النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
سورة الحاقة
وخصوا بالذكر، لشهرة جريمتهم وبشاعتها وشناعتها .. ولمرور أهل
مكة على قراهم وهم فى طريقهم إلى الشام للتجارة، كما قال - تعالى - :
((وإنكم لتمرون عليهم مصيحين وبالليل. أفلا تعقلون ... (١)
أى: وبعد أن أهلكنا أقوام عاد وثمود .. جاء فرعون، وجاء أقوام
آخرون قبله ، وجاء قوم لوط، وكانوا جميعاً كافرين برسلنا، ومعرضين
عن دعوة الحق، ومر تكبين للفعلات الخاطئة ، والفواحش المنكرة .
ومن مظاهر ذلك أنهم ((عصوا رسول ربهم)) أى: كل آية من أمم
الكفر تلك، عصت رسولها حين أمرها بالمعروف، ونهاها عن المنكر
فكانت نتيجة إصرارهم على ارتكاب المعاصى والفواحش .. أن
أخذهم الله - تعالى - ,آخذة رابية، أى: أخذة زائدة فى الشدة
- لزيادة قبائحهم - على الأخذات التى أخذ بها غيرهم .
فقوله: « رابية، مأخوذ من ربا الشيء إذا زاد وتضاعف.
وقال - سبحانه - ((فعصوا رسول ربهم)) ولم يقل رسولهم، الإشعار
بأنهم لم يكتفوا بمعصية الرسول الذى هو بشر مثلهم، وإنما تجاوزوا ذلك
إلى الاستخفاف بما جاءهم به من عتد ربهم وخالقهم وموجدهم.
والتعبير بالأخذ، الإشعار بسرعة الإهلاك وشدته، فإذا وصف هذا
الأخذ بالزيادة عن المألوف ، كان المقصود به الزيادة فى الاعتبار والاتعاظ
لأن هؤلاء جميعاً قد أهلكهم - سبحانه - هلاك الاستئصال، الذى لم يبق
منهم باقية .
ثم حكى - سبحانه - ما جرى لقوم نوح - عليه السلام - وبين جانباً
(١) سورة الصافات الآ ية ١٣٧ - ١٣٨

١٠٢
الجزء التاسع والعشرون
من منته ونعمه على المخاطبين، فقال: «إنالما طغى الماء حملنا كم فى
الجارية. لنجعلها لكم تذكرة وقعيها أذن واعية)).
وقوله: ((طغى، من الطغيان وهو مجاوزة الحد فى كل شىء والجارية
صفة لموصوف محذوف .
أى: اذكروا - أيها الناس - لتعتبروا وتتعظوا، ما جرى للكافرين
من قوم نوح - عليه السلام - فإنهم حين أصروا على كفرهم ، أغرقناهم
بالطوفان ، وحين علا الماء واشتد فى ارتفاعه اشتداداً عارقاً للعبادة ..
حلنا آباءكم الذين آمنوا بنوح - عليه السلام - فى السفينة الجارية، التى
صنعها نوح بأمرنا .. وحفظناهم - بفضلنا ورحمتنا - فى تلك السفينة إلى
أن انتهى الطوفان .
وقد فعلنا ذلك «لتجعلها لكم تذكرة، أى: لنجعل لكم هذه النعمة
وهى إنجاؤ كم وإنجاء آبائكم من الغرق - عبرة وعظة وتذكيرا بنعم الله
- تعالى - عليكم .
وهذه النعمة والمنة وتعيها، وتحفظها«أذن واعية، أى : أذن من
شأنها أن تحفظ ما يجب حفظه ، وقعى ما يجب وعيه .
فقوله: ((واعية، من الوعى بمعنى الحفظ للشىء فى القلب . يقال:
وعى فلان الشىء يعيه، إذا حفظه أكمل حفظ .
وقال - سبحانه - ((حملنا كم فى الجارية، مع أن الحمى كان للآباء الذين
آمنوا بنوح - عليه السلام -، لأن فى نجاة الآباء، نجاة الأبناء، ولأنه
لو هلك الآباء لما وجد الأبناء.
قال صاحب الكشاف: قوله ((حملنا كم)، أى: حملنا آباء كم فى
الجاريه، أى : فى السفينة الجاريه، لأنهم إذا كانوا من نسل المحمولى،

١٠٣
سورة الحاقة
الناجين، كان حمل آبائهم منة عليهم، وكأنهم هم المحمولون، لأن نجاتهم
سبب ولادتهم
(((لنجعلها) الضمير للفعلة: وهى نجاة المؤمنين وإغراق الكفرة
(( قذ كرة ، عبرة وعظة .
(( وتعيها أذن واعية، من شأنها أن تعى وتحفظ، ولا تضيعه
بترك العمل ..
فإن قلت : لم قيل: أذن واعية على التوحيد والتنكير؛ قلت :
الإيذان بأن الوعاة فيهم قلة، ولتوبيخ الناس بقلة من يعى منهم ، وللدلالة
على أن الأذن الواحدة إذا وعت وعقلت عن الله، فهى السواد الأعظم
عند الله، وأن ما سواها لا يبالى بهم، وإن ملئوا الخافقين.،» (١).
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ذكرت الناس بأهوال يوم
القيامة بأبلغ أسلوب، وبينت ما حل بالمكذبين بطريقة تبعث الخوف
والوجل فى القلوب .
ثم أخذت السورة فى تفصيل أهوال يوم القيامة ، وفى بيان ما تكون
عليه الأرض والسماء فى هذا اليوم، وفى بيان ما أعده - سبحانه - لمن
: أوتي كتابه بيمينه فى هذا اليوم، فقال - تعالى -:
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٦٠٠

١٠٤
الجزء التاسع والعشرون
:
فَإِذَا نُفِخَ فِ الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ
وَهِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدَُّادَ كُهُّ وَاحِدَةً (َ فَيَوْمَدٍ وَقَّعَتِهِ
الْوَاقِعَةُ ( هِ وَآلْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِىَ يَوْمَيٍِ وَاهِيَةٌ () وَاَلْمَلَكُ عَلََّ
أَرْجَبِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَيِذٍ تَنِيَّةٌ ﴿ يَوْمَيِّدٍ
تُعْرَضُونَ لَ تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (٨﴾ فَأَمَّا مَنْ أُوِىَ كِتَلَهُ بِّمِنِهِ».
١
فَيَقُولُ هَا ؤُمُ أَقْرَةُ واْكِتَدِيَهْ ﴿هَ إِى ◌َتَنْتُ أَنِى مُلَتٍ حِسَابِيَهْد
٢٠
قُهُوَ فِ عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ﴾ فِى جَنَّةٍ عَلِيَةٍ (*) قُطُوفُهَا دَائِيَةٌ ﴾
( كُلُواْ وَأَشْرَبُواْ هَنِيَثًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِ الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (3)
والفاء فى قوله - تعالى -: ((فإذا نفخ فى الصور .. ، للتفريع،
أى : لتفريع ما بعدها على ما قبلها ، وهو الحديث عن أهوال يوم القيامة.
والصور: هو البوق الذى ينفخ فيه إسرافيل بأمر الله - تعالى -
قال الألوسى: قوله: ((فإذا نفخ فى الصور نفخة واحدة، شروع فى
بیان نفس الحاقة ، وکیفیةوقوعها ، إثر بیان عظم شأنها ، باملاك مکذبها.
والمراد بالنفخة الواحدة: النفخة الأولى ، التى عندما يكون خراب.
العالم .. وقيل هى النفخة الثانية، والأول أولى، لأنه هو المناسب.
لما بعده ... )، (١).
(١) تفسير الألوسى جـ ٥٩ ص ٠٤٣

١٠٥
سورة الحاقة
وجواب الشرط قوله: ((فيومئذ وقعت الواقعة))، أو قوله: ((يومئذ
تعرضون لا تخفى منكم خافية».
أى: فإذا نفخ إسرافيل فى الصور بأمرنا، وقعت الواقعة التى لا مفر.
من وقوعها، لكى يحاسب الناس على أعمالهم .
ووصفت النفخة بأنها واحدة، للتأكيد على أنها نفخة واحدة وليست
أكثر، والتنبيه على أن هذه النفخة - مع أنها واحدة - تتأثر بها السموات
والأرض والجبال، وهذا دليل على وحدانية الله - تعالى - وقدرته .
وقوله - سبحانه -: ((وحماء الأرض والجبال فدكتادكة واحدة))
بيان لما ترقب على تلك النفخة الهائلة من آثار .
والمراد بحمل الأرض والجبال : إزا لتهما من أما كنهما ، وتفريق.
أجزلهما . .
والدك : هو الدق الشديد الذى يترتب عليه التكسير والتفتيت الشىء.
أى: عندما ينفخ إسرافيل فى الصور بأرنا نفخة واحدة ، وعندما
تزال الأرض والجبال عن أماكنهما، وتتفتت أجزاء هما تفتتا شديدا ..
فيومئذ ((وقعت الواقعة، أى: ففى هذا الوقت تقع الواقعة التى لامرد
لوقوعها ، والواقعة من أسماء يوم القيامه . كالحاقة والقارعه .
ثم بين - سبحانه - ما تكون عليه السماء فى هذا اليوم فقال :
((وانشقت السماء فهى يومئذ واهية)).
والانشقاق: الانفطار والتصدع .. ومعنى: ((واهيه)) ضعيفة
متراخية . .

١٠٦
الجزء التاسع والعشرون
يقال: وَهَى البناء يهى وهيً فهو واه، إذا كان ضعيفاً جداً، ومتوقعاً
-سقوطه . .
أى : وفى هذا الوقت - أيضاً - الذى يتم فيه النفخ فى الصور بأمرنا
تتصدع السماء وتتفطر، وتصير فى أشد درجات الضعف والاسترخاء ،
والتفرق ...
وفيد - سبحانه - هذا الضعف بهذا الوقت، للإشارة إلى أنه ضعف
طارىء، قد حدث بسبب النفخ فى الصور ، أما قبل ذلك فكانت فى نهاية
الصلابة والقوة .
وهذا كله للتهويل من شأن هذه النفخة ، ومن شأن المقدمات التى تتقدم
قيام الساعة ، حتى يستعد الناس لها بالإيمان والعمل الصالح .
والمراد بالملك فى قوله - تعالى -: ((والملك على أرجائها .. ، جنس
الملك ، فيشمل عدد مبهم من الملائكة ... أو جميع الملائكة إذا أردنا
. بأل معنى الاستغراق .
والأرجاء ، الأطراف والجوانب، جمع رجا بالقصر، وألفه منقلبه
عن واو ، مثل : قفا وقفوان .
أى: والملائكة فى ذلك الوقت يكونون على أرجاء السماء وجوانبها،
ينفذون أمر الله - تعالى - ((ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية»
أى: والملائكة واقفون على أطراف السماء، ونواحيها .. ويحمل عرش
ربك فوق هؤلاء الملائكة فى هذا اليوم ، ثمانية منهم ، أو ثمانية من
صفوفهم التى لا يعلم عددها إلا الله - تعالى - .
وعرش الله - تعالى - مالا يعلمه البشر إلا بالاسم، فنحن ٥ ٠.أ.

١٠٧
سورة الحاقة
حقله - عز وجل - عرشا، إلا أننا نفوض معرفه هيئته وكنهه ....
إلى الله - تعالى -
قال الآلوسى ما ملخصه. قوله: ((والملك على أرجائها .. ، أى:
والجنس المتعارف بالملك، وهم الملائكة ... على جوانب السماء التى
لم تتشقق ..
((ويحمل عرش ربك فوقهم، أى: فوق الملائكة الذين هم على الأرجاء
:المدلول عليهم بالملك ، وقيل: فوق العالم كلهم .
((يومئذ ثمانية)، أى: من الملائكه، أو ثمانية صفوف لا يعلم عدتهم
إلا الله - تعالى - .. ، (١)
هذا، وقد وردت فى صفة هؤلاء الملائكة الثمانية ، أحاديث ضعيفة
لذا ضربنا صفحاً عن ذكرها .
ثم بين - سبحانه - ما يجرى على الناس فى هذا اليوم فقال :
.(((يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية .. ))
والعرض أصله: إظهار الشىء لمن يريد التأمل فيه، والحصول عليه ،
ومنه عرض البائع سلمته على المشترى .
وهو هنا كناية عن لازمه وهو المحاسبه .
أى: فى هذا اليوم تعرضون للحساب والجزاء (« لا تخفى منكم خافيه»
أى تعرضون للحساب، دون أن يخفى منكم أحد على الله - تعالى -،
أو دون أن تخفى منكم نفس واحدة على خالقها - عز وجل - .
قال الجمل. قوله: ((يومئذ تعرضون)) أى: تسألون وتحاسبون،
(١) تفسير الالومى = ٢٩ ص ٤٥

١٠٨
الجزء التاسع والعشرون
وعبر عنه بذلك تشبيهاً له بعرض السلطان العسكر والجند، لينظر فى أمرهم.
فيختار منهم المصلح للتقريب والإكرام، والمفسد للإبعاد والتعذيب، (١).
والفاء فى قوله - تعالى -: ((فأما من أوتي كتابه بيمينه ... ».
لتفصيل ما يترقب على العرض والحساب من جزاء .
والمراد بكتابه: ما سجلته الملائكة عليه من أعمال فى الدنيا ، والمراد ..
بيمينه: بده المثى، لأن من يعطى كتابه بيده اليمنى، يكون هذا الإعطاء
دليلا على فوزه ونجاته من العذاب .
والعرب يذكرون التناول بالمين، على أنه كتابة عن الاهتمام بالشىء.
المأخوذ، وعن الاعتزاز به، ومنه قول الشاعر .
إذا ماراية رفعت محمد تلقاما عرابة بالمين
وجملة ((فيقول هاؤم أقر أوا كتابيه)) جواب ((أما))، ولفظ ((هاؤم)).
هنا: اسم فعل أمر بمعنى: خذوا، والها. فى قوله ((كتابيه وحسابيه).
وما ما ثلهما للسكت، والأصل كتابى وحسابى، فأدخلت عليهما ماء السكت
لكى تظهر فتحة الياء .
والمعنى : فى هذا اليوم يعرض كل إنسان للحساب والجزاء ، ويؤتى.
كل فرد كتاب أعماله ، فأما من أعطى كتاب أعماله بيمينه ، على سبيل
التبشير والتكريم، (( فيقول)) على سبيل البهجة والسرور لكل من يهمه
أن يقول له: ((هاؤم اقرؤوا كتابيه)) أى: هذا هو كتابى فخذوه واقرؤه.
فإنكم ستجدونه مشتملا على الإكرام لى، وتبشيرى بالفوز الذى هو نهاية.
آمالى ، ومحط رجائى .
(( وإنى ظننت)، أى: تيقنت وعلمت (( أنى ملاق حسابيه، أى: إنى ...
(١) حاشية الجمل على الجلالين ج ٤ ص ٥٩٧

١٠٩
سورة الحاقة
علمت أن يوم القيامة حق، وثيقنت أن الحساب والجزاء صدق، فأعددت
للأمر عدته عن طريق الإيمان الكامل، والعمل الصالح .
قال الضحاك : كل ظن فى القرآن من المؤمن فهو يقين ، ومن الكافر
فهو شك .
وهذه الجملة الكريمة بمنزلة التعليل البهجه والمسرة التى دل عليها قوله
- تعالى (( هاؤم اقرأوا كتابيه)).
((فهو) أى: هذا المؤمن الفائز برضا الله - تعالى - فى عيشة
راضية، أى: فى حياة ذات رضا، أى: ثابت دائم لها الرضا . فهى صيغة
- غسب ، كلابن وتامر لصاحب اللبن والتمر .
أو فهو فى عيشه مرضيه يرضى بها صاحبها ولا يبغضها ، فهى فاعل
بمعنى مفعول، على حد قولهم: ماء دافق بمعنى مدفوق .
وفى هذا التعبير مافيه من الدلالة على أن هذه الحياة التى يحياها المؤمن
فى الجنة ؛ فى أسمى درجات الحبور والسرور، حتى لكأنه لو كان للمعدد.
-عقل، لرضيت لنفسها بحالتها، ولفرحت بها فرحاً عظيما.
((فى جنة عالية ، أى: هذا الذى أوتى كتابه بيمينه، يكون - أيضاً -
بفى جنة مرتفعة على غيرما؛ وهذا لون من مزاياها.
((قطوفها دانية، أى: ثمارها قريبه التنازل لهذا المؤمن، يقطفها كلم)
أرادها بدون قعب. فالقطوف جمع قطف بمعنى مقطوف، وهو ما يحتفيه
الجانى من الثمار، و«دانية، اسم فاعل، من الدنو بمعنى القرب.
وجملة (( كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم فى الأيام الخاليه ، مقول
طقول محذوف .
أى: يقال لهؤلاء المؤمنين الصادقين، الذين أعطوا كتابهم بأيمانهم

١١٠
الجزء التاسع والعشرون
كاوا أكلا طيباً، واشربوا شراباً هنيئاً مريتاً بسبب ماقد متموه فى دنياكم
من إيمان بالله - تعالى -، ومن عمل صالح خالص لوجهه - تعالى -.
قال الإمام ابن كثير. أى: يقال لهم ذلك ، تفضلا عليهم، وامتناناً
وإنعاماً وإحساناً ، وإلا فقد ثبت فى الصحيح ، عن رسولالله - صلى اقه
عليه وسلم - أنه قال: « أعملوا وسددوا وقاربوا، واعلموا أن أحدا:
منكم لن يدخله عمله الجنه . قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال :
ولا أنا ، إلا أن يتغمدنى الله برحمته وفضله)) (١).
وكعادة القرآن الكريم، فى بيان سوء عاقبة الأشرار، بعد بيان حسن.
عاقبةالآخیار ، أو العكس ، جاءالحديث عمنأوتی کتا به بشماله ، بعدالحديث
عمن أوتي كتابه بيمينه ، فقال - تعالى - :
وَأَمَّا مَنْ
أُوْتِىَ كِتَابَهُ بِشَِالِهِ، فَيَقُولُ يَدَلَيْتَنِّ لَّمْ أُوْتَ كِتَبِيَهُ ﴾ وَلّْ
أَدْرِ مَا حِسَابِيَهُ ﴾﴿ يَلَيْنَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ ﴾ مَآ أَغْنَى عَنِّي
مَالِيَه ◌َ مَّلَكَ عَنّى سُلْطَانِيَهُ (ٌ خُذُوهُ فَغُلُوهُ بْ حُمَ الْجَحِيمَ
صُلُوُ جُمْ فِنْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاءً فَاسْلُكُوُ (﴾ إِنَّهُ كَانَ
لَا يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ ﴾ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ
٣٤
فَلَيْسَ لَهُ أَلْيَوْمَ هَنْهُنَا حِيمٌ (﴾ وَلَ طَعَامُ إِلَّمِنْ غِسْلِيٍ.
الَّا يَأْكُمْ إِلَّ الْخَطِعُونَ ◌َ
(١) تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ٤٢
٣٦

١١١
سورة الحاقة
أى: ((وأما من أوفى كتابه بشماله ، أى: من الجهة التى يعلم أن الإتيان
منها يؤدى إلى هلاكه وعذابه ..
((فيقول، على سبيل التحسر والتفجع ((يا ليتنى لم أوت كتابيه، أى:
فيقول يا ليقنى لم أعط هذا الكتاب ، لأن إعطائى إياه بشمالى دليل على
عذابى وعقابى .
((ولم أدر ما حسابيه، أى: ويا ليتنى لم أعرف شيئاً عن حسابى، فإن
هذه المعرفة التى لم أحسن الاستعداد لها، أوصلتنى إلى العذاب المهين .
(( يا ليتها كانت القاضية ، أى : يا ليت الموتة التی متها فی الدنیا ، كانت
هى الموقة النهائية التى لا حياة لى بعدها .
فالضمير للموقة التى ماتها فى الدنيا ، وإن كان لم يجر لها ذكر ، إلا أنها
عرفت من المقام .
والمراد بالقاضية: القاطعه لأمره، التى لا بعث بعدها ولا حساب ..
لأن ما وجده بعدها أشد ما وجده حلولها به .
قال قتادة : تمنى الموت ولم يكن عنده فى الدنيا شىء أكره منه ، وشر
من الموت ما يطلب منه الموت . ثم أخذ هذا الذى أوتى كتابه بشماله ينحسر
على تفريطه وغروره، ويحكى القرآن ذلك فيقول: ((ما أغنى عنى مالية)»
أى: هذه الأموال التى كنت أملكها فى الدنيا، وأتفاخر بها ؛ لم تغن عى
شيئاً من عذاب الله، ولم تنفعنى ولو منفعة قليلة .
فما نافية ، والمفعول محذوف للتعميم، ويجوز أن تكون استفهاميه
والمقصود بها التوبيخ.
أى : أى شىء أغنى عنى مالى؟ إنه لم يغن عنى شيئاً.
(«هلك عنى سلطانية، أى: ذهب عنى، وغاب عنى فى هذا اليوم.

٠٠٠
١١٢
الجزء التاسع والعشرون
ما كنت أتمتع به فى الدنيا من جاه وسلطان، ولم يحضرنى شىء منه، كما أن
حججى وأقوالى التى كنت أخاصم بها المؤمنين، قد ذهبت أدراج الرياح.
وعدى الفعل (( هلك، بعن، لتضمنه معنى غاب وذهب ...
وخلال هذا التفجع والتحسر الطويل ... يأتى أمر الله - تعالى -
الذى لا يرد، فيقول - سبحانه - الزبانية المكلفين بإنزال العذاب
بالكافرين: (( خذوه فغلوه، أى : خذوا هذا الكافر ، فأجمعوا يديه
إلى عنقه . .
فقوله : « خذوه » معمول لقول محذوف ، و هو جواب عن سؤال
نشأ مما سبق من الكلام، فكأنه قيل: وماذا يفعل به بعد هذا التحسر
والتفجع ... فكان الجواب: أمر الله - تعالى - ملائكته بقوله:
خذوه فغلو، .....
وقوله: ((فغلوه)) من الغل - بضم الغين - وهو ربط اليدين إلى
العنق على سبيل الإذلال .. .
(( ثم الجحيم صلوه)) أى: ثم بعد هذا التقييد والإذلال .. اقذفوا به إلى
الجحيم ، وهى النار العظيمة ، الشديدة التأجج والتوهج ..
ومعنى ((صلوه)): بالغوا فى تصليته النار ، بخمسه فيها مرة بعد أخرى.
يقال: صلى فلان النار، إذا ذاق حرها . وصلى فلان فلانا النار، إذا
أدخله فيها، وقلبه على جمرها كما تقلب الشاة فى النار . .
ثم فى سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه ، والسلسلة : اسم لمجموعة
من حلق الحديد ، يربط بها الشخص لكى لا يهرب ، أو لكى بزاد فى
إذلاله وهو المراد هنا .

١١٣
سورة الحاقة
وقوله: ((ذرعها، أى: طولها. والمراد بالسبعين: حقيقة هذا المقدار
فى الطول. أو يكون هذا العدد كناية عن عظم طولها، كما فى قوله - تعالى -:
استغفر لهم أولا تستغفر لهم، إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر
"الله لهم ... )) (١).
وقوله: ((فاسلكوه، من السلك بمعنى الإدخال فى الشىء ، كما فى
قوله - تعالى -: ما سلككم فى سقر، أى: ما أدخلكم فيها ...
أى: خذوا هذا الكافر ، فقيدوه، ثم أعدوه للنار المحرقة ، ثم اجعلوه
مغلولا فى سلسلة طولها سبعون ذراعا ، بحيث تكون محيطة به إحاطة
تامة . أى : القوا به فى الجحيم وهو مكبل فى أغلاله .
و ((ثم)، فى كل آية جىء بها التراخى الرقبى، لأن كل عقوبة أشد من
سابقتها، إذ إدخاله فى السلسلة الطويلة ، أعظم من مطلق إلقائه فى الجحيم،
كما أن إلقاءه فى الجحيم ، أشد من مطلق أخذه وتقييده ..
وفى هذه الآيات ما فيها من تصوير يبعث فى القلوب الخوف الشديد ،
ويحملها على حسن الاستعداد لهذا اليوم ، الذى لا تغنى فيه نفس عن
نفس شيئا .
وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات بعض الأحاديث
- والآثار، منها: مارواه ابن أبى حاتم، عن المنهال بن عمرو قال: ((إذا
قال الله - عز وجل - ((خذوه" .. ، ابتدره سبعون ألف ملك،
وإن الملك منهم ليقول هكذا - أى: ليفعل هكذا - ، فيلقى سبعين
ألفا في النار)»(٢).
(١) سورة التوبة الآية ٨٠.
(٢) راجع تفسير ابن كثير جـ ٢٤٣٨.
(م٨ - جزء تبارك)

١١٤
الجزء التاسع والعشرون
ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أدت بهذا الشقى إلى هذا المصير
الأليم فقال: ((إنه كان لا يؤمن بالله العظيم . ولا يحض على طعام.
المسكين ..
أى: إن هذا الشقى إنما حل به ماحل من عذاب ... لأنه كان فى
الدنيا، مصرا على الكفر، وعلى عدم الإيمان بالله الواحد القهار ..
وكان كذلك (( ولا يحض)) أى: لا يحث نفسه ولا غيره ((على طعام.
المسكين ، أى: على بذل طعامه أو طعام غيره المسكين ، الذى حلت به
الفاقة والمسكنة .
ولعل وجه التخصيص لهذين الأمرين بالذكر، أن أقبح شىء يتعلق
بالعقائد، هو الكفر بالله - تعالى - ، وأن أُفيح شىء فى الطباع، هو
البخل وقسوة القلب .
ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات، بزيادة البيان للمصير الأليم لهذاء
الشقى فقال: ( فليس له اليوم)) أى: يوم القيامة ((هاهنا حميم، أى:
ليس له فى هذا اليوم من صديق بنفعه، أو من قريب يشفق عليه ، .
أو بحمیه، أو يدفع عنه .
((ولاطعام إلا من غسلين، أى: وليس له فى جهنم من طعام سوى.
الغسلين، وهو صديد أهل النار .. أو شجر يأكله أهل النار، فيغسل.
بطونهم، أى: يخرج أحشاءهم منها . أو ليس لهم إلا شر الطعام وأخبته ..
((لا يأكله)، أى: الغسلين ((إلا الخاطئون)) أى: إلا الكافرون الذين.
تعمدوا ارتكاب الذنوب ، وأصروا عليها . من خطىء الرجل = إذا؛
تعمد ارتكاب الذنب .

١١٥
سورة الحاقة .
فالخاطىء هو من يرتكب الذئب عن تعمد وإصرار . والمخطئ .=
هو من يرتكب الذنب عن غير إصرار وتعمد .
وهكذا ، نجد الآيات الكريمة قد ساقت أشد ألوان الوعيد والعذاب ..
الكافرين، بعد أن ساقت قبل ذلك ، أعظم أنواع النعيم المقيم .. للمؤمنين.
وبعد هذا العرض - الذى بلغ الذروة فى قوة التأثير - لأهوال يوم
القيامة، ولبيان حسن عاقبة المتقين، وسوء عاقبة المكذبين .. بعد كل
ذلك، أخذت السورة فى أواخرها، فى تقرير حقيقة هذا الدين، وفى
تأكيد صدق الرسول - ◌َالتّ - فيما يبلغه عن ربه ، وفى بيان أن هذا
القرآن من عنده - تعالى - وحده .. فقال - سبحانه -:
- فُلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْ صِرُونٌ ﴾
بِأَنْصِرُونَ ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِ هِ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَكٍِّ
قُلِلَا مَاتُؤْمِنُونَ (٦) وَلَ بِقَوْلِ كَامِنَّ قَلِلًا مّتَ كُونَ (يَ تَنزِيلٌ
١
◌ِ رَّبِ الْعَلِينَ ﴾ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضُ الْأَقَاوِيلِّ
٤٤
لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَّمِينِ (٣) ثُمَ لَقَطَعْنَا مِنْهُ أَلْوَتِينَ (چيْنَمَا مِنْهُ
مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَلِجْزِينَ (® وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (﴾ وَإِنَّا
١
◌َتَعْلَمْ أَنَّ مِنْكُ مُكَذِّبِينَ ﴾ وَإُِّ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَفِرِينَ
٥٠
"َوَ إِنَّهُ تَحَقُ الْبَقِيْنِ (٥ْ فَسَبِخْ بِأَسْمِ رَبِّكَ اَلْعَظِيمِ ◌ّ

١١٦
الجزء التاسع والعشرون
والفاء فى قوله: ((فلا أقسم بما تبصرون ومالا تبصرون)) للتفريع
على مافهم مما تقدم، من إنكار المشركين ليوم القيامة ، ولكون القرآن
من عند الله ..
و ((لا)، فى مثل هذا التركيب يرى بعضهم أنها مزيدة، فيكون المعنى:
أقسم بما تبصرون من مخلوقاتنا كالسماء والأرض والجبال والبحار . .
وبمالا تبصرون منها، كالملائكة والجن . .
وقوله: ((إنه لقول رسول كريم، جواب القسم، وهو المحلوف
عليه . أى: أقسم إن هذا القرآن لقول رسول كريم، هو محمد - والتع -
وأضاف - سبحانه - القرآن إلى الرسول - مخ لل -، باعتبار أنه
هو الذى تلقاه عن الله - تعالى -، وهو الذى بلغه عنه بأمره وإذنه ..
أى: أن الرسول - مخ لل - يقول هذا القرآن، وينطق به، على وجه
التبليغ عن الله - تعالى -.
قال الإمام ابن كثير: قوله: ((إنه لقول رسول كريم)) يعنى محمداً
- رات -، أضافه إليه على معنى التبليغ، لأن الرسول من شأنه أن يبلغ
عن المرُسل، ولهذا أضافه فى سورة التكوير إلى الرسول الملكى فقال :
«إنه لقول رسول كريم. ذى قوة عند ذى العرش مكين. مطاع ثم أمين .. ))
وهو جبريل - عليه السلام -،(١) .
وبعضهم يرى أن ((لا)، فى مثل هذا التركيب ليست مزيدة، وإنما هى
أصلية، ويكون المقصود من الآية الكريمة، بيان أن الأمر من الوضوح
بحيث لا يحتاج إلى قسم، إذكل عاقل عند ما يقرأ القرآن ، يعتقد أنه
من عند الله . .
(١) تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ٠٢٤٤

١١٧
سورة الحاقة
ويكون المعنى: فلا أقسم بما تبصرونه من مخلوقات، ولا بمالا تبصرونه
٠ ٠ لظهور الأمر واستغنائه عن القسم.
قال الشوكانى: قوله: ((فلا أقسم بما تبصرون ومالا تبصرون، هذا
رد لكلام المشركين، كأنه قال : ليس الأمر كما تقولون. و«لا، زائدة
والتقدير: فأقسم بما تشاهدونه وبمالا تشاهدونه . .
وقيل إن ((لا ، ليست زائدة، بل هى لنفى القسم. أى: لا أحتاج
إلى قسم لوضوح الحق فى ذلك. والأول أولى))(١).
وتأكيد قوله: (( إنه لقول رسول كريم)) بإن وباللام، للرد على
المشركين الذين قالوا عن القرآن الكريم : أساطير الأولين .
ثم أضاف - سبحانه - إلى هذا التأكيد تأكيدات أخرى فقال:
((وما هو بقول شاعر. قليلاما تؤمنون. ولا بقول كاهن قليلاما تذكرون)).
والشاعر: (هو من يقول الشعر. والكاهن: هو من بتعاطى الكهانة
عن طريق الزعم بأنه يعلم الغيب ،
وأنتصب ((قليلا، فى الموضعين على أنه صفة لمصدر محذوف، و ((ما))
مزيدة لتأكيد القلة .
والمراد بالقلة فى الموضعين انتفاء الإيمان منهم أصلا. أو أن المراد
بالقلة، إيمانهم اليسير، كإيمانهم بأن الله هو الذى خلقهم، مع إشراكهم معه
آلهة أخرى فى العبادة ...
أى: ليس القرآن الكريم بقول شاعر ، ولا بقول كاهن ، وإنما هو
-
(١) تفسير القدير ج ٥ ص ٠٢٨٥

١١٨
الجزء التاسع والعشرون
تنزيل من رب العالمين، على قلب نبيه محمد - والتي -، لكى يبلغه إليكم،
ولكى يخرجكم بواسطته من ظلمات الكفر ، إلى نور الإيمان ..
ولكنكم - أيها الكافرون -- لا إيمان عندكم أصلا، أو قليلا
ما تؤمنون بالحق ، وقليلا ما تتذكرونه وتتعظون به .
ففى الآيتين رد على الجاحدين الذين وصفوا الرسول - حَ؟ -
بأنه شاعر أو كاهن .
وخص هذين الوصفين بالذكر هنا، لأن وصفه - صَ ل ـ بأنه
((رسول كريم)) كاف أشفى الجنون أو الكذب عنه - عَّ الله -، أما وصفه
بالشعر والكهانة فلا ينافى عندهم وصفه بأنه كريم، لأن الشعر والكهانة
كان معدودين عندهم من صفات الشرف، اذا نفى - سبحانه -- عنه -{}۔
أنه شاعر أو كاهن ، وأثبت له أنه رسول كريم .
وقوله: تنزيل من رب العالمين، تأكيد لكون القرآن من عند الله
- تعالى - ، وأنه ليس بقول شاعر أو كاهن . .
أى: هذا القرآن ليس كما زعمتم - أيها الكافرون -، وإنماهو منزل
من رب العالمين ، لا من أحد سواه - عز وجل - .
ثم بين - سبحانه - ما يحدث للرسول - فَ ج - لو أنه - على
سبيل الفرض - غدِّير أو بدل شيئا من القرآن فقال: ((ولو تقول علينا
بعض الأقاويل. لأخذنا منه بالمين . ثم لقطعنا منه الوتين. فمامنكم من
أحد عنه حاجزين .. )).
والنقول: افتراء القول، ونسبته إلى من لم يقله ، فهو تفعل من الفول
يدل على الشكلف والتصنع والاختلاق ..

١١٩
سورة الحاقة
والأقاويل: جمع أقوال ، الذى هو جمع قول ، فهو جمع الجمع . .
أى: ولو أن محمداً - عَ ل ـ افترى علينا بعض الأقوال، أو نسب
: إلينا قولا لم نفله، أو لم نأذن له فى قوله .. لو أنه فعل شيئا من ذلك على
سبيل الفرض :
(((لأخذنا منه باليمين، أى: لأخذنا منه باليد اليمنى من يديه، وهو
كناية عن إذلاله وإهانته .
أو : لأخذناه بالقوة والقدرة، وعبر عنهما باليمين ، لأن قوة كل شىء
فی میا منه .
والمقصود بالجملة الكريمة: التهويل من شأن الأخذ، وأنه أخذ شديد
- سريع لا يملك معه تصرفا أو هربا ..
ثم أضاف - سبحانه - إلى هذا التهويل ما هو أشد منه فى هذا
المعنى فقال: (( ثم لقطعنا منه الوتين)).
أى: ثم بعد هذا الأخذ بقوة وسرعة، لقطعنا وقينه، وهو عرق
: يتصل بالقلب، متى قطع مات صاحبه . .
وهذا التعبير من مبتكرات القرآن الكريم، ومن أساليبه البديعة ،
. إذالم يسمع عن العرب أنهم عبروا عن الإهلاك بقطع الوتين.
ثم بين - سبحانه - أن أحدا لن يستطيع منع عقابه فقال: « فا
- منكم من أحد عنه حاجزين)).
أى : فما منكم من أحد - أيها المشركون - يستطيع أن يدفع عقابنا
عنه، أو يحول بيننا وبين ما يريده، فالضمير فى (عنه)) يعود إلى الرسول
- صلى الله عليه وسلم -.

١٢٠
الجزء التاسع والعشرون
قال صاحب الكشاف عند تفسيره لهذه الآيات: التقول : افتعال.
القول، كان فيه تكلفاً من المفتعل، وسمى الأقوال المنقولة، أقاويل))،
تصغيراً بها وتحقيراً، كقولك: الأعاجيب والأضاحيك، كأنها جمع
الأفعولة من القول .
والمعنى: ولو ادعى علينا شيئاً لم نقله لقتلناه صبراً، كما يفعل الملوك ..
بمن يتكذب عليهم، معالجة بالسخط والانتقام ، فصور قتل الصبر
بصورته ليكون أهول، وهو أن يأخذ بيده، وتضرب رقبته .
" وخص اليمين عن اليسار، لأن القائل إذا أراد أن يوقع الضرب فى قفا
المقتول أخذ بيساره، وإذا أراد أن يوقعه فى جيده وأن يكفجه بالسيف.
- وهو أشد على المصبور لنظره إلى السيف - أخذ بيمينه . .
ومعنى: ((لأخذنا منه بالمين)): لآخذنا بيمينه. كما أن قوله: «ثم.
لقطمنا منه الوتين)): لقطعنا وقينه، والوقين: نياط القلب، وهو حبل.
الوريد ، إذا قطع مات صاحبه)، (١).
وفى هذه الآيات الكريمة أقوى الأدلة على أن هذا القرآن من عند الله.
- تعالى - لأنهالوكان - كمازعم الزاعمون أنه من تأليف الرسول.
- صلى الله عليه وسلم - لما نطق بهذه الألفاظ التى فيها ما فيها من تهديده
ووعيده ...
كما أنها كذلك فيها إشارة إلى أنه - صلى الله عليه وسلم - لم ينقول
شيئاً .. . وإنما بلغ هذا القرآن عن ربه - عز وجل - دون أن يزيد
حرفاً أو ينقص حرفاً .. لأن حكمة الله - تعالى - قد اقتضت أن يهلك.
(١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٦٠٧
: