النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
سورة الحاقة
كل من يفترى عليه الكذب؛ ومن يزعم أن الله - تعالى - أوحى إليه،
مع أنه - سبحانه - لم يوح إليه .
وقوله - سبحانه - (وإنه لتذكرة للمتقين، معطوف على قوله:
((إنه لقول رسول كريم).
أى: إن هذا القرآن لقول رسول كريم بلغه عن الله - تعالى - وإنه
لتذ كير وإرشاد لأهل التقوى ؛ لأنهم هم المنتفعون بهداياته .
وقوله - تعالى -: ((وإنا لنعلم أن منكم مكذبين، تبكيت وتوبيخ.
لهؤلاء الكافرين، الذين جحدوا الحق بعد أن تبين لهم أنه حق .
أى: وإنا لا يخفى علينا أن منكم - أيها الكافرون - من هو مكذب
للحق عن جحود وعناد ، ولكن هذا أن يمنعنا من إرسال رسولنا بهذا
الدين لكى يبلغه إليكم ، ومن شاء بعد ذلك فليؤمن ومن شاء فليكفر .
وسنجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب .
وقوله - سبحانه -: «وإنه لحسرة على الكافرين، بيان لما يكون عليه ..
الكافرون من قدم شديد ، عند ما يرون حسن مصير المؤمنين ، وسوء
مصير المكذبين .
والحسرة: هى الندم الشديد المتكرر ، على أمر نافع قد مضى ولا يمكن
تدار كه . ..
أى: وإن هذا القرآن الكريم ؛ ليكون يوم القيامة ، سبب حسرة
شديدة وقدامة عظيمة ، على الكافرين ، لأنم يرون المؤمنين به فى هذا
اليوم فى نعيم مقيم . أماهم فيجدون أنفسهم فى عذاب أليم.
وقوله: ((وإنه لحق اليقين، معطوف على ما قبله، أى: وإن هذا
القرآن لهو الحق الثابت الذى لاشك فى كونه من عند الله - تعالى -، وأن

١٢٢
الجزء الحادى والعشرين
محمداً - صلى الله عليه وسلم - قد بلغه إلى الناس دون أن يزيد فيه حرفا،
أو ينقص منه حرقا .
وإضافة الحق إلى اليقين، من إضافة الصفة إلى الموصوف. أى ؛ لهو
اليقين الحق، أو هو من إضافة الشىء إلى نفسه مع اختلاف اللفظين،
كما فى قوله : ((حبل الوريد،، إذ الحبل هو الوريد.
والمقصود من مثل هذا التركيب : التأكيد.
وقد قالوا: إن مراقب العلم ثلاثة: أعلاها : حق اليقين ، ويليها : عين
اليقين ، ويليها : علم اليقين ..
فحق اليقين : كعلم الإنسان بالموت عند نزوله به ، وبلوغ الروح الحلقوم
وعين اليقين : كعلمه به عند حلول أماراته وعلاماته الدالة على قربه ...
وعلم اليقين : كعلمه بأن الموت سينزل به لا محالة مهما طال الأجل ...
والفاء فى قوله - تعالى - ((فسبح باسم ربك العظيم، للإفصاح. أى: إذا
كان الأمر كما ذكرنا لك من أن هذا الدين حق ، وأن البعث حق ، وأن
القرآن حق، فنزه اسم ربك العظيم عما لا يليق به، من النقائص ، فى
الاعتقاد، أو فى العبادة ، أو فى القول، أو في الفعل .
والباء فى قوله: « باسم ربك ، للمصاحبة . أى : نزه ربك تنزيها
مصحوبا بكل ما يليق به من طاعة وإخلاص ومواظبة على مراقبته وتقواه.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات - وصلى الله على سيدنا محمد وعلى
آله وصحبه وسلم .
القاهرة - مدينة نصر
مساء الخميس ١٧ من ذى القعدة
سنة ١٤٠٦ ١٩٨٦/٧/٢٤٠ م

تَفِرُسُورة
«المعارج

١٢٥
سورة المعارج
١ - سورة ((المعارج)) هى السورة السبعون فى ترتيب المصحف،
أما ترتيبها فى النزول فهى السورة الثامنة والسبعون ، وكان نزولها بعد سورة
( الحاقة ، وقبل سورة ((النبأ،.
وتسمى - أيضا - بسورة ((سأل سائل))، وذكر السيوطى فى كتابه
((الإتقان)) أنها تسمى كذلك بسورة («الواقع)).
وهذه الأسماء الثلاثة قد وردت ألفاظها فى السورة الكريمة . قال
- تعالى -: (سأل سائل بعذاب واقع. للكافرين ليس له دافع. من الله
-ذى المعراج .. )).
وهى من السور المكية الخالصة، وعدد آياتها أربع وأربعون آبه فى
عامة المصاحف، وفى المصحف الشامى ثلاث وأربعون آيه .
٢ - والسورة الكريمة نراها فى مطلعها، تحكى لنا جانباً من استهزاء
المشركين بما أخبرهم به النبى - صلى الله عليه وسلم - من بعث وثواب
أوعقاب .. وترد عليهم بما يكبتهم، حيث تؤكد أن يوم القيامه حق،
-وأنه واقع ، وأن أهواله شديدة .
قال - تعالى - . سأل سائل بعذاب واقع . للكافرين ليس له دامع.
- من الله ذى المعارح. تعرج الملائكة والروح إليه فى يوم كان مقداره
خمسين ألف سنه. فاصبر صبرا جميلا. إنهم يرونه بعيدا. ونراه قريباً.
يوم تكون السماء كالمهل. وتكون الجبال كالعهن. ولا يسأل حميم
٠
حمما.
٣٠ - ثم تنتقل السورة بعد ذلك إلى تصوير طبيعة الإنسان، وتمدح
المحافظين على صلاتهم، وعلى أداء حقوق الله - تعالى - فى أموالهم، كما نمدح

١٢٦
الجزء التاسع والعشرون
الذين يؤمنون بأن البعث حق ، ويستعدون لهذا اليوم بالإيمان والعمل.
الصالح ...
قال - تعالى -: ((إن الإنسان خلق هلوعا. إذا مسه الشر جزوها.
وإذا مسه الخير منوعا. إلا المصلين. الذين هم على صلاتهم دائمون .. ».
٤ - ثم أخذت السورة الكريمة فى أواخرها فى تسلية الرسول - صلى
الله عليه وسلم -، وفى توبيخ الكافرين على مسالكهم الخبيثة بإزاء الدعوة.
الإسلامية، وفى بيان أن يوم القيامة الذى يكذبون به، آت لاريب فيه ..
قال - تعالى -: ((فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلافوا يومهم الذى.
يوعدون . يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون ..
خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ، ذلك اليوم الذى كانوا يوعدون )).
٥ - هذا والمتدبر فى هذه السورة الكريمة، يرى أن على رأس القضايا:
التى اهتمت بالحديث عنها : التذكير بيوم القيامه، وبأهواله وشدائده ،-
وببيان ما فيه من حساب، وجزاء، وثواب وعقاب .
والحديث عن النفس الإنسانية بصفة عامه فى حال عسرها ربسرها ،.
وصحتها ومرضها، وأملها ويأسها ... واستثناء المؤمنين الصادقين، من
كل صفة لا يحبها الله - تعالى - وأنهم بسبب إيمانهم الصادق، وعملهم.
الصالح ، سيكونون يوم القيامة ((فى جنات مكرمين)).
كما أن السورة الكريمة اهتمت بالرد على الكافرين، وبتسلية الرسول.
- صلى الله عليه وسلم - عما لحقه منهم، وببيان مظاهر قدرة الله - تعالى -
التى لا يعجز ها شىء .
وقد افتتح - سبحانه - سورة ((المعارج)) بقوله - تعالى -:

١٢٧
سورة المعارج
-
بسـ
٠
سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ﴾ لِلْكَفِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ يٌ
مِّنَ اللَّهِ ذِى الْمَعَارِجِ(٤) تَعْرُجُ الْمَلَتِكَهُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِى يَوْرِ
كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) فَأَصْبِرْ صَبْرًا جميلًا يَّ إِنَّهُمْ
!
يَوْنَهُ بَعِدًا ◌َيْهِ وَنَّهُ قَرِيبً ◌َيْهِ يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ ﴾
وَتَكُونُ آلْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٤) وَلَا يَسْعَلُ حِيُمْ حِيمًا له يبَصْرونهم
ج
يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِى مِنْ عَذَابٍ يَوْمِلٍ بِيَذِيِ الله وَصَنِحِيَتِهِ».
وَأَخِهِ ﴿ وَقِّصِيلَتِهِ اَلَِّ تُغْوِهِ ﴾ وَمَنْ فِى الْأَرْضِ جِيعًا أَّ
١
﴿ كَّ إِنّهَا لَظَى ◌َِّ زَّاعَةً لِلشَّوَى ﴾ تُدْعُواْ مَنْ أَدْبَرّ
بشجيه
٣/٤٠/٥
٠٠٠٠٠٠٠٠
٣٠٠٠
: وَتَوَلَّى ◌َ وَبَمَعَ فَأَوْعَىَ
١٨
وقوله - تعالى -: ((سأل سائل بعذاب واقع .. )) قرأه الجمهور
بإظهار الهمزة فى (( سأل).
وقرأه نافع وابن عامر ((سال)) بتخفيف الهمزة .
قال الجمل : قرأ نافع وابن عامر بألف محضة ، والباقون بهمزة محققة ،
وهى الأصل .
فأما القراءة بالألف ففيها ثلاثة أوجه : أحدها : أنها بمعنى قراءة
الهمزة، وإنما خففت بقلبها ألفا. والثانى : أنها من سال يسال، مثل
خاف يخاف، والألف منقلبة عن واو ، والواو منقلبة عن الهمزة:

١٢٨
الجزء التاسع والعشرون
والثالث : من السيلان، والمعنى: سال واد فى جهنم بعذاب، فالألف
منقلبة عن يا٠ ٠.)، (١).
وقد حكى القرآن الكريم عن كفار مكة ، أنهم كانوا يسألون البنى
- صلى الله عليه وسلم - على سبيل التهكم والاستهزاء عن موعد العذاب
الذى يتوعدهم به إذا ما استمروا على كفرهم، ويستعجلون وقوعه ..
قال - تعالى -: ((ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين»
. وقال - سبحانه -: ((ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده .. ».
وعلى هذا يكون السؤال على حقيقته ، وأن المقصود به الاستهزاء
بالنبى - مع - وبالمؤمنين.
ومنهم من يرى أن سأل هنا بمعنى دعا . أى : دعاداع على نفسه
بعذاب واقع . .
قال الآلوسى ما ملخصه: ((سأل سائل بعذاب واقع)، أى: دعا داع به،
فالسؤال بمعنى الدعاء ، ولذا عدی بالباء تعديته بها فى قوله « يدعون فيها
بكل فاكهة آمنين)). والمراد: استدعاء العذاب وطلبه .. وقيل إنها بمعنى
«عن كما فى قوله : (( فاسأل به خبيرا)) ..
والسائل هو النضر بن الحارث - كماروى النسائى وجماعة وصححه
الحاكم .. . حيث قال إنكارا واستهزاء اللهم إن كان هذا هو الحق من
عندك فأمطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب أليم .. ، وقيل
السائل: أبو جهل، حيث قال: فأسقط علينا كسفا من السماء .. )) (٢).
(١) حاشية الجمل على الجلالين ج ٤ ص ٣ ٠٤
(٢) تفسير الكشاف ج ٢٩ ص ٠٠٥

١٢٩
سورة المعارج
وعلى أية حال فسؤ الهم عن العذاب، يتضمن معنى الإنكار والتهكم،
-كما يتضمن معنى الاستعجال، كما حكته بعض الآيات الكريمة . .
ومن بلاغة القرآن ، تعدية هذا الفعل هنا بالباء، ليصلح لمعنى الاستفهام
الإنكارى، ولمعنى الدعاء والاستعجال ..
أى: سأل سائل النبى - لغ - سؤال تهكم، عن العذاب الذى أو عدبه
الكافرين، إذا ما استمروا على كفرهم ، وتعجله فى وقوعه ، بل أضاف إلى
ذلك - لتجاوزه الحد فى عناده وطغيانه - أن قال: ((اللهم إن كان هذا هو
الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم)).
وقال - سبحانه - (( بعذاب وافع)، ولم يقلبعذاب سيقع، للإشارة إلى
تحقق وقوع هذا العذاب فى الدنيا والآخرة .
أما الدنيا فمن هؤلاء السائلين من قتل فى غزوة بدر، وهو النضر بن
الحارث، وأبو جهل وغيرهما. وأما فى الآخرة فالعذاب النازل بهم
أشد وأبقى.
ثم وصف - سبحانه - العذاب بصفات أخرى، غير الوقوع فقال: لا.كانين
ليس له دافع. من الله ذى المعارج .. ، واللام فى قوله (( الكافرين))
بمعنى على ، أو للتعليل .
أى: سأل سائل عن عذاب واقع على الكافرين ، هذا العذاب ليس له
دافع يدفعه عنهم ، لأنه واقع من الله - تعالى - «ذى المعارج)).
والمعارج جمع مُعرَج، وهو المصعد، ومنه قوله - تعالى - وأولا أن
ييكون الناس أمة واحدة، لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من
(م٩ - جزء تبارك )

١٣٠
الجزء التاسع والعشرون
فضة، ومعارج عليها يظهرون)) (١).
وقد ذكر المفسرون فى المراد بالمعارج وجوها منها : أن المراد به؟.
السموات، فعن ابن عباس أنه قال: أى: ذى السموات . وسماها معارج
لأن الملائكة يعرجون فيها.
ومنها أن المراد بها: التعم والمنن. فعن قتادة أنه قال: ذى المعارج.
أى: ذى الفواضل والنعم . وذلك لأن لاياديه ووجوه إنعامه مراقب،
وهى تصل إلى الناس على مراتب مختلفة.
ومنها : أن المراد بها الدرجات التى يعطيها لأوليائه فى الجنة.
وفى وصفه - سبحانه - ذاته ((بذى المعارح)): استحضار لصورة عظمة.
جلاله، وإشعار بكثرة مراقب القرب من رضاه وثوابه ، فإن المعارج من
خصائص منازل العظماء.
فأنت ترى أن الله -تعالى- قد وصف هذا العذاب الواقع على الكافرين،.
بج ملة من الصفات، لتكون ردا فيه ما فيه من التهديد والوعيد للجاحدین،.
الذين استهزؤا به وأنكروه .
والمراد بالروح فى قوله: تعرج الملائكة والروح إليه فى يوم كان.
مقداره خمسين ألف سنة)): جبريل - عليه السلام - وأفرد بالذكر
لتميزه وفضله، فهو من باب عطف الخاص على العام .
والضمير فى ((إليه، يعود إلى الله - تعالى -.
أى: تصعد الملائكة وجبريل - عليه السلام - معهم، إليه - تعالى -.
والسلف على أن هذا التعبير وأمثاله، من المتشابه الذى استأثر -سبحانه ـ
بعلمه، مع تنزيه - عز وجل - عن المكان والجسمية، ولوازم الحدوث،
التى لا تليق بجلاله .
(١) سورة الزخرف الآية ٠٣٣

١٣١
سورة المعارج
وقيل: ((إليه، أى: إلى عرشه - تعالى - أو إلى محل بره وكرامته.
قال القرطبى ما ملخصه قوله: ((فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة)،
أى: عروج الملائكة إلى المكان الذى هو محلهم فى وقت كان مقداره على
غيرم لو صعد ، خمسين ألف سنة .
وعن مجاهد : هذا اليوم هو مدة عمر الدنيا ، من أول ما خلقت إلى
آخر ما بقى منها، خمسون ألف سنة .
وقال ابن عباس : هو يوم القيامه ، جعله الله على الكافرين مقدار
خمسين ألف سنة .
ثم قال القرطى، وهذا القول أحسن ما قيل فى الآية - إن شاء الله -
بدليل ما رواه قاسم بن أصبغ من حديث أبى سعيد الخدرى قال: قال
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((فى يوم كان مقداره خمسين ألفه
سنة))، فقلت: ما أطول هذا ؟ فقال - صلى الله عليه وسلم - : ((والذى
نفسى بيده، إنه ليخفف عن المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة
المكتوبة يصليها فى الدنيا .. ».
وفى رواية عن ابن عباس - أيضا - أنه سئل عن هذه الآية فقال:
أيام سماها الله - عز وجل - ، وهو أعلم بها كيف تكون، وأكره
أن أقول فيها مالا أعلم .
وقيل : ذكر خمسين ألف سنة تمثيل ، لما يلقاه الناس فى موقف
الحساب من شدائد ، والعرب تصف أيام الشدة بالطول ، وأيام الفرح
بالقصر ... )) (١)
(١) راجع تفسير القرطى = ١٨ ص ٢٨٢

١٣٢
الجزء التاسع والعشرون
وقال بعض العلماء : وقد ذكر - سبحانه - فى سورة السجدة أنه
(( يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه فى يوم كان مقداره
ألف سنة ما تعدون)).
وقال فى سورة الحج: ((وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون)).
وذكر هنا ((فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة)).
والجمع بين هذه الآيات من وجهين: أولهما : ما جاء عن ابن عباس
من أن يوم الألف فى سورة الحج، هو أحد الأيام الستة الن خلق الله
- تعالى - فيها السموات والأرض.
ويوم الألف فى سورة السجدة، هو مقدار سير الأمر وعروضه
إليه - تعالى -.
٠
ويوم الخمسين ألفا هنا : هو يوم القيامة .
وثانيهما : أن المراد بجميعها يوم القيامه ، وأن الاختلاف باعتبار
حال المؤمن والكافر .
وبدل لهذا الوجه قوله - تعالى - : ((فذلك يوم عسير. على الكافرين
غير يسير )) (١).
أی : أن يوم القيامه يتفاوت طوله بحسب اختلاف الشدة ، فهويعادل
فى حالة ألف سنة من سفى الدنيا، ويعادل فى حالة أخرى خصين ألف سنة
وقوله - تعالى -: ((فاصبر صبرا جميلا. إنهم يرونه بعيدا. ونراه
قريبا .. ، متفرع على قوله - سبحانه -. «سأل سائل .. )) لأن السؤال
كان سؤال استهزاء، يضيق به الصدر، وتفتم له النفس .
(١) تفسير أضواء البيان ج ٦ ص ٥٣ للشيخ محمد الأمين الشنقيطى.

١٣٣
سورة المعارج
والصبر الجميل: هو الصبر الذى لا شكوى معه أخير الله - عز وجل-
ولا يخالطه شىء من الجزع، أو التبرم بقضاء الله وقدره.
أى: لقد سألوك - أيها الرسول الكريم - عن يوم القيامة، وعن
العذاب الذى تمددهم به .. سؤال تهكم واستعجال .. فاصبر صبرا جميلا
علی غرورهم وجهودهم وجهالاتهم.
إنهم يرون هذا اليوم وما يصحبه من عذاب .. يرونه «بعيدا، من
الإمكان ، أومن الوقوع، ولذلك كذبوا ما جئتم به من عندنا، واستهزؤا
بك .. ونحن نراه قريبا من الإمكان، بل هو كائن لا محالة فى الوقت
الذى تقتضيه حكمتنا ومشيتتنا .
ثم بين - سبحانه - جانبا من أهوال هذا اليوم فقال: ((يوم تكون
السماء كالمول، وتكون الجمال كالمهن. ولا يسأل حميم حميما .. »
ولفظ ((يوم)) متعاق بقوله: ((قريبا، أو بمحذوف يدل عليه قوله:
((واقع)) أى: هو واقع هذا المذاب يوم تكون السماء فى هيئتها ومظهرها
« كالمهل، أى: تكون واهية مسترخية .. كالزيت الذى يتبقى فى قمر
الإناء . ..
((وتكون الجبال كالعهن، أى: كالصوف المصبوغ ألوانا، لاختلاف
ألوان الجبال، فإن الجبال إذا فتنت وتمزقت فى الجو، أشبهت الصوف
المنقوش إذا طيرته الرباح، قيل: أول ما تتغير الجبال تصير رملامهيلا،
ثم عهنا منفوشا، ثم هباء منبثا ...
ووجه الشبه أن السماء فى هذا اليوم تكون فى انحلال أجزائها ،
كالشىء الباقى فى قعر الإناء من الزيت، وتكون الجبال تفرق أجزائها
كالصوف المصبوغ الذى تطاير فى الجو .

١٣٤
الجزء التاسع العشرون
وفى هذا اليوم - أيضا - (( لا يسأل حيم حميماء أى: لا يسأل
صديق صديقه النصرة أو المعونة ، ولا يسأل قريب قريبه المساعدة
والمؤازرة .. لأن كل واحد منهما مشغول بهموم نفسه من شدة هول
الموقف، كما قال - تعالى -: ((يوم يفر المرء من أخيه. وأمه وأبيه.
وصاحبته وبنيه . لكل امرى ء منهم يومئذ شأن يغنيه .. )).
والحميم : هو الصديق الوفى القريب من نفس صديقه ..
وضمير الجمع فى قوله - سبحانه - ((يبصرونهم)) يعود إلى الحميمين،
نظرا لعمومهما، لأنه ليس المقصود صديقين مخصوصين، وإنما المقصود
كل صديق مع صديقه ..
والجملة مستأنفة استئنا فابيائيا، أجابة عن سؤال تقديره: ولماذا لا يسأل
الصديق صديقه فى هذا اليوم؟ ألأنه لا يراه؟ فكان الجواب : لا ، إنه
يراه ويشاهده ، ويعرف كل قريب قريبه، وكل صديق صديقه فى هذا
اليوم .. ولكن كل واحد منهم مشغول بهمومه.
قال صاحب الكشاف: ((يبصرونهم)، أى: يبصر الأحماء الأحماء، فلا يخفون
عليهم، فما يمنعهم من المساءلة أن بعضهم لا يبصر بعضا، وإنما يمنعهم التشاغل ..
فإن قلت: ما موقع يبصرونهم ؟ قلت: هو كلام مستأنف، كأنه لما .
قال: ((ولا يسأل حميم حمينا، قيل: لعله لا يبصره. فقيل فى الجواب:
يبصرونهم، ولكنهم لتشاغلهم لم يتمكنوا من تساؤلهم.
فإن قلت: لم جمع الضميرين فى ((يبصرونهم)) وهى للحميمين؟ قلت:
المعنى على العموم لكل حميمين، لا لحميمين اثنين .. )) (١).
(١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٠٦٠٩

١٣٥
سورة المعارج
ثم بين - سبحانه - حالة المجرمين فى هذا اليوم فقال: ((يود المجرم .. »
أى : يحب المجرم فى هذا اليوم ويتمنى ..
((لو يفتدى من عذاب يومئذ بينيه، أى: يتمنى ويحب لو يفتدى نفسه
-من عذاب هذا اليوم بأقرب الناس إليه، وألصقهم بنفسه .. وهم
. بنوه وأولاده .
ويود - أيضا - لو يفتدى نفسه ب( صاحبته وأخيه، أى: بزوجته
التى هى أحب الناس إليه، وبأخيه الذى يستعين به فى النوائب.
((وفصيلته التى تؤويه)) أى: ويود كذلك أن ينقذ نفسه، من العذاب،
· بأقرب الأقرباء إليه، وهم أهله وعشيرته التى ينتسب إليها ، إذ الفصيلة م
الأقرباء الأدفون من القبيلة، والذين هو وأحد منهم .
ومعنى ((قؤويه): تضمه إليها، وتعتبره فردا منها، وتدافع عنه
بكل وسيلة ..
، وقوله: ((ومن فى الأرض جميعا ثم ينجيه، داخل فى إطار
ما يتمناه ویوده .
أى. يود هذا المجرم أن يفتدى نفسه من عذاب هذا اليوم، بأولاده،
-وبصاحبته، وبأخيه ، وبعشيرته التى هو فرد منها، وبأهل الأرض جميعا
عن الجن والإنس . .
ثم يتمنى - أيضا - أن يقبل منه هذا الافتداء ، لكى ينجو بنفسه
من هذا العذاب .
فقوله ((ثم ينجيه)) معطوف على قوله (( يقتدى ))، أى: يود أو يفتدى

١٣٦
الجزء التاسع والعشرون
ثم لو ينجيه الافتداء. وكان العطف بثم، للاشعار باستبعاد هذا الاقتداء».
وأنه عسير المنال . .
وقوله: (( ومن فى الأرض .. ، معطوف على ((بنيه، أى: ويفتدى.
نفسه بجميع أهل الأرض . .
وهكذا نرى الآيات الكريمة تحكى لنا بهذا الأسلوب المؤثر، حالة.
المجرم فى هذا اليوم، وأنه يتمنى أن يفتدى نفسه مما حل به من عذاب ،
بأقرب وأحب الناس إليه، بل بأهل الأرض جميعا .. ولكن هيهات ..
أن يقبل منه شيء من ذلك . .
واذا جاء الرد الزاجر له عما تمناه فى قوله - تعالى - : « كلا إنها.
لظى .. ، وكلا حرف ردع وزجر، وإبطال لكلام سابق، وهو هنا.
ما كان يتمناه ويحبه .. من أن يفتدى نفسه بينيه، وبصاحبته وأخيه .. ألخ.
و(( لظى)) علم لجهنم، أو لطبقة من طبقاتها. واللظى: اللهب الخالص،-
والضمير النار المدلول عنها بذكر العذاب.
أى: كلا - أيها المجرم - ليس الأمر كما وددت وتمنيت ..
وإنما الذى فى انتظارك ، هو النار التى هى أشد ما تكون اشتعالا ..
والتى من صفاتها كونها«نزاعة للشوى» : : أى : فلاعة لجلدة.
الرأس وأطراف البدن، كاليد والرجل، ثم تعود هذه الجلدة والأطراف.
كما كانت .
فقوله: ((نزاعة)) صيغة مبالغة من النزع بمعنى القمع والفصل.
والشوى : جمع شواة - بفتح الشين - ، وهى من جوارح الإنسان مالم.
يكن مقتلا. مثل اليد والرجل. والجمع باعتبار ما لكل أحد من جوارح.

١٣٧
- سورة المعارج
وأطراف. يقال: فلان رمى فأشوى، إذا لم يصب مقتلا من رماه ..
وقيل: الشواة: جلدة الرأس . والجمع باعتبار كثرة الناس .
وهذه النار الملتهبة من صفاتها - أيضا - أنها (( تدعو من أدبر وقولى)».
أى: تدعو لدخولها والاصطلاء بحرها، من أدبر وأعرض وقولى عن.
الحق والرشد، ونآى بجانبه عن طريق الهدى والاستقامة .
قال ابن كثير: هذه النار تدعو إليها أبناءها الذين خلقهم الله - تعالى- لها.
وقدر لهم أنهم فى الدار الدنيا يعملون عملها ، فتدعوهم يوم القيامة بلسان.
طلق ذلق - أى: فصيح بليغ -، ثم تلتقطهم من بين أهل المحشر، كما.
يلتقط الطير الحب ، وذلك أنهم كانوا كما قال - سبحانه - من أدبر وتولى.
أى : ممن كذب بقلبه، وترك العمل بجوارحه، (١).
((وجمع فأوعى)، أى: جمع المال بعضه على بعض فأوعاه، أى:
فأمسكه فى وعائه و كنزه ومنع حق الله - تعالى - فیه، وبخل به على
مستحقيه .. فقوله ((فأوعى، أى: فجعله فى وعاء .
وفى الحديث الشريف، يقول - مالا - :(( لا توعى - أى لا تجمع
مالك فى الوعاء على سبيل الكنز - فيوعى الله عليك - أى: فيمنع الله
- تعالى - فضله عنك، كما منعت وفترت.
وفى قوله - سبحانه - ((وجع، إشارة إلى الحرص والطمع. وفى
قوله ((فأوعى)) إشارة إلى بخله وطول أمله .
قال قتادة :((جمع فأوعى)): كان جموعا للخبيث من المال ..
(١) تفسير أن كثير جـ ٨ ص ٠٢٥٢

١٣٨
الجزء التاسع والعشرون
وبعد هذا البيان المؤثر الحكيم عن طبائع المجرمين ، وعن أهوال يوم
الدين، وعن سوء عاقبة المكذبين .. اتجهت السورة الكريمة إلى الحديث
عن سجايا النفوس البشرية فى حالتى الخير والشر، والغنى والفقر، والشكر
والجحود ... واستثنت من تلك السجايا نفوس المؤمنين الصادقين،
فقال - تعالى -:
إِنَّالْإِنسَنَ خْلِقَ مَلُوَ هَ إِذَا مُّهُ
بْنُشِّرُّ ◌َجَزُوْعً (هَ وَإِذَا مَسُّهُ أْخَيْرُ مَنُونًا (٨َ إلَّا الْمُصَلِينَ
101
(الَّذِينَ هُمْعَ صَلَائِهِمْ ◌ُّ ◌ُه ◌َ وَلَّذِينَ فِىَ أَمْوَلِمُ حَقٌّ مَعْلُومٌ
1
٢٤
أْسَُّبِيلِ وَالْمَخْرُوِمِّهِ وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الذِينِ وَالَّذِينَ:
حُمْ مِنْ عَذَابٍ رَبِهِمْ مُشْفِقُونَ (َ إِنَّ عَذَابَ رَبِهِمْ غَيْرٌ مَأْمُونٍ ( ٨يه
◌ُ الَّذِينَ هُمْ يُفْرُوِهِمْ حُدْفِقُونَ ( بَإلَّ عَ أَزْوَاِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتٌْ).
أَنْ فَإِنَهُمْ غَيْرٌ مَلُومِنٌ بِ نَنِ أَبْتَغَى وَرَآءَ ذَ لِكٌ فَأُوْلَُّ
هِم ◌ْعَادُونَ (٣٦ْ وَالَّذِينَ هُمْ ◌ِأَمَنْنَئِمْ وَهْدِمْنَُّونَ وَالَّذِينَ
هُمْ بِشَّهَدَائِهِمْ قَبِمُونَ (﴾ وَالَّذِيْنَ هُمْ عَ صَلَائِمْ يُحَافِقُونَ ﴾
أُوْلِكَ فِ جَّدْتِ مُّكَمُونَ
٣٥
١
والمراد بالإنسان فى قوله - تعالى - : «إن الإنسان خلق هلوعا. إذا
مسه الشر جزوعا. وإذا مسه الخير منوعاً .. ، جنته، لا فرد معين منه،
كما فى قوله - تعالى -: «والعصر، إن الإنسان لفي خسر. الا الذه١٠٠٢
٠ ٠
١

١٣٩
سورة المعارج
-وعملوا الصالحات .. ، وكما فى قوله - سبحانه -: ((خلق الإنسان من
عجل سأريكم آياتى فلا تستعجلون » .
ويدخل فيه الكافر دخولا أولياً ، لأن معظم الصفات التى استثنيت
جعد ذلك من صفات المؤمنين الصادقين، وعلى رأسها قوله - سبحانه -:
(( إلا المصلين . .».
وقوله: ((هلوعا)) صيغة مبالغة من الهلع، وهو إفراط النفس ،
-وخروجها عن التوسط والاعتدال ، عند ما ينزل بها ما يضرها، أو عند
حاتتال ما يبرها .
والمراد بالشر: ما يشمل الفقر والمرض وغيرها ما يتأذى به الإنسان.
والمراد بالخير : ما يشمل الغنى والصحة وغير ذلك ما يتمناه الإنسان ،
ـوتميل إليه نفسه .
والجزوع: هو الكثير الجزع. أى: الخوف. والمنوع: هو الكثير
المنع لنعم الله - تعالى -، وعدم إعطاء شيء منها للمحتاجين إليها.
قال الآلوسى ما ملخصه: قوله: ((إن الإنسان خلق هلوما .. » الهلع:
- سرعة الجزع عند مس المكروه، وسرعة المنع عند مس الخير، من قولهم:
فاقة ملوع ، أى : سريعة السير .
وسئل ابن عباس عن الهلوع فقال: هو كما قال الله - تعالى -: « أنامسه
(الشر جزوعا. وإذا مسه الخير منوعا)).
ولا تفسير أبين من تفسيره - سبحانه - .
والإنسان: المراد به الجنس، أو الكافر .. وأل فى الشر والخير
الجنس - أيضا - .. )) (١).
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٩ ص ٦١

١٤٠
الجزء التاسع والعشرون
. والتعبير بقوله: (( خلق ملوعا، يشير إلى أن جنس الإنسان - إلا
من عصم الله - مفطور ومطبوع، على أنه إذا أصابه الشر جزع، وإذا
مسه الخير بخل .. وأن هاتين الصفتين ليستا من الصفات التى يحبها الله
- تعالى - بدليل أنه - سبحانه - قد استثنى المصلين وغيرهم من التلبس.
بهاتين الصفتين .
وبدليل أن من صفات المؤمن الصادق أن يكون شكورا عند الرخام
صبورا عند الضراء .
وفى الحديث الشريف، يقول - صلى الله عليه وسلم - شر ما فى الرجل:
شح هالغ ، وجبن خالع ،.
وفى حديث آخر يقول - صلى الله عليه وسلم -: عجبا لأمر المؤمن،
إن أمره كله له خير . إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته.
ضراء صبر فكان خيرا له ».
قال الجمل: وقوله = ((جزوعا ومنوعا، فيهما ثلاثة أوجه : أحدها :-
أنهما منصوبان على الحال من الضمير فى ((هلوعا))، وهو العامل فيهما .
والتقدير: هاوعا حال كونه جزوعا وقت مس الشر، ومنوعا وقت مس.
الخير . الثانى : أنما خير ان لكان أو صار مضمرة. أى: إذا مسه الشر.
كان أو صار جزوعا ، وإذا مسه الخير كان أو صار منوعا . الثالث :-
أنهما نعتان لقوله: ((هاوعا)) (١).
ثم وصف - سبحانه - من استئنام من الإنسان المطوع ، بجملة من.
الصفات الكريمة، فقال: ((إلا المصلين. الذين هم على صلاتهم دائمون)).
٠٠
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٤٠٦