(١) تفسير ابن كثير = ٨ ص ٠٢٥٨
(٢) تفسير الآلوسى = ٢٩ ص ٧١.

١٥٩
سورة نوح
◌َقَالَ رَبٍّ إِّى دَعَوْتُ قَوْمِ لَيْلًا وَنَهَارًا (﴾ فَلَمْ يَزِدُهُمْ دُعَاءِّ
الور الاداره
إِلَّا فِرَارًا وَإِ كَُّا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَنِعَهُمْ فِىّ
مَاذَائِمْ وَأَسْتَغْشَوْثِيَبُهُمْ وَأَصَرُواْ وَأَسْتَكْبَرُواْ أَسْتِكْبَارًا يَ مَّ
إِى دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا يُمْ إِىَ أَعَْنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًاً ◌ََ
فَقُلْتُ أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (٨ه يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم
مِّدْرَارًا * وَيُدِدْعُ بِأَمْوٍَّ وَبَنِنَ وَيَجْعَل لَّكُرْ جَنَّتٍ وَيَجْعَل
لَّكُمْ أَنْهَرًا ﴿إِ مَّالَكُمْلَا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقَارًا (﴾ وَقَدْ خَلَقَكُرْ
أَلْوَارًا ( أَلَمْ تَرَوْكَيْفَ خَلَقَ الَهُ سَبْعَ سَمَوْتٍ طِبَاقًا
١٥
وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِنَّنُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجً له وَاللهُأَنْبَتَكُ
مِنَ الْأَرْضِ نَبَّا هِ ثُمَّ يُعِدُ كُمْ فِيهَ وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا هِ وَاللهُ
جَعَلَ لَكُ الْأَرْضَ بِسَاءً (3) لِتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلَا فِيجَاجًا
٢٠
وقوله - تعالى -: ((قال رب إنى دعوت قومى ليلا ونهارا، فلم
يزدهم دعائى إلا فرارا .. ، بيان للطرق والمسالك التى سلكها نوح مع
قومه، وهو يدعوهم إلى إخلاص العبادة لله - تعالى - ، بحر ص شديد
ومواظبة تأمة ... وموقف قومه من دعوته لهم .
والمقصود بهذا الخبر لازم معناه ، وهو الشكاية إلى ربه، والتمهيد

-
١٦٠
الجزء التاسع والعشرون
"الطلب النصر منه - تعالى -- عليهم، لأنه - سبحانه - لا يخفى عليه.
أن نوحا - عليه السلام - لم يقصر فى تبليغ رسالته.
أى: قال نوح متضرعا إلى ربه : يارب إنك تعلم أنى لم أقصر فى
دعوة قومى إلى عبادتك ، قارة بالليل وقارة بالنهار ، من غير فتور.
ولا توان .
(((فلم يزدهم دعائى لهم، إلى عبادتك وطاعتك ((إلا فرارا)) أى:
إلا تباعدا من الإيمان وإعراضا عنه . والفرار: الزوغان والهرب. يقال
فرفلان فرارا ، فهو فرور، إذا هرب من طالبه، وزاغ عن عينه .
والتعبير بقوله: ((دعوت قومى ليلا ونهارا))، يشعر بحرص نوح
القام على دعوتهم ، فى كل وقت، يظن فيه أن دعوته لهم قد تنفع ..
كما أن التعبير بقوله: «فلم يزدهم دعائى إلا فرارا، يدل دلالة واضحة
على إعراضهم التام عن دعوته . أى : فلم يزدهم دعائى شيئا من الهدى،
وإنما زادهم بعداً عنى ، وفرارا منى.
وإسناد الزيادة إلى الدعاء، من باب الإسناد إلى السبب، كما فى قولهم:
شرقى رؤيتك .
وقوله (( فرارا)) مفعول ثان لقوله ((فلم يزدهم، والاستثناء مفرغ من
عموم الأحوال. والمتثنى منه مقدر. أى: فلم يزدهم دعائى شيئا من أحوالهم
التى كانوا عليها إلا الفرار .
ويصح أن يكون الاستثناء منقطعا. أى: فلم يزدهم دعائى قربا من
الحق، لکن زادهم فرارا منه .
ثم أضاف إلى قرارهم منه، حالة أخرى ، تدل على إعراضهم عنه،
وعلى كراهيتهم له، فقال: ((وإنى كلما دعوتهم لتغفر لهم، جعلوا أصابعهم.
. فى آذانهم، واستغشوا ثيابهم، وأصروا واستكبروا استكبارا)).