النص المفهرس
صفحات 1-20
التفسير الوسيط القرآن الكريم تفسیر مَوَّة الملاء سَوْمَرُ لفضيلة عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية جامعة الأزهر ( الجزء التاسع والعشرون) ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ ٢ رَيِّنَا تَقَبْلْ مِنَا إِنَّكَ أَنْثَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ* بسطرقدالرحمن الرحيمُ ١ - سورة ((الملك، من السور المكية الخالصة، ومن السور ذات الأسماء المتعددة، قال الآلوسى: وتسمى «تبارك، والمانعة، والمنجية، والمجادلة)) .. فقد أخرج الطبرانى عن ابن مسعود قال : كنا نسميها على عهد رسول اللّه ◌َاتٍ. (( المانعة». وأخرج الترمذى وغيره عن ابن عباس قال: ضرب بعض أصحاب النبى صَّة - خباءه على قبر، وهو لا يحسب أنه قبر، فإذا قبر إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها. ((أتى النبي - صَلِ فأخبره فقال ◌َّ -: هى المانعة ، هى المنجية ، تنحيه من عذاب القبر. وفى رواية عن ابن عباس أنه قال لرجل: ألا أنحفك بحديث تفرح به؟ قال: بلى . قال: أقرأ سورة: تبارك الذى بيده الملك، وعلمها أهلك، وجميع ولدك ... فإنها المنجية والمجادلة يوم القامة عند ربها لقارئها .... وقد جاء فى فضلها أخبار كثيرة، منها - سوى ما تقدم - ما أخرجه أبو داود والترمذى والنسائى، .. عن أبى هريرة أن رسول اللّه صَل ـ قال : إن سورة من كتاب الله، ما هى إلا ثلاثون آية ، شفعت لرجل حتى غفر له. «تبارك الذى بيده الملك ... )) (١). (١) راجع تفسير الآلومى = ٢٩ ص ٢ وتفسير ابن كثير + ٢ م. ٤ الجزء التاسع والعشرون وكان نزولها بعد سورة ((المؤمنون)) وقبل سورة ((الحاقة)). وعدد آياتها إحدى وثلاثون آية فى المصحف المكى ... وثلاثون آية فى غيره. ٢ - والسورة الكريمة زاخرة بالحديث عن أدلة وحدانية الله - تعالى-} وقدرته - وعن مظاهر فضله ورحمته بعباده ، وعن بديع خلقه فى هذا الكون ، وعن أحوال الكافرين، وأحوال المؤمنين يوم القيامة، وعن وجوب التأمل والتدبر فى ملكوت السموات والأرض ... ، وعن الحجج الباهرة التى لقنها - سبحانه - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - لكى يقذف بها فى وجوه المبطلين، والتى تبدأ فى بضع آيات بقوله - تعالى-(قل))، ومن ذلك قوله - سبحانه -: ((قل هو الرحمن آمنا به، وعليه توكلنا ، فستعلمون من هو فى ضلال مبين . قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين ). وقد افتتح - سبحانه - السورة الكريمة بقوله - تعالى -: بِسْـ 1 ٦ تُبَرَكَ الَّذِىِ بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ رَيْمَ الَّذِى خَلَقّ: اَلْمَوْتَ وَالْحَيَةَ لِيَبْلُوَ كُمْأَبُّكُمْأَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُيِ الَّذِى خَقَ سَبْعَوَّتٍ ◌ِبَقًا مَّاتَرَى فِى خَلْقِ الََّمِنِ مِنْ تَفُتْ فَارْ جِع الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣ ثمَ أَرْجِعِ اَلْبَصَرَ كَرَّتَيٍْ يُنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِنًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ ۵ سورة الملك ولفظ ((تبارك، فعل ماض لا يتصرف. وهو مأخوذ من البركة، بمعنى الكثرة من كل خير . وأصلها النماء والزيادة . أى : كثر خيره وإحسانه ، وتزايدت بركاته . أو مأخوذ من البركة بمعنى الثبوت. يقال : برك البعير ، إذا أناخ فى موضعه فلزمه وثبت فيه . وكل شىء ثبت ودام فقد برك . أى: ثبت ودام خيره على خلقه . والملك - بضم الميم وسكون اللام -: السلطان والقدرة ونفاذ الأمر. أى: جل شأن الله - تعالى -، وكثر خيره وإحسانه، وثبت فضله علی جمیع خلقه، فهو - سبحانه - الذى بيده وقدر ته المکن والتصرف فى كل شىء، على حسب ما يريد ويرضى، وهو عز وجل - الذى لا يعجزه أمر فى الأرض أو فى السماء . واختار - سبحانه - الفعل «تبارك، للدلالة على المبالغة فى وفرة العظمة والعطاء، فإن هذه الصيغة ترد للكتابة عن قوة الفعل وشدته ... كما فى قولهم : تواصل الخير ، إذا تتابع بكثرة مع دو أمه .. والتعريف فى لفظ ((الملك، الجنس. وتقديم المسند وهو ((بيده)) على المسند إليه ، لإفادة الاختصاص. أى : بيده وحده لا بيد أحد سواه جميع أنواع السلطان والقدرة، والأمر والنهى .. قال الإمام الرازى : وهذه الكلمة تستعمل لتأكيد كونه - تعالى - ملكا ومالكا، كما تقول: بيد فلان الأمر والنهى، والحل والعقد. وذكر اليد إنما هو تصوير الإحاطة ولتمام قدرته، لأنها محلها مع التفزه عن ٦ الجزء التاسع والشرون الجارحة ... )) (١). وجملة ((وهو على كل شىء قدير)) معطوفة على قوله ((بيده الملك» الذى هو صلة الموصول، وذلك لإفادة التعميم بعد التخصيص، لأن الجملة الأولى وهى (( الذى بيده الملك، أفادت عموم تصرفه فى سائر الموجودات، وهذه أفادت عموم تصرفه - سبحانه - فى سائر الموجودات والمعدومات، إذ بيده - سبحانه - إعدام الموجود، وإيجاد المعدوم. ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ، ما يدل على شمول قدرته ، وسهموحكمته، فقال: ((الذى خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا .. )) والموت : صفة وجودية تضاد الحياة . والمراد بخلقه: إيجاده. أو هو عدم الحياة عما هى من شأنه. والمراد بخلقه على هذا المعنى: تقديره أز لا. واللام فى قوله: ((ليبلوكم ... ، متعلقة بقوله: ((خلق)). وقوله : ((يبلوكم، بمعنى يختبركم ويمتحنكم ... وقوله ((أيكم)) مبتدأ، و((أحسن، خبره، و((عملا، تمييز، والجملة فى محل نصب مفعول ثان لقوله (( يبلوكم». والمعنى: ومن مظاهر قدرته - سبحانه - التى لا يعجزها شىء ، أنه خلق الموت لمن يشاء إماقته ، وخلق الحياة لمن يشاء إحياءه ، ليعاملكم معاملة من يختبر كم ويمتحنكم، أيكم أحسن عملا فى الحياة ، لكى يجازيكم بما تستحقوفه من ثواب ... (١) تفسير الفخر الرازى ج ٨ ص ٠١٦٩ سورة الملك أو المعنى: خلق الموت والحياة، ليختبركم أبكم أكثر استعدادا الموت، وأسرع إلى طاعة ربه - عز وجل -. قال القرطبى ما ملخصه : قوله : - الذى خلق الموت والحياة ... قيل : الذى خلقكم الموت والحياة، يعنى: الموت فى الدنيا والحياة ـفى الآخرة. وقدم الموت على الحياة، لأن الموت إلى القهر أقرب ... وقيل: لأنه أقدم، لأن الأشياء فى الابتداء ، كانت فى حكم الموت ... وقيل: لأن أقوى الناس داعيا إلى العمل، من نصب موته بين عينيه، فقدم لأنه . فيما يرجع على الغرض الذى سيقت له الآية أهم. قال قتادة: كان رسول الله - ملح - يقول: ((إن الله - تعالى- أذل ابن "آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة، ثم دار موت"، وجمل الآخرة . دار جزاء ثم دار بقاء . وعن أبى الدرداء أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال: أولا ثلاث . ما طأطأً ابن آدم رأسه: الفقر والمرض والموت، وإنه مع ذلك لوثاب)). وقال العلماء: الموت ليس بعدم محمض ، ولا فناء صرف ، وإنما . هو انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته، وحيلولة بينهما، وقبدل حال، . وانتقال من دار إلى دار، والحياة عكس ذلك .... » (١). وأُوثر بالذكر من المخلوقات الموتُ والحياة، لأنهما أعظم العوارض . (١) راجع تفسير القرطبى = ١٨ ص ٠٢٠٦ ٨ الجزء التاسع العشرون الجنس الحيوان، الذى هو أعجب موجود على ظهر الأرض، والذى الإنسان. نوع منه، وهو المقصود بالمخاطبة: إذ هو الذى رضى بحمل الأمانة التى .. عجزت عن حملها السموات والأرض ... والتعريف فى الموت والحياة للجنس. و((أحسن، أفعل تفضيل». لأن الأعمال التى يقوم به الناس فى هذه الحياة متفاوتة فى الحسن من. الأدنى إلى الأعلى . وجملة («وهو العزيز الغفور، تذييل قصد به أن جميع الأعمال تحت .. قدر ته و تصرفه . أى: وهو - سبحانه - الغالب الذى لا يعجزه شىء، الواسع. المغفرة لمن شاء أن يغفر له ويرحمه من عباده، كما قال - تعالى -: » وإنى لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى)). ثم بين - سبحانه - مظهرا آخر من مظاهر قدرته التى لا يعجزها شىء. فقال: (( الذى خلق سبع سماوات طباقا ... )). والجملة الكريمة صفة العزيز الغفور، أو عطف بيان أو بدل ، أو خبر لميته أمحذوف . وطباقا صفة لسبع سموات . وهى مصدر طابق مطابقة وطباقا ، من. قولك : طابق فلان النعل، إذا جعله طبقة فوق أخرى، وهو جمع طبَّق،. كجبل وجبال ، أو جمع طبقة كرَ حبة ورحاب ... أى: هو - سبحانه - لا غيره الذى أوجد وخلق على غير مثال. ٩ سورة الملك سابق، سبع سماوات متطابقة، أى : بعضها فوق بعض ، بطريقة متقنة محكمة ... لا يقدر على خلقها بتلك الطريقة إلا هو، ولا يعلم كنه تكوينها: وهيئاتها ... أحد سواه - عز وجل - . وقوله - سبحانه -: ((ما ترى فى خلق الرحمن من تفاوت ، مؤكد. لما قبله . والتفاوت مأخوذ من الفوت، وأصله الفرجة بين الإصبعين . تقول: تفاوت الشيئان تفاوتا، إذا حدت تباعد بينهما، والجملة صفة ثانية. لسبع سماوات، أو مستأنفة لتقرير وتأكيد ما قبلها ... والخطاب لكل من يصلح له . أى: هو - سبحانه - الذى خلق سبع سماوات بعضها فوق بعض، مع تناسقها، وإتقان تكوينها، وإحكام صنعها ... بحيث لا ترى - أيها العاقل . فى خلق السموات السبع شيئا من الاختلاف، أو الاضطراب ، أو عدم التناسب ... بل كلها محكمة ، جارية على مقتضى نهاية النظام والإبداع . وقال - سبحانه -: ((ما ترى فى خلق الرحمن .. )) ولم يقل: ما ترى فى خلق السموات السبع من تفاوت ، للإشعار بأن هذا الخلق البديع، هو مما اقتضة رحمته - تعالى - بعباده، لكى تجرى أمورهم على حالة تلاثم. نظام معيشتهم ... وللتنبيه - أيضا - على أن جميع مخلوقاته تسير على هذا النمط البديع فى صفتها وإيجادها، كما قال - تعالى -: ((صنع اللّه الذى أتقن كل شىء)) (١)، وكما قال - سبحانه -: ((الذى أحسن كل شىء خلقه ... ». (١) سورة النمل الآية ٨٨. (٢) سورة السجدة الآية ٧ . ١٠ الجزء التاسع الشرون قال صاحب الكشاف: قوله: ((ما ترى فى خلق الرحمن من تفاوت)) أى: من اختلاف واضطراب فى الخلقة ولا تناقض، إنما هى مستوية مستقيمة . وحقيقة التفاوت: عدم التناسب ، كأن بعض الشىء يفوت بعضا ولا يلائمه، ومنه قولهم: خلق متفاوت . وفى نقيضه متناصف . فإن قلت : ما موقع هذه الجملة ما قبلها ؟ قلت : هى صفة مشايعة لقوله ((طباقا)). وأصلها: ما ترى فيهن من تفاوت، فوضع مكان الضمير قوله : (( خلْق الرحمن)) تعظيم الخلقين، وتنبيها على سبب سلامتهن من التفاوت وهو أنه خلق الرحمن، وأنه يباهر قدرته هو الذى يخلق مثل ذلك الخلق المتناسب٠٠٠) (١). ثم ساق - سبحانه - بأسلوب فيه ما فيه من التحدى ، ما يدل على أن خلقه خال من التفاوت والخلل فقال: «فارجع البصر هل ترى من فطور. ثم ارجع البصر كرتين ، ينقلب إليك البصر خاستا وهو حسير)). و((الفطور) جمع فطر، وهو الشق والصدع. يقال: فطر فلان الشىء فانفطر، إذا شقه ، وبابه نصر . وقوله: (( كرتين)) مثنى كرَّة، وهى المرة من الكّر، وهو الرجوع إلى الشىء مرة أخرى. يقال: كر المقاتل على عدوه، إذا عاد إلى مهاجمته بعد أن تركه ... والمراد بالكرتين هنا: معاودة النظر وتكريره كثيرا، بدون الاقتصار ٠٠ (١) تغير الكشاف = ٤ ص ٠٥٧٦ ١١ سورة الملك على المرتين، فالتثنية هنا: كناية عن مطلق التكرير، كما فى قولهم : لبيك وسعديك : وقوله: « خاستا ، أى: صاغراخائبا لأنه لم يجد ما كان يطلبه ويتمناه. وقوله: ((حسير» بمعنى كليل ومتعب، من حسر بصرُ فلان يحسر حسورا، إذا كل وتعب من طول النظر والتأمل والفحص ، وفعله من باب قعد . والمعنى: ما ترى - أيها الناظر - فى خلق الرحمن من تفاوت أو خلل .. فإن كنت لا تصدق ما أخبرناك به، أو فى أدنى شك من ذلك، فكرر النظر فيما خلقنا حتى يتضح لك الأمر ، ولا يبقى عندك أدنى شك أو شبهه ... والاستفهام فى قوله: «هل ترى من فطور، للتقرير. أى: إنك مها نظرت فى خلق الرحمن، وشددت فى التفحص والتأمل ... فلن ترى فيه من شقوق أو خلل أو تفاوت ... وقوله: (( ثم أرجع البصر كرتين ، تعجيز إثر تعجيز، وتحد فى أعقاب تحد ... أى : ثم لا تكتف بإعادة النظر مرة واحدة، فربما يكون قدفاتك شىء فى النظرة الأولى والثانية ... بل أعد النظر مرات ومرات .. فتكون النقيجة التى لا مفر لك منها ، أن بصرك - بعد طول النظر والتأمل - ينقلب إليك خائبا وهو كليل متعب ... لأنه - بعد هذا النظر الكثير. لم يجد فى خلقنا شيئا من الخلل أو الوهن أو التفاوت . - قال صاحب الكشاف ما ملخصه: قوله: «ينقلب إليك البصر، أى: إن رجعت البصر، وكررت النظر، لم يرجع إليك بصرك بما التمسته من ١٢ الجزء التاسع الشرون من رؤية الخلل، وإدراك العيب، بل يرجع إليه بالخسوء والحسور ... أى: بالبعد عن إصابة الملتمس. فإن قلت : كيف ينقلب البصر خاستا حسيرا برجعه كرتين اثنتين ؟ قلت: معنى التثنية هنا التكرير بكثرة كقولك لبيك وسعديك ... فإن قلت : فما معنى ثم ارجع البصر ؟ قلت : أمره برجع البصر ، ثم أمره بأن لا يقتنع بالرجعة الأولى ، وبالنظرة الحمقاء، وأن يتوقف بعدها ، ويجِم بصره ثم يعاود ويعاود، إلى أن يحسر بصرُه من طول المعاودة، فإنه. لا يعثر على شىء من فطور)، (١). هذا، والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة ، يراها قد ساقت ما يدل على وحدانية الله - تعالى - وقدرته بأبلغ أسلوب، ودعت الغافلين الذين فسقوا عن أمر ربهم ، إلى التدبر فى هذا الكون الذى أو جده - سبحانه - فى أبدع دورة وأتقنها، فإن هذا التدبر من شأنه أن يهدى إلى الحق، ويرشد إلى الصواب ... ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك أدلة أخرى على وحدانيته وقدرته ، وبين ما أعده للكافرين من عذاب، بسبب إصرارهم على كفرهم، .. فقال - تعالى - : (١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٠٥٧٦ ١٣ سورة الملك وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَآءُ ◌ِلَنْيَ بِمَصَدِيحَ وَعَلْنَهَا رُجُومًا لِلََّطِنِّ وَأَعْتَدْنَالَهُمْ عَذَابَه السَّعِيرِ يُ وَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَيْهِمْ عَذَابُ جَمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُيّ إِذَا أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَمَا شَهِقًا وَهِىَ تَفُورُ (َّ تَكَادُ تَمَُّ مِنّ الْغَظِ كُمَا أُلَِّ فِيهَا فَوْجٌ سَهُمْ ◌َتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ يٌ قَالُواْ يُكَ قَدْجَاءَ نَ نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَ وَقُلْنَا مَانَزَّلَ اللهُ مِن شَىءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِى ضَلَالٍ كَبِيرٍ ﴿ وَقَالُوا لَوْكُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَاكُنَّا فِى أَعْخَبِ السَّعِيرِ ي فَاعْتَرَ فُواْ بِذَّتِيِهِمْ فَسُحْقًّا لِّأَعْحَبِ السَّعِيرِ (٣) قال الإمام الرازى: اعلم أن هذا هو الدليل الثانى على كونه - تعالى - قادرا عالما ، وذلك لأن هذه الكواكب نظرا إلى أنها محدثة ومختصة بمقدار معين، وموضع خاص، وسير معين ، تدل على أن صانعها قادر . ونظرا إلى كونها محكمة متقنة موافقة لمصالح العباد ، ومن كونها زينة لأهل الدنيا ، وسببا لا نتفاعهم بها، تدل على أن صانعها عالم . ونظير هذه الآية قوله - تعالى - فى سورة الصافات : إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب. وحفظا من كل شيطان مارد)، (١). (١) تفسير الفخر الرازى ج ٨ ص ٠١٧٣ ١٤ الجزء التاسع العشرون وقوله: ((زينا)) من التزيين بمعنى التحسين والتجميل. و((الدنيا)» صيغة تفضيل من الدنو بمعنى القرب. والمصابيح جمع مصباح وهو السراج المضىء. والمراد بها النجوم. وسميت بالمصابيح على التشبيه بها فى حسن المنظر، وفى الإضاءة ليلا .. والرجوم جمع رّجنم، وهو فى الأصل مصدر رَحجمه رَجْماً - منه باب نصر - إذا رماه بالرُّجام أى: بالحجارة، فهو اسم لما يُرحجم به، أى: ما يَرمي به الرامى غيره من حجر ونحوه، تسمية للمفعول بالمصدر ، مثل. الخَلق بمعنى المخلوق . وصدرت الآية الكريمة بالقسم، لإبراز كمال العناية بمضمونها. والمعنى: وبالله لقد زينا وجملنا السماء القريبة منكم بكوا كب مضيئة. كإضاءة السرج، وجعلنا - بقدرتنا - من هذه الكواكب ، ما يرجم الشياطين ويحرقها ، إذا ما حاولوا أن يستر قوا السمع، كما قال - تعالى - : وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهيا. وأنا كنا نقعد منها. مقاعد للسمع، فمن يستمع الآن يجدله شها با رصدا)، (١). قال الإمام ابن كثير: قوله: ((وجعلناها رجوما للشياطين، عاد الضمير فى قوله ((وجعلناها، على جنر المصابيح لا على عينها، لأنه لا يرمى بالكواكب التى فى السماء، بل بشهب من دونها، وقد تكون مستمدة. منها - والله أعلم - . (١) سورة الجن الآيتان ٠٩،٨ - ١٥ سورة الملك قال قتادة: إنما خلقت هذه النجوم لثلاث خصال: خلقها زينة السماء». ورجوما للشياطين ، وعلامات يهتدى بها، فمن قأول فيها غير ذلك فقد قال برأيه، وأخطأ حظه، وأضاع نصيبه، وتكلف مالا علم له به، (١). فالضمير فى قوله: ((وجعلناها)، يعود إلى المصابيح، ومنهم من أعاده إلى السماء الدنيا ، على تقدير : وجعلنا منها رجوما للشياطين الذين يسترقون السمع . وقوله - تعالى -: ((وأعتدنا لهم عذاب السعير» بيان لسوء مصيرهم فى الآخرة، بعد بيان سوء مصيرهم فى الدنيا عن طريق إحراقهم بالشهب. أى: وهيأنا لهؤلاء الشياطين فى الآخرة - بعد إحراقهم فى الدنيا. بالشهب - عذاب النار المشتعلة المستعرة . فالسعير - بزنة فعيل - أمم لأشد النار اشتعالا. يقال: سعر فلان النار - كمنع - إذا أوقدها بشدة . وكان السعير عذابا للشياطين - مع أنهم مخلوقون من النار - ، لأن نارجهنم أشد من النار التى خلقوأمنها ، فإذا ألقوا فيها صارت عذابا لهم، إذ السعير أشد أنواع النار التهابا واشتعالا وإحراقا ... وقوله: ((وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير، معطوف على ما قبله . أى: هيأنا للشياطين عذاب السعير، وهيأنا - أيضا - للذين كفروا بربهم من الإنس عذاب جهنم، وبئس المصير عذاب جهنم . ثم بين - سبحانه - أحوالهم الأليمة حينما بلقون جميعا فى النار فقال: (( إذا ألقوا فيها معوالها شهيقا وهى تفور ... ) (١) تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ٢٠٤. ١٦ الجزء التاسع والعشرون والظرف ((إذا)، متعلق بقوله ((سمعوا)). والشهيق: تردد النفس فى :الصدر بصعوبة وعناء ... أى: أن هؤلاء الكافرين بربهم، عندما يلقون فى النار ، يسمعون لها صوت فظيعا منكرا، ((وهى تفور)، أى: وحالها أنها تغلى بهم غليان المرجل بما فيه، إذ الفور: شدة الغليان، ويقال ذلك فى النار إذا هاجت، وفى القدر إذا غلت ... ((تكاد تميز من الغيظ، أى: تكاد النار تتقطع وينفصل بعضها عن بعض ، أشدة غضبها عليهم، والتهامها لهم . وتميز أصله تتميز فحذفت إحدى التامين تخفيفا . والغيظ أشد الغضب . والجملة فى محل نصب على الحال، أو فى محل رفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف . أى : هى تكاد تتقطع من شدة غضبها عليهم ... وقوله: (( كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها .. ، كلام مستأنف لبيان حال أهلها . الفوج: الجماعة من الناس . ولفظ « كلما، مركب من كل الدال على الشمول، ومن ما المصدرية الظرفية . أى: فى كل وقت وآن، يلقى بجماعة من الكافرين فى النار ، يسألهم خزنتها من الملائكة ، سؤال تبكيت وتقريع، بقولهم : . ((ألم يأتكم نذير، أى: ألم يأتكم يا معشر الكافرين نذير فى الدنيا، ١٧ سورة الملك ينذركم ويخوفكم من أهوال هذا اليوم، ويدعو كم إلى إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده . ثم حكى - سبحانه - مارد به الكافرون على خزنة جهنم فقال : -« قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شىء ... ، أى: قال الكافرون - على سبيل التحسر والتفجع - فى ردهم على خزنة جهنم: بلى لقد جاءنا المنذر الذى أنذرنا وحذرنا من سوء عاقبة الكفر ... ولكننا كذبناه، وأعرضنا عن دعوته ، بل وتجاوزنا ذلك بأن قلنا له على سبيل المناد والجحود والغرور : ما نزل الله على أحد من شىء من الأشياء التى تتلوها علينا، وتأمرنا بها، أو تنهانا عن مخالفتها. وقوله: ((إن أنتم إلا فى ضلال كبير، يحتمل أنه من كلام الكافرين أرسلهم الذين أنذروهم وحذروهم من الإصرار على الكفر . أى : جاءنا الرسل الذين أنذرونا .. فكذبناهم، وقلنالهم: ما نزل الله . من شىء من الأشياء على ألسنتكم ... وقلنالهم - أيضا - ما أنتم إلا فى خلال كبير ، أى : فى ذهاب واضح عن الحق ، وبعد شديد عن الصواب. ويحتمل أن يكون من كلام الملائكة : أى : قال لهم الملائكة على · سبيل التجهيل والتوبيخ: ما أنتم - أيها الكافرون - إلا فى ضلال كبير، بسبب تكذيبكم لرسلكم ، وإعراضكم عمن حذركم وأنذركم . قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ((إن أنتم إلا فى ضلال كبير) - من المخاطبون به ؟ قلت: هو من جملة قول الكفار وخطابهم للمنذرين، على أن النذير بمعنى (م٢ - سورة الملك) ١٨ الجزء التاسع والعشرون الإنذار . والمعنى: ألم يأتكم أهل نذير. أو وصف منذروهم لغلوهم فى الإنذار، كأنهم ليسوا إلا إنذارا ... ويجوز أن يكون من كلام الخزنة للكفار على إرادة القول : أرادوا حكاية ما كانوا عليه من ضلالهم فى الدنيا ، أو أرادوا بالضلال :. الهلاك ... »(١). وجمع - سبحانه - الضمير فى قوله ((إن أنتم ... )، مع أن الملائكة قد سألوهم ((ألم يأتكم قدير)) بالإفراد، للإشعار بأن هؤلاء الكافرين لم يكتفوا بتكذيب النذير الذى أنذرهم ، بل كذبوه هو وأتباعه الذين آمنوا به . فكان كل فوج منهم كان يقول الرسول الذى جاء هدايته، أنت. و أتباعك فى ضلال کبیر . ثم بين - سبحانه - جانبا آخر من حسراتهم فى هذا اليوم فقال: ((وقالوا لوكنا نسمع أو نعقل، ماكنا فى أصحاب السعير ... )) أی : وقال الكافرون برہم - على سبيل الحسرة والندامة - لو کنا. فى الدنيا نسمع ما يقال لنا على لسان رسولنا، سماع طاعة وتفكر واستجابة، أو نعقل ما يوجه إلينا من هدايات وإرشادات ... .. لوكنا كذلك، ما صرنا فى هذا اليوم من جملة أصحاب النار المسعرة،. الذين هم خالدون فيها أبدا . - (١) تفسير الكشاف = ٤ ص ٠٥٧٨ ١٩ سورة الملك وقدم - سبحانه - السماع على التعقل ، مراعاة للترتيب الطبيعى، لأن السماع يكون أولا ، ثم يعقبه التعقل والتدبر لما يسمع. والفاء الأولى فى قوله - تعالى -: ((فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير، للإفصاح ، والثانية للسيبية . والسحق : البعد ، يقال : سحق - ككرم وعلم - سحقا، أى: بعد بعداً، وفلان أسحقه اللّه، أى: أبعده عن رحمته . وهو مصدر ناب عن فعله فى الدعاء ، ونصبه على أنه مفعول به لفعل مقدر ، أى : ألزمهم الله سحقا، أو منصوب على المصدرية، أى : فسحقهم الله سحقا . أى: إذا كان الأمر كما أخبروا عن أنفسهم ، فقد أفروا واعترفوا بذنوبهم ، وأن الله - تعالى - ما ظلمهم، وأن قدمهم لن ينفعهم فى هذا . اليوم ... بل هم جديرون بالدعاء عليهم بالطرد من رحمة الله - تعالى-، وبخلودهم فى نار السعير . واللام فى قولة «لأصحاب، للتبيين، كما فى قولهم : سقيالك فالآية الكريمة توضح أن ما أصابهم من عذاب كان بسبب إقرارهم بكفرهم ، وإصرارهم عليه حتى المات، وفى الحديث الشريف: لن يدخل أحد النار، إلا وهو يعلم أن النار أولى به من الجنة». وفى حديث آخر: ((لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم)) (١). (١) تفسير ابن كثير ج ٨ ص ٠٥ ٢٠ الجزء التاسع والعشرون وكمادة القرآن الكريم فى قرنه الترغيب بالترهيب أو العكس ، أخذت السورة فى بيان حسن عاقبة المؤمنين، بعد بيان سوء عاقبة الكافرين ، وفى لفت أنظار الناس إلى نعم الله - تعالى - عليهم ، لكى يشكروه ويخلصوا له العبادة ... قال - تعالى - : إِنَّ : . الَّذِينَ يَخْتَوْنَ رَبَهُمْ بِالْغَيْبِ لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَبْرٌ كَبِيرٌ (﴾ وَأَسِرُوا قَوْلَكُمْ أَوِ أَجْهَرُواْ بَِّ إِنَُّ عَلِم ◌ِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ الَّطِفُ الْخَبِيرُ ( هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُ الْأَرْضَ ◌َدُلِّولًا فَامْشُواْ فِى مَنَاكِهَا وَكُلُواْ مِنْ رِّزْقِهِ ، وَ إِلَيْهِ النُّشُورُ ج ◌َمِثُ مَّن فِ السَّمَاءِ أَنْ يَخْشِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا فِى تُجُورُ ◌َمْ أَمِثُ مَّن فِ السَّمَآءِأَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَصِبًا فَسَتَعْلُونَ كَيْفَ ◌ُذِيِ هِ وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبِهِمْ فَكَيْفَ كَنّ ◌َكِيرِ هِ﴾ وقوله: ((يخشون)، من الخشية . وهى أشد الخوف وأعظمه. والغيب: مصدر غاب يغيب ، وكثيرا ما يستعمل بمعنى الغائب. وهو مالا تدركه الحواس، ولا يعلم بداهة العقل . أى : إن الذين يخشون ربهم فيخافون عذابه ، ويعبدونه كأنهم يرونه، مع أنهم لا يرونه بأعينهم .. هؤلاء الذين تلك صفاتهم، لهم من