النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
سورة القلم
والفاء فى قوله: ((فذرنى ومن يكذب بهذا الحديث .. )) لترتيب
- ما بعدها على ما قبلها.
والفعل (( ذرنى)) من الأفعال التى يأتى منها الأمر والمضارع، ولم يسمع
.. لها ماض، وهو بمعنى أترك. يقال: ذرْه يفعل كذا، أى: أر كه.
ومنه قوله - تعالى - ,ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف
_ يعلمون)).
والمراد (( بهذا الحديث .. ، ما أو حاه الله - تعالى - إلى نبيه - زل-
- من قرآن كريم، ومن توجيهات حكيمة ، لكى يبلغها للناس.
والاستدراج: استنزال الشىء من درجة إلى أخرى، والانتقال به من
- حالة إلى أخرى، والسين والتاء فيه للطلب. والمراد به هنا: التمهل فى
إنزال العقوبة .
والإملاء : الإمداد فى الزمن، والإمهال والتأخير ، مأخوذ من الملاوة
- والملوة، وهى الطائفة الطويلة من الزمن . والملوان: الليل والنهار.
- والمراد به هنا: إمدادهم بالكثير من النعم ...
يقال: أملى فلان لبعيره: إذا أرخى له فى الزمام، ووسع له فى القيد،
ليتسع المرعى .
والكيد كالمكر، وهو التدبير الذى يقصد به غير ظاهره ، بحيث
- ينخدع الممكوربه ، فلا يفطن لما يراد به، حتى يقع عليه ما يسو ....
وإضافة الكيد إليه - تعالى -، يحمل على المعنى اللائق به كإبطال
- مكر أعدائه، وكإمدادهم بالنعم، ثم بأخذهم أخذ عزيز مقتدر .
والمقصود بهاتين الآيتين الكريمتين: تسلية النبى - مخ المع - عما
قأصابه من أعدائه .
(م٦ - جزء تبارك)

٨٢
الجزء التاسع والعشرون
والمعنى: إذا كانت أحوال هؤلاء المشركين، كما ذكرت لك - أيها
الرسول الكريم -، فكل أمرهم إلىّ. واترك أمر هؤلاء الذين يكذبونك
فيما جئتهم به من عندنا إلى ربك، ولا تشغل بالك بهم .. فإنى سأقربهم
قليلا قليلا إلى ما يهلكهم، ويضاعف عقابهم، بأن أسوق لهم النعم، حتى.
يفاجئهم الهلاك من حيث لا يعدون أن صنعنا هذا معهم هو لون من
الاستدراج ، ثم إنى أمدهم فى أسباب الحياة الرغدة ، ليزدادوا إثما ،
ثم آخذهم أخذ عزيز مقتدر، وهذا لون من ألوان كيدى الشديد القوى،.
الذى لا يفطن إليه أمثال هؤلاء الجاهلين الأغبياء ..
وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى -: ((فلما نسواما ذكروا به.
فتحنا عليهم أبواب كل شىء، حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة .
فإذاهم مبلسون. فقطع دابر القوم الذين ظلوا، والحمدلله رب العالمين)) (١) ..
وفى الصحيحين عن أبي موسى الأشعرى أن رسول الله - إليها .
=
قال: (( إن الله ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته».
وقال الحسن البصرى: كم من مستدرج بالإحسان ، وكم من مفتون ..
بالثناء عليه ، وكم من مغرور بالستر عليه .
قال الآلوسي: وقوله: (سنستدرجهم .. )) استئناف مسوق لبيان.
كيفية التعذيب المستفاد من الكلام السابق إجمالا . .
وقوله: ((من حيث لا يعلمون)) أى: من حيث لا يعلمون أنه
استدراج، بل يزعمون أن ذلك إيثار لهم، وتفضل على المؤمنين ، مع أنه-
سبب هلاكهم ..
(١) سورة الأنعام الآيتان ٠٤٠،٤٤

٨٣
سورة القلم
وقوله: (( وأملى لهم، أى: وأمهلهم ليز دادوا إثما ... إن كيدى منين»
أى : لا يدفع بشى ..
وتسمية ذلك كيدا - وهو ضرب من الاحتيال - لكونه فى صورته،
حيث إنه - سبحانه - يفعل معهم ما هو نفع لهم ظاهرا، ومراده
- عز وجل - به الضرر، لما علم من خبث جبلتهم ، وتماديهم فى الكفر
والجحود)»(١).
ثم عادت السورة الكريمة إلى إبطال معاذيرهم ، بأسلوب الاستفهام
الإنكارى، الذى تكرر فيها كثيرا، فقال - تعالى -: ((أم تسألهم أجرافهم
من مغرم مثقلون . أم عندهم الغيب فهم يكتبون)) ؟
والمغرم والغرامة: ما يفرض على المرء أداؤه من مال وغيره .
والمثقلون: جمع مثقل، وهو من أثقلته الديون ، حتى صار فى حالة
·عجز عن أدائها .
والمراد بالغيب : علم الغيب ، وهو ما غاب عن علم البشر ، فالكلام
على حذف مضاف .
والمعنى: بل أقسالهم - يا محمد - على دعوتك لهم إلى الحق والخير
((أجرأ)، دنيويا ((فهم)) من أجل ذلك مثقلون بالديون المالية، وعاجزون
عن دفعها لك .. فترتب على هذا الغرم الثقيل، أن أعرضوا عن دعوتك؛
وتجنبوا الدخول فى دينك ؟
أم أن هؤلاء القوم عندهم علم الغيب ، بأن يكونوا قد اطلعوا على
ما سطرناه فى اللوح المحفوظ من أمور غيبية لا يعلمها أحد سوانا .. فهم
(١) تفسير الألوسى = ٢٩ ص ٠٣٦

٨٤
الجزء التاسع والعشرون
یکتبون ذلك ، ثم يصدرون أحکامهم ، ويحادلونك فى شأنها ؛ وكأنهم
قد اطلعوا على بواطن الأمور !
الحق الذى لا حق سواه ؛ أن هؤلاء القوم؛ أنت لم تطلب منهم أجرا
على دعوتك إياهم إلى إخلاص العبادة لنا، ولا علم عندهم بشىء من
الغيوب التى لا يعلمها أحد سوانا، وكل ما يزعمرنه فى هذا الشأن فهو
ضرب من الكذب والجهل ..
وما دام الأمر كما ذكر نالك ((فاصبر)) - أيها الرسول الكريم -
لحكم ربك)، ولقضائه فيك وفيهم، وسر فى طريقك الذى كلفناك به،
وهو تبليغ رسالتنا إلى الناس .. وستكون العاقبة لك ولأتباعك.
((ولا تكن)) - أيها الرسول الكريم - ((كصاحب الحوت)) وهو
يونس - عليه السلام - .
أى: لا يوجد منك ما وجد منه، من الضجر، والغضب على قومه
الذين لم يؤمنوا، ومغادرة ديارهم ..
والظرف فى قوله: ((إِذ نادى وهو مكظرم، منصوب بمضاف محذوف،
وجملة ((وهو مكظوم)) فى محل نصب على الحال من فاعل ((نادى)).
والمكظوم - بزنة مفعول -: المملوء غضبا وغيظا وكربا، مأخوذ من
كظم فلان السقاء إذا ملاه، وكظم الغيظ إذا حبسه وهو متلىء به .
أى : لا يكن حالك كحال صاحب الحوث، وقت فدائه لربه - عزوجل-
وهو ملوه غيظا وكربا، لما حدث منه مع قومه ، ولما أصابه من بلاء وهو
فى بطن الحوت .
وهذا النداء قد أشار إليه - سبحانه - فى آيات منها قوله - تعالى -:

٨٥
سورة القلم
(( وذا النون إذ ذهب مغاضبا، فظن أن لن نقدر عليه، فنادى فى الظلمات
أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين . فاستجبنا له ونجيناه
من الغم و كذلك نتجى المؤمنين)) (١).
وقوله - سبحانه -: «لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء
وهو مذموم .. ، استئناف لبيان جانب من فضله - تعالى - على عبده
يونس - عليه السلام - .
و((لولا، هنا حرف امتناع لوجود. و((أن)) بجوز أن تكون
مخففة من (( أن )) الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، وهو محذوف، وجملة
« تدار كه نعمة من ر به ، خبرها .
ويجوز أن تكون مصدرية: أى : لولا تدارك رحمة من ربه ..
والتدارك : تفاعل من الدرك - بفتح الدالى - بمعنى اللحاق بالغير،
والمقصود به هنا : المبالغة فى إدراك رحمة الله - تعالى - لعبده يونس
- عليه السلام - .
قال الجمل: قرأ العامة: ((قداركه))، وهو فعل ماض مذكر، حمل
على معنى النعمة ، لأن تأنيثها غير حقيقى . وقرأ ابن عباس وابن مسعود:
تدار كته - على لفظ النعمة - وهو خلاف المرسوم .. ،(٢).
والمراد بالنعمة : رحمته - سبحانه - بيونس - عليه السلام - ،
وقبول قوبته ، وإجابة دعائه ..
(١) سورة الأنبياء الآية ٨٧، ٠٨٨
(٢) حاشية الجمل على الجلالين = ٤ ص ٣٩١.

٨٦
الجزء التاسع والعشرون
والنبذ: الطرح والترك الشىء. والعراء: الأرض الفضاء الخالية من
النبات وغيره .
والمعنى: لولا أن الله - تدارك عبده يونس برحمته، وبقبول قوبته ..
أطرح من بطن الحوت بالأرض الفضاء الخالية من النبات والعمران ..
وهو مذموم، أى: وهو ملوم ومؤاخذ منا على ما حدث منه ..
ولكن ملامته ومؤاخذته منا قد امتنعت، لتدار كه برحمتها ، حيث
قبلنا قوبته، وغسلنا حوبته، ومنحناه الكثير من خيرنا وبرنا ..
فالمقصود من الآية الكريمة بيان جانب من فضل الله - تعالى - على
عبده يونس - عليه السلام -، وبيان أن رحمته - تعالى - به، ونعمته عليه،
قد حالت بينه وبين أن يكون مذموما على ماصدر منه، من مغاضبة لقومه
ومفارقته لهم بدون إذن من ربه ..
قال الجمل ما ملخصه: قوله = ((وهو مذموم، أى= ملوم ومؤأخذ بذقيه
والجملة حال من مرفوع (( نَبذ»، وهى محط الامتناع المفاد بلولا، فهى
المنفية لا النبذ بالعراء ..
أى: ((لنبذ بالعراء وهو مذموم، لكنه رحمه فنبذ غير مذموم ..
فلولا - هنا -، حرف امتناع لوجود ، وأن الممتنع القيد فى جوابها
لا هو نفسه .. ))(١).
وقوله: ((فاجتباه ربه فجعله من الصالحين، تأكيد وتفصيل لنعمة الله
- تعالى - التى أنعم بها على عبده يونس - عليه السلام - ، وهو معطوف
على مقدر .
(١) حاشية الجمل على الجلالين ج ٤ ص ٠٣٩١

٨٧
سورة القلم
أى : فتداركته النعمة فاصطفاه ربه - عز وجل - حيث رد عليه الوحى
-جعد انقطاعه ((وأرسله إلى مائة ألف أو يزيدون من الناس، وقبل قوبته،
-فجعله من عباده الكاملين فى الصلاح والتقوى ، وفى تبليغ الرسالة عن ربه.
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، ببيان ماكان عليه الكافرون
-من كراهية للنبى - رفع - ومن حقد عليه، فقال - تعالى - : ((وإن يكاد
الذين كفروا ليز لقونك بأبصارهم، لما سمعوا الذكر، ويقولون إنه لمجنون.
. وما هو إلا ذكر العالمين)).
وقوله: (( ليزلقونك، من الزلق - بفتحتين -، وهو تزحزح الإنسان
- عن مكانه، وقد يؤدى به هذا التزحزح إلى السقوط على الأرض. يقال:
-زلقه بزلقه، وأزلقه يزلقه إزلاقا، إذا نحاه وأبعده عن مكانه واللام فيه
للابتداء .
قال الشوكانى أقرأ الحجور (( ليز لقونك)، بضم الياء من أزلقه، أى:
(أزل رجله .. وقرأ نافع وأهل المدينة ((ليزلقولك)) - بفتح الياء - من
زلق عن موضعه .
و ((إن)) هى المخففة من الثقيلة، - واسمها ضمير الشأن محذوف لدلالة
.ما قبلها عليه. أى: لما سمعوا الذكر كاد وايزلقونك ..= (١).
أى : وإن يكاد الذين كفروا ليهلكونك ، أو ليزلون قدمك عن
-«وضعها، أو ليصر عوفك بأبصارهم من شدة نظرهم إليك شزرا، بعيون
.مائزها العداوة والبغضاء حين سمعوا الذكر، وهو القرآن الكريم ..
(((ويقولون)) على سبيل البعض لك ((إنه لمجنون)) أى: إن الرسول
- ربح - من الأشخاص الذين ذهبت عقولهم ..
(١) تفسير فتح القدير جـ ● ص ٢٧٧ للشوكانى.

٨٨
الجزء التاسع والعشرون
(( وما هو، أى: القرآن الذى أنزلناه عليك (( إلا ذكر للعالمين، أى =
تذكير بالله - تعالى - وبدينه وبهداياته .. وشرف لهم والعالمين جميعا.
وجاء قوله ((يكاد)) بصيغة المضارع، للإشارة إلى استمرار ذلك.
فى المستقبل .
وجاء قوله ((سمعوا)، بصيغة الماضى، لوقوعه مع ((لما)، والإشعار ..
بأنهم قد حصل منهم هذا القول السىء . .
وجاء قوله ((ليز لقونك)) بلام التأكيد، للإشعار بتصميمهم على هذه-
الكراهية ، وحرصهم عليها .
وقوله - سبحانه -: ((وما هو إلا ذكر للعالمين)، رد على أكاذيبهم،
وإبطال لأقوالهم الزائفة، حيث وصفوه - ملح - بالجنون: لأنه إذا كان.
ما جاء به شرف وموعظة وهداية وتذكير بالخير الناس .. لم يكن معقولا.
أن يكون مبلغه مجنونا.
ومنهم من فسر قوله - تعالى -: ((ليزلقونك بأبصارهم .. ، أى : -
ليحسدونك عن طريق النظر الشديد بعيونهم ..
قال الإمام ابن كثير: وقوله: ((وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك ..
بأبصارهم ، قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: ((ليزلقونك)) = لينفذونك.
بأبصارهم ، أى : ليعينوُك بأبصارهم، بمعنى ليحسدونك لبغضهم إياك،:
لولا وقاية الله لك، وجايتك منهم.
وفى هذه الآية دليل على أن العين إصابتها وتأثيرها حق بأمر الله .
- عز وجل ة، كما وردت بذلك الأحاديث المروية من طرق متعددة كثيرة.
ثم ساق - رحمه الله - جملة من الأحاديث فى هذا المعنى، منها مارواه
:
:

٨٩
سورة القلم
أبو داود فى سننه ، عن أنس أن رسول الله - حائل - قال = لا رقية إلا من.
عين أو 'حمَه - أى : سم -، أودم لا يرقأ)».
وروى الإمام مسلم فى صحيحه عن ابن عباس، أن رسول الله - مواقع -
قال : ((العين حق، ولو كان شىء سابق القدر سبقت العين .. )،
وعن ابن عباس - أيضا - قال :كان رسول الله - ستائر - يعوذ الحسن.
والحسين فيقول: أعيذ كما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة - والهامة
كل ذات سم يقتل -، ومن كل عين لامه)) ..
وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال :.
((العين حق حتى لتورد الرجل القبر، والجمل القدر، وإن أكثر هلاك.
أمتى فى العين)، (١).
وبعد: فهذا تفسير محرر لسورة ((نون))، نسأل الله - تعالى - أن يحمله
خالصالوجهه ، ونافعا اعباده .
والحمدته الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى.
آله وصحبه وسلم ؟
القاهرة - مدنية نصر .
كتبه الراجى عفور به
محمد سيد طنطاوى
صباح السبت ١٢ من ذى القعدة سنة ١٤٠٦ هـ
الموافق ١٩ /١٩٨٦/٧ م
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ٢٢٦ وما بعدها.

تَفْسِيْ شُورَة
(( الحاقة )»

بْدعبد الرحمن الرحيمْ.
١ - سورة ((الحاقة)) من السور المكية الخالصة، وكان نزولها بعد
سورة الملك)، وقبل سورة (( المعارج)، وعدد آياتها إحدى وخمسون.
آية ، وعند بعضهم اثنتان وخمسون آية .
قال الآلوسى : ويدل على مكيتها ما أخرجه الإمام أحمد ، عن عمر
ابن الخطاب قال: خرجت أتعرض لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -
قبل أن أسلم ، فوجدته قد سبقنى إلى المسجد ، فوقفت خلفه، فاستفتح
بسورة ((الحاقة))، فجعلت أعجب من تأليف القرآن، فقلت - أى: فى
نفسى -: هذا والله شاعر، فقرأ ((وماهو بقول شاعر قليلا ماتؤ منون))
فقلت: كاهن، فقرأ((ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون . تنزيل من رب.
العالمين ... إلى آخر السورة. فوقع الإسلام فى قلبى كل موقع (١).
وإذا صح هذا الحديث يكون نزولها فى السنة الرابعة أو الخامسة من
البعثة، لأن إسلام عمر - رضى الله عنه - كان - تقريبا - فى ذلك.
الوقت ...
٢ - والسورة الكريمة زاخرة بالحديث عن أهوال يوم القيامة،
وعن مصارع المكذبين، وعن أحوال أصحاب اليمين وأصحاب الشمال ،
وعن إقامة الأدلة المتعددة على أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - ،
وعلىأن الرسول- صلىالله عليه وسلم - صادق فما يبلغه عن ربه - عز
وجل - .
(١) تفسير الآلوسي = ٢٩ ص ٣٨

٩٣
سورة الحاقة
وتمتاز هذه السورة بقصر آياتها، وبرهبة وقعها على النفوس، إذكل
قارىء لها بتدبر وتفكر، يحس عند قراءتها بالهول القاصم ، وبالجد
الصارم، وببيان أن هذا الدين حق لا يشوبه باطل، وأن ما أخبر به
الرسول - صلى الله عليه وسلم - صدق لا يحوم حوله كذب ..
نرى ذلك كله فى اسمها ، وفى حديثها عن مصارع الغابرين ، وعن
مشاهد يوم القيامة التى يشيب لها الولدان ..
وقد افتتح - سبحانه - السورة الكريمة بقوله :
بِسْـ
٠
3
~1
٦
وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا الْحَاقَّةُ چِ كَنَّبَتْ
أْحَاقَّةُ (٢) مَا الْحَاقَّةُ
٢
مُ وَادٌ بِالْقَارِعَةِ (هِ فَمَّاتَمُدُ فَأَهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (ٍ وَأَمَّا عَادٌ
فَأُهْلِكُواْ بِيجِ صَرْصٍَ عَتِيَّةٍ (إي ◌ََّهَا عَوِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَتَنِيَّةٌ
أَيَامِ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيَهَا صَرْعَنْ كَنَّهُمْ أَنْجَازٌ تَخْلِ خَاوِيَّةٍ يَ
◌ُهُلْ تَرَى لَهُ مِنْ بَقِيَّةٍ (٢﴾ وَجَآءَفِرْعَوْنٌ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَّفِكَتُ
يَلْخَاطِئَةِ ﴿ فَعَصَوْ رَسُولَ رَبِهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةٌ رَّاسَةً
١٠
إِنّ ◌َمِّ طَغَا الْمَآءُ حَمَْكُمْ فِ اَلْجَارِيَةِ (٨) لِنَجْعَلَهَ لَكُمْ تَذْكِرَةٌ
وَنَعِيَهَا أَذُنٌ وَعِيَةٌ
وكلمة (الحاقة مأخوذة من حق الشىء إذا ثبت وجوده ثبوتا لا يحتمل
الشك ... وهى من أسماء الساعة، وسميت الساعة بهذا الإسم لأن الأمور

٩٤
الجزء التاسع العشرون
تثبت فيها وبحق ، خلافا لما كان يزعمه الكافرون من أنه لابعث
ولا حساب ولا جزاء ..
والهاء فيها يصح أن تكون هاء التأنيث، فيكون لفظ ((الحاقة، صفة
لموصوف محذوف، أى: الساعة الحاقة .
ويصح أن تكون ما. مصدر ، بزنة فاعلة ، مثل الكاذبة للكذب،
والباقية للبقاء، والطاغية للطعيان ...
.وأصلها تاء المرة، ولكنها لما أريد بها المصدر، قطع النظر عن المرة »
وصار لفظ ((الحاقة)، بمعنى الحق الثابت الموقوع.
ولفظ ((الحاقة، مبتدأ، و((ما)) مبتدأ ثان، ولفظ الحاقة الثانى)
خبر المبتدأ الثانى؛ والجملة من المبتدأ الثانى وخبره، خبر المبتدأ الأول.
قال القرطبى ما ملخصه: قوله - تعالى -: ((الحاقة . ما الحاقة)).
يريد القيامة . سميت بذلك لأن الأمور تحق فيها ...
وقيل سميت بذلك : لأنها تكون من غير شك. أو لأنها أحقت.
لأقوام الجنة ، ولأقوام النار. أو لأن فيها يصير كل إنسان حقيقا بجزاء
عمله . أو لأنها تحق كل محاق فى دين الله بالباطل. أى. تبطل حجة كل
مخاصم فى دين الله بالباطل - يقال: حاققته حققته فأنا أحقه، إذا غالبته
فغلبته .. والتحاق: التخاصم. والاحتقاق: الاختصام ... )) (١).
و((ما)، فى قوله ((وما أدراك ما الحاقة) اسم استفهام المقصود به هنا
التهويل والتعظيم، وهى مبتدأ، وخبرها جملة « أدراك ما الحاقة، وما الثانية
وخبرها فى محل نصب سادة مسد المفعول الثانى لقوله (( أدراك)) لأن أدرى
(١) راجع تفسير القرطبى ج ١٨ ص ٢٥٧

٩٥
الجزء التاسع والعشرون
يتعدى لمفعولين، الأول بنفسه والثانى بالباء، كما فى قوله - تعالى - :
(((قل لو شاء اللّه ما تكون عليكم ولا أدراكم به ... )، (١).
وهذا الأسلوب الذى جاءت به هذه الآيات الكريمة ، فيه ما فيه من
التهويل من شأن الساعة، ومن التعظيم لأمرها، فكأنه - تعالى -
يقول : يوم القيامة الذى يخوض فى شأنه الكافرون ، والذى تحق فيه
الأمور وتثبت .. أتدرى أى شىء عظيم هو ؟ وكيف تدرى أيها المخاطب
ونحن لم نحط أحدا بكنه هذا اليوم، ولا بزمان وقوعه ؟
وإنك - أيها العاقل - مهما تصورت هذا اليوم. فإن أهواله فوق
ما تتصور , وكيفما قدرت الشدائده، فإن هذه الشدائد فوق ما قدرت ..
ومن مظاهر هذا التهويل لشأن يوم القيامة، افتتاح السورة بلفظ
((الحاقة، الذى قصد به ترويع المشركين، لأن هذا اللفظ يدل على أن يوم
القيامة حق ..
كما أن تكرار لفظ «ما، ثلاث مرات، مستعمل - أيضا - فى
التهويل والتعظيم ، كما أن إعادة المبتدأ فى الجملة الواقعة خبرا عنه بلفظه ،
بأن قال ((ما الحاقة)) ولم يقل ما هى، يدل أيضا على التهويل، لأن الإظهار
فى مقام الإضمار يقصد به ذلك، ونظيره قوله - تعالى - : «وأصحاب
٢٠.
اليمين ما أصحاب اليمين ... وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال.
والخطاب فى الآيات الكريمة ، لكل من يصلح له ، لأن المقصوه
قنبيه الناس إلى أن الساعة حق ، وأن الحساب والجزاء فيها حق ، لكى
يستعدوا لها بالإيمان والعمل الصالح.
قال بعض العلماء ما ملخصه: واستعمال (وما أدراك)) غير استعماله.
(١) سورة يونس. الآية ١٦

٩٦
سورة الحاقة
.(( ما يدريك)) .. فقد روى عن ابن عباس أنه قال: كل شى. من القرآن من
قوله (( ما أدراك، فقد أدراء، وكل شىء من قوله: ((وما يدريك، فقد
طوى عنه ..
فإن صح هذا عنه فراده أن مفعول (( ما أدراك، محقق الوقوع، لأن
الاستفهام فيه للتهويل وأن مفعول (ما يدربك)) غير محقق الوقوع لأن الاستفهام
فيه للإنكار ، وهو فى معنى نفى الدراية .
قال - تعالى -: ((وما أدراك ماهية. نار حامية، وقال - سبحانه -
(( وما يدريك لعل الساعة قريب)) (١).
ثم فصل - سبحانه - أحوال بعض الذين كذبوا بالساعة، وبين
ما ترتب على تكذيبهم من عذاب أليم فقال : «كذبت ثمود وعاد بالقارعة
فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية. وأماعاد فأهلكوا بربح صرصر عاتية ....
ونمود: هم قوم صالح - عليه السلام - ، سموا بذلك باسم جدهم
حمود. وقيل سموا بذلك لقلة المياه التى كانت فى مساكنهم، لأن الثمد هو
الماء القليل ..
وكانت مساكنهم بين الحجاز والشام، وما زالت أما كنهم معروفة باسم
قرى صالح، بين مملكة شرق الأردن، والمملكة العربية السعودية ...
وقد ذكرت قصتهم فى سور: الأعراف، وهود، والشعراء ، والنمل
والقمر ... الخ .
وأما عادفهم قبيلة عاد، وسموا بذلك نسبة إلى جدهم الذى كان يسمى
بهذا الاسم، وكانت مساكنهم بالأحقاف باليمن - والأحقاف جمع حقف
«وهو الرمل الكثير المائل -.. وينتهى نسب عاد وثمود إلى نوح - عليه السلام-
(١) تفسير التحرير والتنوير جـ ٢٩ ص ١١٤ للشيخ ابن عاشور.

٩٧
سورة الحاقة
والقارعة : اسم فاعل من قرعه، إذا ضربه ضربا شديدا، ومنه قوارع
: الدهر، أى: شدائده وأهواله. ويقال قرع فلان البعير، إذا ضربه.
ومنه قولهم : العبد يقرع بالعصا .
ولفظ القارعة ، من أسماء يوم القيامة، وسمى يوم القيامة بذلك ، لأنه
يقرع القلوب ويزجرها لشدة أهواله. وهو صفة لموصوف محذوف. أى:
بالساعة القارعة . .
والطاغية من الطغيان وهو تجاوز الحد . والمراد بها هنا الصاعقة
أو الصيحة التى أهلكت قوم ثمود، كما قال - تعالى -: ((وأخذ الذين
- ظلموا الصيحة فأصبحوا فى ديارهم جائمين ... (١).
ولفظ الطاغية - أيضا - : صفة لموصوف محذوف.
والريح الصرصر العاتية : هى الريح الشديدة التى يكون لها صوت
" كالصرير، كما قال - تعالى -: «فأرسلنا عليهم ربحا صرصرا فى أيام
- فحمات .. )، (٢).
والعاقية من العتو بمعنى الشدة والقوة وتجاوز الحد .
أى : كذبت قبيلة ثمود ، وقبيلة عاد، بالقيامة التى تقرع القلوب ،
وتزلول النفوس، فأما قبيلة (« ثمود) فأهلكرا، بالصيحة أو بالصاعقة،
أو بالرجفة، التى تجاوزت الحد فى الشدة والهول والطغيان ..
وأما قبيلة عاد، فأهلمكت بالريح الشديدة، التى لها صوت عظيم ، والتى
تجاوزت كل حد فى قوتها .
(١) سورة هود الآية ٦٧.
(٢) سورة فصلت. الآية ١٦
(م ٧ - جزء تبارك)

٩٨
الجزء التاسع والعشرون
وابتدأ - سبحانه - بذكر ما أصاب هاتين القبيلتين، لأنهما أكثر
القبائل المكذبة معرفة لمشركى قريش، لأنهما من القبائل العربية، ومساكنها؛
كانتا فى شمال وجنوب الجزيرة العربية .
ثم بين - سبحانه - كيفية نزول العذاب بهم فقال: « سخرها عليهم.
سبع ليال، وثمانية أيام حسوما ... )).
والتسخير: التذليل عن طريق القهر والأمر الذى لا يمكن مخالفته ..
وحسوما : من الحسم بمعنى التتابع، من حسمت الدابة، إذا تابعت.
كيها على الداء مرة بعد مرة حتى ينحسم .. أو من الحسم بمعنى القطع،.
ومنه سمى السيف حساما لأنه يقطع الرءوس، وينهى الحياة ..
قال صاحب الكشاف: والحسوم : لا يخلو من أن يكون جمع حاسم،.
كشهود وقعود. أو مصدرا كالشكور والكفور. فإن كان جمعا فمعنى.
قوله (( حسوما)): نحسات حسمت كل خير، واستأصلت كل بركة . أو:
متتابعة هبوب الرياح، ما خفتت ساعة حتى أنت عليهم، تمثيلا لتتابعها
بتتابع فعل الحاسم فى إعادة الكى على الداء، كرة بعد كرة حتى ينحسم ..
وإن كان مصدراً، فإما أن ينتصب بفعله مضمراً، أى: تحسم
حسوما، بمعنى تستأصل استئصالا. أو يكون صفة كقولك: ذات .
حسوم ... )) (١) .
أى: أرسل الله - تعالى - على هؤلاء المجرمين الربح التى لا يمكنها
التخلف عن أمره، فبقيت تستأصل شأفتهم، وتحمد أنفاسهم ... (( سبع.
ليال وثمانية أيام حسوما، أى: متتابعة ومتوالية حتى قطعت دابرهم ،
ودمرتهم تدميرا ..
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٥٩٨

٩٩
سورة الحاقة
وقوله : ((حسوما ، يصح أن يكون فعتا لسبع ليال وثمانية أيام ،
ويصح أن يكون منصوبا على المصدرية بفعل من لفظه ، أى : تحسمهم
حسوما ..
ثم صور - سبحانه - هيئاتهم بعد أن هلكوا فقال: ((فترى القوم
فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية ».
والخطاب فى قوله (مفترى .. )) لغير معين. والفاء للتفريع على ما تقدم
والضمير فى قوله ((فيها، يعود إلى الأيام والليالى. أو إلى مساكنهم ..
وقوله: ((صرعى)، أى: ملكى، جمع صريع كقتيل وقتلى، وجريح
وجرحى ..
والأعجاز جمع عجز ، والمراد بها هنا جذوع النخل التى قطعت
ر.وسها . .
وخاوية، أى : ساقطة، مأخوذ من خوى النجم ، إذا سقط للغروب
أو من خوى المكان إذا خلا من أهله وسكانة ، وصار قاعاً صفصفا ، بعد
أن كان ممتلئا بعماره ..
أى: أرسل الله - تعالى - على هؤلاء الظالمين الريح المتتابعة لمدة
سبع ليال وثمانية أيام ، فدمرتهم تدميرا ، وصار الرائى ينظر إليهم،
فيراهم وقد ألقوا على الأرض ملكى، كأنهم فى ضخامة أجسادهم ...
جذوع نخل ساقطة على الأرض ، وقد انفصلت ر.وسها عنها ..
وعبر - سبحانه - بقوله: « فترى القوم .. ، لاستحضار صورتهم
فى الأذهان ، حتى يزداد المخاطب اعتبارا بأحوالهم ، وبما حل بهم ..
والتشبيه بقوله: ((كأنهم أعجاز نخل خاوية، المقصود منه تشنيع

١٠٠
الجزء التاسع والعشرون
صورتهم، والتنفير من مصيرهم السىء، لأن من كان هذا مصيره ؛ جدير
بأن يتحامى؛ وأن تجتذب أفعاله التى أدت به إلى هذه العاقبة المهينة ..
والاستفهام فى قوله: ((فهل قرى لهم من باقية، للننى، والخطاب
- أيضا - لكل من يصلح له، وقوله «باقية، صفة لموصوف محذوف ..
أى . فهل ترى لهم من فرقة أو نفس باقية .
ثم بين - سبحانه - النهاية السيئة لأقوام آخرين فقال: ((وجا.
فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة . فعصوا رسول ربهم فأخذهم
آخذة رابه».
وفرعون : هو الذى قال لقومه - من بين ما قال - أنا ربكم
الأعلى .. وقد أرسل الله - تعالى - إليه نبيه موسى- عليه السلام -
ولكنه أعرض عن دعوته .. وكانت نها يته الغرق.
والمراد بمن قبله: الأقوام الذين سبقوه فى الكفر ، کقوم نوح
وإبراهيم - عليهما السلام - .
والمراد بالمؤتفكات: قرى قوم لوط - عليه السلام - التى أقتلعها
جبريل - عليه السلام - ثم قلبها بأن جعل عاليها سافلها، مأخوذ من
انتفك الشىء إذا انقلب رأساً على عقب ..
قال - تعالى - ((فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل
منضود .. )) (١)
والمراد بالمؤتفكات هنا: سكانها وهم قوم لوط الذين أقوا بفاحشة
ما سبقهم إليها أحد من العالمين .
(١) سورة هود. الآية ٨٢