النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
سورة القلم
أى: ولا تطع - أيها الرسول الكريم - كل من كان كثير الحلف
بالباطل ، وكل من كان مهينا ، أى : حقيرا ذليلا وضيعا. من المهانة ،
-وهم القلة فى الرأى والتمييز .. .
( هماز)) أى: عباب للناس، أو كثير الاغتياب لهم، من الهمز،
وأصله : الطعن فى الشىء بعود أو نحوه، ثم استعير للذى يؤذى الناس
بلسانه وبعينه وبإشارته، ويقع فيهم بالسوء، ومنه قوله - تعالى - :
« ويل لكل همزة لمزة ٠٠)) .
((مشاء بنميم)) أى: نقال للحديث السىء لكى يفسد بين الناس.
والتميم والنميمة مصدران بمعنى السعاية والإفساد. يقال: نم فلان الحديث
- من بابى قتل وضرب - إذا بين الناس بالفتنة ، وأصل النم : الهمس
والحركة الخفيفه ، ثم استعملت فى السعى بين الناس بالفساد على سبيل
المجاز ...
((مناع للخير معتد أثيم)، أى: هو شديد المنع لكل مافيه خير، ولكل
من يستحقه، خصوصا إذا كان من يستحقه من المؤمنين ..
ثم هو بعد ذلك ((معتد)، أى: كثير العدوان على الناس (( أثيم) أى:
مبالغ فى ارتكابه الآثام، لا يترك سيئة دون أن يرتكبها ..
وقد جاءت صفات الذم السابقة بصيغة المبالغة ، للإشعار برسوخه
فيها ، وباقترافه لها بسرعة وشدة .
((عمل بعد ذلك زنيم)) والعتل: هو الجاف الغليظ، القاسى القلب،
الفظ الطبع، الأكول الشروب .. بدون تمييز بين حلال وحرام . مأخوذ
.. بمتاه معتله - مكر التاء وضمها - إذا جره بمنف وغلظة ...

٦٢
الجزء التاسع والشرون
(((والزقيم، هو اللصيق بالقوم دون أن يكون منهم، وإنما هو دعى.
فيهم ، حتى لكأنه فيهم كالزمة ، وهى ما يتدلى من الجلد فى حلق المعز
أو الشاة ...
وقيل : الزنيم ، هو الشخص الذى يعرف بالشر واللؤم بين الناس ،
كما تعرف الشاة بزنمتها، أى . لبلامتها ...
ومعنى: (( بعد ذلك، : کعنی, ثم ، أى : ثم هو بعد كل تلك.
الصفات القبيحة السابقة: جاف غليظ ، ملصق بالقوم، دعى فيهم ...
فهذه تسع صفات ، كل صفة منها قد بلعت النهاية فى القبح والسوء ،
ساقها - سبحانه - لذم الوليد بن المغيرة وأشباهه فى الكفر والفجور.
وقوله: ((أن كان ذا مال وبنين ... )) متعلق بقوله قبل ذلك.
(((ولا قطع كل حلاف ... ، أى: ولا قطع من کانت هذه صفاته لکو نه
ذا مال وبنين، فإن ماله وولده لن يغنى عنه من اللّه - تعالى - شيئا.
وقوله: (( إذا قتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين، كلام مستأنف.
جار مجرى التعليل للنهى عن طاعته ، والأساطير جمع أسطورة بمعنى
أ كذوبة ..
أى : لا تطعه - لأنه فضلا عما أقسم به من صفات قبيحة - تراه.
إذا تتلى عليه آياتنا الداله على وحدانيتنا وقدرتنا ... وعلى صدقك يا محمد
فيما تبلغه عنا، قال هذا العتل الزنيم ، هذه الآيات أكاذيب الأولين.
وترهاتهم ..
ثم ختمت هذه الآيات بأشد أنواع الوعيد لمن هذه صفاته فقال.
- تعالى -: سنسمه على الخرطوم).

٦٣
سورة القلم
أى : سنبين أمره ونوضحه توضيحا يجعل الناس يعرفونه معرفة تامة
لاخفاء معها ولا لبس ولاغموض ، كما لا تخفى العلامة الكائنة على
الخرطوم، الذى يراد به هنا الأنف .. الوسم عليه يكون بالنار.
أو سنلحق به عارا لا يفارقه ، بل يلازمه مدى الحياة ، وكان العرب
إذا أرادوا أن يسيوارجلاسبة قبيحة .. قالوا: قد وسمّ فلان ميسم
سوء .. أى: التصق به عارلا يفارقه، كالسمة التى هى العلامة التى لا يحمى
أثرها ..
وذكر الوسم والخرطوم فيه مافيه من الذم، لأن فيه جمعا بين النشويه
الذى يترقب على الوسم السىء، وبين الإهانة ، لأن كون الوسم فى الوجه
بل فى أعلى جزء من الوجه وهو الأنف .. دليل على الإذلال والتحقير.
ومما لاشك فيه أن وقع هذه الآيات على الوليد بن المغيرة وأمثاله ،
كان قاصما لظهورهم ، ممزقا لكيانهم ، هادما لما كانوا يتفاخرون به من.
أمجاد زائفة ، لأنه ذم لهم من رب الأرض والسماء ، الذى لا يقول إلا
حقا وصدقا ..
كذلك كانت هذه الآيات تسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم -
ولأصحابه ، عما أصابهم من أذى، من هؤلاء الحلافين بالباطل والزور ،
المشائين بين الناس بالنميمة ، المناعين لكل خير وبر .
وبمناسبة الحديث السابق الذى فيه إشارة إلى المال والبنين ، اللذين كانا
من أسباب بطر هؤلاء الكافرين وطغيانهم .. ساق القرآن بعد ذلك قصة
أصحاب الجنة، لتكون موعظة وعبرة لكل عاقل ، فقال تعالى :

٦٤
الجزء التاسع والعشرون
◌ِنَّابَلَوْنَهُمْ كَ بَلَوْنَآَ
:٠١٠١٠٠٠١,٠٠
أُعْخَبَ آلْجَنَّة ◌ِذْ أَفْسَهُواْ لَيَصْرِ مَّهَ مُصْبِحِينَ (﴾ وَلَا يَسْتَغْنُونَ (٨)
فَطَافَ عَلَيْهَ طَبِعُ مِّن ◌َّيِّكَ وَهُم ◌َثُونَ لَ فَأَ صْبَحَتْ كَالْصِّ ◌ِ(٣٥)
فُتَنَادَ وَأْمُصْبِحِينٌ (﴾ أَنِ آَ غْدُ واْ عَى حَرْيِّكُمْ إِن كُنتُمْ صَرِمِينَ (٣)
قُأَنْطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَفَنُونٌ رَ أَنْ لَّا يَدْخُلَهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْسْكِنُ ◌ّ
وَغَدَوْاْ عَلَى خَرْدِ قٌِّرِ ينَّ ◌َِّ فَلِّا رَأَوْ هَا قَالُواْ إِنَّالَضَاَلُونَ ( بَلْ
تُحْنُ مَخْرُومُونَ ﴾ قَالَ أَوْسُطُهُمْ أَمْ أَقُلِ لَّكُمْ لَوْلَا تُسَيِّحُونَ هـ
قَالُوا سُبْحَنَ رَبِنَ إِنَّا كُنَّا ظَلِنّ ◌َ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِ
٠٠/١٠١١٠٠/١
يُتْلَوَمُونَ (هُ قَالُواْ يَوَ يُّكُنَّ إِنَّ كُّ طِّحِينَ (بَ عُسِى رَبَّ أَنْ يُبْدِلَنَا
خْرًا مِنْهَ إِنَّإِلَى رَبِتَ وَِّبُونَ (يَِّكَ الْعَذَّابُ وَعَ ابُ اْأَثْرَةِ
أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونٌ(#
قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : هذا مثل ضربه الله - تعالى -
لكفار قريش ، فما أهدى إليهم من الرحمة العظيمة، وأعطاهم من النعم
الجسيمة، وهو بعثه محمدا - صلى الله عليه وسلم إليهم، فقا بلوه بالتكذيب
والمحاربة . ..
وقد ذ کر بعض السلف ، أن أُمـ

٦٥
سورة القلم
.المن .. كانوا من قرية يقال لها ضروان، على ستة أميال من صنعاء ...
. وكان أبوهم قد ترك لهم هذه الجنة ، وكانوا من أهل الكتاب، وقد كان
أبوهم يسير فيها سيرة حسنة ، فكان ما استغله منها يأخذمنه ما يحتاج
: إليه، ويدخر لعياله قوت سنتهم، ويتصدق بالفاضل.
فلما مات وورثه أولاده ، قالوا: لقد كان أبونا أحمق، إذ كان
. يصرف من هذه الجنة شيئا للفقراء، واو أنا منعناهم لتوفر ذلك لنا . فلما
- عزموا على ذلك عوقبوا بنقيض قصدهم؛ فقد أذهب الله ما بأيديهم
. . بالكلية: أذهب رأس المال، والربح .. فلم يبق لهم شى ... )) (١).
وقوله - سبحانه - ((بلوفاهم، أى: اختبرناهم وامتحناهم،
- مأخوذ من البلوى، التى تطلق على الاختبار. والابتلاء قد يكون بالخير
. وقد يكون بالشر، كما قال - تعالى - ، كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم
- بالشر والخير فتنة .. ((وكما فى قوله - سبحانه -: «وبلوناهم بالحسنات
-والسیئات لعلهم يرجعون). ) ...
والمراد بالابتلاء هنا: الابتلاء بالشر بعد جحودهم لنعمة الخير ..
أى: إذا امتحنا مشركي قريش بالقحط والجوع .. حتى أكلوا الجيف،
بسبب كفرهم بنعمنا، وتكذيهم لرسولنا - ريتى -، كما ابتلينا من قبلهم
أصحاب الجنة، بأن دمرناها تدميرا ، بسبب بخلهم وامتناعهم عن أداء
حقوق الله منها . . .
ويبدو أن قصة أصحاب الجنة، كانت معروفة لأهل مكة ، ولذا ضرب
الله - تعالى - المثل بها، حتى يعتبروا ويتعظوا ..
(١) تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ٠٢٢٣
(٥٢ - جزء تبارك)

٦٦٠٠
الجزء التاسع والعشرون
ووجه المشابهة بين حال أهل مكة، وحال أصحاب الجنة .. يتمثل فى .
أن كلا الطرفين قد منحه الله - تعالى - نعمة عظيمة ، ولكنه قابلها
بالجحود وعدم الشكر . .
و((إذ)) فى قوله: (( إذا أقسموا ليصر منها مصبحين .. ، تعليليه ..
والضمير فى ((أقسموا، يعود لمعظمهم، لأن الآيات الآتية بعد ذلك » ..
تدل على أن أو سطهم قد نهاهم عما اعتزموه من حرمان المساكين ، ومن ..
مخالفة ما يأمرهم شرع الله - تعالى - به ..
قال - تعالى -: ((قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون .. ،
وقوله: (( ليصر منها، من الصرم وهو القطع. يقال : صرم فلان.
زرعه - من باب ضرب - إذا جزء وقطعه، ومنه قولهم: انصرم حبل ..
المودة بين فلان وفلان ، إذا انقطع .
وقوله ((مصبحين)) أى: داخلين فى وقت الصباح المبكر.
أى: إنا امتحنا أهل مكة بالبأساء والضراء ، كما امتحنا أصحاب.
البستان الذين كانوا قبلهم، لأنهم أقسموا بالأيمان المغلظة ، ليقطعن ثمار .
هذا البستان فى وقت الصباح المبكر ..
((ولا يستثنون، أى: دون أن يجعلوا شيئا ـ ولو قليلا - من ثمار-
هذا البستان للمحتاجين، الذين أو جب الله - تعالى -- لهم حقوا
فى تلك الثمار .
وقيل معنى ((ولا يستثنون)): ولم يقولوا إن شاء الله، كما قال - تعالى -:.
(( ولا تقولن اشىء إنى فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله .. ».

٦٧
سورة القلم
والجملة الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - ((ليبصرمها))، وهى
فى الوقت نفسه مقسم عليه.
أى: أقسموا ليصر منها فى وقت الصباح المبكر، وأقسموا كذلك
على أن لا يعطوا شيئا منها للفقراء أو المساكين ..
ثم بين - سبحانه - ما ترتب على هذا القسم الذى لم يقصد به الخير،
وإنما قصد به الشر فقال: ((فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون.
فأصبحت كالصريم» .
٦
والطائف: مأخوذ من الطواف، وهو المشى حول الشىء من كل
نواحيه، ومنه الطواف حول الكعبة. وأكثر ما يستعمل لفظ الطائف فى
الشر كا هنا، ومنه قوله - تعالى -: ((إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف
من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون)).
وعدى لفظ ((طائف، بحرف (على)» لتضمينه معنى: قساط أونزل.
والصريم - كما يقول القرطبى -: الليل المظلم .. أى: احترقت
فصارت كالليل الأسود .
وعن ابن عباس : كالرماد الأسود .. أو: كالزرع المحصود. فالصريم
بمعنى المصروم ، أى : المقطوع ما فيه .. ، (١).
أى : أقسم هؤلاء الجاحدون على أن لا يعطوا شيئا من جنتهم
للمحتاجين .. فكانت نتيجة فيتهم السيئة، وعزمهم على الشر .. أن نزل
(١) راجع تفسير القرطبى = ١٨ ص ٢٤١

٦٨
الجزء التاسع والعشرون
بهذه الحديقة بلاء أحاط بها فأهلكها ، فصارت كالشىء المحترق الذى قطعت
ثماره، ولم يبق منه شىء ينفع .
ولم يعين - سبحانه - نوع هذا الطائف ، أوكيفية نزوله، لأنه
لا يتعلق بذكره غرض، وإنما المقصود ما ترتب عليه من آثار،
توجب الاعتبار .
وتفكير لفظ ((طائف)) للتهويل. و((من)، فى قوله ((من ربك))
للابتداء ، والتقييد بكونه من الرب - عز وجل - ، لإفادة أنه بلاء
لا قبل لأحد من الخلق بدفعه قال القرطبى : فى هذه الآية دليل على أن
العزم مما يؤاخذ به الإنسان ، لأنهم عزموا على أن يفعلوا ، فهوقبوا قبل
فعلهم . ومثله قوله - تعالى - : (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب
أليم)). وفى الحديث الصحيح: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل
والمقتول فى النار. قيل: يارسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال:
إنه كان حريصا على قتل صاحبه)» (١).
ثم بصور - سبحانه - أحاسيسهم، حركاتهم ، وقد خرجوا ليهفذوا
ما عزموا عليه من سوء .. فيقول: فتنادوا مصبحين)) أى: فنادى بعضهم
بعضا فى وقت الصباح المبكر ، حتى لا يراهم أحد ..
فقالوا فى تناديهم (( أن اغدوا على حرلكم إن كنتم صارمين، أى :
قال بعضهم لبعض: هيا بنا لنذهب إلى بستاننا لكى نقطع ما فيه من ثمار،
فى هذا الوقت المبكر، حتى لا يرانا أحد، إذ الغدو هو الخروج إلى المكان
فى غدوة النهار . أى : فى أوله .
-
(١) تفسير القرطبى = ١٨ ص ٠٢٤١

٦٩
سورة القلم
قال صاحب المكشاف: فإن قات : هلا قيل: اغدوا إلى حرئكم :
وما معنى ((على )»؟
قلت: لما كان الغدو إليه ليصر موه ويقطعوه: كان غدوا عليه، كماتقول:
غدا عليهم العدو. ويجوز أن يضمن الغدو معنى الإقبال ، كقولهم : يغدى
عليه بالجفنة ويراح. أى: فأقبلوا على حرثكم باكرين ... (١).
وجواب الشرط فى قوله: (( إن كنتم صارمين، محذوف لدلالة ما قبله
عليه. أى: إن كنتم صاربين فاغدوا ((فانطلقواوهم يتخافثون، أى:
فانطلقوا سرعين و جنتهم وهم يتسارون فيما بينهم، إذ التخافت: تفاعل
من خفت فلان فى كلامه، إذا نطق به بصوت منخفض لا يكاد يسمع ..
وجلة: ((أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين، مفسرة لما قبلها لأن
التخافت فيه معنى القول دون حروفه أى: انطلقوا يتخافتون وهم يقولون
فيما بينهم : احذروا أن يدخل جنتكم اليوم وأنتم تقطعون ثمارها أحدا
من المساكين.
وجملة: ((وغدوا على حرد قادرين)) حالية. والحرد: القصد. يقال:
حرّد فلانُ حرْد فلان - من إب ضرب - أى: قصد قصده.
قال الإمام الشركانى: الحرد يكون بمعنى المنع والقصد .. لأن القاصد
إلى الشىء حارد. يقال: جرد مجرد إذا قصد ... وقال أبو عبيدة:
(((على حرد)، أى :على منع، من قولهم: حردت الإبل حردا، إذا قلت
ألبانها. والحرود من الإبل: القليلة اللبن .. وقال السدى: ((على حردعة
أى: على غضب .. وقال الحسن = ((على حرد، أى= على حاجة وفاقة.
(١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٠٥٩٠
نـ

٧٠
الجزء التاسع والعشرون
وقيل: ((على حرد)) أى: على انفراد. يقال حرد يحرد حردا .. إذا تنحى
عن قومه، ونزل منفردا عنهم دون أن يخالطهم ....
أى: أن أصحاب الجنة ساروا إليها غدوة، على أمر قد قصدوه
وبيتوه .. موقنين أنهم قادرون على تنفيذه ، لأنهم قد اتخذوا له جميع
وسائله، من الكتمان والتبكير والبعد عن أعين المساكين ..
أو : ساروا إليها فى الصباح المبكر ، وهم ليس معهم أحد من
المساكين أو من غيرهم، وهم فى الوقت نفسه يعتبرون أنفسهم قادرين
على قطع ثمارها ، دون أن يشاركهم أحد فى تلك الثمار ..
ثم صور - سبحانه - حالهم تصويرا بديعا عندما شاهدوا جنتهم،
وقد صارت كالصريم، فقال: ((فلما رأوها قالوا إنا الضالون)).
أى: فحين شاهدوا جنتهم - وهى على تلك الحال العجيبة - قال
بعضهم لبعض : إنا لصالون عن طريق جئتنا، قائهون عن الوصول إليها.
.. لأن هذه الجنة الخاوية على عروشها ليست هى جنقنا التى عهدناها
بالأمس القريب ، زاخرة بالثمار ..
ثم اعترفوا بالحقيقة المرة، بعد أن تأكدوا أن ما أمامهم هى حديقتهم
فقالوا: ((بل نحن محرومون)) أى: لسنا بضالين عن الطريق إليها ، بل
. الحقيقة أن الله - تعالى - قد حرمنا من ثمارها ... بسبب إصرارتا
على حرماننا المساكين من حقوقهم منها .
وهنا تقدم إليهم أو سطهم رأيا، وأعدلهم وأمثلهم تفكيرا .. فقال لهم:
أقل لكم لولا نسجون)) .
والاستفهام للتقرير. و((لولا، حرف تحضيض بمعنى هلا. والتسبيح
هنا بمعنى: الاستغفار والتوبة ، وإعطاء كل ذى حق حقه .

٧١
سورة القلم
أى: قال لهم - أعقلهم وأصلحهم - بعد أن شاهد ما شاهد من
أمر الحديقة : قال لهم: لقد قلت لكم عندما عزمتم على حرمان المساكين
- حقوقهم منها .. اتقوا الله ولا تفعلوا ذلك، وسيروا على الطريقة التى
- كان يسير عليها أبوكم، وأعطوا المساكين حقوقهم منها، ولكنكم خالفتمونى
.. ولم تطيعوا أمرى، فكانت نتيجة مخالفتكم لنصحى، ما ترون من خراب
ةالجنة ، التى أصابنى من خرابها ما أصابكم ..
وكعادة كثير من الناس الذين : لا يقدرون النعمة إلا بعد فوات
الأوان ... قالوا لأعقلهم وأصلحهم: ((سبحان ربنا إنا كنا ظالمين)).
أى: قالوا وهم يعترفون بظلمهم وجرمهم .. ((سبحان ربنا، أى:
- تنزه ربنا ونستغفره عما حدث منا، فإننا كنا ظالمين لأنفسنا حين منعنا
- حق الله - تعالى - عن عباده.
ثم حكى - سبحانه - ما دار بينهم بعد أن أيقنوا أن حديقتهم
. قد دمرت فقال: ((فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون، أى: يلوم بعضهم
. بعضا، وكل واحد منهم يلقى التبعة على غيره، ويقول له : أنت الذى
. كنت السبب فيما أصابنا من حرمان ..
((قالوا ياويلنا)، أى= بأهلا كنا وياحسرتنا .. (( إنا كنا طاغين، أى:
* إنا كنا متجاوزين لحدودنا، وفلسقين عن أمرربنا، عندما صممنا على
* البخل بما أعطانا - سبحانه - من فضله .. «عسى ربنا)) بفضله وإحسانه.
: ((أن يبدلنا خيرا منها، أى: أن يعطينا ما هو خير منها ((إنا إلى ربنا))
لا إلى غيره («راغبون)) أى: راغبون فى عطائه، راجعون إليه بالتوبة
.والندم ...
قال الآلوسی: قال مجاهد : إنهم تابوا فأبدهم الله - تعالى- خيرامنها.

٧٢
الجزء التاسع والعشرون
وحكى عن الحسن: التوقف. وسئل قتادة عنهم : أهم من أهل الجنة-
أم من أهل النار؟ فقال السائل: لقد كفتى تعبا ... ))(١).
ثم ختم - سبحانه - قصتهم بقوله: ((كذلك العذاب)) أى: مثل ..
الذى بلونا به أصحاب الجنة ، من إهلاك جنتهم بسبب جحودهم لنعمنا ..
يكون عذابنا لمن خالف أمرنا من كفار مكة وغيرهم .
فقوله: ((كذلك)) خبر مقدم. و((العذاب، مبتدأ مؤخر، والمشار
إليه هو ما تضمنته القصة من إتلاف تلك الجنة، وإذهاب ثمارها .
وقدم المسند وهو الخبر، على المسند إليه وهو المبتدأ، للاهتمام ..
بإ حضار تلك الصورة العجيبة فى ذهن السامع .
وقوله «واعذاب الآخرة أكبر لوكانوا يعلمون، يدل على أن المراد ..
بالعذاب السابق عذاب الدنيا .
أى : مثل ذلك العذاب الذى أنزلناه بأصحاب الجنة، فى الدنيا، یکون».
هذابنا لمشركى قريش، أما عذاب الآخر فهو أشد وأبقى وأعظم .....
ولو كانوا من أهل العلم والفهم، لعدوا ذلك، ولأخذوا منه حذرهم عن ..
طريق الإيمان والعمل الصالح. هذا، والمتأمل فى هذه القصة، يراهازاخرة .
بالمفاجآت ، وبتصوير النفس الإنسانية فى حال غناها وفى حال فقرها ..
فى حال حصولها على النعمة وفى حال ذهاب هذه النعمة من بين يديها ...
كما يراها تحكى لنا سوء عاقبة الجاحدين لنعم الله، إذ أن هذا الجحود.
يؤدى إلى زوال النعم، ورحم الله القائل: ((منلم يشكر النعم فقد تعرض ..
لزوالها ، ومن شكرها فقد قيدها بعقالها)).
(١) تفسير الآلوسى = ٢٩ ص ٠٣٢

٧٣
سورة القلم
ثم تبدأ السورة بعد ذلك فى بيان حسن عاقبة المؤمنين ، وفى محاجة
المجرمين ، وفى تحديهم بالسؤال قلو السؤال، إلزامالهم بالحجة ، وتقريما لهم.
على غفلتهم، وتذكيرا لهم بيوم القيامة الذى سيندمون عنده، وان
ينفعهم الندم .
قال - تعالى - :
٣٤
SO
إِنَّ ◌ِلْمُتَّقِينَ عِندَرَبِمْ جَنَّتِ النَّعِيمِ(
: أُقَنُجُعَلُ الْمُسْلِنَ كَالْمُجْرِمِينَ ◌َچِ مَا لَكُمْكَيْفَ تَحْكُونَ ( يَ أُمْ لَكُمَّ
كِتُبٌ فِهِتَدْرُ سُونَ رَبِّ إِنّ لُكُمْ فِهِ لَمَا تُخَيُّرُ ونَ رَ أَمْ لَكُمْ أَيْكُنْ
◌ُكَيْثَ الِغَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيْمَةِ إِنَّ لَكُ لُّمَا تُمُكُونٌ رَّ سَلْهُمْ أَيَهْمٍ
◌ِلِكُ زَعِيمُ ( أَمْ هُمْ شُرُكَاءُ فُلْيَأْ تُواْ بِشُرَّكَاَ ءِهِمْ إِنْ كَانُواْ
صُدِقِينٌ (ٌ يُوْمُ بُكْسُفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعُونَ إِلَى السُّجُودِ فَلّا ..
◌ِسُتَطِيعُونَ (٣) خَشِعَةٌ أَبْصَرُهُمْ تُرْهَةُ هُمْ ◌ِلَّةٌ وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ
وَإِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَلُونَ(٣)
وقوله - سبحانه -: ((إن للمتقين عند ربهم .. ، بيان لما وعد به
- سبحانه - المؤمنين الصادقين ، بعد بيان وعيده للجاحدين المكذبين.
أى: إن الذين اتقوا ربهم، وصانوا أنفسهم عما حرمه .. جنات ليس
لهم فيها إلا النعيم الخالص ، والسرور التام ، والخير الذى لا ينقطع
ولا يمتنع ...

٧٤
الجزء التاسع والعشرون
واللام في قوله: (( للمتقين ، للاستحقاق ، وقال - سبحانه -«عند
ربهم ، للتشريف والتكريم .
أى: هذه الجنات اختص الرب - عز وجل - بها الذين القوه فى
كل أحوالهم .
وإضافة الجنات إلى النعم، للإشارة إلى أن النعيم ملازم لها لا يفارقها
فلا يكون فيها ما يكون فى جنات الدنيا من تغير فى الأحوال ، فهى قارة
هثمرة ، وتارة ليست كذلك .
والاستفهام فى قوله: («أفنجعل المسلمين كالمجرمين)) للنفى والإنسكار.
والفاء للعطف على مقدر يقتضيه الكلام .
أى: أنحيف فى أحكامنا فنجعل الذين أخلصوا لنا السيادة، كالذين
أشركوا معنا آلهة أخرى؟ أو نجعل الذين أسلموا وجوههم لنا ، كالذين
فسقوا عن أمرنا؟
كلا، لن فجعل هؤلاء كهؤلاء، فإن عدالتنا تقتضى التفريق بينهم ..
قال الجمل: لما نزلت هذه الآية وهى قوله: ((إن للمتقين .. )) قال.
كفار مكة للمسلمين : إن الله فضلنا عليكم فى الدنیا ، فلا بد وأن يفضلنا.
عليكم فى الآخرة ، فإذا لم يحصل التفضيل ، فلا أقل من المساواة . فأجابهم
(الله - تعالى - بقوله: أفنجعل المسلمين كالمجرمين)) (١).
ثم أضاف - سبحانه - إلى توبيخهم توبيخا آخر فقال: ((مالكم،
كيف تحكمون» .
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٣٨٨

٧٥
سورة القلم
وقوله (( مالكم)) جملة من مبتدأ وخبر، وهى بمثابة تأنيب آخر لهم
نحوقوله: «كيف تحكمون، تجهيل لهم، وتسفيه لعقولهم.
أى. ما الذى حدث لعقولكم، حتى ساويتم بين الأخيار والأشرار
والأطهار والفجار، ومن أخلصوا لله عبادتهم، ومن كفروا به ؟
ثم انتقل - سبحانه - من توبيخهم على جهلهم، إلى توبيخهم على
كذبهم فقال: ((أم لكم كتاب فيه تدرسون. إن لكم فيه لما تخيرون)).
و(«أم، هنا وما بعدها الاضراب الانتقالى، وهى بمعنى بل، والضمير
فى قوله (( فيه) يعود على المكتب.
وقوله ((قدرسون)، أى: تقرءون بعناية وتفكير.
وقوله: «تخيرون) أصله: تتخيرون، والتخير: تطلب ما هو خير .
: يقال: فلان تخير الشىء واختاره، إذا أخذ خيره وجيده.
أى: بل ألكم - أيها المشركون - كتاب قرأقم فيه بفهم وتدبر ،
المساواة بين المتقين والمجرمين ، وأخذقم منه ما اخترتموه من أحكام .
كلا ، إنه لا يوجد كتاب سماوى ، أو غير سماوى، يوافقكم على النسوية
. بين المتقين والمجرمين. وأنتم إنما تصدرون أحكاما كاذبة. ما أنزل الله
بها من سلطان .
ثم انتقل - سبحانه - إلى توبيخهم على لون آخر من مزاعمهم فقال:
((أم لكم أيمان علي بالغة إلى يوم القيامة، إن لسكم لما تحكمون)).
أى : وقل لهم - يا محمد - على سبيل إلزامهم الحجة: بل ألكم
« أبمان)) أى: عهود ومواثيق مؤكدة ((علينا، وهذه العهود ((بالغة))
-أقصى مداها فى التوكيد ، وثابتة لكم علينا « إلى يوم القيامة، بأننا قد
*

٧٦
الجزء التاسع والعشرون
سوينا بين المسلمين والمجرمين فى أحكامنا، كما زعمتم أنتم؟ إن كانت لكم
علينا هذه الأيمان والعهود، فأظهروها للناس ، وفى هذه الحالة يكون من
حقكم أن تحكموا بما حكمتم به .
ومما لاشك فيه ، أنهم ليست لهم عهود عند الله بما زعوه من أحكام،
· وإنما المقصود من الآية الكريمة ، بيان كذبهم فى أقوالهم ، وبيان أنهم.
لا يستطيعون أن يأتوا بجواب يثبتون به مدعام.
وقوله: ((إن لكم لما تحكمون)) جواب القسم، لأن قوله: ((أم.
لكم أيمان علينا)، بمعنى: أم أقسمنا لكم أيمانا موثقة بأننا رضينه.
بأحكامكم التى تسوون فيها بين المسلمين والمجرمين.
ثم أمر - سبحانه - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يسألهم.
سؤال تبكيت وتأنيب فقال: ((سلوم أيهم بذلك زعيم)).
والزعيم : هو الضامن، والمتكلم عن القوم، والناطق بلسانهم ..
واسم الإشارة يعود على الحكم الباطل الذى حكموه، وهو التسوية-
بين المسلمين والمجرمين .
أى: سل - أيها الرسول الكريم - هؤلاء المشركين، سؤال ..
تقريع وتوبيخ ، أى واحد منهم سيكون يوم القيامة ، كفيلا بتحمل
مسؤولية هذا الحكم، وضامنا بأن المسلمين سيكونون متساوين مع المجرمين.
فى الأحكام عند الله - تعالى - .
. ثم انتقل - سبحانه - إلى إلزامهم الحجة عن طريق آخر فقال :.
((أم لهم شركاء، فليأقوا بشر كانهم إن كانوا صادقين)).
أى : بل ألهم شركاء يوافقونهم على هذا الحكم الباطل ، إن كان

٧٧
سورة القلم
عندهم ذلك ، فليأتوا بشر كاتهم إن كانوا صادقين فى زعمهم التسوية بين
المتقين والمجرمين .
والمراد بالشركاء هنا : الأصنام التى يشركونها فى العبادة مع الله
- عز وجل - .
وحذف متعلق الشركاء، اشهرته . أى: أم لهم شركا. لنا فى الألوهية
يشهدون لهم بصحة أحكامهم .
والأمر فى قوله: ((فليأتوا ... )، للتعجيز.
والمتدير فى هذه الآيات الكريمة، يرى أن الله - تعالى - قد
ويخهم باستفهامات سبعة:
أولها قوله - تعالى -: «أفنجعل ... )) الثانى ,مالكم .... »،
(الثالث:، كيف تحكمون))، الرابع: ((أم لكم كتاب))، الخامس , أم
. لكم أيمان))، السادس: (( أيهم بذلك زعيم)، السابع , أم لهم شركاء)).
قال الآلوسي: وقد فبه - سبحانه - فى هذه الآيات، على نفى جميع
ما يمكن أن يتعلقوا به فى تحقيق دعواهم، حيث نبه - سبحانه - على نفى
الدليل العقلى بقوله «مالكم كيف تحكمون))، وعلى ففى الدليل النقلى بقوله
« أم لكم كتاب .. ))، وعلى نفى أن يكون الله وعدهم بذلك بقوله: « أم
لكم أيمان ... ))، وعلى نفى التقليد الذى هو أوهى من حبال القمر بقوله
ــأم لهم شركاء ... )) (١).
ثم بين - سبحانه - جانبا من أهوال يوم القيامة ، ومن حال الكافرين
فيه، فقال: «يوم يكشف عن ساق، ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون.
خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ، وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون)».
(١) تفسير الآلوسى = ٢٩ ص ٣٤

٧٨
الجزء التاسع والعشرون
والظرف ((يوم)) يجوز أن يكون متعلقا بقوله - تعالى - قبل ذلك.
((فليأتوا بشر كائهم .. ، ويصح أن يكون متعلقا بمحذوف تقديره. اذكر
والمراد باليوم : يوم القيامة .
والكشف عن المساق معناه التشمير عنها وإظهارها ، وهو مثل اشدة.
الحال، وصعوبة الخطب والهول، وأصله أن الإنسان إذا اشتد خوفه ،
أسرع فى المشى، وشمر عن ثيابه، فينكشف ساقه ..
قال صاحب الكشاف : الكشف عن الساق، والإبداء عن الخِدّام ..
- أى : الخلخال الذى تلبسه المرأة فى رجلها - وهو جمع خدمة كرقاب جمع.
رقبة - مثل فى شدة الأمر، وصعوبة الخطب، وأصله فى الروع والهزيمة.
وتشمير المخدرات عن سوقين فى الهرب، وإبداء خدامهن عند ذلك .. ..
كماقال الشاعر :
أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها وإن شمرت عن سوقها الحرب شمرا"
فمعنى يوم يكشف عن ساق. يوم يشتد الأمر ويتفاقم، ولا كشفه
ولا ساق ، كما تقول للا قطع الشحيح . يده مغلولة ، ولا يد ثم ولا غل ،۔
وإنما هو مثل فى البخل ..
فإن قلت. فلم جاءت منكرة فى التمثيل؟ قلت. للدلالة على أنه أمر مبهم.
فى الشدة، فظيع خارج عن المألوف .. » (١)
والمعنى أذكر لهم - أيها الرسول الكريم - لكى يعتبروا ويتغطوا:
أهوال يوم القيامة ، يوم يشتد الأمر ، ويعظم الهول ..
(((وبدعون، هؤلاء الذين فسقوا عن أمر ربهم فى هذا اليوم.
(١) تفسير الكشاف = ٤ ص ٥٩٤

٧٩
سورة القلم
(((إلى السجود)) لله - تعالى - على سبيل التوبيخ لهم، لأنهم كانوا
متنعین عنه فى الدنيا .
(((فلا يستطيعون، أى: فلا يستطيعون ذلك، لأن الله - تعالى -
سلب منهم القدرة على السجود له فى هذا اليوم العظيم ، لأنه يوم جزاء
وليس يوم تكليف والذين يدعونهم إلى السجود ، هم الملائكة
بأمره - تعالى -.
وقوله : (( خاشعة أبصارهم .. )، حال من فاعل ((يدعون)). وخشوع
الأبصار: كناية عن الذلة والخوف الشديد. ونسب الخشوع إلى الأبصار،
لظهور أثره فيها .
أى : هم يدعون إلى السجود فلا يستطيعون ذلك ، لأنه - تعالى -
سلب منهم القدرة عليه، ثم يساقون إلى النار، حالة كونهم ذليلة أبصارهم،
منخفضة رءوسهم ..
. ((ترهقهم ذلة، أى: تغشاهم وتعلوهم ذلة وانكسار ..
((وقد كانوا)) فى الدنيا ,يدعون إلى السجود، لله - تعالى - ((وهم.
سالمون، أى: وهم قادرون على السجود له - تعالى - ، ومتمكنون من
ذلك أقوى تمكن ... ، ولكنهم كانوا يعرضون عمن يدعوهم إلى إخلاص.
العبادة لله - تعالى -، ويستهز ئون به ..
:قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: قوله: (( يوم يكشف عن ساق ... ))
يعنى يوم القيامة ، وما يكون فيه من الأهوال، والزلازل ، والبلابل،
والامتحان ، والأمور العظام ..
روى البخارى عن أبى سعيد الحذرى قال: سمعت النبى - راجع -
يقول : يكشف ربنا عن ساقه ، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة ، ويبقى من.

٨٠
الجزء التاسع والعشرون
كان يسجد فى الذفيا رياء وسمعة ، فيذهب ليسجد فيعود ظهره، طبقاواحدا
- أى : يصير ظهره كالشىء الصلب فلا يقدر على السجود -..
وعن ابن عباس قال: ((يوم يكشف عن ساق)): هو يوم كرب
وشدة ... )) (١).
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بالتهديد الشديد للكافرين،
. ويبيان جانب من تصرفه الحكيم معهم، وبتسلية الرسول - { - عما
أصابه منهم، وبأمره بالصبر على أذاهم، وعلى أحقادهم التى تنبىء عنها
نظراتهم المسمومة إليه، فقال - تعالى -:
قَدَرْنِى وَمَنْ يُكَدِّبُ بِهْدًا ◌ْلَحَدِيثِّ
سَتَسْتَدْرِجُهُم مِّنَّ حَيْثُ لَا يَعْلُونَ (8) وَأَمْلِ لَهُمْ إِنَّ كَيْدِى
٤٠٤٠١١٠٠٢ /١ ٣
مَتِينٌ رَّ أَمْ تُسْثُلُهُمْ أَجْرًا فُهُم مِّنِ مَّغْرَمٍ مُّثْقُلُونَ (٣) أَمْ عِنْدَهُمْ
اُلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ رَ فَاصْبِرٌ ◌ِحُكْمٍ رَيْكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبٍ
آْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مُكْظُوْمٌ يٌ لَّوْلاً أَنْ تُدَارَ كَهُ نِعْمَةٌ مِن
"وَيِّ لَنْبِدٌ بِالْعُرَآءِ وَهُوَ مُذُمُومٌ ﴾ فَأُجْتُبَلَهُ وَيُ فُجَعَلُهُ.
مِنَ الصِِّنَّ (يٌ وَ إِنْ يُكَادُ الّذِينُ كُفُرُواْ لُوْلِّقُّونَكَ
بِأَبْصَرِ هِمْ لَمَّا سَمِعُوْ اَلِّّرَ وَ يَقُولُونَ إِنَّهُه ◌ُمَجُونٌ
٥١
وَمَا هُوَّ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَِّينَ
٥٢
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ٠٢٢٤